ما بين «هايد بارك كورنر» و«لندن بريدج»... المراسم الملكية واحدة

أحفاد الملكة إليزابيث يتقدمهم الأمير ويليام يقفون حرساً حول جثمان جدتهم المسجى في قاعة «وستمنستر هول» (أ.ف.ب)
أحفاد الملكة إليزابيث يتقدمهم الأمير ويليام يقفون حرساً حول جثمان جدتهم المسجى في قاعة «وستمنستر هول» (أ.ف.ب)
TT

ما بين «هايد بارك كورنر» و«لندن بريدج»... المراسم الملكية واحدة

أحفاد الملكة إليزابيث يتقدمهم الأمير ويليام يقفون حرساً حول جثمان جدتهم المسجى في قاعة «وستمنستر هول» (أ.ف.ب)
أحفاد الملكة إليزابيث يتقدمهم الأمير ويليام يقفون حرساً حول جثمان جدتهم المسجى في قاعة «وستمنستر هول» (أ.ف.ب)

شهدت لندن خلال العشرة أيام الأخيرة مشاهد مختلفة للحزن والرثاء للملكة إليزابيث الثانية. ومع زيادة أعداد الزوار للعاصمة من جميع أنحاء بريطانيا؛ بل ومن أنحاء العالم، كان من الطبيعي أن تزداد الإجراءات الأمنية وتتصاعد لتؤمِّن الجنازة الرسمية للملكة الراحلة، والحضور من القادة والملوك والزعماء.
وكان من اللافت التعليقات الساخرة أو المتعجبة -على أقل حال- من حالة الحداد ومظاهرها، من مراسم نقل الجثمان من بالمورال -حيث توفيت الملكة- إلى كنيسة سانت جايلز بإدنبره، وصفوف الجماهير التي اصطفت لساعات طويلة لرؤية التابوت والتوقف أمامه لتحية الملكة. ومع نقل الجثمان للندن كانت هناك مراسم أخرى، تمثلت في نقل التابوت على عربة تجرها الأحصنة إلى قاعة «وستمنستر هول» بينما تبع الجثمان أبناء وأحفاد الملكة الراحلة، على وقع الموسيقى العسكرية وقرع أجراس الكنائس ودقات ساعة «بيغ بن». ثم تبع ذلك السماح للمواطنين بالمرور بالجثمان المسجى على منصة مرتفعة ومغطى بالراية الملكية، وفوقه التاج الملكي. وقد شهدت القاعة مرور عشرات الآلاف، وسجلت الكاميرات وجوهاً معروفة بين المواطنين، من ساسة وإعلاميين ونجوم رياضة.
وقام أبناء الملكة، يتقدمهم الملك تشارلز، بالوقوف حرساً بالقرب من جثمانها، بينما استمرت حركة المواطنين من حولهم، كما قام أحفاد الملكة، يتقدمهم أمير ويلز الأمير ويليام وشقيقه الأمير هاري، بالوقوف حرساً حول النعش أول من أمس.
في كل هذه المراسم المختلفة التي رآها البعض «عتيقة»، وأنها تمثل «تطفلاً» على الحزن الشخصي لأفراد العائلة، لم يدرك المعلقون والمنتقدون أن المراسم جرت بحذافيرها لجنازة الملك جورج السادس، والد الملكة إليزابيث، في فبراير (شباط) 1952، وأن للتقاليد العريقة سطوة وثقلاً.
عندما نعود للتغطية الصحافية والتلفزيونية لجنازة الملك جورج السادس، ستدهشنا التفاصيل المطابقة لما حدث بعد 70 عاماً. تغيرت الأوقات والدول والأعراف والتقاليد؛ لكن المراسم الملكية ظلت كما هي.
ما بين 1952 و2022
أُعلنت وفاة الملك جورج السادس في السادس من فبراير عام 1952، من خلال بيان للقصر الملكي جاء فيه: «بعد أن خلد للنوم الليلة الماضية متمتعاً بصحته، توفي الملك بسلام في أثناء نومه صباح اليوم». سرعان ما بدأت الإجراءات لنقل الجثمان من قصر ساندريهام في نورفولك، تفعيلاً لخطة تحرك أطلق عليها اسم «عملية هايد بارك كورنر»؛ حيث أُعلنت حالة الحداد، وأُغلقت دور السينما، وأُجلت المناسبات الرياضية، وبدأت مراسم التأبين.
الفرق في حالة الملكة إليزابيث كان في اختلاف مكان الوفاة. فقد توفيت في قلعة بالمورال باسكوتلندا، وأعلن تفعيل عملية «يونيكورن» (وحيد القرن) التي وُضعت لإطلاق إجراءات الحداد حال وفاة الملكة في اسكوتلندا. وبعد نقل الجثمان إلى لندن تم تفعيل عملية «لندن بريدج» لإجراءات العزاء العام والجنازة في العاصمة.

