كيف انتصر المثقف التنويري على المثقف الأصولي في فرنسا؟

هيبة الشعراء والكتاب والفلاسفة حلت محل هيبة الكهنة والمطارنة في القرن التاسع عشر

فيكتور هيغو -  بول بنيشو
فيكتور هيغو - بول بنيشو
TT

كيف انتصر المثقف التنويري على المثقف الأصولي في فرنسا؟

فيكتور هيغو -  بول بنيشو
فيكتور هيغو - بول بنيشو

يعد بول بنيشو أحد كبار النقاد الفرنسيين في القرن العشرين. ولكن الشهرة في العالم العربي ذهبت إلى رولان بارت وغطت عليه بل طمسته كلياً. وهذا ظلم كبير في الواقع بل خطأ فادح. لماذا أقول ذلك؟ لأن مؤلفات بول بنيشو لا تقل أهمية عن مؤلفات رولان بارت هذا إن لم تزد فيما يخص شرح كيفية ولادة الحداثة وانتصارها على القدامة في فرنسا. وهذا موضوع يهم المثقف العربي أيضاً، بل إنه موضوع الساعة. علاوة على ذلك فإن هذا الناقد الكبير يشرح لنا كيف تغلبت المسيحية الليبرالية التنويرية على المسيحية الأصولية الظلامية بعد معارك طاحنة وجهد جهيد. إن الاطلاع على مؤلفات هذا الناقد الفذ يساعدنا على فهم التحولات التي طرأت على الأدب الفرنسي في مرحلة حاسمة من تاريخه. ومعلوم أن هذا الرجل عاش عمراً مديداً بين عامي 1908 – 2001 (أي 92) سنة. وقد أمضى جل حياته في دراسة الشعراء والأدباء والمفكرين الذين عاصروا التحولات الكبرى التي صنعت فرنسا الحديثة من أمثال: شاتوبريان، وأوغست كونت، ولامارتين، وفيكتور هيغو، وألفريد دو فيني، وجيرار دو نيرفال، وألفريد دو موسيه، وآخرين كثيرين. وهو لا يدرس هؤلاء الشعراء الكبار من الناحية الفنية أو الجمالية فقط وإنما أيضاً من الناحية الآيديولوجية والسياسية. فالشعر ذو مضمون فكري أيضاً وليس فقط جماليات تطربنا وتنعشنا. إنه يشرح لنا كل ذلك بالتفصيل من خلال كتبه المتلاحقة التالية: أولاً كتاب بعنوان «سيامة الكاتب الحديث وانتصاره على الكاهن القديم بين عامي 1750 - 1830: دراسة عن استهلال عهد سلطة روحانية علمانية في فرنسا». الكتاب صادر عام 1973 في نحو خمسمائة صفحة. ثانياً كتاب بعنوان «زمن الأنبياء: عقائد العصر الرومانطيقي» الصادر عن «غاليمار» في 589 صفحة من القطع الكبير، وقد نال جائزة الأكاديمية الفرنسية عام 1978. ثالثاً كتاب بعنوان «القادة الرومانطيقيون» الصادر عن «غاليمار» عام 1988 في 553 صفحة وقد نال جائزة الأكاديمية الفرنسية أيضاً عام 1988. رابعاً كتاب بعنوان «مدرسة الخيبة والمرارات» الصادر عن «غاليمار» عام 1992 في 615 صفحة.
إن هذه الكتب الأربعة الضخمة المتلاحقة بعضها وراء بعض تمثل تحفة نقدية فكرية من أروع ما يكون. إنها توضح لنا كيف حل الشاعر أو الكاتب أو الفيلسوف محل الكاهن أو رجل الدين في فرنسا الحديثة التي تشكلت بعد الثورة الفرنسية. ولكنّ ذلك لم يحصل دفعة واحدة وإنما على دفعات متتالية طيلة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. عندئذ حلت الثقافة الروحية العلمانية محل الثقافة الدينية الكهنوتية لرجال الدين الأصوليين. كيف حصلت هذه العملية الهائلة التي تمثل قطيعة الحداثة؟ وهل كان مخاض الحداثة صعباً، مراً، عسيراً؟ بمعنى آخر: كيف حل الفكر العلماني الحداثي التقدمي محل الدوغمائيات المتحجرة للأصولية الكنسية القديمة؟ ثم أخيراً: كيف نهض البنيان الجديد على أنقاض العالم القديم؟ هذه هي بعض التساؤلات الكبرى التي يطرحها هذا الناقد الفذ الذي غطت على شهرته صرعة البنيوية الشكلانية الفارغة والعقيمة في نهاية المطاف. ينبغي العلم أن هذه التساؤلات تخص المثقف العربي بالدرجة الأولى حالياً. وذلك لأننا سوف نشهد ذات الظاهرة أو ما يشبهها عما قريب. سوف نشهد ذات المخاض الطويل العسير. لا يعتقدن أحد أن كلام رجال الدين المتزمتين وشيوخ الفضائيات سوف يظل مهيمناً علينا إلى أبد الآبدين. لا يعتقدن أحد أن فهم الإخوان المسلمين القسري والتوتاليتاري للإسلام سوف يظل مسيطراً على الشارع العربي حتى قيام الساعة! لا يعتقدن أحد أن دين «لا إكراه في الدين» سوف يظل مفهوماً بشكل مضاد لروحه وجوهره. كل هذا سوف يتم تكنيسه في السنوات القادمة عندما ينتصر الفهم التنويري للإسلام على الفهم الظلامي. عندئذ سوف يحل المثقف الحداثي أو الفيلسوف العربي محل الشيخ التقليدي المهيمن على العقلية الجماعية منذ مئات السنين. عندئذ سوف ينتصر المثقفون العرب على شيوخ الفضائيات. وسوف يشرحون الدين الحنيف بطريقة مختلفة كلياً: أي طريقة متجددة، حرة، منعشة. عندئذ سوف يحل محمد أركون محل محمد عمارة، أو حسن حنفي محل يوسف القرضاوي، أو العقاد محل حسن البنا، أو طه حسين محل سيد قطب، إلخ. هنا يكمن الرهان الأعظم لكل ما يحصل حالياً. وراء الأكمة ما وراءها. لو أننا ترجمنا كتب بول بنيشو لكنا عرفنا كيف حصلت نقلة الحداثة بكل تجلياتها ومراحلها وتعقيداتها. وهي نقلة أو قطيعة سوف تحصل عندنا أيضاً مثلما حصلت في أوروبا قبل مائتي سنة. ولكنّ هذا لا يعني أن حداثتنا ستكون نسخة طبق الأصل عن حداثة أوروبا! ولا يعني أن الثورة الفرنسية هي النموذج الأوحد للتغيير. فنحن لسنا بحاجة إلى مقصلة وعنف ودماء غزيرة تملأ شوارع عواصمنا كما ملأت شوارع باريس. هناك طرق أخرى للتغيير. هناك أسلوب الإصلاح المتدرج والحكم الرشيد على الطريقة الإنجليزية مثلاً. أكتب هذه الكلمات وأنا أشهد بأم عيني كيف اعتلى الملك المحترم المحبوب تشارلز الثالث عرش إنجلترا في أعرق دولة ديمقراطية في العالم.
لكن لنعد إلى فرنسا. من المعلوم أن قادة الحركة الشعرية والأدبية الفرنسية من أمثال لامارتين وألفريد دو فيني وفيكتور هيغو وسواهم رافقوا الثورة الفرنسية وأحداثها الضخمة أو قلْ تلوها مباشرة. بمعنى آخر فإنهم شهدوا احتضار العالم القديم وولادة العالم الجديد على أنقاضه. لقد انعكس زلزال الثورة الفرنسية على أدبهم شعراً ونثراً. ويمكن القول دون مبالغة إن الثورة الفرنسية كانت زلزالاً كبيراً على الصعيد السياسي وإن نتاجهم كان زلزالاً كبيراً على المستوى الشعري والأدبي والفكري. زلزال الفكر استبق على زلزال السياسة. ولكن ماذا حصل مؤخراً في العالم العربي؟ العكس تماماً. انتفاضات شعبية عارمة تُوِّجت بحكم إخوان مسلمين! وهم يعدون ذلك ثورة مجيدة! بل يعدون إفشالها بمثابة ثورات مضادة! يا إلهي كيف انقلبت الأمور عاليها سافلها...؟
