زعماء العالم يتقاطرون إلى أوسع حشد أممي في نيويورك

قضايا المناخ والتعليم وأوكرانيا تتصدر نقاشات الجمعية العمومية

غوتيريش يتحدث خلال اجتماع «لحظة أهداف التنمية المستدامة 2022» في نيويورك أمس (أ.ب)
غوتيريش يتحدث خلال اجتماع «لحظة أهداف التنمية المستدامة 2022» في نيويورك أمس (أ.ب)
TT

زعماء العالم يتقاطرون إلى أوسع حشد أممي في نيويورك

غوتيريش يتحدث خلال اجتماع «لحظة أهداف التنمية المستدامة 2022» في نيويورك أمس (أ.ب)
غوتيريش يتحدث خلال اجتماع «لحظة أهداف التنمية المستدامة 2022» في نيويورك أمس (أ.ب)

شهدت أروقة المقر الرئيسي للأمم المتحدة أمس (الاثنين)، تقاطر ما يصل إلى 85 من رؤساء الدول واثنين من نواب الرؤساء و51 من رؤساء الحكومات والمئات من كبار المسؤولين من كل أنحاء العالم، للمشاركة في افتتاح الاجتماعات رفيعة المستوى للدورة السنوية الـ77 للجمعية العامة للمنظمة الدولية في نيويورك، وانضم كثيرون بينهم إلى أوسع حشد للدبلوماسية الدولية على الإطلاق، بعدما تأخروا بسبب مشاركتهم في المراسم الجنائزية العظمى التي أقيمت في لندن وداعاً للملكة إليزابيث الثانية، متجاوزين أيضاً القيود المشددة التي فرضت خلال الدورات الثلاث الماضية بسبب تفشي جائحة «كوفيد - 19»، للبحث عن حلول للتهديدات والتحديات العالمية المتزايدة.
وفيما أدت مراسم جنازة الملكة إليزابيث إلى إرجاء غير معتاد لكلمة الرئيس الأميركي جو بايدن، بدا واضحاً غياب زعماء مؤثرين للغاية عن الدورة الجديدة للجمعية العامة، وأبرزهم على الإطلاق الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين الذي أمر جيوشه بغزو أوكرانيا فيما يسميه «عملية عسكرية خاصة» بدأت قبل أكثر من ستة أشهر، والصيني شي جينبينغ الذي يتقاسم مع زعيم الكرملين هواجس المواجهة المتصاعدة سياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً مع الغرب بزعامة الولايات المتحدة والدول الرئيسية في أوروبا، ما أضفى «مزاجاً كئيباً»، بسبب العقوبات الخطيرة لغزو أوكرانيا، وإمكان أن يثير ذلك شهية بكين على استعادة تايوان إلى الأرض الأم تحت شعار صون «الصين الواحدة»، واستمرار التوتر المتعلق بالملفات النووية الأخرى، وأشدها خطورة في كوريا الشمالية وإيران. وسيغيب أيضاً رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الذي يقود واحدة من كبرى الديمقراطيات وأكثرها تنوعاً.
- وقت خطر
وإذا كان الزعماء المجتمعون سيركزون على التحديات المستجدة ودفع العالم نحو استقطابات جديدة في النظام العالمي بطرق لا نظير لها منذ الحرب الباردة، فإن التأثير المتواصل للحرب في أوكرانيا على ارتفاع أسعار المواد الغذائية في كل أنحاء العالم يأخذ حيزاً واسعاً من الاهتمام، بالإضافة إلى استمرار التركيز على أزمة الطاقة التي تعكر صفو الاقتصاد العالمي، والمخاوف بشأن الاضطرابات المناخية مثل الفيضانات المدمرة في باكستان، فضلاً عن الهواجس الكبرى المتعلقة بتحسين التعليم ومحو الأمية والتغلب على التحديات المناخية وموجات الهجرة والسعي إلى إرساء السلام والقضاء على الفقر.
وعلى هامش الاجتماعات، ستعقد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي مؤتمراً مشتركاً بشأن انعدام الأمن الغذائي وارتفاع الأسعار الثلاثاء، علماً بأن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش سيستضيف اجتماعاً منفصلاً مع زعماء العالم الأربعاء، لمناقشة التحديات الرئيسية الثلاثة للحرب: ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والاقتصادات المتدهورة.
وأقر غوتيريش بأن الجمعية العامة «تجتمع في وقت خطر كبير»، لأن «عالمنا مليء بالحرب، وتضربه فوضى المناخ، وندوب الكراهية، ويخيبه الفقر والجوع وعدم المساواة».
ومن المتوقع أن تستخدم الدول الغربية منصة الجمعية العامة لإدانة الغزو الروسي لأوكرانيا، باعتباره هجوماً على النظام العالمي والقانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر العدوان على دولة مستقلة وذات سيادة.
- القيادة الأميركية
ويتوقع أن تحدد كلمة بايدن الأربعاء، مسار الدورة السنوية هذه بالتركيز على أوكرانيا وتغير المناخ ودور الأمم المتحدة. ويرجح أن يخاطب الحشد الدولي الذي تغير بشكل كبير منذ العام الماضي، عندما ألقى أول خطاب رئاسي له في الأمم المتحدة وسعى إلى إعادة تأكيد القيادة الأميركية العالمية بعد سنوات «أميركا أولاً» خلال عهد سلفه الرئيس السابق دونالد ترمب.