                               طابور المعزين من الشعب يمرون بجانب نعش الملك جورج السادس في قاعة «وستمنستر هول» فبراير 1952 (أ.ب)
أعلنت حالة الحداد لتسعة أيام في فبراير 1952، وتم نقل الجثمان للندن بالقطار يوم 11 فبراير؛ حيث نقل إلى «وستمنستر هول» على عربة مدفع تجرها الأحصنة، ومشت الملكة إليزابيث الثانية، ووالدتها الملكة إليزابيث، وشقيقتها الأميرة مارغريت، خلف النعش خارج محطة القطار، ثم استقلت الملكتان والأميرة السيارة للحاق بالملكة ماري، والدة الملك، في قصر باكنغهام، بينما مشى الأمير فيليب زوج الملكة مع الأمير هنري شقيق الملك ودوق غلوستر خلف النعش، يتبعهم عدد من الموظفين في القصر الملكي. واحتشدت صفوف الجماهير على الجانبين، على طول الطريق من محطة سانت بانكراس إلى قاعة «وستمنستر هول»؛ حيث وُضع الجثمان على منصة يحرسها أفراد الحرس الملكي استعداداً لزيارة المواطنين.
إذا غيرنا الأسماء من الفقرة الأولى، وبعض أسماء الأماكن، فسنرى أن المراسم هي نفسها ولم يتغير منها شيء، فالملكة إليزابيث نُقلت من قصر باكنغهام على عربة المدفع وخلفها مشى أفراد عائلتها حتى وصول النعش لقاعة وستمنستر، استعداداً لزيارة المواطنين الراغبين في إلقاء نظرة الوداع على ملكتهم.
الطابور العظيم
شهدت لندن خلال الأيام السابقة مشهداً مهيباً من حشود المواطنين الذين انتظموا في طابور طويل جداً، امتد لأربعة أميال في بعض الأيام، وظل المواطنون يفِدون طوال ساعات الليل والنهار، منهم من أحضر طعامه وشرابه والأغطية الثقيلة والمظلات، ترقباً لتغير الطقس. البعض قضى 12 ساعة ماشياً في ذلك الطابور، ليصل في النهاية لرؤية التابوت، والتوقف دقيقةً لتحية روح الملكة.
بدا ذلك التفاني غريباً في البداية، وأثار موجات من التعليقات الساخرة على وسائل التواصل الاجتماعي، ووصفه كثيرون بأنه يعبر عن «حالة بريطانية خاصة»، فهو شعب يحب النظام، ومستعد للوقوف في الطابور لأقل الأشياء، لدرجة أنه عندما زادت الأعداد عن الحد، وأعلنت الحكومة عن إغلاق الطابور، ونصحت المواطنين بعدم التوجه لنقاط الانطلاق، نُظم على الفور طابور موازٍ للطابور الأصلي، وذلك لانتظار الفرصة للدخول في طابور الزوار. ولإضافة لمحة من الفكاهة في وقت اختلط فيه الحزن والمرح، خصص موقع أخبار الطقس في «بي بي سي» خانة خاصة في جدول الطقس لـ«الطابور»، ليتمكن المنتظرون والراغبون في الاصطفاف من معرفة تقلبات الطقس.
وعلى الرغم من أن الطابور قد يبدو أمراً غريباً في هذا الزمن، فإن قراءة سريعة لأرشيفات الصحف المختلفة، تظهر لنا أن أكثر من 300 ألف مواطن ومواطنة اصطفوا في طابور على مدى أيام، ليتمكنوا من زيارة جثمان الملك جورج السادس، وتظهر الصور الحشود التي امتدت لأميال، تماماً مثلما يحدث اليوم.