على أي حال لم يكن فيكتور هيغو شاعراً فقط بالمعنى الفني والغنائي الرائع للكلمة وإنما كان أيضاً مفكراً اجتماعياً وسياسياً منخرطاً في هموم عصره وقضاياه. وإلا فما معنى رواية «البؤساء»؟ عندئذ أصبح الشاعر هو القائد الرائد لأمة بأسرها. الشاعر الكبير ذو حدس نبوئي استشرافي يمهد للشعب الطريق. ومعلوم أنه كان ضد الكهنة والمطارنة والخوارنة لأنهم كانوا يمثلون حزب الرجعية والجمود في وقته. هذا لا يعني أنه كان ملحداً. أبداً، أبداً. كان يقول: «أؤمن بوجود الله أكثر من إيماني بوجودي الشخصي»! إنه إله الحق والعدل والخير والجمال. وبالتالي فمعاداة الأصولية الظلامية لا تعني الإلحاد كما يتوهم الكثيرون وإنما تعني الإيمان بشكل آخر، شكل جديد لا قمعي ولا إكراهي ولا ظلامي. «لا إكراه في الدين» كما يقول القرآن الكريم. كان فيكتور هيغو ناقماً على رجال الدين في عصره بسبب تزمتهم وتحجرهم وتكالبهم على الأرزاق والأموال. فيما بعد سوف يتطورون ويستنيرون كثيراً ولكن ليس في عصره. فيما بعد سوف تتصالح المسيحية مع الحداثة بعد صراع طويل ومرير. وهذه هي أكبر ثورة روحية وفكرية تحصل في التاريخ البشري. انظروا إلى البابا فرنسيس الذي يمثل أحد الضمائر الكبرى لعصرنا. لا يوجد أي أثر للتزمت الديني أو التكفير اللاهوتي لديه وإنما العكس هو الصحيح. إنه يفهم الدين بشكل مستنير منفتح ويمد يده بكل صدق إلى عالم الإسلام ويوقّع على «وثيقة الأخوة الإنسانية» مع شيخ الأزهر في أبوظبي.
يقصد المؤلف بأطروحته الأساسية أن هيبة الشعراء والكتاب والفلاسفة حلت محل هيبة الكنيسة والكهنة والمطارنة في القرن التاسع عشر. ولكنّ المشكلة هي أنه ليس من السهل أن تحل سلطة روحية جديدة محل سلطة روحية قديمة راسخة الجذور منذ مئات السنين. ومعلوم أن سلطة الكنيسة كانت مهيمنة على العقول في فرنسا وعموم أوروبا منذ 1500 سنة على الأقل. وكانت تُشعر الناس بالسكينة والطمأنينة وبخاصة عندما يُبتلون بالمصائب والويلات والفقر والجوع والأمراض.
ولذلك فإن انهيار هيبة الأصولية المسيحية ترك فراغاً كبيراً بل أحدث هلعاً في النفوس. وقد حاول الشعراء والكتاب والفلاسفة الكبار سد الفراغ ومعالجة الوضع بقدر الإمكان. ولذلك يمكن القول إن الشعر حل محل الدين إلى حد ما بعد زلزال الثورة الفرنسية. لقد حل محله كعزاء للنفوس الحائرة، النفوس القلقة الضائعة.
أخيراً للحقيقة والتاريخ، ينبغي أن نضيف ما يلي: الدين لم ينته كلياً في أوروبا والغرب كله على عكس ما نتوهم. وإنما الشيء الذي حصل هو أن المسيحية الليبرالية المستنيرة حلت محل المسيحية الأصولية القديمة كما ذكرنا سابقاً. ولهذا السبب اطمأنت الروح الأوروبية بعد أن كانت قد تخلخلت وتزعزعت وارتعبت إلى أقصى حد ممكن بسبب زلزال الثورة الفرنسية. وبالتالي فالدين لم ينتهِ في عصر الحداثة وإنما انتهى فقط مفهومه التكفيري الظلامي والطائفي المتعصب. انتهت محاكم التفتيش والحروب الطائفية الكاثوليكية - البروتستانتية الرهيبة التي ذهب ضحيتها الملايين. انتهى عصر التكفير الداعشي، إذا جاز التعبير. وهذا أعظم إنجاز حققه عصر التنوير الكبير وكذلك الثورة الفرنسية على أثره. وهذا ما سيحصل في العالم العربي يوماً ما. سوف يحل الإيمان الذي يُنعش محل الإيمان التكفيري الذي يقتل. لقد توقفت مطولاً عند هذه الإشكالية الكبرى في كتابي الصادر مؤخراً عن «دار المدى» في بغداد - العراق بعنوان «الإسلام في مرآة المثقفين الفرنسيين».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

