هيلاري مانتل أحيت الرواية التاريخيّة... ورحلت

اعتبرها كثيرون مبتدعة لغة جديدة

ندى حطيط
ندى حطيط
TT

هيلاري مانتل أحيت الرواية التاريخيّة... ورحلت

ندى حطيط
ندى حطيط

فجعت الأجواء الثقافيّة البريطانيّة يوم الخميس الماضي بغياب الروائيّة هيلاري مانتل، الشهيرة بتحفتها ثلاثية الأدب التاريخي المستوحاة من حياة توماس كرومويل، كبير مستشاري وتنفيذي بلاط الملك هنري الثامن.
ويعزى لمانتل الفضل في إعادة الحيوية إلى فضاء الرواية الأدبيّة التاريخيّة بعدما خرجت لبعض الوقت من دائرة اهتمام القراء والناشرين الأنغلوساكسون على حد سواء. وقد باعت كتبها السبعة عشر ملايين النسخ، وتحوّل بعضها إلى أعمال تلفزيونيّة ناجحة، كما توجت بجائزة بوكر البريطانيّة المرموقة مرتين (عن الجزأين الأوّل والثاني من ثلاثيتها عن كرومويل: «قاعة الذئب»، 2009، و«إيقاظ الجثث»، 2012، واختير الجزء الثالث «المرآة والضوء» ضمن القائمة الطويلة للجائزة عام 2020. وبفضل هذه الثلاثيّة تحديداً أصبح لها بالفعل جيش من القراء المتابعين الأوفياء الذين يتلقفون كل ما تكتب بما في ذلك مقالات كانت تنشرها بين الحين والآخر في مجلّة لندن ريفيو أوف بوكس نصف الشهريّة - جمعت في كتاب صدر في 2020 -
يصف النقّاد مانتل بأنّها قرنت قدرتها الهائلة على التنقيب العميق في قلب الحدث التاريخي مع الحدس الدقيق لاستقراء المشاعر الإنسانيّة الممكنة عند شخصياته، واعتبرها كثيرون مبتدعة لغة جديدة «غيّرت الخيال التاريخي إلى الأبد»، وصنعت شيئاً ممتعاً من مادة العلاقة المعقَدة بين التاريخ، والحقيقة، والخيال. وتعجب معنيّون بالتاريخ والأدب من الطريقة التي ترسم فيها فصولاً كاملة من الماضي بكامل الألوان من خلال نثرها المتمكن، وإحساسها النفسي المتوقّد، وتنقّلها اللّماح في متاهة العواطف الإنسانيّة والأركان المظلمة في الأرواح. وبالفعل، فإن قراءة «قاعة الذئب»، فاتحة الثلاثيّة، تبدو أشبه بالعيش داخل رأس توماس كرومويل، أكثر منها وصفاً أدبيّاً لسيرته. ويدين لها المؤرخون بإعادة تأهيل صورة هذه الشخصية الإنجليزية المهمّة في المخيال الشعبي من خلال تقديمها له كاستراتيجي بارع وثوري لامع، حتى أن ديارميد ماكولوك، بروفسور اللاهوت في جامعة أكسفورد ومؤلف أهم سيرة تاريخيّة لكرومويل كتب عنها لصحيفة التايمز اللندنية قائلاً: «إن هيلاري قد أعادت ضبط الأنماط التاريخيّة لنا».
لمانتل منهجها الخاص في فهم التاريخ. فالأدلة عندها، دائماً، جزئية، و«الوقائع لا تمثِل الحقيقة»، و«التاريخ ليس الماضي بقدر ما هو النمط الذي طورناه لتنظيم جهلنا بالماضي. إنه سِجلّ ما تبقَى مسجَلاً فحسب». وقالت في محاضرة لها إن «القرّاء مخلصون، بشكلٍ يثير الشفقة، لأوّل تاريخ تعلّموه، وإنْ أنت طعنتَ فيه، فكأنك تسلب منهم طفولتهم». ولذلك، فإن مقارعتها للحدث التاريخي أتت مثيرة ومبدعة، كما لو كانت منجز مخرج سينما عبقري يعيد خلق عوالم كاملة من بضع صفحات عثر عليها في مكتبة عتيقة.
ولدت مانتل، كهيلاري ماري طومسون في 6 يوليو (تموز) 1952. في غلوسوب، وهي قرية في ديربيشاير، ونشأت ابنة كبرى في أجواء عائلة كاثوليكية فقيرة آيرلنديّة الجذور. كانت والدتها، مارغريت، سكرتيرة مدرسة، قد تركت زوجها هنري طومسون وانتقلت بأبنائها للعيش مع جاك مانتل - الذي أخذت الروائيّة مانتل لقبها منه -. وقد دونت مذكراتها عن طفولتها في نصّ عنونته بـ«التخلي عن الشبح - 2003» وصفه محرر صفحة الكتب في جريدة التايمز بأنه «نصّ حارق» على رغم أناقته ودقة تطريزه بالتفاصيل.
