الضباب الدماغي لـ«كوفيد الطويل الأمد» يحير العلماء

أسوأ أعراض المرض لا يزال أكثرها غموضاً

الضباب الدماغي لـ«كوفيد الطويل الأمد» يحير العلماء
TT

الضباب الدماغي لـ«كوفيد الطويل الأمد» يحير العلماء

الضباب الدماغي لـ«كوفيد الطويل الأمد» يحير العلماء

«الضباب الدماغي» لا يشبه الصداع الكحولي أو الاكتئاب. إنه اضطراب في الوظيفة التنفيذية يجعل المهام الإدراكية الأساسية صعبة بصورة مزعجة.

ضباب مدمر
في 25 مارس (آذار) 2020، كانت هانا دافيس تراسل صديقتين عندما أدركت أنها لا تستطيع فهم إحدى رسائلهما. بعد الإدراك المتأخر، كانت هذه أول علامة على إصابتها بكوفيد - 19. كما كانت أيضاً تجربتها الأولى مع الظاهرة المعروفة باسم «الضباب الدماغي» «brain fog»، واللحظة التي انكمشت فيها حياتها القديمة بفعل الظاهرة الحالية. لقد كانت تعمل ذات يوم في مجال الذكاء الصناعي، وتحلل الأنظمة المعقدة من دون أي تردد، ولكنها الآن «تجد نفسها تصطدم بجدار عقلي» عندما تواجه مهام بسيطة مثل ملء النماذج. وذاكرتها، التي كانت حية ومتقدة ذات مرة، تشعر بأنها مهترئة وعابرة. أما الأمور المعتادة سابقا -من شراء الطعام، وصنع الوجبات، والتنظيف- فيمكن أن تكون صعبة على نحو مؤلم. وعالمها الداخلي -ما تدعوه «إضافات التفكير، كالاسترسال في أحلام اليقظة، ووضع الخطط، والتخيل»- قد ولى زمانها. وقالت لي: «الضباب شامل للغاية، ويؤثر في كل ناحية من حياتي». لأكثر من 900 يوم، مع أن أعراضا طويلة أخرى من كورونا قد تضاءلت وتلاشت، فإن ضبابها الدماغي لم يغادرها أبدا.
أخبرتني إيما لادز، اختصاصية الرعاية الأولية في جامعة أكسفورد قائلة: «من بين الأعراض الكثيرة المحتملة لفيروس كورونا، يعتبر الضباب الدماغي إلى حد بعيد أحد أكثر الأعراض المسببة للإعاقة والتدمير». كما أنه من بين أكثر الأعراض التي يساء فهمها. إذ أنها لم تكن حتى مدرجة في قائمة الأعراض المحتملة للفيروس مع بداية الوباء للمرة الأولى. لكن 20 إلى 30 في المائة من المرضى يبلغون عن وجود حالات من الضباب الدماغي بعد ثلاثة أشهر من إصابتهم بالعدوى، وكذلك 65 إلى 85 في المائة من الناقلين للعدوى المصابين لفترة طويلة. ويمكن أن يصيب الناس الذين لم يصابوا بدرجة كافية تستدعي الاستعانة بجهاز التنفس الصناعي -أو تلقي أي عناية في المستشفى. ويمكن أن يؤثر على الشباب في ريعان حياتهم العقلية.
يقول المصابون لفترة طويلة ممن يعانون من الضباب الدماغي إنه لا يشبه أيا من الأمور التي يقارنها الناس باستهزاء -بما في ذلك العديد من العاملين في المجال الطبي. إنه أعمق من التفكير الغائم الذي يصاحب الصداع الكحولي، أو الإجهاد، أو التعب.
بالنسبة للسيدة دافيس، كان الأمر مختلفا وأسوأ من تجربتها مع اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه. وهو ليس مرضا نفسيا - جسديا psychosomatic، بل إنه يتضمن تغييرات حقيقية في بنية وكيميائية الدماغ. وهو ليس اضطرابا مزاجياً: كما قالت لي جوانا هيلموت، طبيبة الأعصاب بجامعة كاليفورنيا فرع سان فرانسيسكو: «إذا قال أي شخص إن هذا يرجع إلى الاكتئاب والقلق، فإنهم لا يمتلكون أي أساس لذلك، والبيانات تشير إلى أنه قد يكون من أساس آخر».

