سامي مهدي... فخ السلطة وضريبة الشعر الأخيرة

الشاعر والديكتاتور وشياطين أخرى

سامي مهدي
سامي مهدي
TT

سامي مهدي... فخ السلطة وضريبة الشعر الأخيرة

سامي مهدي
سامي مهدي

في كل الثقافات العالمية وآدابها تظهر تقيمات للأدباء الموتى والأحياء، لا سيما بعد الموت، وبتشديد أكثر عندما تكون هناك فترات مظلمة في حياة الشاعر المعروف، أو الكاتب الشهير. نحن نعرف أن الأكاديميات والصحف الرئيسية، لا سيما التي تُصدر ملاحق كبرى، مثل ملحق «التايمز»، تعيد تقييم الأسماء الأدبية ونصوصها، من حين إلى آخر، ولا مشكلة. جامعة أوكسفورد، مثلاً، أعادت طبع مسرحيات شهيرة لشكسبير وأضافت اسم كريستوفر مارلو، بعد أن وصل البحث العلمي إلى مصاف اليقين بعدم أصالة شكسبير في كتابة بعض المسرحيات المنسوبة له، فأضيف اسم «مارلو» إلى جانب اسم شكسبير. وكذلك فعلوا مع كتاب «أوفيد في المنفى»؛ فالدراسات الأخيرة ترفض فكرة نفي الشاعر الشهيرة، ولم يظهر من يهدد أو يقاضي أو «يسخر» ممن أنجز هذه الدراسات العظيمة.
في ألمانيا كذلك، وحتى بعد أكثر من خمس وسبعين سنة، تعكف مؤسسة الأرشيف الألماني على التدقيق في الأرشيف الأدبي للكتاب الألمان المعاصرين لهتلر، فإذا ما وجدوا ما يشير إلى «النازية» يوصون في الحال بحجب الكتاب عن التداول، ويُرفع من التداول في المكتبات. وكلنا يتذكر الضجة التي أثارها تصريح غونتر غراس عندما تحدَّث عن التحاقه بصفوف منظمة «الفتوة» النازية، ولم يكن له سوى سبع عشرة سنة. ولقد وصل الأمر بكتاب ونقاد ألمان حد المطالبة بحجب كتب غراس من التداول. المضحك أن بعض من كتبوا المقالات الرئيسة عن حالة غونتر غراس، ونشروها في الصحف العربية الكبيرة، وقد عبّروا فيها عن إعجابهم الشديد بشجاعة غراس، نجدهم الآن يغضبون عندما تتحدث «قلة» قليلة عن حالة عراقية مماثلة. هذه مفارقة عربية ذات صيغة عراقية مركبة تدفعنا للتشكيك بمرامي تلقي «الحالات» العالمية، عربياً، مما يتصل بشجب سلطة الديكتاتور، بل وتمجيد الكاتب المعادي للديكتاتور؛ فقد لا يخلو كتاب لأحدنا، أو مقالة أو بحث من مقولة «ثورية» تندد بـ«القتلة» وتحث «الكتَّاب» على تشريح حياتهم وسيرهم حتى لا يتكرروا. لكن الحالة ذاتها سنجد لها ألف تفسير عندما تتصل بحياتنا العربية العراقية المعاصرة، لا سيما عندما يمسُّ الكلام شاعر - «نا» المفضل، أو شاعر الحزب، أو الشاعر الذي ينتمي إلى «طائفتنا».