ويبدو أن تلك المرحلة من حياتها لم تكن سهلة، إذ عانت من مصاعب صحيّة فشل الأطبّاء في التعامل معها، ورافقتها الحمى دائماً في مختلف صفحات حياتها، ولم تتأقلم أبداً مع المدرسة الابتدائية الكاثوليكية التي ألحقت بها، وآلمها عاطفيّاً انفصالها عن والدها في سن مبكرة. وقد انتقلت في الثامنة عشرة من عمرها إلى العاصمة لندن لدراسة القانون في كلية لندن للاقتصاد، لكنها لم تستطع تحمل تكاليف إنهاء تدريبها، فعملت في مستشفى للمسنين قبل أن تتزوج تالياً (1972) من مهندس الجيولوجيا جيرالد ماكوين وتمتهن التعليم، بينما اتخذت من الكتابة الأدبيّة هواية جانبيّة لها.
عانت مانتل من عدم تشجّع الناشرين لروايتها الأولى (1979) التي تدور أحداثها في مناخات الثورة الفرنسيّة، على أن النقاد رحبّوا بها بحرارة عندما أصدرت روايتها الثانية (1985)، الأمر الذي فتح أمامها فرص النشر لتتحوّل خلال سنوات إلى واحدة من أكثر الروائيين المحبوبين من قبل القراء في بريطانيا، وأصبح وجود اسمها على الغلاف ضمانة نجاح تجاري محتّم لأي عمل جديد. لكنّها كسرت كل القواعد مع روايتها العاشرة «قاعة الذئب»، التي ترجمت لأكثر من أربعين لغة وبيع منها ما يزيد عن ثلاثة ملايين نسخة، وهو ما تكرر لاحقاً مع الجزأين التاليين من الثلاثية الملحميّة عن كرومويل الذي كان ابن حداد انتهى به المطاف لأن شق طريقه ليصبح واحداً من أكثر مساعدي هنري الثامن مكانة وتأثيراً، قبل أن يفقد رأسه في النهاية من أجل ولائه للملك.
وقعت مانتل في غرام الكتابة المسرحية خلال وقت لاحق من حياتها، فنقلت كرومويل شخصيتها الأثيرة إلى الخشبة في سلسلة من العروض التي حازت على جوائز عدّة، وشاركت أيضاً في كتابة الاقتباس المسرحي لخاتمة الثلاثية، «المرآة والضوء». لكن حكايتها مع كرومويل استهلكتها جسديّاً وروحيّاً، فقالت بعد اختتام الثلاثيّة بأنها لا تشعر بامتلاكها القدرة على التحمل للقيام بمشروع خيال تاريخي كبير آخر، ووصفت مجمل العمليّة الإبداعيّة التي مرت بها بـ«الشاقّة للغاية»، وأنّها «حتماً لن تلتقي بتوماس كرومويل آخر بعد كل هذه المدة التي قضاها في، مسيطراً على فكري». وقد استبعد وكيل أعمالها، السيد هاميلتون، أن تكون قد تركت بعد رحيلها أي عمل متكامل يمكن نشره، وإن كانت إلى وقت قريب تعمل على مسرحية واحدة على الأقل وعدة أعمال أخرى في مراحل مختلفة من الإنجاز.
رغم الشهرة البالغة والثراء الكبير اللذين عادا عليها مع نجاح أعمالها، لم تندمج مانتل بالمشهد الأدبي الصاخب في لندن، فقضت معظم أوقاتها في بودلي سالترتون، وهي قرية وادعة على ساحل ديفون، حيث عاشت حياة هادئة مع وزوجها، ومحورت وقتها حول كتاباتها. ولم ينجب الزّوجان أطفالاً بسبب المشاكل الصحيّة التي عانت منها الكاتبة منذ الصغر.
وقد عُرفت بلسانها السليط سياسياً، فوجهت انتقادات لاذعة لسياسيين وأفراد من العائلة المالكة البريطانيّة، ولم تخش أبداً من إثارة الجدل، بخاصة مع أصحاب التوجهات المحافظة في النخبة الحاكمة. وقد هاجمها سياسيون من حزب المحافظين بسبب قصة قصيرة كتبتها عن مخطط لاغتيال مارغريت ثاتشر زعيمة الحزب ورئيسة وزراء بريطانيا السابقة، ومرّة أخرى بعدما اتهمتم في مقال نشرته أسبوعيّة نيوستيتمان عام2017 بأنّهم «لا يكترثون بمصالح أخرى غير مصالحهم». وقد ناهضت بشدّة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البريكست)، واعتبرته كارثة شعبوية جعلتها وزوجها جيرالد يخططان للانتقال إلى آيرلندا. ومع ذلك بقيت دائماً رمزاً وطنياً جامعاً، وقد منحها الملك تشارلز الثالث - عندما كان ولياً للعهد وأميراً لويلز - وسام الإمبراطورية البريطانية الرفيع، ولقباً شرفيّاً.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«الليلة الكبيرة»... طقس مصري يجتذب الملايين ويجدد الجدل حول الموالد

ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
TT

«الليلة الكبيرة»... طقس مصري يجتذب الملايين ويجدد الجدل حول الموالد

ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)

في روايته «أيام الإنسان السبعة»، يقدم الكاتب المصري عبد الحكيم قاسم ملحمة فنية عن مجتمع الدراويش في دلتا مصر، وكيف تكرس قرية كاملة نفسها للإعداد للذهاب إلى مولد السيد البدوي في سبعة أيام، ليصبح هذا الحدث الكبير أقرب لذروة الطقوس الشعبية التي يمارسها الدراويش والصوفية في هذه القرية وشبيهاتها.

ومع انتهاء «الليلة الكبيرة» لمولد السيد البدوي في مدينة طنطا (وسط الدلتا) والحضور الحاشد الذي شهدته تلك الليلة وما بها من طقوس شعبية وروحانية على السواء، تجدد الجدل حول الموالد في مصر، بين من يراها طقساً شعبياً وروحانياً يجذب الملايين من المحبين للأولياء والصالحين، ومَن يراها ظاهرة شعبية دون أساس روحاني سليم ترتكز عليه.

ومع توافد الحشود المليونية (البعض قدرها بنحو 5 ملايين زائر) على مولد السيد البدوي، أكدت محافظة الغربية، العام الماضي، أن المولد حضره أكثر من مليوني شخص، ونشرت محافظة الغربية على صفحتها الرسمية بـ«فيسبوك»، الخميس، تحية لزائري المدينة، وكتبت: «طنطا تتلالأ بأنوار مولد السيد البدوي، أجواء روحانية عامرة بالابتهالات والمدائح النبوية، وحركة تجارية نابضة بالحياة، مع توافد الزائرين من مختلف محافظات مصر والدول العربية والإسلامية لإحياء ذكرى العارف بالله سيدي أحمد البدوي، وسط أجواء من البهجة وجهود مكثفة من محافظة الغربية لتوفير الخدمات اللازمة وتنظيم الاحتفالات والحفاظ على سلامة وراحة الزائرين».

حشود غفيرة حضرت المولد (محافظة الغربية)

ومع تصدر مولد السيد البدوي «الترند» على «إكس» بمصر، الجمعة، تصاعد الجدل حول التبرك والاحتفال بالموالد، وهو ما رد عليه المتحدث باسم الطرق الصوفية في مصر، أحمد قنديل، وكتب على صفحة المشيخة بـ«فيسبوك»: «ليس كل من رفع صوته امتلك الحقيقة، وليس كل من تطاول على مقامات الصالحين أصبح عالماً بالدين، وليس من الشجاعة الفكرية أن يهدم الإنسان تاريخاً لا يعرفه، أو يطعن في رموز الأمة دون علم أو تحقيق أو إنصاف».

مضيفاً أن «الحديث عن سيدي أحمد البدوي، رضي الله عنه، أحد أعلام التصوف الإسلامي، لا ينبغي أن يكون ساحة للتجريح أو السخرية أو تصفية الحسابات الفكرية، وإنما ميدان للبحث العلمي الرصين، والرجوع إلى المصادر المعتبرة، والتمييز بين الحقائق التاريخية والروايات الشعبية التي تحتاج إلى تحقيق وتمحيص».