وقفة ملكية
أثارت مراسم وقوف الملك تشارلز والأمراء آن وأندرو وإدوارد، حرساً حول جثمان والدتهم، في كنيسة سانت جايلز في اسكوتلندا، ثم في «وستمنستر هول» بلندن، وكذلك وقفة أحفاد الملكة الثمانية أول من أمس حول جثمان جدتهم، كثيراً من التعليقات، وربما الاستهجان لدى البعض. فهناك من اعتبر ذلك مشهداً مشحوناً بالعاطفة، وآخرون اعتبروه تطفلاً على حزن شخصي لأفراد العائلة؛ غير أن الملكة إليزابيث نفسها وقفت مع شقيقتها مارغريت ووالدتها الملكة إليزابيث حراساً حول جثمان الملك جورج السادس، في القاعة نفسها، وبتشكيل الحرس نفسه في عام 1952.
الجنازة الرسمية
أقيمت جنازة الملك جورج السادس في ويندسور في 15 فبراير 1952، وبدأ اليوم بموكب لنقل التابوت من «وستمنستر هول» إلى محطة بادينغتون، لينقل بالقطار إلى ويندسور. وضع التابوت مرة أخرى على عربة مدفع. وقامت الملكة إليزابيث وتبعتها الملكة الأم والأميرة مارغريت، وكذلك الأمير فيليب، وبقية أفراد العائلة، بالمشي خلف التابوت. في أثناء الموكب إلى بادينغتون، دقت ساعة «بيغ بن» ما مجموعه 56 مرة، بمعدل مرة لكل عام من حياة الملك. وبمجرد وصوله إلى ويندسور، تم نقل نعش الملك إلى كنيسة القديس جورج في قلعة ويندسور؛ حيث أقيمت الصلاة، ودُفن الملك في القبو الملكي. وفي عام 1969 نُقل الجثمان لقاعة داخل الكنيسة، حملت اسم الملك جورج السادس.
واليوم الاثنين 19 سبتمبر (أيلول)، تقام مراسم جنازة الملكة إليزابيث الثانية التي يتوقع أن تكون واحدة من أضخم المراسم التي تشهدها العاصمة البريطانية، بحضور نحو 500 ضيف رفيع، ومشاركة آلاف من أفراد الجيش.
ستبدأ الجنازة في الساعة 11 صباحاً بتوقيت غرينتش، في كنيسة وستمنستر؛ حيث ستقام المراسم الدينية لمدة ساعة، ثم بعدها تعزف الأبواق العسكرية لحناً حزيناً، تتبعه دقيقتان من الصمت في جميع أنحاء البلاد. بعدها سينقل الجثمان في موكب ضخم يتقدمه الملك تشارلز وأفراد العائلة الملكية، حتى قوس ولينغتون بالقرب من متنزه «هايد بارك»؛ حيث ستطلق المدافع وتقرع ساعة «بيغ بن».
بعد ذلك، ينتقل النعش لقلعة ويندسور، مقر الملكة إليزابيث المفضل؛ حيث ستقام مراسم خاصة تقتصر على أفراد العائلة، ولن يسمح فيها بالتصوير. وستُدفن في كنيسة الملك جورج السادس التذكارية نفسها، إلى جانب زوجها الراحل الأمير فيليب، في القبو الذي يضم رفات والدها ووالدتها وشقيقتها الأميرة مارغريت، ليجتمع شمل العائلة مرة أخرى.