اضطراب الوظيفة التنفيذية
رغم اسمه الغامض، فإن الضباب الدماغي ليس مصطلحا شاملا لكل مشكلة عقلية ممكنة. تقول هيلموت إنه في جوهره دائما يعد اضطراب «الوظيفة التنفيذية» -أي مجموعة القدرات العقلية التي تشمل تركيز الانتباه، وحفظ المعلومات، والحيلولة دون الإلهاء. وهذه المهارات أساسية للغاية لدرجة أنه مع انهيارها، ينهار الكثير من البنيان الإدراكي للفرد. فأي شيء يتضمن التركيز، وتعدد المهام، والتخطيط -أي كل شيء مهم تقريبا- يصير شاقا على نحو غير معقول. «إنها ترفع العمليات اللاواعية لدى الأصحاء إلى مستوى صنع القرار الواعي»، كما قالت لي فيونا روبرتسون، الكاتبة من أبردين في أسكوتلندا.
تعاني الذاكرة أيضاً، وإنما بطريقة مختلفة عن الحالات التنكسية مثل الزهايمر. الذكريات موجودة هناك، ولكن مع سوء أداء الوظيفة التنفيذية، لا يختار الدماغ الأشياء المهمة لتخزين أو استرجاع تلك المعلومات بكفاءة.
معظم الناس الذين لديهم ضباب دماغي غير متأثرين بشدة، ويتحسنون تدريجياً مع الوقت. لكن حتى مع تعافي الناس بالقدر الكافي للعمل، فإنهم يأخذون في التعايش مع عقول أقل ذكاء من ذي قبل. قال فاسكيز: «كنا قد اعتدنا قيادة سيارة رياضية، والآن صرنا لا نتعامل إلا مع سيارة عتيقة الطراز». في بعض المهن، السيارة العتيقة لن تعين أحدا. وقالت لي مونيكا فيردوزكو - غوتيريز، اختصاصية إعادة التأهيل لدى (يو تي هيلث سان أنتونيو): «لدي جراحون لا يمكنهم العودة إلى الجراحة لأنهم يحتاجون إلى وظيفتهم التنفيذية».
توقعت روبرتسون أن يتسبب الوباء بموجة من الضعف الإدراكي في مارس (آذار) 2020 بدأ ضبابها الدماغي قبل عقدين من الزمن، على الأرجح بسبب مرض فيروسي مختلف، لكنها عانت من نفس الإعاقة الوظيفية التي عاناها المصابون لفترات طويلة، والتي تفاقمت عندما أصيبت بكوفيد العام الماضي.
هذه المجموعة من المشاكل تحديدا تصيب أيضاً الكثير من الناس الذين يعانون من فيروس نقص المناعة البشرية، والصرع بعد النوبات، ومرضى السرطان الذين يعانون مما يسمى بالدماغ الكيميائي، وكذلك الأشخاص الذين لديهم عدة أمراض مزمنة معقدة مثل الألم العضلي الليفي المتفشي أو «فيبرومالغيا». إنه جزء من المعايير التشخيصية لمتلازمة التعب المزمن، وتسمى أيضاً التهاب الدماغ والنخاع المؤلم للعضلات، وهي الحالة التي تعاني منها السيدة دافيس، والعديد من الأشخاص المصابين لفترات طويلة. كان الضباب الدماغي موجودا قبل تفشي فيروس كورونا بكثير، مما أثر على العديد من الأشخاص الذين وصمت حالتهم أو صرفت أو أهملت. قالت لي روبرتسون: طوال تلك السنوات، تعامل الناس مع الأمر وكأنه غير مستحق للبحث. وقيل للكثيرين منا: إنها مجرد حالة اكتئاب بسيطة».