وخلال العام الماضي، دافع بايدن عن قراره سحب القوات الأميركية من أفغانستان وسعى إلى تعزيز الديمقراطية في وقت تتصاعد فيه المشاعر الاستبدادية بجميع أنحاء العالم. وصور أميركا وحلفاءها الغربيين كشركاء حيويين، قائلاً إن «أمننا وازدهارنا وحرياتنا مترابطة (…) كما لم يكن من قبل». ويتوقع أن يؤكد على أهمية هذا التحالف هذا العام أيضاً، مواصلاً دعوته إلى الوحدة لدعم أوكرانيا في سعيها إلى صد الغزو الروسي، مع حض زعماء العالم على مواصلة الجهود الدبلوماسية لمنع إيران من تطوير أسلحة نووية، والعمل سوية لمواجهة الصعود الاقتصادي والعسكري للصين.
- المناخ والإدمان على الوقود
ورغم أهمية هذه القضايا، سيشير إلى مواصلة جهوده لإقناع الحلفاء بأن الولايات المتحدة عادت إلى دورها القيادي في القضايا الدولية الحاسمة للحرب والحوكمة وحماية البيئة. وستتيح له الجمعية العامة فرصته الأولى للترويج لتوقيعه الشهر الماضي، على قانون يعد أهم خطوة في التاريخ الأميركي نحو الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري التي تدفع إلى تغير المناخ.
وسيكون للكلام عن المناخ وقع طيب عند غوتيريش الذي رأى خلال اجتماع مجلس إدارة الاتفاق العالمي للأمم المتحدة مساء الأحد، أن تحقيق انتقال عادل ومنصف للطاقة يمثل «أحد أكبر التحديات التي تواجه عالمنا». وقال إن الكوارث المناخية والارتفاع الهائل في أسعار الوقود أوضحا بجلاء الحاجة إلى «إنهاء إدماننا العالمي للوقود الأحفوري»، مشدداً على أهمية الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، وبناء القدرة على الصمود، وتوسيع نطاق التكيف. وأضاف: «لو استثمرنا بشكل كبير في الطاقة المتجددة بالماضي، لما كنا في خضم حالة طوارئ مناخية الآن». ورأى أن مصادر الطاقة المتجددة هي «المسار الوحيد الموثوق» في سبيل تحقيق أمن حقيقي واستقرار الأسعار في مجال الطاقة وفرص العمل المستدامة. ودعا إلى زيادة حصة مصادر الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء العالمية من نحو 30 في المائة اليوم، إلى أكثر من 60 في المائة عام 2030، و90 في المائة عام 2050.
وعرض خطته للطاقة المكونة من خمس نقاط للتحول إلى مصادر الطاقة المتجددة: أولاً، التعامل مع التقنيات باعتبارها «منافع عامة عالمية» متاحة مجاناً. وثانياً، سلط الضوء على الحاجة إلى تأمين وزيادة وتنويع سلاسل التوريد لتقنيات الطاقة المتجددة. وثالثاً، تكافؤ الفرص بالنسبة لمصادر الطاقة المتجددة. ورابعاً، تحويل الدعم من الوقود الأحفوري إلى الطاقة المتجددة، حيث أشار إلى أن الحكومات تنفق كل عام نحو نصف تريليون دولار لخفض سعر الوقود الأحفوري بشكل مصطنع «أكثر من ثلاثة أضعاف ما تحصل عليه مصادر الطاقة المتجددة». وخامساً، أهمية مضاعفة الاستثمارات العامة والخاصة في مصادر الطاقة المتجددة إلى ثلاثة أضعاف إلى 4 تريليونات دولار سنوياً على الأقل.
- قمة كبرى للتعليم
واختتمت الاثنين، قمة كبرى عن «تحويل التعليم» استمرت ثلاثة أيام وكانت افتتحتها نائبة الأمين العام أمينة محمد، التي جددت التأكيد على الحاجة إلى التحول التعليمي، بما يؤدي إلى الإنصاف والشمول وإعادة التفكير في المناهج والابتكار في التدريس، مشددة على الحاجة إلى تمويل أكثر وأفضل. ووصفت التعليم بأنه «نظام بيئي ضخم» يدعم كثيراً من الأهداف السامية الأخرى ودعت إلى التحلي «بالشعور بالإلحاح» في توسيع نطاق المشاريع.
- فرصة ضئيلة مع إيران
وسيضع اجتماع الأمم المتحدة هذا الأسبوع إيران والولايات المتحدة وأطرافاً أخرى تحت سقف واحد بعد خمسة أشهر من المفاوضات غير المثمرة لإعادة الاتفاق النووي الموقع عام 2015 مع إيران. لكن فرصة عقد اجتماع رسمي مشترك على هامش الجمعية العامة لإعادة إطلاق المفاوضات ضئيلة، وفقاً لمسؤولين أميركيين ودبلوماسيين أوروبيين. ويخطط كل من إيران والغرب لتقديم حجة للعالم في نيويورك مفادها أن الطرف الآخر هو المسؤول. وتجادل إدارة بايدن بأن طهران هي المسؤولة عن الجمود في المحادثات لاحتواء برنامجها النووي، وتقول إنها تقدم مطالب جديدة تتجاوز نطاق الاتفاق.
وكانت الدورة السنوية الـ74 للجمعية العامة عام 2019 هي آخر مرة التقى فيها الأعضاء شخصياً قبل الوباء.
وقال الناطق باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك: «نحن سعداء للغاية بعودة أسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة شخصياً بعد عامين», مضيفاً أن «الدبلوماسية الشخصية أمر محوري لما يدور حوله الاجتماع».
وعام 2020، عُقد التجمع السنوي افتراضياً مع إلقاء القادة خطابات مسجلة مسبقاً. وهذه هي المرة الأولى في تاريخ الأمم المتحدة البالغ 75 عاماً التي تم فيها إلغاء الحضور الشخصي. وخلال العام الماضي، اعتمدت الأمم المتحدة مزيجاً من الحضور الشخصي والخطب المسجلة مسبقاً اعتماداً على ما تفضله كل دولة.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تدعو إلى تحرك طارئ لكبح تقنيات الذكاء الاصطناعي