6 أوسكارات لـ«معركة بعد أخرى»

بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)
بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)
TT

6 أوسكارات لـ«معركة بعد أخرى»

بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)
بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)

لم تكن هناك مفاجآت كبيرة ليلة الأحد عندما أُعلن عن الفائزين بجوائز «الأوسكار» في الحفل الـ98، فمعظم الأفلام التي كان متوقعاً فوزها في وسائل التواصل والصحف فازت بالفعل، وحصد «معركة بعد أخرى» 6 جوائز، أهمها جائزتا أفضل فيلم وأفضل مخرج لبول توماس أندرسن.

ودخلت السياسة بقوة على الخط نظراً لتزامن الحفل مع أصوات المعارك الضارية في المنطقة العربية.

وقال يواكيم تراير، مخرج «قيمة عاطفية» الذي فاز بأوسكار أفضل فيلم أجنبي، وهو يتسلم جائزته: «لدي ولدان، وعندما أشاهد ما يحدث لأطفال غزة وأوكرانيا والسودان أبكي أنا وزوجتي».

وقبله وقف الممثل الإسباني خافيير باردِم (الذي قدّم الجائزة لتراير) ليقول: «لا للحرب، وفلسطين حرّة». (تفاصيل ص 22)


«صوت هند رجب»... لماذا خسر التتويج بـ«الأوسكار»؟

لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)
لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)
TT

«صوت هند رجب»... لماذا خسر التتويج بـ«الأوسكار»؟

لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)
لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)

بعد الإعلان عن جوائز «الأوسكار»، الأحد، وفوز الفيلم النرويجي الاجتماعي الكوميدي «قيمة عاطفية» بجائزة أفضل فيلم أجنبي، وخسارة الفيلم التونسي «صوت هند رجب» المنافسة، بوصفه الفيلم العربي الوحيد الذي خاض تصفيات أشهر مسابقة عالمياً، ظهرت تساؤلات عن سبب خسارة الفيلم الذي يتناول واقعة حقيقية خلال «حرب غزة» تمثل مأساة إنسانية، ما بين من اعتبروا الجائزة قد تحمل أبعاداً سياسية، خصوصاً مع رفض مخرجة الفيلم تسلم جائزة سابقاً في مهرجان برلين احتجاجاً على تكريم جنرال إسرائيلي، وبين من رأوا الجائزة تحتكم للمعايير الفنية.

ودعم هذه التساؤلات تعليقات «سوشيالية» حول عدم فوز الفيلم التونسي، خصوصاً مع إعلان كوثر بن هنية في لقاء متلفز خلال حفل «الأوسكار» أن بطل فيلمها الفلسطيني لم يتمكن من الحضور بسبب قرار الرئيس ترمب منع منح تأشيرات للفلسطينيين.