ويرى الباحث في التصوف الإسلامي الدكتور أحمد شتية، مدرس الدراسات الإسلامية بجامعة دمنهور، أن «تجمع الناس حول أحد الصالحين لا سيما من أصحاب التاريخ الكبير في العلم ونشر علوم التصوف ومجاهدة الأعداء كسيدي أحمد البدوي، جزء لا يتجزأ من الثقافة المصرية الدينية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الثقافة في الآونة الأخيرة شهدت تراجعاً بسبب عوامل فكرية كثيرة وتسرب بعض الأفكار التي تشوش على المسلمين دينهم بأن التعلق بالصالحين فيه شيء من الشرك، وفيه شيء من المغالاة، وهذا في الحقيقة خلط كبير وإسقاط للأمور على غير مواضعها. فالسيد أحمد البدوي، رضي الله عنه، إمام كبير، شهد له العلماء، سلفهم وخلفهم، وهذا ما لا يعرفه كثيرون من الناس الآن، ويكتفون بتناقل ما يكتب عبر (السوشيال ميديا) في شأن السيد أحمد البدوي، وفي شأن غيره من العلماء والأولياء والصالحين».

المولد شهد ملايين الزوار وفق تقديرات متابعين (محافظة الغربية)

وتشهد مصر الكثير من الموالد، من بينها موالد لآل البيت مثل «السيدة زينب»، و«مولد الحسين»، وغيرهما، وموالد أخرى للصالحين مثل «السيد البدوي»، و«إبراهيم الدسوقي»، و«عبد الرحيم القناوي»، و«المرسي أبو العباس»، وغيرهم.

ويرى المتخصص في التراث الشعبي الدكتور عبد الكريم الحجراوي أن الموالد ليست ظاهرة دينية أو روحانية فقط، بل هي أيضاً ظاهرة اجتماعية احتفالية أشبه بكرنفال سنوي يلتقي فيه المصريون من أنحاء البلاد، خصوصاً الموالد الكبيرة مثل مولد السيد البدوي.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «المولد به العديد من الأنشطة التجارية والألعاب، وقديماً كانت تقدم فيه فنون السيرك وما زالت تقدم فيه السيرة الهلالية والسير الشعبية، بالتوازي مع الفعاليات الروحانية مثل حلقات الذكر والندوات الدينية وغيرها، فهو نشاط كبير متشعب، ويجب عدم قصره على صفته أو طبيعته الروحانية».

ويرى الحجراوي أن هذا الجدل لا يتجاوز وسائل التواصل الاجتماعي، بينما على أرض لواقع هناك الملايين المتصالحون مع الموالد والذين يعدُّونها فرصة سنوية وموسمية لأنشطة كثيرة روحانية وترفيهية وتجارية.


5 دقائق مع كلبك قد تغيّر استجابة دماغك للضغوط

للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
TT

5 دقائق مع كلبك قد تغيّر استجابة دماغك للضغوط

للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)

بيّنت دراسة أجرتها جامعة إنسبروك في النمسا أنّ مداعبة الكلاب قد تساعد الجسم على الاستعداد لمواجهة المواقف المسبّبة للتوتّر؛ إذ يمكن للتلامس الجسدي مع الحيوان الأليف أن يخفّف استجابة الجسم البيولوجية للتوتّر عند التعرّض لضغط جديد، حتى إن لم يُسرّع تعافيه من التوتّر السابق.

ووجد الباحثون أنّ الأشخاص الذين داعبوا كلابهم خلال استراحة قصيرة بعد أداء مهمة مرهقة أظهروا استجابة بيولوجية أكثر هدوءاً عند مواجهة مهمة أخرى مسبّبة للتوتّر، مقارنةً بمن بقوا بالقرب من كلابهم من دون لمسها. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «علم النفس البيولوجي».

وتشمل المواقف المسبّبة للتوتّر ضغوط العمل والاختبارات والمشكلات اليومية والتعرّض للنقد أو التقييم، وهي ظروف تتطلّب من الإنسان بذل جهد ذهني أو عاطفي للتعامل معها. وقد تؤدّي هذه المواقف إلى تنشيط استجابة الجسم للتوتّر، فتتغيّر معدّلات ضربات القلب وأنماط نشاط الدماغ استعداداً لمواجهة التحدّي.

وشملت الدراسة 64 شخصاً من أصحاب الكلاب، بينهم 51 امرأة و13 رجلاً، بمتوسّط عمر بلغ 34 عاماً. وشارك جميعهم في التجارب برفقة كلابهم الأليفة، التي اشترط الباحثون ألّا يقلّ عمرها عن عامين، وأن تتمتّع بصحة جيدة وتكون مرتاحة في البيئات الجديدة.