إعاقة إدراكية
زعم العديد من الأطباء الإكلينيكيين الذين تحدثت معهم أن مصطلح «الضباب الدماغي» يجعل الحالة تبدو وكأنها إزعاج مؤقت، ويحرم المرضى من الشرعية التي قد تمنحها اللغة الطبية مثل الإعاقة الإدراكية. لكن أبارنا ناير، مؤرخة الإعاقة بجامعة أوكلاهوما، أشارت إلى أن مجتمعات الإعاقة استخدمت هذا المصطلح لعقود، وهناك العديد من الأسباب الأخرى وراء استبعاد الضباب الدماغي خارج المصطلحات. (وفرة المقاطع اللفظية لم تمنع الإقلال من أهمية «فيبرومالغيا» ومتلازمة التعب المزمن).
على سبيل المثال، لاحظت هيلموت أنه في مجال علم الأعصاب الإدراكي «كل البنى التحتية والتعليم تقريبا» يتركز على الأمراض التنكسية مثل الزهايمر، حيث البروتينات المارقة تصيب الأدمغة المسنة. وقليلون هم الباحثون الذين يعرفون أن الفيروسات يمكنها التسبب في الاضطرابات الإدراكية لدى الأشخاص الأصغر سنا، ومن ثم قليلون هم الذين يدرسون تأثيراتها. وأضافت تقول: «نتيجة لذلك، لا يتعلم بشأنها أحد في كلية الطب. ولأنه لا يوجد الكثير من التواضع في الطب، ينتهي الأمر بالناس إلى لوم المرضى بدلا من البحث عن إجابات».
كما أن الأشخاص الذين يعانون من الضباب الدماغي بارعون في إخفائه، كما قال لي ديفيد بوترينو، المشرف على عيادة إعادة تأهيل المصابين بفيروس كورونا لفترة طويلة في مستشفى ماونت سيناي: «سوف ينفذون المطلوب منهم عند اختبارهم، وسوف تقول نتائجك أنهم كانوا طبيعيين. وسوف تتأكد من أنك قد تسببت في تحطيمهم لمدة أسبوع عندما تعاود التحقق من نفس النتائج بعد يومين».
قال بوترينو: «ليس لدينا أيضاً الأدوات المناسبة لقياس الضباب الدماغي». ويستعمل الأطباء غالبا «تقييم مونتريال الإدراكي» Montreal Cognitive Assessment، الذي صمم للكشف عن المشاكل العقلية الشديدة لدى كبار السن المصابين بالخرف، وهو إجراء غير صالح لأي شخص دون سن الخامسة والخمسين، كما قالت لي هيلموت. حتى الشخص الذي لديه ضباب دماغي شديد يمكنه أن يتجاوزه. وهناك اختبارات أكثر تعقيدا وتطورا، لكنها لا تزال تقارن الناس بمتوسط عدد السكان وليس بالخط الأساسي السابق لديهم. تقول هيلموت: «الشخص الذي يؤدي وظيفة عالية مع تراجع في قدراته، والذي يقع ضمن النطاق الطبيعي، يقال له بأنه ليست لديه مشكلة».
في وقت سابق من هذا العام، تناول فريق من الباحثين البريطانيين الطبيعة الخفية للضباب الدماغي في صور واضحة بالأبيض والأسود للتصوير بالرنين المغناطيسي. وحللت جونايل داود من جامعة أكسفورد، وزملاؤها، البيانات المستقاة من دراسة البنك الحيوي في المملكة المتحدة، والتي كانت تفحص أدمغة مئات المتطوعين بصفة منتظمة لسنوات قبل الوباء. عندما أصيب بعض هؤلاء المتطوعين بكوفيد، تمكن الفريق من مقارنة فحوصاتهم اللاحقة بتلك السابقة. ووجدوا أنه حتى حالات العدوى الخفيفة يمكنها تقليص الدماغ قليلا، وتقلل سمك المادة الرمادية الغنية بالعصبونات (الخلايا العصبية). وفي أسوأ حالاتها، كانت هذه التغيرات مماثلة لعشر سنوات من الشيخوخة. وكانت واضحة بصفة خاصةً في مناطق من الدماغ مثل التلفيف المجاور للحصين، الذي يعد مهما لترميز واسترجاع الذكريات، وكذلك القشرة الجبهية الحجاجية، المهمة في الوظيفة التنفيذية. كانت لا تزال واضحة لدى الناس الذين لم ينقلوا إلى المستشفى. وكانت تصاحبهم مشاكل إدراكية.
ورغم أن (سارس - كوف - 2)، الفيروس المسبب لكوفيد، يمكنه الدخول وإصابة الجهاز العصبي المركزي، إلا أنه لا يفعل ذلك بكفاءة، أو بثبات، أو بصفة متكررة، كما أخبرتني الدكتورة ميشيل مونجي، اختصاصية الأورام العصبية بجامعة ستانفورد. بدلا من ذلك، تعتقد أن الفيروس في معظم الحالات يؤذي الدماغ من دون إصابته مباشرة. وقد أظهرت رفقة زملائها مؤخراً أنه عندما تعاني الفئران نوبات خفيفة من فيروس كورونا، يمكن للمواد الكيميائية الالتهابية الانتقال من الرئتين إلى الدماغ، حيث تعطل «ميكروغليا: الخلايا الدبقية الصغيرة». في العادة، تعمل «ميكروغليا» كمثل البستاني، إذ تدعم الخلايا العصبية عن طريق تشذيب الوصلات غير الضرورية، وتنظيف الحطام غير المرغوب فيه. وعندما تشتد جهودها، تصبح شديدة المقاومة ومدمرة. وفي وجودها، ينتج الحصين - المنطقة المهمة للغاية بالذاكرة - عدداً أقل من العصبونات الجديدة، في حين أن الكثير من العصبونات الموجودة تفقد طبقاتها العازلة، لذلك تسير الإشارات الكهربائية الآن على طول هذه الخلايا ببطء أكثر. هذه هي نفس التغييرات التي تراها الدكتورة مونجي في مرضى السرطان الذين يعانون من «الضباب الكيميائي». وبرغم أنها وفريقها أجروا تجارب كوفيد - 19 على الفئران، إلا أنهم وجدوا مستويات عالية لنفس المواد الكيميائية الالتهابية لدى المصابين لفترات طويلة ممن يعانون من الضباب الدماغي.

تفسيرات الضباب
تظن الدكتورة مونجي أن الالتهاب العصبي هو «الطريقة الأكثر شيوعا» التي يؤدي بها كوفيد إلى الضباب الدماغي، لكن هناك على الأرجح العديد من مثل هذه الطرق. قد يتسبب فيروس كورونا بمشاكل في المناعة الذاتية حيث يهاجم الجهاز المناعي الجهاز العصبي بطريق الخطأ، أو يعيد تنشيط فيروسات ساكنة مثل فيروس إبشتاين - بار، الذي تم ربطه بحالات تشمل متلازمة التعب المزمن أو التهاب الدماغ والنخاع المؤلم للعضلات، والتصلب المتعدد. كما أنه من خلال إتلاف الأوعية الدموية وملئها بالجلطات الصغيرة، يخنق كوفيد إمدادات الدم في المخ، مما يحرم هذه الأعضاء الأكثر طلبا للأكسجين والطاقة. وقال لي بوترينو إن نقص الأكسجين ليس قويا بما يكفي لقتل الخلايا العصبية أو إدخال الناس إلى العناية المركزة، لكن «الدماغ لا يحصل على كامل احتياجاته لمواصلة العمل بكامل طاقته». (يتسبب النقص الحاد في الأكسجين، الذي يجبر بعض المصابين بكوفيد على تلقي رعاية حرجة، في مشاكل إدراكية مختلفة عن تلك التي يعاني منها معظم المصابين بكوفيد - 19).
ولكن أي من هذه التفسيرات ليس ثابتا على الدوام، لكنها يمكن أن تعكس معنى جماعياً لسمات الضباب الدماغي. قال بوترينو إن نقص الأكسجين من شأنه التأثير أولا على المهام الإدراكية المعقدة المعتمدة على الطاقة، وهو ما يفسر لماذا تعد الوظيفة التنفيذية واللغة «أول من يتأثر». وبدون الطبقات العازلة، تعمل العصبونات ببطء أكبر، وهو ما يفسر شعور العديد من المصابين لفترات طويلة بأن سرعة المعالجة قد تباطأت، كما تقول الدكتورة مونجي: «إنك تفقد الشيء الذي يسهل الاتصال العصبي السريع بين مناطق الدماغ». ويمكن لهذه المشاكل أن تتفاقم أو تخفف منها عوامل كالنوم والراحة، مما يفسر لماذا يمر الأشخاص المصابون بالضباب الدماغي بأيام جيدة وأخرى سيئة. وبرغم أن فيروسات الجهاز التنفسي الأخرى يمكنها التسبب في دمار التهابي في الدماغ، إلا أن فيروس (سارس - كوف - 2) يسبب ذلك بصورة أقوى من الإنفلونزا، على سبيل المثال، مما يفسر السبب في أن أشخاصاً مثل السيدة روبرتسون قد عانوا من الضباب الدماغي قبل فترة طويلة من الوباء الحالي، ولماذا تظهر الأعراض بشكل خاص بين المصابين لفترات طويلة بفيروس كوفيد.
قد يستغرق تحقيق التقدم في الطب الحيوي سنوات عديدة، لكن المرضى المصابين لفترات طويلة يحتاجون إلى المساعدة في علاج الضباب الدماغي الآن. وفي غياب العلاجات، فإن أغلب أساليب العلاج تتمحور حول مساعدة الناس في التعامل مع أعراضهم.
النوم السليم، والأكل الصحي، والتغييرات الأخرى في نمط الحياة يمكن أن تجعل الحالة أكثر تحملا. كما أن تقنيات التنفس والاسترخاء تساعد الأشخاص خلال فترات النوبات السيئة، وعلاج النطق يمكنه مساعدة الذين يعانون من مشاكل في العثور على الكلمات. ويمكن لبعض الأدوية التي لا تتطلب الوصفات الطبية، مثل مضادات الهستامين، التخفيف من أعراض الالتهاب، في حين أن المنبهات (المحفزات) يمكنها زيادة التركيز المتأخر.