تكنولوجيا تستبدل إحدى الموظفات مكوّناً في الحاسوب الفائق «Alps» بالمركز الوطني السويسري للحوسبة الفائقة (CSCS) بمدينة لوغانو - جنوب سويسرا (أ.ف.ب)

الأمم المتحدة تدعو إلى تحرك طارئ لكبح تقنيات الذكاء الاصطناعي

دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، الاثنين، إلى «تحرك طارئ» لكبح تقنيات الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يستقبل المبعوث الأممي للسودان الاثنين (الخارجية المصرية)

تنسيق مصري - أممي لدعم جهود إنهاء الصراع في السودان

أكدت مصر مجدداً دعمها الثابت لوحدة السودان وسيادة وسلامة أراضيه، خلال اجتماع وزير الخارجية بدر عبد العاطي، مع مبعوث السكرتير العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن في تركيا مع رئيسي مجلسي «النواب» و«الدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة الخميس (المركز الإعلامي لصالح)

تباين ليبي بشأن تأثير تقارب صالح وتكالة على العملية السياسية

أعاد اتفاق رئيسَي مجلسي النواب و«الدولة» الليبيَّين في أنقرة على إحياء لجنة «6+6» خلط الأوراق السياسية في ليبيا، وسط ترجيحات بسعيهما لقطع الطريق على مسار «4+4».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا تشريد وعطش ومعاناة... ثمن باهظ للحرب السودانية (اليونيسف)

معارك عنيفة في النيل الأزرق... وتحركات دبلوماسية لإنهاء الحرب

تصاعدت العمليات العسكرية في النيل الأزرق، متزامنة مع حراك دبلوماسي وسياسي تضمن لقاءات بين الحكومة وقوى مدنية سياسية.