مقالات ذات صلة

شرطة لندن تقبض على «مسلّح» أمام قصر باكنغهام

العالم شرطة لندن تقبض على «مسلّح» أمام قصر باكنغهام

شرطة لندن تقبض على «مسلّح» أمام قصر باكنغهام

أعلنت شرطة لندن، الثلاثاء، توقيف رجل «يشتبه بأنه مسلّح» اقترب من سياج قصر باكينغهام وألقى أغراضا يعتقد أنها خراطيش سلاح ناري إلى داخل حديقة القصر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق شاشة لتوفير خصوصية خلال اللحظة الأهم في تتويج الملك تشارلز

شاشة لتوفير خصوصية خلال اللحظة الأهم في تتويج الملك تشارلز

قال قصر بكنغهام وصناع شاشة جديدة من المقرر استخدامها خلال مراسم تتويج الملك تشارلز الأسبوع المقبل إن الشاشة ستوفر «خصوصية مطلقة» للجزء الأكثر أهمية من المراسم، مما يضمن أن عيون العالم لن ترى الملك وهو يجري مسحه بزيت. فالشاشة ثلاثية الجوانب ستكون ساترا لتشارلز أثناء عملية المسح بالزيت المجلوب من القدس على يديه وصدره ورأسه قبل وقت قصير من تتويجه في كنيسة وستمنستر بلندن في السادس من مايو (أيار) المقبل. وقال قصر بكنغهام إن هذه اللحظة تاريخيا كان ينظر إليها على أنها «لحظة بين الملك والله» مع وجود حاجز لحماية قدسيته.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم استقالة رئيس هيئة «بي بي سي» على خلفية ترتيب قرض لجونسون

استقالة رئيس هيئة «بي بي سي» على خلفية ترتيب قرض لجونسون

قدّم رئيس هيئة «بي بي سي» ريتشارد شارب، أمس الجمعة، استقالته بعد تحقيق وجد أنه انتهك القواعد لعدم الإفصاح عن دوره في ترتيب قرض لرئيس الوزراء آنذاك بوريس جونسون. وقال شارب، «أشعر أن هذا الأمر قد يصرف التركيز عن العمل الجيد الذي تقدّمه المؤسسة إذا بقيت في المنصب حتى نهاية فترة ولايتي». تأتي استقالة شارب في وقت يتزايد التدقيق السياسي في أوضاع «بي بي سي».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد كبير الاقتصاديين في «بنك إنجلترا»: على البريطانيين القبول بصعوباتهم المالية

كبير الاقتصاديين في «بنك إنجلترا»: على البريطانيين القبول بصعوباتهم المالية

أكد كبير الاقتصاديين في «بنك إنجلترا»، اليوم (الثلاثاء)، أنه يتعين على البريطانيين القبول بتراجع قدرتهم الشرائية في مواجهة أزمة تكاليف المعيشة التاريخية من أجل عدم تغذية التضخم. وقال هيو بيل، في «بودكاست»، إنه مع أن التضخم نجم عن الصدمات خارج المملكة المتحدة من وباء «كوفيد19» والحرب في أوكرانيا، فإن «ما يعززه أيضاً جهود يبذلها البريطانيون للحفاظ على مستوى معيشتهم، فيما تزيد الشركات أسعارها ويطالب الموظفون بزيادات في الرواتب». ووفق بيل؛ فإنه «بطريقة ما في المملكة المتحدة، يجب أن يقبل الناس بأن وضعهم ساء، والكف عن محاولة الحفاظ على قدرتهم الشرائية الحقيقية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
«التنمر» يطيح نائب رئيس الوزراء البريطاني