• «ذي أتلانتيك»
- خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟
TT

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟

عندما يحين وقت إجراء محادثة صعبة مع مريض يحتضر، حول تركيب أنبوب تغذية في جسمه، يتدرب الدكتور جوناثان تشين، طبيب الباطنية في جامعة ستانفورد، أولاً مع برنامج دردشة آلي. فهو يطلب من البرنامج أن يلعب دور الطبيب بينما يتقمص هو دور المريض، ثم يعكس الأدوار.

براعة الذكاء الاصطناعي الفائقة

يشعر الدكتور تشين بعدم الارتياح حيال ذلك، فبرنامج الدردشة الآلي بارعٌ في إيجاد طرق للتواصل مع المرضى. كما يعلم الأطباء أيضاً براعته في التشخيص وقراءة الصور والفحوص – بل إنه أفضل من كثير من الأطباء – وكذلك في الإجابة عن أسئلة المرضى عبر البوابات الإلكترونية وكتابة طلبات الاستئناف لشركات التأمين عند رفض دواء أو إجراء طبي.

ما هي وظيفة الطبيب؟

إذن، ما هي وظيفة الطبيب؟ يجيب تشين بأن برامج الذكاء الاصطناعي باتت تُشكل «تهديداً وجودياً» للأطباء؛ فهي «تُهدد هويتهم ورسالتهم».

ويتفق الدكتور هارلان كرومولز، طبيب القلب في جامعة ييل ومستشار برنامج OpenEvidence، وهو برنامج ذكاء اصطناعي للأطباء، مع هذا الرأي.

ويضيف كرومولز، وهو أيضاً أحد مؤسسي شركتين ناشئتين تستخدمان الذكاء الاصطناعي لتحليل الصور الطبية والبيانات الرقمية: «إن قدرة الذكاء الاصطناعي على التفكير والتشخيص تتجاوز بالفعل قدرات الأطباء».

الذكاء الاصطناعي بدأ يُغير ممارسات بعض الأطباء

وقد عمل الكثير من الأطباء الذين فكروا ملياً في دور الذكاء الاصطناعي في الطب، مع شركات متخصصة في هذا المجال. وتشين واحد من هؤلاء الأطباء، ويقول إنه والكثير من زملائه يضطرون إلى التساؤل: «متى سيحين الوقت أمامهم للتخلي عن التدخل وترك الأمور للحاسوب؟».

ويقول الباحثون إن برنامجاً مطوراً منظراً مثل «دكتور تشات بوت» Dr. Chatbot ليس جاهزاً تماماً لاستقبال المرضى الآن. لكن الذكاء الاصطناعي بدأ يُغير ممارسات بعض الأطباء ونوعية المرضى الذين يعالجونهم.

أولوية الرعاية... بيد الطبيب

يقول الدكتور روبرت كاليف، طبيب القلب بجامعة ديوك والمفوض السابق لإدارة الغذاء والدواء الأميركية، إن الذكاء الاصطناعي يتولى ما وصفه بـ«بعض الأعمال الروتينية» التي يقوم بها الأطباء حالياً، مثل تدوين ملاحظات حول زيارات المرضى. ولكن حتى مع وجود كم هائل من المعرفة الطبية في خوادمه، فقد لا يكون ذلك كافياً للسماح للروبوتات بتولي رعاية المرضى. وكان كاليف عمل لدى شركة «ألفابت» لمدة ست سنوات، ويقدم استشاراته لشركة ناشئة تستخدم الذكاء الاصطناعي لوصف الأدوية. ويضيف كاليف: «هناك كم هائل من المعلومات، إلا أن كيفية إجراء التفكير النقدي فيها أمر معقد».

رصد الحالة المرضية بدقة

من جهته، يقدم الدكتور لي شوام، طبيب الأعصاب والعميد المساعد للاستراتيجية الرقمية والتحول في كلية الطب بجامعة ييل، مثالاً على ذلك.