أحمد يونس (كمبالا)
أوروبا جيروم بونافون الممثل الدائم لفرنسا لدى الأمم المتحدة يتحدث خلال اجتماع لمجلس الأمن الدولي بمناسبة الذكرى الـ25 لهجمات 11 سبتمبر 2001 (د.ب.أ)

فرنسا تعتذر لأميركا بعد خلاف دبلوماسي في الأمم المتحدة

أعربت البعثة الفرنسية الدائمة لدى الأمم المتحدة عن أسفها لنشر تدوينة تنتقد تصويتاً للولايات المتحدة خلال اجتماع الجمعية العامة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مصرع شخص وفقدان 25 آخرين إثر غرق قارب مهاجرين قبالة اليونان

TT

مصرع شخص وفقدان 25 آخرين إثر غرق قارب مهاجرين قبالة اليونان

قُتل شخص فيما لا يزال 25 آخرون في عداد المفقودين، بعد غرق قارب كان يقلّ مهاجرين قبالة جزيرة غافدوس اليونانية القريبة من كريت، حسبما أفاد به خفر السواحل اليونانيون لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الاثنين.

وقال متحدث باسم خفر السواحل: «تم إنقاذ 51 شخصاً بواسطة سفينتين كانتا في المنطقة»، مضيفاً أن القارب كان يقل 77 شخصاً عندما غرق، وفقاً لإفادات الناجين.

وأصبحت جزيرتا كريت وغافدوس، الواقعتان على بُعد نحو 320 كيلومتراً من الساحل الليبي، نقطة الدخول الرئيسية لطالبي اللجوء إلى اليونان.

وفي أواخر أغسطس (آب)، أظهرت أرقام نشرتها وكالة الأنباء اليونانية «آنا» نقلاً عن وزارة الهجرة، أن عدد المهاجرين الوافدين إلى اليونان تراجع من نحو 61 ألفاً في العام المنتهي في أغسطس 2025 إلى 42 ألفاً خلال الاثني عشر شهراً التالية، أي بانخفاض يقارب 31 في المائة.

وشددت دول أوروبية قواعد الهجرة خلال السنوات الأخيرة، في وقت ازداد التأييد للأحزاب اليمينية المتطرفة المناهضة للهجرة.

ودفع وزير الهجرة واللجوء اليوناني ثانوس بليفريس، نحو تبني سياسة صارمة تجاه اللاجئين.

كما تُجري اليونان مباحثات مع ألمانيا وعدة دول أخرى في الاتحاد الأوروبي بشأن إنشاء «مراكز إعادة» خارج التكتل للنظر في طلبات المهاجرين.


كندا نحو «شراكة اقتصادية وأمنية أقوى وأعمق» مع الاتحاد الأوروبي

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء الكندي مارك كارني (د.ب.أ)
TT

كندا نحو «شراكة اقتصادية وأمنية أقوى وأعمق» مع الاتحاد الأوروبي

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء الكندي مارك كارني (د.ب.أ)

تسعى كندا لبناء شراكة اقتصادية وأمنية غير مسبوقة مع الاتحاد الأوروبي؛ في محاولة للحد من اعتمادها على الولايات المتحدة، دون أن تطمح إلى عضوية التكتل، في حين تتسع الهوة بينها وبين جارتها الجنوبية في ظل سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ويصف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بلاده بأنها «أكثر دولة أوروبية من الدول غير الأوروبية».

وفي أحدث مؤشر إلى هذا التقارب، يتوجه كارني، هذا الأسبوع، إلى مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حيث سيصبح، الأربعاء، أول رئيس حكومة يحضر خطاب «حال الاتحاد الأوروبي»، قبل أن يلقي، في اليوم التالي، كلمة أمام البرلمان الأوروبي، وفق ما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية»

ومن المقرر أيضاً أن يزور كارني مدينة ليفربول، حيث سيعقد أول اجتماع له مع رئيس وزراء بريطانيا الجديد آندي بيرنهام.