«التنمر» يطيح نائب رئيس الوزراء البريطاني

قدّم نائب رئيس الوزراء البريطاني، دومينيك راب، استقالته، أمس، بعدما خلص تحقيق مستقلّ إلى أنّه تنمّر على موظفين حكوميين. وفي نكسة جديدة لرئيس الوزراء ريشي سوناك، خلص تحقيق مستقلّ إلى أنّ راب، الذي يشغل منصب وزير العدل أيضاً، تصرّف بطريقة ترقى إلى المضايقة المعنوية خلال تولّيه مناصب وزارية سابقة. ورغم نفيه المستمر لهذه الاتهامات، كتب راب في رسالة الاستقالة الموجّهة إلى سوناك: «لقد طلبتُ هذا التحقيق، وتعهدتُ الاستقالة إذا ثبتت وقائع التنمّر أياً تكن»، مؤكّداً: «أعتقد أنه من المهم احترام كلمتي». وقبِل سوناك هذه الاستقالة، معرباً في رسالة وجهها إلى وزيره السابق عن «حزنه الشديد»، ومشيداً بسنوات خدمة

«الشرق الأوسط» (لندن)

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».


ترمب يدعو إلى «معاهدة جديدة محسنة ومحدّثة» مع روسيا بعد انتهاء مفاعيل «نيو ستارت»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

ترمب يدعو إلى «معاهدة جديدة محسنة ومحدّثة» مع روسيا بعد انتهاء مفاعيل «نيو ستارت»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب الخميس إلى إبرام «معاهدة جديدة محسنة ومحدّثة» مع روسيا، وذلك بعد انتهاء مفاعيل «نيو ستارت» آخر معاهدة للحد من الأسلحة النووية بين البلدين.

وكتب الرئيس الأميركي على منصته «تروث سوشيال»: «بدلاً من تمديد معاهدة نيو ستارت، ينبغي أن نطلب من خبرائنا النوويين العمل على معاهدة جديدة محسنة ومحدّثة يمكنها أن تدوم في المستقبل».

وانتهت مفاعيل معاهدة «نيو ستارت» الخميس، ما يشكّل نقطة تحوّل رئيسية في تاريخ الحدّ من التسلح منذ الحرب الباردة، ويثير مخاوف من انتشار الأسلحة النووية.


«البنتاغون»: أميركا وروسيا تتفقان على إعادة إطلاق حوار عسكري رفيع المستوى

مبنى «البنتاغون» الأميركي في العاصمة واشنطن (رويترز)
مبنى «البنتاغون» الأميركي في العاصمة واشنطن (رويترز)
TT

«البنتاغون»: أميركا وروسيا تتفقان على إعادة إطلاق حوار عسكري رفيع المستوى

مبنى «البنتاغون» الأميركي في العاصمة واشنطن (رويترز)
مبنى «البنتاغون» الأميركي في العاصمة واشنطن (رويترز)

أعلنت الولايات المتحدة، الخميس، أنها اتفقت مع روسيا على استئناف حوار عسكري رفيع المستوى، وذلك بعد ساعات من انتهاء صلاحية المعاهدة الأخيرة التي فرضت قيوداً على الترسانة النووية للبلدين.

وقالت «القيادة الأوروبية» للجيش الأميركي، في بيان، إن «الحفاظ على الحوار بين الجيوش عامل مهم في الاستقرار والسلام العالميين، وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا من خلال القوة، ويوفر وسيلة لزيادة الشفافية وخفض التصعيد»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأضافت أن الاتفاق على استئناف الحوار العسكري جاء بعد تحقيق «تقدم مثمر وبنّاء» في محادثات السلام الأوكرانية في أبوظبي، التي أوفد إليها الرئيسُ الأميركي، دونالد ترمب، مبعوثَه الخاص، ستيف ويتكوف، وصهرَه جاريد كوشنر.