ولإثارة التوتّر لدى المشاركين، طلب الباحثون منهم أداء مهمّتين ذهنيّتين صعبتين تحت المراقبة، مع تلقّي تعليقات سلبية من أحد الباحثين عبر مكالمات مرئية.

وتمثّلت المهمة الأولى في الإجابة عن أسئلة في المعلومات العامة، مع منح المشاركين خمس ثوانٍ فقط للإجابة عن كلّ سؤال. أما الأخرى، فكانت إجراء عمليات حسابية ذهنية عبر العدّ التنازلي بفواصل رقمية ثابتة، وفق إيقاع تحدّده نقطة حمراء وامضة، من دون السماح للمشاركين بإبطاء وتيرتهم.

وأجرى كلّ مشارك مجموعتين من الاختبارات في اليوم نفسه. وخلال المجموعة الأولى، سُمح للكلب بالتجوّل بحرية داخل الغرفة؛ مّا أتاح لصاحبه مداعبته أو لمسه أو احتضانه. أما في المجموعة الأخرى، فبقي الكلب بالقرب من صاحبه مربوطاً بمقود قصير؛ إذ أمكن للمشارك رؤيته والتحدّث إليه من دون تلامس جسدي.

وراقب الباحثون نشاط الدماغ باستخدام تخطيط كهربائية الدماغ، وتتبّعوا نشاط القلب بواسطة تخطيط كهربائية القلب، قبل الاختبارات وأثناءها وبعدها. كما طلبوا من المشاركين تقييم حالتهم الشعورية في مراحل مختلفة، بما يشمل مدى شعورهم بالهدوء أو الإثارة، وطبيعة مشاعرهم الإيجابية أو السلبية، ومدى إحساسهم بالسيطرة على الموقف.

وأظهرت النتائج أنّ مداعبة الكلاب لم تساعد المشاركين على التعافي من التوتّر الأول بسرعة أكبر؛ إذ عادت مؤشّرات نشاط القلب وأنماط الموجات الدماغية إلى مستويات الراحة بوتيرة متشابهة، سواء داعب المشاركون كلابهم أم اكتفوا بالجلوس بالقرب منها من دون لمسها.

لكن التأثير ظهر عند مواجهة المشاركين مهمة أخرى مسبّبة للتوتّر بعد استراحة استمرّت خمس دقائق. فقد أظهرت تسجيلات الدماغ ارتفاعاً أكبر في نشاط موجات ألفا لدى الأشخاص الذين لمسوا كلابهم خلال الاستراحة، واستمرّ هذا الارتفاع خلال المجموعة الثانية من الاختبارات؛ ما يشير إلى انخفاض مستوى التنشيط الدماغي خلال مواجهة المهمة المجهدة.

في المقابل، لم يظهر التأثير نفسه لدى المشاركين الذين أمضوا الاستراحة بالقرب من كلابهم من دون تلامس جسدي.

وكشفت النتائج أيضاً أنّ المشاعر التي أبلغ عنها المشاركون لم تتطابق دائماً مع استجابات أجسامهم؛ إذ اختلفت تقييماتهم الذاتية للتوتّر أحياناً عن المؤشّرات التي سجّلتها أجهزة قياس نشاط القلب والدماغ.

ويرى الباحثون أنّ التلامس الجسدي قد يكون أحد العوامل التي تفسّر بعض الفوائد الصحية والنفسية المرتبطة بالتفاعل مع الحيوانات الأليفة.


«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
TT

«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)

يكشف الفيلم اللبناني «قساطل - Pipes» للمخرج كريم قاسم جانباً من المعاناة اليومية في قرية أنهكها الجفاف بعد انقطاع إمدادات المياه، حيث يواجه أبطاله تحديات الوحدة والعزلة والفقد وسط واقع قاسٍ يفرض نفسه على تفاصيل حياتهم. ويشارك الفيلم في مسابقة الأفلام الروائية بالدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، بعد عرضه العالمي الأول في الدورة الستين من مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي، حيث حصد بطله غسان سعد جائزة أفضل ممثل.