وقال النائب الأوروبي الألماني والراعي الرئيسي لقرار صدر في مارس (آذار) الماضي يدعو إلى تعزيز التعاون بين الاتحاد الأوروبي وكندا، توبياس كريمر، إن زيارة كارني تمثل «رمزاً بالغ الأهمية».

وأضاف كريمر، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «تمتلك كندا كثيراً من الموارد التي تعاني أوروبا نقصاً كبيراً فيها، سواء في مجال الطاقة أم العناصر الأرضية النادرة أم المعادن الخام».

وتضررت كندا بشدة من الحرب التجارية التي شنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، نظراً للتكامل الاقتصادي الوثيق بينها وبين جارتها الجنوبية، ما دفعها إلى البحث بشكل عاجل عن شركاء اقتصاديين جدد.

وقال كريمر إن الاتحاد الأوروبي تأثّر، بدوره، بعودة ترمب إلى البيت الأبيض، ويسعى، شأنه شأن كندا، إلى «تنويع» علاقاته الخارجية و«الحد من المخاطر» المرتبطة بتلك العودة.

الرئيس الأميركي يستقبل رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في البيت الأبيض العام الماضي (أ.ب)

عضوية مستبعدة

قرّب كارني كندا، بالفعل، من التكتل الأوروبي. وأصبحت كندا أول دولة من خارج الاتحاد الأوروبي تنضم إلى برنامج التكتل للمشتريات الدفاعية، كما لعب رئيس الوزراء دوراً في انضمام كندا إلى مسابقة «يوروفيجن» الغنائية.

وفي الشهر المقبل، يستضيف كارني قمة بين الاتحاد الأوروبي وكندا في مونتريال، قال إنها ستشهد بدء مناقشات حول بناء «شراكة اقتصادية وأمنية أقوى وأعمق بكثير».

وأشار خافيير مورينو سانشيز، النائب الإسباني في البرلمان الأوروبي ورئيس الوفد البرلماني المعنيّ بالعلاقات مع كندا، إلى أن أوتاوا وبروكسل تتفقان في الرؤى بشأن قضايا المناخ والذكاء الاصطناعي، كما يجري العمل، بالفعل، على اتفاق للتجارة الرقمية.

وسيُبنى هذا الاتفاق على اتفاقية التجارة الحرة القائمة بين الجانبين، المعروفة باسم «سيتا» (CETA)، والتي قال سانشيز إنها لا تزال تنطوي على إمكانات غير مستغَلة، إذ إن الشركات الصغيرة والمتوسطة لم تستفد بعدُ بصورة كاملة من مزاياها.

وازدادت التكهنات بشأن احتمال انضمام كندا، بشكل كامل، إلى الاتحاد الأوروبي، خلال الولاية الثانية لترمب.

وقال كارني، للصحافيين، الأحد، إن بلاده «لا تسعى إلى أن تصبح عضواً في الاتحاد الأوروبي».

وأضاف: «ما نسعى إليه وما سنبدأ مناقشته هو إقامة تحالف فريد مع الاتحاد الأوروبي. فنحن نتشارك القيم نفسها، ولدينا الأولويات نفسها، كما أن نقاط قوتنا تكمل بعضها بعضاً».

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يسعى لشراكة اقتصادية وأمنية أقوى وأعمق مع الاتحاد الأوروبي (رويترز)

خيار غير «واقعي»؟

وأظهر استطلاعٌ، أُجري في أبريل (نيسان) الماضي، أن 57 في المائة من الكنديين يؤيدون انضمام بلادهم إلى الاتحاد الأوروبي، لكن ليس من الواضح ما إذا كانت كندا مؤهلة أصلاً لذلك أم لا.

وتنص المادة 49 من معاهدة الاتحاد الأوروبي على أن «أي دولة أوروبية» تلتزم بـ«الكرامة الإنسانية والحرية والديمقراطية والمساواة وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان» يمكنها الانضمام إلى التكتل.

غير أن المعاهدة لا تضع تعريفاً واضحاً للدولة الأوروبية، الأمر الذي يثير شكوكاً حول إمكانية انطباق هذا الوصف على كندا.

وقال إغناسيو غارسيا بيثيرّو، الباحث في مركز الأبحاث «بروغل» في بروكسل: «فكرة أن تصبح كندا عضواً في الاتحاد الأوروبي، سواء من الناحية الاقتصادية أم السياسية، لا تبدو لي احتمالاً واقعياً».