وتناول فيلم «صوت هند رجب» محاولة إنقاذ الطفلة الفلسطينية هند رجب التي تبلغ من العمر 6 سنوات، وظلت لفترة عالقة داخل سيارة بها جثث أهلها الذين قتلتهم القوات الإسرائيلية، وقضت الطفلة خلال أحداث الحرب على غزة عام 2024. والفيلم يمزج بين الوثائقي والدرامي عبر التسجيلات الحقيقية لصوت هند رجب وهي تتحدث إلى مسؤولي الإسعاف الفلسطينيين الذين يحاولون إنقاذها. وشارك في بطولة الفيلم سجى كيلاني، ومعتز ملحيس، وعامر حليحل، وكلارا خوري. وشارك الفيلم في العديد من المهرجانات الدولية، وحاز العديد من الجوائز والإشادات النقدية، بل رفضت مخرجته كوثر بن هنية جائزة «السينما من أجل السلام» في مهرجان برلين احتجاجاً على تكريم جنرال إسرائيلي سابق صوّر الحرب على غزة باعتبارها دفاعاً عن النفس.

جانب من حفل جوائز «الأوسكار» (أ.ب)

واستبعد الناقد الفني المصري، طارق الشناوي، أن يكون عدم فوز «صوت هند رجب» بـ«الأوسكار» لأسباب سياسية، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «حفل (الأوسكار) نفسه شهد العديد من مظاهر التضامن مع القضية الفلسطينية، فهناك أكثر من فنان عبروا عن ذلك بشكل معلن، ولكن المعيار هنا فني بالدرجة الأولى».

وتابع الشناوي: «أرى أن (قيمة عاطفية) فيلم جدير بالجائزة، وهذا لا يعني الطعن أو التقليل من فيلم (صوت هند رجب)؛ فقد حصل هذا الفيلم على (الأسد الفضي) في (فينيسيا) في يوليو (تموز) الماضي، وقوبل بحفاوة كبيرة، وحصد جوائز عديدة من المهرجانات، ووصل إلى قائمة الأفلام الخمسة المرشحة لـ(أوسكار)، وكان من بين هذه الأفلام أيضاً الفيلم الإيراني (حادث بسيط)، ولو كان هناك تدخل للسياسة في الجائزة لكان من (الأبدى) حصول الفيلم الإيراني على الجائزة».

ووصف الشناوي الفيلم النرويجي «قيمة عاطفية» بأنه «يستحق الجائزة فنياً»، مستبعداً ربط القيمة الفنية بمفردات اللحظة الراهنة، وقال: «إذا اعتبرنا فيلم (صوت هند رجب)، أو أي فيلم آخر، خسر لأسباب سياسية، فهذا يضعنا في ورطة، وهي أنه يمكن الادعاء بفوز أي فيلم آخر لنا يكون لأسباب سياسية أيضاً، وهذا أمر أستبعده وأرفضه من حسابات صناعة السينما»، مؤكداً جدارة الفيلم النرويجي دون التقليل أبداً من قيمة الفيلم التونسي الذي حظي بحفاوة كبيرة يستحقها.

وكانت منافسات «الأوسكار» هذا العام في الدورة 98 شهدت حضور 4 أفلام عربية في القائمة الأولية هي أفلام: «اللي باقي منك» للمخرجة الأميركية - الأردنية من أصل فلسطيني شيرين دعيبس، و«فلسطين 36» للمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر، و«كعكة الرئيس» للمخرج العراقي حسن هادي،

وفيلم «صوت هند رجب» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، وهو الوحيد الذي نجح في التأهل للقائمة النهائية في المنافسات.

وهي المرة الثالثة التي يشارك فيها عمل من إخراج كوثر بن هنية في منافسات الفيلم الأجنبي على «الأوسكار» بعد فيلمَي «الرجل الذي باع ظهره» و«بنات ألفة».