يقول المريض: «استيقظتُ أمس وأنا أشعر بدوار. كانت ذراعي مخدرة، وواجهتُ صعوبة في الكلام». ماذا يعني «الدوار» تحديداً؟ قد يعني أن المريض يشعر بدوار خفيف وعلى وشك الإغماء. أو قد يعني أن الغرفة تدور من حوله.

قد يكون المقصود بـ«الذراع الميتة» هو التنميل لا الضعف. قد يصف شخص مصاب بشلل جزئي في ذراعه شعوره بالتنميل. لكن المريض قد يشعر بوخزة إبرة إذا وخزه الطبيب شوام.

هل أصيب المريض بجلطة دماغية؟ هل هذه حالة طبية طارئة؟ يقول شوام إن لديه سنوات من التدريب تُساعده على تحديد المرضى، ومن لا داعي للقلق بشأنه، ومن يجب إدخاله إلى المستشفى... لقد تعلم قراءة العلامات الدقيقة واستخلاص المعلومات التي يصعب التعبير عنها بوضوح والتي نادراً ما تُدوّن.

ويضيف شوام أنه «يستطيع استخدام المنطق في ظل معلومات محدودة أو غير كاملة لاختيار التشخيصات الأكثر ترجيحاً لمزيد من التقييم، مع الموازنة بين الدقة والواقعية».

المصابون بأمراض خطيرة يحتاجون إلى تواصل إنساني

إن هذا العمل ليس من اختصاص برامج الدردشة الآلية. لذا؛ كما يقول شوام: «إنها بارعة في مطابقة الأنماط والتنبؤ... لكن لا يمكنها فعل ذلك إلا بناءً على البيانات المُعطاة لها عن المريض. ليس لديها أي وسيلة لاستخلاص تلك المعلومات بنفسها». ويضيف أن المصابين بأمراض خطيرة يحتاجون إلى تواصل إنساني. ويتابع: «في النهاية، فإنك تريد أن تنظر في عيني المريض»، وأن تشرح له ما إذا كان أمامه عشر سنوات ليعيشها أم ستة أشهر فقط.

الأدوات الذكية تخفف عمل الأطباء الاختصاصيين

لكن شوام لا يستبعد قدرات برامج الدردشة الآلية، التي يُقرّ بأنها قادرة على توسيع نطاق وصول الأطباء وتغيير بنية نظامنا الصحي. ويقول إن الذكاء الاصطناعي يتفوق بالفعل على الأطباء في بعض الحالات، مثل قراءة تخطيط كهربائية القلب. فهو قادر على تشخيص أمراض القلب من خلال رصد أنماط لا يستطيع أطباء القلب رؤيتها، والتي تتطلب عادةً إجراء تخطيط صدى القلب المكلف. وهذا يعني أن أطباء الأسرة يمكنهم الآن القيام ببعض مهام أطباء القلب.

كما يُسهم الذكاء الاصطناعي في تخفيف عبء العمل على بعض الاختصاصيين الطبيين، بحيث لا يضطر المرضى الذين يحتاجون إلى خبرتهم إلى الانتظار أسابيع أو شهوراً للحصول على موعد.

برامج لرصد أعراض الارتجاع المريئي

هذا ما يحدث بالفعل في عيادة الدكتور جون إريك باندولفينو، اختصاصي الارتجاع المرييي المعدي (GERD) في كلية فاينبرغ للطب بجامعة نورث وسترن.

كان معظم المرضى الذين يعانون أعراض ارتجاع المريء ينتظرون أسابيع للحصول على موعد معه. وأوضح أن «نسبة كبيرة من الحالات» كانت أقل خطورة ولا تتطلب رعايته.

*رصد الحالات المرضية. ابتكر باندولفينو حلاً يعتمد على الذكاء الاصطناعي أطلق عليه اسم GERDBot. يقوم النظام بفرز المرضى، وتوجيه من لا يحتاجون فعلاً إلى زيارة الطبيب إلى مقدمي رعاية صحية آخرين. والهدف هو تسريع علاج من يعانون أعراضاً أكثر خطورة.

يبدأ المرضى بالإجابة عن أسئلة النظام الآلي. ومن تظهر عليهم أعراض تشير إلى مشكلة خطيرة، يخضعون للفحص فوراً. أما الباقون، فيتلقون اتصالاً خلال أسبوع من ممرضة ممارسة أو مساعد طبيب، يُطمئنهم ويصف لهم الأدوية اللازمة، إن لزم الأمر.

ويستقبل باندولفينو، الذي رخص نموذج ذكاء اصطناعي آخر من ابتكاره لشركة الأجهزة الطبية «ميدترونيك»، الآن عدداً أقل من المرضى، لكنهم هم من يحتاجون إلى خبرته. ويقول: «معظم الناس يُقدّرون حقيقة أن علاجهم قد ابتدأ بالفعل، وحصولهم على المعلومات فوراً، وإذا لم يستجب علاجهم أو ظهرت عليهم علامات تحذيرية، فانهم يُحالون إلى الطبيب».

ويُقرّ بأن قلة قليلة تشعر بأنها تُحال إلى رعاية أقل جودة. لكن الطريقة القديمة - التي كانت تتطلب انتظاراً يصل إلى ستة أشهر للحصول على موعد - كانت أسوأ بكثير لمن يرغبون في المساعدة والطمأنينة.