وفي عام 1987، رُفض طلب المغرب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي على أساس أنها ليست دولة أوروبية.

ومازح خافيير مورينو سانشيز بالقول إن كندا «ليست بعيدة إلى هذا الحد» جغرافياً؛ في إشارة إلى قربها من إقليم غرينلاند المتمتع بالحكم الذاتي والتابع للدنمارك.

لكنه أضاف أن إقامة علاقات وثيقة مع الاتحاد الأوروبي تظل ممكنة دون العضوية الكاملة، كما هي الحال بالنسبة إلى آيسلندا وسويسرا.

غير أنه أشار إلى أنه، وعلى عكس سويسرا، ينطوي نقل البضائع بين كندا والاتحاد الأوروبي على تكاليف شحن مرتفعة، كما أن أوروبا لن تكون قادرة على أن تحل محل السوق الأميركية بالنسبة إلى كندا.

وفي يوليو (تموز) الماضي، توجه 70 في المائة من الصادرات الكندية إلى الولايات المتحدة، مقابل 5 في المائة فقط إلى الاتحاد الأوروبي.

ومع ذلك قال كريمر: «كلما أمكننا تعزيز التعاون، كان ذلك أفضل».


قمة «بريكس» تطلق عملاً مشتركاً لـ«عالم متعدد وأكثر عدلاً»... وإيران نقطة خلاف

قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)
قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)
TT

قمة «بريكس» تطلق عملاً مشتركاً لـ«عالم متعدد وأكثر عدلاً»... وإيران نقطة خلاف

قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)
قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)

اختتمت قمة مجموعة «بريكس» أعمالها، الأحد، في نيودلهي بتوافق على إطلاق مرحلة جديدة لتعزيز التعاون بين بلدان المجموعة ووضع تصورات رئيسية لـ«خريطة طريق» تنظم الرؤى المشتركة لـ«عالم متعدد الأقطاب وأكثر عدلاً»، حسبما ورد في الإعلان الختامي للقمة. وعلى الرغم من توافق القادة المجتمعين على الخطوط الرئيسية لمواجهة التحديات التي تعترض خطط تمتين الشراكات داخل المجموعة، كشف التباين الواسع في الأولويات حجم المشكلات التي تواجه التكتل الذي يضم ثلث البشرية ونحو نصف إنتاجها التجاري. وبرغم دعوة الهند والصين أكبر دولتين في التكتل لتسوية سريعة للصراع حول أوكرانيا، لكن هذا الملف غاب عن البيان الختامي للقمة، كما برزت نقطة خلافية كبيرة حول إيران خلال مناقشات الصياغة النهائية للبيان.

أولويات القمة

جاءت المداخلات الختامية للقادة خلال القمة التي حملت تسمية «بريكس بلوس» بسبب مشاركة بلدان من خارج المجموعة، لتعكس التوجهات الرئيسية التي جرى التوافق عليها.

وأكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن «الاهتمام العالمي بأنشطة (بريكس) يتزايد باستمرار، وأن المجموعة تُشارك بفاعلية في صياغة نظام عالمي أكثر عدلاً وتعدداً للأقطاب».

ورأى بوتين أن «(بريكس) أصبحت قوة دافعة مؤثرة في تعزيز التعددية الحقيقية في العلاقات الدولية».

وعلى الرغم من تشديده على أن النظام الأحادي القطب للعلاقات الدولية أصبح من الماضي، لكنه أقر بأن «تشكيل عالم متعدد الأقطاب ليس بالأمر الهين؛ إذ يواجَه بمقاومة شديدة من قِبَل أولئك الذين اعتادوا التفكير بمنطق استعماري».

وأشار الرئيس الروسي إلى أنهم (أي الغرب) «غير مستعدين لتقبّل الواقع المتغير، ويحاولون بكل الوسائل احتواء المنافسين المتنامين». وتُستخدم حروب التعريفات الجمركية، والعقوبات غير المشروعة، ومحاولات الديكتاتورية الاقتصادية، والابتزاز، والتدخل في الشؤون الداخلية، والقوة الغاشمة.