سرطان السياسة...
سرطانات الأدب والثقافة
في وقت مبكر من لحظة «نيسان 2003» كنا نقول، معترضين، لزملاء وأصدقاء إنه لا بد لنا من معيار نحتكم إليه في التقييم والحكم. لكن هذه الرغبة طارت ولم تجد أرضاً صلبة تقف عليها. «فلان الفلاني»، مثلاً، كان مدَّاحاً لصدام ونظامه. يصمت الغاضبون من حالة «الشاعر - السيد»، في حين تثيرهم حالة «رئيس» القسم «البعثي»؛ فأعرف أنهم صمتوا لأنه «السيد» ابن عائلة دينية كبيرة. يرتقي «الشاعر الدكتور» أعلى مناصب دولة ما بعد صدام حتى صار وزيراً، في حين يذهب «الأستاذ» البعثي ذو الأصول «الطائفية» المختلفة للنسيان. ثم «يموت» الشاعر يوسف الصائغ فيرفض اتحاد الأدباء والكتَّاب ببغداد نعيه؛ بتهمة إنه كان «خائناً» للحزب والشعب والشعر والوطن. والرفض ذاته نسمع عنه عندما مات، في مغتربه، شاعر صدام الأول «عبد الرزاق عبد الواحد». لكننا «نصحو» على نعي حار برحيل سامي مهدي، النصف البعثي مع خالد علي مصطفى من البيان الشعري الستيني الشهير. ولا أحد يتطوع ويفسر لنا؛ لماذا؟
ولا تفسير، أيضاً، لحالات الجمع بين مطرب شهير مثل كاظم الساهر، لا سيما بعد حديثه الأخير في حفلة وداع سامي مهدي الدامية حد قتال الشوارع في المدن المنكوبة بالحقد والكراهية، شهدنا ما لم نعرف ونسمع من قبل. فجأة تحوَّل «مواطنو» صفحة الشاعر «المحبَّون» له إلى شامتين به وناقمين عليه وعلى شعره. وفجأة، أيضاً، تحول «شعراء» و«مفكرون» و«كتاب قصة أو رواية أو مسرح»، كانوا، حتى البارحة، يكتبون الشعر وينشرون القصص والمقالات الجميلة المنددة بالطغيان والمستبدين وشعراء الحروب ألعابثة إلى مادحي تراث «الراحل» الشعري والنقدي. وإذا كانت «هجمة» بعض مثقفي اليسار العراقي، لا سيما الذين أجبرهم «إرهاب» الدولة البوليسية التي كان سامي مهدي يدير مؤسساتها الثقافية ويكتب المقالات والشعر المادح لـ«رئيسها» على الفرار من البلد، مفهومة، وربما مسوَّغة بحكم تاريخ العلاقة الشائكة بينهما، فإن حجم المغالطات والتنكر لصلة مهدي بما آل إليه وضع البلاد وانتقالها من «استبداد» الفرد الواحد إلى «احتلالات» أجنبية هو أمر غير مفهوم، ولقد حوَّل هؤلاء مهدي إلى «سيَّاف» السلطان الرهيب الذي لا يجرؤ أحد على شتمه، أو فضح أفعاله في حياته، فإذا «مات» صار أعداؤه يكتبون ضده.