* رصد الأعراض الحادة. وكانت الخطوة التالية تخفيف العبء عن المرضى الذين يعانون أعراض ارتجاع المريء الحادة. وقد طوّر باندولفينو خوارزمية ذكاء اصطناعي أطلق عليها اسم «إيزو-إنستين» Eso-Instein (Eso اختصاراً لكلمة «مريء»)، التي ستساعد اختصاصي الجهاز الهضمي الأقل تخصصاً على تحديد التشخيص الأرجح بناءً على أعراض المريض، ونتائج التنظير الداخلي، والفحوص الفيزيولوجية. ثم تُخبر الخوارزمية الطبيب بكيفية علاج المريض وتوقعات سير المرض.

ويقول باندولفينو: «في نهاية المطاف، عندما تتفوق الخوارزمية على الإنسان، سأضطر إلى البحث عن عمل آخر». ويضيف: «سيجعل الذكاء الاصطناعي أمثالي أقل أهمية تدريجياً».

كما أن خوارزمية الذكاء الاصطناعي التي ابتكرها باندولفينو قد تُتيح للاختصاصيين إحالة الكثير من مرضاهم إلى أطباء الرعاية الأولية، يُؤمل أيضاً أن تُسهم هذه الاستراتيجية نفسها في زيادة توافر أطباء الرعاية الأولية من خلال إسناد بعض مهامهم إلى ممرضين متخصصين. إذ إن هناك نقصاً حاداً في أعداد أطباء الرعاية الأولية، لا في المناطق الريفية فحسب، بل حتى في المدن الكبرى التي تضم كثيراً من المستشفيات وكليات الطب الكبيرة.

ارتقاء دور الممرضين... بفضل الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يساعد المرضى، كما قال الدكتور آدم رودمان، طبيب باطني في مركز بيث إسرائيل ديكونيس الطبي، بفرز المرضى وتمكين الممرضين الممارسين من القيام بجزء أكبر من عمل طبيب الرعاية الأولية؛ ما يتيح للطبيب معاينة المزيد من المرضى ذوي الاحتياجات المعقدة. وعندما يتعلق الأمر بالاختيار بين طبيب لا يستقبل مرضى جدداً أو طبيب يحيل المرضى إلى ممرض ممارس أو مساعد طبيب، فمن المرجح أن يتقبل المرضى هؤلاء المتخصصين الطبيين الآخرين.

مع ذلك، يُقرّ رودمان وباحثون آخرون بوجود مخاطر تتمثل في إمكانية أن تُعيد برامج الدردشة الآلية إنتاج التحيزات الموجودة بالفعل في المؤسسات الطبية. فعلى سبيل المثال، وجدت إحدى الدراسات أنها قد تُولي اهتماماً أقل لامرأة أو لشخص يرتكب أخطاءً إملائية أو نحوية.

مخاوف الخبراء من قصور النظام الطبي

تدفع هذه المخاوف بعض الخبراء إلى التحذير من عدّ الذكاء الاصطناعي حلاً سحرياً للنظام الطبي. يقول الدكتور ليو أنتوني سيلي، مدير الأبحاث السريرية في مختبر علم وظائف الأعضاء الحاسوبي بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «إن القلق الحقيقي ليس في الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في استخدامه لتحسين نظام معيب بشدة بدلاً من إعادة تصوره». ويضيف سيلي: «قد لا يُدرك مرضى اليوم مدى قصور النظام الحالي في تلبية احتياجاتهم».

وتشاركه زميلته، مرضية قاسمي من مجموعة التعلم الآلي الصحي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، في مخاوف مماثلة؛ إذ قالت إن الذكاء الاصطناعي يمتلك «إمكانات هائلة»، لكن يبدو أنه يُستخدم حالياً في الغالب لزيادة أرباح الأنظمة الطبية من خلال «رفع ثمن الفواتير، واستبدال كوادر الرعاية الصحية الأولية للمرضى المحتاجين، أو الترويج للأدوية:».

وقال رودمان، إن على الأنظمة الطبية ومرضاها أن يكونوا على دراية بهذه المشكلات. وأضاف: «لكن هذا ليس سبباً للتخلي عن هذه التقنية». وهو يأمل أن يتمكن الباحثون، بفضل الذكاء الاصطناعي، من توثيق التحيزات والحد منها. أما مع البشر، الذين لديهم التحيزات نفسها، «فمن الصعب جداً التخفيف منها»، كما قال رودمان.

وأضاف رودمان أن الذكاء الاصطناعي، على الأقل في بعض المهام، سيكون أفضل من الأطباء. سيكون أكثر دقة في الالتزام بإرشادات الفحص وتقديم المشورة للمرضى بشأن عادات نومهم وغذائهم، على سبيل المثال.

آخر ما نريده: «طبيب غبي يعتمد على الذكاء الاصطناعي بالكامل»

ويعلق يقول الدكتور جيفري أ. ليندر، اختصاصي الطب الباطني في جامعة نورث وسترن. على ذلك بأن «هذه هي الجوانب الروتينية في مهنة الطب».

ويضيف: «هناك الكثير من المهام التي نقوم بها في الرعاية الصحية الأولية والتي تبدو وكأنها مجرد إجراءات شكلية». ولكنه أعرب عن قلقه من أن يعتمد بعض الأطباء بشكل مفرط على الذكاء الاصطناعي، ويقول: «آخر ما نريده هو طبيب غبي يعتمد على الذكاء الاصطناعي بشكل كامل»، حيث «أُعطّل عقلي وأترك الذكاء الاصطناعي يملي عليّ ما يجب فعله طوال الوقت».