نزيه يوسف: أُغرمت بنص كارين رزق الله منذ اللحظة الأولى

في «المحافظة 15» يؤدي نزيه يوسف دوراً محورياً (نزيه يوسف)
في «المحافظة 15» يؤدي نزيه يوسف دوراً محورياً (نزيه يوسف)
TT

نزيه يوسف: أُغرمت بنص كارين رزق الله منذ اللحظة الأولى

في «المحافظة 15» يؤدي نزيه يوسف دوراً محورياً (نزيه يوسف)
في «المحافظة 15» يؤدي نزيه يوسف دوراً محورياً (نزيه يوسف)

تشكل إطلالة الممثل نزيه يوسف بشخصية «عمر» في مسلسل «المحافظة 15» عودة لافتة إلى الساحة الفنية بعد فترة غياب. وقد أتاح له العمل مساحة درامية أوسع مما حظي به في أعماله السابقة. ومن خلال شخصية متعددة الاتجاهات، كما يصفها لـ«الشرق الأوسط»، نجح في إقناع المشاهد وأثبت قدرته على أداء الأدوار الجادة والملتزمة. ورغم اشتهاره بتقديم الأدوار الكوميدية ومشاركته في أعمال درامية ومسرحية عدة، فإن تلك التجارب لم تمنحه الفرص التي تبرز كامل قدراته.

يقدّم يوسف دوره بمرونة وعفوية، مستفيداً من حرفيته لإقناع المشاهد بوفائه المتفاني لمديرته النائبة «منية» (كارين رزق الله). وقد أثار هذا الارتباط تساؤلات كثيرة لدى الجمهور في طبيعة علاقته بها، خصوصاً مع تطور الأحداث واقتراب العمل من حلقاته الأخيرة، حيث يُتوقع أن تنكشف حقيقة الشخصية ويسقط القناع عن وجهها البريء.

عن مشاركته في «المحافظة 15»، يؤكد أنه وافق سريعاً على الدور فور تلقيه اتصالاً من المخرج مكرم الريس. ويقول: «عندما تواصل معي مكتب المنتج مروان حداد وشرحوا لي تفاصيل العمل، لم أتردد لحظة. أعتقد أن هذا الاتفاق كان الأسرع في مسيرتي التمثيلية. فمجرد أن عرفت أن النص من كتابة كارين رزق الله والإخراج لسمير حبشي، أدركت أن العرض لا يمكن تفويته».

في كواليس تصوير «المحافظة 15» (نزيه يوسف)

ويشير إلى أنه عادةً ما يتأنى في دراسة العروض التي تُقدم له، فيدقق في تفاصيل الدور والأجر وطبيعة العمل قبل اتخاذ قراره. إلا أن الأمر كان مختلفاً هذه المرة، إذ لم يشغل نفسه بكل تلك التفاصيل، ويقول إن قراءته للنص جعلته يتعلق به سريعاً، مؤكداً أن حدسه في الموافقة السريعة كان في مكانه.

وعن عودة الثنائية بين بطلي العمل يورغو شلهوب وكارين رزق الله، يعلّق قائلاً: «قبل الحديث عن هذه الثنائية الناجحة، لا بد من الإشادة بأجواء العمل ككل. فقد كان الفريق متجانساً ويسعى إلى إنجاح المسلسل بكل ما يملك. كنا أشبه بعائلة صغيرة تجمعها غاية واحدة، وهو ما انعكس إيجاباً على العمل».

ويضيف: «أما ثنائية يورغو وكارين فهي حكاية بحد ذاتها. كان الجمهور ينتظر عودتهما بفارغ الصبر. يورغو يتمتع بسحر خاص في الأداء يجعل المشاهد أسيراً لجاذبيته، فيما تقدم كارين أداءً صادقاً ومحترفاً، ما يصنع بينهما تناغماً واضحاً يحفّز المشاهد على متابعتهما دون ملل».

وقد أتاحت شخصية «عمر» لنزيه يوسف إبراز جانب مهم من موهبته التمثيلية، إذ لا يزال يحتفظ بطاقة فنية وشغف واضحين، ويأمل أن تفتح له هذه المشاركة أبواباً جديدة لإظهار قدراته على نطاق أوسع.