وقال بوتين أمام القمة: «تدعو مجموعة (بريكس) إلى منح جميع الدول، دون استثناء، فرصاً متساوية وغير محدودة لتحقيق نمو اقتصادي واجتماعي مستدام ومتوازن، بما يضمن رفاهية شعوبها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على ثقافاتها وتقاليدها الوطنية الفريدة والالتزام بنماذجها التنموية السيادية».

وفاخر بأن «القيم والمبادئ الأساسية التي تتبناها دول (بريكس) تعد جذابة لدول كثيرة». وأشاد الزعيم الروسي بهذا «الالتزام بحل المشكلات بشكل جماعي، استناداً إلى القانون الدولي والأحكام الرئيسية لميثاق الأمم المتحدة».

ووضع بوتين تصوره لتطوير التعاون داخل المجموعة، مشيراً إلى أن دول «بريكس» تستحوذ على ما يقرب من ربع الصادرات العالمية، وتساهم بالجزء الأكبر من نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو 49 في المائة.

صورة نشرتها وزارة الخارجية الهندية تظهر كلاً من رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيسين الصيني شي جينبينغ والروسي فلاديمير بوتين في قمة «بريكس» في نيودلهي (أ.ف.ب)

وأشار إلى أن الدول الأعضاء في المجموعة تشهد نمواً سكانياً متزايداً باطراد، وتعزيزاً للأسواق المحلية، وإنشاء مراكز صناعية وتكنولوجية ومالية وعلمية وتعليمية قوية، فضلاً عن بناء بنية تحتية حديثة للنقل والطاقة والتقنية الرقمية. وقد بلغ حجم التجارة الداخلية داخل المجموعة 1.2 تريليون دولار.

وتحدث عن أهمية تطوير «تكامل اقتصادات الدول الأعضاء» بما يتيح فرصاً واسعة للتعاون وإنشاء سلاسل إنتاج وتقنيات وخدمات وأسواق جديدة، مقترحاً «إنشاء منصة نمو مشتركة لدول (بريكس)، تجمع بشكل طبيعي بين المزايا التنافسية لاقتصاداتنا».

خريطة طريق

عموماً، كانت إعادة هيكلة النظام العالمي - بدءاً من إصلاح مجلس الأمن الدولي والمؤسسات المالية الدولية وصولاً إلى قواعد التجارة الجديدة - الموضوع الرئيسي لقمة «بريكس» في نيودلهي.

وبعد مداولات ولقاءات ثنائية في اليوم الأول، تحول التركيز في ثاني أيام القمة إلى الآفاق المستقبلية وإصلاح نظام الحوكمة العالمية.

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لدى وصوله إلى قمة «بريكس» في دورتها الثامنة عشرة والمنعقدة في نيودلهي (أ.ف.ب)

وفي افتتاح الجلسة العامة، اقترح الزعيم الهندي ناريندرا مودي التحرك نحو اتخاذ إجراءات حاسمة. وقال: «لقد حان الوقت لتحويل وحدتنا وتوافقنا داخل مجموعة (بريكس) إلى نتائج ملموسة على الساحة العالمية».

ودعا إلى وضع أجندة جديدة طموحة للمجموعة للعشرين عاماً القادمة، بالإضافة إلى آلية لضمان استمرارية القرارات وتنفيذها.

ورأى مودي أن إصلاح نظام الحوكمة العالمية هو التحدي الرئيسي أمامه. وقال إنه ينبغي تطوير عشر مبادرات بشكل مشترك، ثم صياغتها في «خريطة طريق» يمكن إعدادها للقمة القادمة. وقال إن النظام الحالي يشبه الهرم، حيث تتركز السلطة وصنع القرار في القمة، ولا يستطيع أحد التأثير فيه. ورأى أن هذا الهرم من الامتيازات يجب تحويله إلى منصة للشراكة، حيث يكون لكل دولة صوت مسموع.

«شي» في نيودلهي

وتابع الرئيس الصيني شي جينبينغ هذا النهج. وأشار إلى أن «دول (بريكس) يجب أن تتبوأ الصدارة في تحسين الحوكمة العالمية». كما يجب عليها أن تضطلع بدور ريادي في صون السلام وتحفيز الابتكار.

واقترحت الصين مبادرة لتعزيز التصنيع الجديد باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. وأكدت بكين استعدادها للتعاون مع دول «بريكس» للحصول على نتائج البحوث العلمية والتطبيقات العملية، فضلاً عن تعميق التعاون في الإنتاج وسلاسل التوريد.