لكن المشكلة تكمن في أنه بينما قد لا يكون الذكاء الاصطناعي مثالياً، فإن النظام الطبي الحالي ليس كذلك أيضاً. ويتضح جلياً أن دور الطبيب سيشهد تحولاً جذرياً.

الدور المهم للأطباء

لكن لا يزال للأطباء أدوار مهمة يؤدونها. ويقول ليندر: «الطب الباطني تخصصٌ يعتمد على التعامل المباشر مع المرضى. إنك تتعرف على مرضاك بمرور الوقت، وتعرف قيمهم، وتعرف عائلاتهم».

ويوافق الدكتور جوشوا شتاينبرغ، طبيب الرعاية الأولية في جامعة ولاية نيويورك الطبية في بينغهامتون، نيويورك، على ذلك. ويقول: «حتى لو قرأ الذكاء الاصطناعي جميع المراجع الطبية، سأظل أنا الخبير في حالة مرضاي». ويضيف: «أعتقد أن دورنا كأطباء قد يبدو مختلفاً بعض الشيء، لكنني سأظل جالساً على كرسي متحرك صغير، أتحدث مع المريض».

* خدمة «نيويورك تايمز»


عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية
TT

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعة ستانفورد، أن التفاعلات بين جينات عدة، وليس الطفرات الجينية الفردية فقط، تلعب دوراً حاسماً في تطور بعض أمراض القلب الوراثية وتحديد شدتها. وتشير هذه النتائج إلى أن الفهم التقليدي لأمراض القلب القائم على البحث عن خلل في جين واحد، قد يكون مبسطاً أكثر مما ينبغي.

تفاعلات جينية معقَّدة

وقاد هذا البحث البروفسور إيوان آشلي، أستاذ علم الوراثة وعلوم البيانات الطبية الحيوية في كلية الطب بجامعة ستانفورد؛ حيث يركز مختبره على دراسة الكيفية التي تؤثر بها التفاعلات الجينية المعقدة في صحة الإنسان. ونُشرت الدراسة على موقع «Stanford Medicine» في 23 يناير (كانون الثاني) 2026، وقد تفتح آفاقاً جديدة في تشخيص أمراض القلب الوراثية وعلاجها.

ولطالما وُصفت أمراض القلب بأنها حالات تُورَّث داخل العائلات نتيجة خلل جيني ينتقل من الآباء إلى الأبناء. ولسنوات طويلة ركّز العلماء على الطفرات الجينية الفردية بوصفها السبب الرئيسي وراء هذه الأمراض. إلا أن هذا النهج لم يفسر سبب اختلاف شدة المرض بين أشخاص يحملون الطفرة نفسها، أو لماذا يُصاب بعضهم بالمرض بينما لا يُصاب آخرون.

ما وراء الجين الواحد

تلعب الجينات دوراً أساسياً في تحديد صفات جسدية بسيطة، مثل لون العينين أو شكل الوجه، وغالباً ما ترتبط هذه الصفات بجين واحد. ولكن الأمراض المعقدة -وعلى رأسها أمراض القلب- لا تخضع لهذه القاعدة البسيطة. فجميع البشر تقريباً يحملون تغيرات صغيرة في الحمض النووي (DNA) يُطلق على بعضها أحياناً «أخطاء مطبعية» جينية. ومعظم هذه التغيرات غير ضار؛ لكن بعضها قد يسهم في حدوث المرض.

هنا يظهر مفهوم وراثي يُعرف باسم التآثر الجيني (Epistasis) وهو يحدث عندما يتفاعل جينان أو أكثر معاً، لتغيير النتيجة النهائية لصفة جسدية أو مرضية. في هذه الحالة يعتمد تأثير جين واحد على وجود أو غياب جين آخر، ما يؤدي إلى نتائج لا يمكن التنبؤ بها عند دراسة كل جين على حدة.

ويؤكد آشلي أن الجينات لا تعمل بشكل منفصل؛ بل ضمن شبكات معقدة. وفهم هذه الشبكات يساعد العلماء على تفسير سبب ظهور المرض لدى بعض الأشخاص دون غيرهم.

التركيز على تضخم عضلة القلب

وركز فريق البحث على حالة تُعرف باسم «تضخم عضلة القلب»، وهي اضطراب يصبح فيه جدار القلب سميكاً بشكل غير طبيعي، ما يحد من قدرته على ضخ الدم بكفاءة. وقد تؤدي هذه الحالة إلى عجز القلب أو اضطرابات خطيرة في نبضات القلب، وقد تكون قاتلة في بعض الأحيان.

ولسنوات، اعتُقد أن تضخم عضلة القلب ناتج أساساً عن طفرات فردية في جينات مسؤولة عن بنية عضلة القلب. ولكن فريق آشلي افترض أن التفاعلات بين عدة جينات قد تلعب دوراً أكبر مما كان يُعتقد.

تحليل كميات هائلة من البيانات

ولاختبار هذه الفرضية، طوَّر الباحثون أدوات حاسوبية متقدمة، قادرة على كشف التآثرات الجينية الخفية داخل مجموعات ضخمة من البيانات الوراثية. واعتمدت الدراسة على ما يقرب من 10 سنوات من جمع البيانات، شملت تحليلات جينية لأكثر من 300 قلب بشري، إضافة إلى نحو 30 ألف صورة قلب، مأخوذة من قاعدة بنك البيانات الحيوية في المملكة المتحدة (UK Biobank) إحدى أكبر قواعد البيانات الطبية الحيوية في العالم.

وباستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعلُّم الآلة، فحص الفريق نحو 15 مليون تغير جيني مرتبط ببنية القلب، ثم قلَّص هذا العدد إلى نحو 1400 طفرة يُحتمل أن تتفاعل بعضها مع بعض. بعد ذلك صُمم نموذج حاسوبي لترتيب هذه التفاعلات، وفقاً لتأثيرها المتوقع، في شكل وحجم ووزن عضلة القلب.

ثلاثة جينات محورية

وقد أسفرت التحليلات عن بروز 3 جينات رئيسية: TTN وIGF1R وCCDC141. ويُعد جين TTN من الجينات المعروفة المرتبطة بأمراض عضلة القلب، بينما يلعب جين IGF1R دوراً مهماً في نمو القلب وتنظيم عمليات الأيض. أما جين CCDC141 فلا يزال غير مدروس على نطاق واسع، ولم يكن مرتبطاً سابقاً بشكل مباشر بأمراض القلب.

وأظهرت النتائج أن الطفرات في واحد من هذه الجينات بمفرده يكون تأثيرها محدوداً نسبياً؛ لكن عند اجتماع طفرات في جينين معاً يصبح التأثير أكثر وضوحاً وخطورة، ما يؤكد الدور المحوري للتآثر الجيني في تطور المرض.

تجارب مختبرية تؤكد النتائج

وللتحقق من هذه النتائج أجرى الباحثون تجارب على خلايا عضلة القلب البشرية المزروعة في المختبر. واستخدموا تقنيات تعتمد على الحمض النووي الريبي لتعطيل أزواج محددة من الجينات، ثم راقبوا استجابة الخلايا. وأظهرت النتائج أن تعطيل جينين متفاعلين معاً أدى إلى تقليل تضخم الخلايا القلبية بشكل ملحوظ، وهو أحد المؤشرات الرئيسية لمرض تضخم عضلة القلب.

أهمية النتائج وآفاق المستقبل

تحمل هذه النتائج أهمية كبيرة لمستقبل علاج أمراض القلب. فمعظم العلاجات الجينية الحالية تستهدف جيناً واحداً فقط؛ لكن إذا كان المرض ناتجاً عن تفاعل شبكة كاملة من الجينات، فإن هذا النهج قد لا يكون كافياً. وأوضحت الباحثة تشيانرو وانغ، المؤلفة الرئيسية للدراسة من قسم طب القلب والأوعية الدموية بجامعة ستانفورد، أن فهم هذه التفاعلات قد يساعد في تطوير علاجات أكثر دقة وفعالية.

ورغم أن الدراسة ركَّزت على أمراض القلب، فإن نتائجها قد تمتد لتشمل أمراضاً معقدة أخرى، مثل السرطان والسكري واضطرابات الجهاز العصبي. ومع استمرار العلماء في فك رموز هذه الشبكات الجينية المعقدة، يبدو مستقبل الطب الدقيق أكثر قدرة على تقديم علاجات شاملة تستند إلى فهم أعمق لجينات الإنسان وتفاعلاتها.


بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
TT

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)

أشارت دراسة حديثة لبيانات رادار خاصة بكوكب الزهرة حصلت عليها مركبة الفضاء ماجلان التابعة لإدارة الطيران والفضاء (ناسا) في تسعينات القرن الماضي إلى وجود تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية. وهذه أول ظاهرة تحت السطح تُكتشف على الكوكب المجاور للأرض.

ووفقاً لـ«رويترز»، قال الباحثون إن بيانات الرادار تتوافق مع سمة جيولوجية تسمى أنبوب الحمم البركانية الموجود في بعض المواقع البركانية ‌على الأرض. وتوجد أنابيب ‌الحمم البركانية أيضاً على ‌القمر ⁠ويُعتقد أنها موجودة ‌على المريخ.

وتغطي سطح الزهرة سحب سامة كثيفة تجعل من الصعب سبر أغواره، لكن الرادار يمكنه اختراق السحب.

وافترض العلماء وجود أنابيب الحمم البركانية على كوكب الزهرة بالنظر إلى تاريخه البركاني.

وقال لورينتسو بروتسوني عالم الرادار والكواكب في جامعة ترينتو بإيطاليا والمعد الرئيسي للدراسة ⁠المنشورة اليوم في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» العلمية: «يمثل الانتقال من ‌النظرية إلى الملاحظة المباشرة خطوة كبيرة إلى الأمام، ويفتح الباب أمام اتجاهات جديدة للبحث، ويوفر معلومات مهمة للمهام المستقبلية التي تهدف إلى استكشاف الكوكب».

وحلل الباحثون البيانات التي تسنى الحصول عليها بواسطة رادار الفتحة التركيبية، وهو جهاز استشعار عن بعد تابع للمركبة ماجلان، بين عامي 1990 و1992 في مواقع تحمل علامات انهيارات سطحية موضعية تشير إلى وجود ⁠أنابيب حمم بركانية تحتها. واستخدموا منهج تحليل بيانات مطورة حديثاً تهدف إلى تحديد التجاويف تحت السطح مثل أنابيب الحمم البركانية.

ولم يحظ كوكب الزهرة باهتمام علمي كبير مقارنة بالمريخ، لكنّ هناك بعثتين مهمتين على وشك الانطلاق، وهما «إنفجن» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية و«فيريتا» التابعة لناسا.

وستحمل كلتا المركبتين الفضائيتين أنظمة رادار متطورة قادرة على التقاط صور عالية الدقة. وستحمل «إنفجن» راداراً مدارياً قادراً على اختراق السطح ‌وعلى استكشاف باطن كوكب الزهرة إلى عمق عدة مئات من الأمتار.