نزيه يوسف خريج معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية، وشارك في أعمال تلفزيونية بارزة لا تزال حاضرة في ذاكرة المشاهد اللبناني، من بينها «مرتي وأنا»، و«عيلة ع فرد ميلة»، إضافة إلى «أماليا»، و«جوليا»، و«الكاتب». كما يمتلك تجربة سينمائية مهمة بعد مشاركته في عدد من الأفلام اللبنانية مثل «رصاصة طايشة»، و«مدام بامبينو»، و«حبّة لولو»، و«عطلة نهاية الأسبوع». أما على المسرح فقد شارك في أعمال يعتز بها، منها «آخر أيام سقراط»، و«أبو الطيب المتنبي» مع الرحابنة.

ويصف يوسف قصة العمل بأنها جديدة، عولجت بأسلوب ذكي رغم صعوبتها، إذ تتخللها محاذير حساسة.

وعن اعتباره الدور فرصة طال انتظارها، يقول: «لا شك أن مساحة الدور وطبيعته تختلفان عما قدمته سابقاً. فالشخصية تحتمل تأويلات متعددة وتفتح المجال أمام مفترقات درامية عدة، لأنها غنية بطبقاتها. والأهم أنها شخصية محورية في بناء العمل وحبكته».

مع كارين رزق الله وتربطه بها علاقة مهنية طويلة (نزيه يوسف)

ويضيف: «المسلسل يطرح أبعاداً اجتماعية ووطنية، ويسعى إلى إبراز العلاقة بين الشعبين السوري واللبناني بالصورة التي طالما تمنيناها. كانت تجربة مميزة وتستحق الجهد الذي بذلناه كفريق عمل».

ولا يرى يوسف أن ما كتبته كارين رزق الله مجرد قصة جريئة، بل يراها معالجة دقيقة لموضوع حساس، ويوضح: «استوحت كارين الحكاية من حادثة حقيقية في عائلتها، إذ اختفى ابن خالتها قبل 28 عاماً أثناء رحلة غطس في البحر. ومن هذه الحادثة بنت المسلسل وأضافت إليها أبعاداً درامية أخرى».

ويتابع: «حرصت المؤلفة أيضاً على إدخال تفاصيل إنسانية صغيرة لكنها مؤثرة، تلامس مشاعر المشاهد. كما تطرقت إلى قضايا عدة، منها الأزمة الاقتصادية في لبنان، والحرب، وإسقاط النظام السوري، إضافة إلى موضوعات اجتماعية مثل الوحدة وأحلام الشباب وتأثير أخطاء الأهل في الأبناء، ما جعل الحبكة متماسكة وغنية».

وقد لاقت شخصية «عمر» ترحيباً لدى الجمهور، الذي تأثر بوفائه وصدقه تجاه شخصية «منية». وعن تحضيره للدور يقول: «شعرت في البداية بالخوف من حجم المسؤولية، فالشخصية تتولى منصباً سياسياً حساساً يتطلب دقة في الأداء. وبما أن الكوميديا طبعت جزءاً كبيراً من مسيرتي، كنت حريصاً على ألا ينعكس ذلك على الشخصية. حتى إن المخرج كان متخوفاً من هذا الأمر».

ويضيف: «لذلك حضّرت للدور بجدية كبيرة، وكنت ألتزم بالنصيحة التي كررها المخرج لي دائماً: تذكّر أنك تؤدي شخصية جدية. وكنت أكرر لنفسي دائماً: أنا عمر».

ويتوقع كثير من المشاهدين أن يحمل المسلسل نهاية تراجيدية، وفق مسار الأحداث وتطوراتها.

ويختم نزيه يوسف قائلاً: «لا أستطيع الكشف عما ستؤول إليه النهاية. لكن أحياناً تحمل الأحداث التراجيدية جوانب إيجابية. لذلك أدعو الجمهور إلى متابعة العمل حتى النهاية لاكتشاف المفاجأة المنتظرة».

Your Premium trial has ended