وتُعد زيارة شي إلى نيودلهي في غاية الأهمية. فقد تدهورت العلاقات بين بكين ونيودلهي بشكل ملحوظ بعد الاشتباكات على طول خط السيطرة في جبال الهيمالايا عام 2020. إلا أنه في عام 2025، زار مودي الصين لأول مرة منذ سبع سنوات. وبعد ذلك، استأنف البلدان الرحلات الجوية المباشرة والتجارة عبر الحدود.

قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)

خلافات على البيان الختامي

وقال شي: «يجب على الصين والهند أن تدعما عالماً يسوده المساواة». علما بأن تباين المواقف بين بكين ونيودلهي ظهر خلال كل مسيرة «بريكس» منذ تأسيسها، وبرز بشكل خاص عند مناقشة ملفات مثل توسيع المجموعة أو أولويات تحركها المشترك حيال الأزمات الإقليمية والدولية.

كما برزت تباينات خلال صياغة البيان الختامي للقمة، وبالإضافة إلى تفضيل القادة عدم التطرق للصراع حول أوكرانيا، برز الملف الإيراني كعنصر خلافي. وقال مساعد الرئيس الروسي لشؤون السياسة الخارجية يوري أوشاكوف إن «الاتفاق على الإعلان النهائي كان صعباً» مع إشارة إلى أن «الوضع المحيط بإيران تسبب في بعض التوتر».

بدوره أجاب مودي عن سؤال حول الخلاف المحيط بمصطلح «الحرب على إيران» الذي احتاج إلى مداولات واسعة بين الأعضاء قبل الاتفاق على صيغة نهائية مبهمة ومرضية للجميع.

وأعربت الوثيقة عن القلق إزاء المخاطر المتزايدة للحرب النووية، ودعت إلى تعزيز الحد من التسلح ومنع الانتشار النووي. كما دعت إلى الإسراع في تنفيذ القرارات التي تُنشئ منطقة في الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل. وحذّرت من سباق تسلح في الفضاء، وطالبت برفع العقوبات الأحادية غير القانونية، وأقرّت بإمكانات الذكاء الاصطناعي في تحفيز النمو الاقتصادي.

أعلام البلدان المشاركة في قمة «بريكس» بدورتها الثامنة عشرة والمنعقدة في نيودلهي (إ.ب.أ)

وساطة هندية صينية

إلى ذلك، أعلن المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف أن رئيس الوزراء الهندي والرئيس الصيني عرضاً، كل على حدة، على الرئيس الروسي المساعدة في تسوية الأزمة الأوكرانية.

وأفاد بأن الزعيمين طرحا هذه المقترحات خلال محادثات ثنائية مع بوتين على هامش قمة «بريكس»، موضحاً: «خلال الاتصالات الثنائية، أبدى مودي وشي اهتماماً دقيقاً بملف التسوية الأوكرانية، وعرضا مساعيهما للمساعدة في البحث عن حل للمشكلة». وأضاف أن الرئيس الروسي أشاد بهذه المبادرة و«قدم معلومات مفصلة عن الوضع الراهن».

في السياق، قال مساعد الرئيس الروسي، يوري أوشاكوف، إن التوصل إلى اتفاقات بشأن المسألة الإقليمية قد يسهل المضي قدماً في مفاوضات الأطراف في النزاع الأوكراني.

وأشار إلى أنه إلى جانب مسألة التنازلات الإقليمية، لا يزال أمام الأطراف الاتفاق على عدد من الموضوعات الأخرى.

وقال أوشاكوف إن الأميركيين باتوا يتفهمون موقف روسيا على نحو أفضل. وكان الكرملين أعرب عن أمل في أن يعقد لقاء ثلاثياً بشأن أوكرانيا في المستقبل المنظور.

إلى ذلك، قال بيسكوف في تعليق لصحيفة «إزفيستيا» على تصريحات جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي: «نأمل أن يعقد هذا اللقاء (الثلاثي بين روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا) في المستقبل المنظور. ونحن نتفق في هذا الشأن مع السيد كوشنر».

ولفت إلى أنه لا توجد حالياً مقترحات جديدة بشأن التسوية الأوكرانية، مؤكداً أن اللقاء الثلاثي المرتقب هو السبيل للبحث عن خيارات.