مع تفاقم أزمة انقطاع المياه في القرية، يُستدعى «حسن»، الموظف المتقاعد من مصلحة المياه، للعودة إلى عمله مستنداً إلى خبرة طويلة اكتسبها على مدى سنوات. وفي محاولة لإنقاذ القرية من شبح الجفاف الذي يلوح في الأفق، يتولى مهمة البحث عن أسباب الأزمة وإيجاد حلول لها. وقد عُرف حسن بين الأهالي بمبادرته الدائمة إلى مساعدتهم كلما انقطعت المياه عن منازلهم، إذ يجد في خدمة الآخرين وفي صداقاته متنفساً يخفف وطأة الوحدة التي يعيشها. لكن حياته تتقاطع مع سلسلة من الخسارات المؤلمة؛ فيكافح مشاعر الفقد بعد وفاة صديقه إثر تسرب غاز في ظروف غامضة، فيما يرزح تحت حزن عميق وهو يودع والدته.

تتفاقم مشكلة انقطاع المياه وتتحول إلى مهمة مستحيلة، تدفع بـ«حسن» للتحرك والتحقيق فيما حدث، فيما تتقاطع مهمته لإعادة المياه مع محاولته لفهم ملابسات الموت والفقد.

يتخذ المخرج كريم قاسم من «القسطل» أداة استكشاف، ليتجول بين المنازل والذكريات والالتزامات بالقرية، كمكان حي شاهد على تفاصيل الحياة اليومية.

يعثر «حسن» على زر معطف مفقود يخص شخصاً يُشتبه به في جريمة مقتل زميله البنغلاديشي «رضا»، فيقول بلهجته اللبنانية بآخر مشاهد الفيلم «نبلش»! أي نبدأ، ما يلفت إلى توجهه وأصدقائه للبحث عن الفاعل، وهو ما أعلن عنه المخرج كريم قاسم عن تقديم جزء ثالث ليكمل ثلاثيته الفيلمية.

ملصق الفيلم اللبناني (مهرجان الجونة)

وقال قاسم، في تصريحات صحافية، إن الشخصية الرئيسية بالفيلم تحظى باهتمام كبير كما في فيلمه «موندوف» الذي شارك به غسان سعد في دور صغير، «لذا جعلت منها محور أحداث الفيلم لإتاحة التعرف أكثر على ماضيها والغوص في حالتها النفسية، عبر رؤية سينمائية تربط التفاصيل بعضها ببعض من خلال «القساطل.

يتماهى أداء غسان سعد مع شخصية «حسن»، وتتقاطع مهنته بالفيلم مع مهنته الحقيقية في عمله بمصلحة المياه، فيقدم أداءً طبيعياً يتسم بالسلاسة، كما أن تجاربه المسرحية أكسبته خبرة أيضاً، ما أضفى على أدائه كثيراً من المصداقية في أول بطولة سينمائية له.

وهو ما يتوقف عنده الناقد طارق الشناوي متسائلاً: «هل الشخصية التي يؤديها الممثل عموماً لو عاشها بشكل فعلي سيؤديها بشكل أفضل، كما حدث مع بطل الفيلم غسان سعد الذي حاز جائزة التمثيل بمهرجان كارلو في فاري»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «سواء عاش الفنان الحالة أو عايشها فقانون الفن يجعل الإحساس بالشخصية أسبق من الجزء الواقعي، وعلى المبدع إذا لم يكن قد مر بالتجربة في حياته فيكفيه أن يحاول الوصول إلى عمقها، والمميز في فيلم (قساطل) أن أداء البطل وصل لعمقها ومارسها أيضاً».

وأشار الشناوي إلى أن انقطاع المياه ظرف عشناه، وما زلنا نعيشه في أغلب بلدان عالمنا العربي، لأن المقدرات الأساسية في حياتنا يظل جانب منها غير متحقق، وبالتالي القضية التي يطرحها الفيلم تمسنا وتمس العالم الثالث كله، لكن المخرج نسب القصص الموازية لمجموعة الأصدقاء الذين لا يحلون مشكلة القساطل بقدر محاولتهم التصالح مع قانون الحياة، لافتاً إلى أن «الفيلم به حالة من الصدق سواء على مستوى الكتابة أو الإخراج أو الأداء».

ويصف الناقد الفني محمد نبيل «قساطل» بأنه «فيلم شاعري قدّمه المخرج كريم قاسم بأسلوب يجمع بين الروائي والوثائقي»، وأنه يعد بمثابة استكمال لتجربة المخرج في فيلم «موندوف». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الفيلم يوجه نقداً حاداً للمجتمع عبر عديد من التفاصيل التي قدّمها المخرج بشكل واعٍ، مجسداً ما يحدث داخل لبنان اجتماعياً واقتصادياً، مقدماً إيقاعاً متمهلاً لمشكلة المياه التي تمثل الحياة نفسها، وتأثيرها على الناس».