ساعة السكرتير المنسية و«مدير الشعر»
منشوران ضائعان في عالم «فيسبوك» الشاسع، أو عالم النت الأوسع، كانا سبب هذه الحفلة الصاخبة. «نتفة» تركها الشاعر عبد الكريم گاصد عن «ساعة سلام عادل: سكرتير الحزب الشيوعي العراقي». لن أتخذ هذه القصة دليلاً على إدانة أحد، لكني أفكر بمئات المنشورات المنددة بما كتبه الشاعر گاصد في كتابه الأخير «رهان الستينات: نقد البيان الشعري، عبد الكريم گاصد، منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، بغداد، 2022»؛ فقط لأن كاتب «النتفة» لم يذكرها في حياة الشاعر الراحل؛ ليمكنه الرد على هذه «الكذبة». والحقيقة أن هذه القصة قد ذكر تفاصيلها گاصد نفسه في مقال عنوانه «خفة الشاعر التي تُحتمل»، نشره عام 2006 على موقع «الحوار المتمدن»، بل إن تاريخ نشر المقال يعود إلى زمن سابق؛ إذ إنه قد نُشر بصفته تقديماً لأحد كتب الكاتب السوري ممدوح عدوان. وفي ذلك المقال يتحدَّث گاصد عن لقاء جمعه بممدوح عدوان وعلي الجندي، وكان معهما سامي مهدي، ولقد أخبرهما مهدي، في ذلك اللقاء، أنه حصل على ساعة سلام عادل، سكرتير الحزب الشيوعي العراقي، بعد موته تحت التعذيب أثناء الانقلاب البعثي في شباط عام 1963، وأنه قد شهد وقائع التعذيب، لكنه لم يشترك به. تاريخ المقال، من ثمّ، لا يرتبط بتاريخ صدور كتاب گاصد «رهان الستينات: نقد البيان الشعري»، إنما يعود لأكثر من خمسة عشر عاماً. ولا يعنيني، هنا، صدق أو كذب واقعة ساعة السكرتير، إنما يهمني جداً أن أسفِّه «حمية» كل الذين كتبوا أن «القصة» ذكرت بعد موت الشاعر سامي مهدي، وأنه كان على صاحبها أن «يعلنها/ ينشرها» في حياة الشاعر. فالقصة معروفة ومعلنة ومسجلة في كتب الشاعر عبد الكريم گاصد، وهي ليست بنت اليوم أو البارحة. أما صدقها أو كذب صاحبها فهذا موضوع آخر، رغم أن أحد الشهود المذكورين «الشاعر علي الجندي» قد تُوفي عام 2009، بعد سنوات من نشر المقالة، حتى ممدوح عدوان فقد رحل عن عالمنا عام 2004.
لكن مقالة الكاتب علي بدر بعنوانها الهادئ «سامي مهدي بورتريه» هي المأثرة الأهم في حفلة الوادع الصاخبة. أقول العنوان الهادئ وهو خلاف مادته الصادمة والمكتوبة بمنطق «الخبير» بالشعر وكتابة السيرة، لِم لا؛ أليس هو، ذاته، صانع المصائر وكاتب سير شخصيات قصصه ورواياته. ولكن متى نفع كلام «الخبير» في بلاد دمرَّها «القتلة» و«الجهلة». في مقالة «بدر» ثمة تقييم نهائي للشاعر الراحل وشعره. يهمنا، هنا، تقييم بدر لشعر مهدي: فهو شاعر سلطة بامتياز، رغم أنه «لم يكتب الشعر السياسي»، ولقد ظل مؤمناً بالآيديولوجيا «البعثية/ القومية» حتى وفاته. ولم يكن موضوع الحرية يقلقه، «كما أنه لم تكن لديه ولا حتى أزمة ضمير إزاء الشعراء من جيله الذي انتهوا منفيين أو مسجونين أو مقتولين فهو كشاعر أو كمثقف أبعد ما يكون عن التعاطف».
وهو ذو شعر «يفقد للجذوة، يفتقر للروح، شعره مكتوب ببراعة لكنه مصنوع (...) هو شعر مكتب مبرد ومخدوم خدمة جيدة». وفي المقالة «البوست» ذاته سيشدد بدر أن شعر سامي مهدي «لم يكن مدرسة كاملة في الشعر له تلامذته ومقلدوه ومريدوه مثل سعدي يوسف، لقد عجز أن يجد شاعراً واحداً يتبعه، ولم نجد شاعراً واحداً نقول إن شعره تقليد واضح لشعر سامي مهدي». وسيكرر علي بدر بعض هذا الحقائق في «منشورات» لاحقة، بعد أن صار في واجهة نار المعترضين على تقييمه للشاعر الراحل.

«إحنه مشينا للحرب»

مثلما أن «الديكتاتور» يخلق بلاداً بحجم أوهامه وكوابيسه وأخطائه وجنونه، فإنه يخلق كذلك شعراءه وكتّابه ومثقفيه. ومثلما أن «الديكتاتور» يذهب إلى موته بلا اعتذار لشعبه عما فعله به، فإن شاعر السلطة يظل عند حدود يقينه بـ«عقيدتـ»ـه السياسية الصلبة حتى لحظته الأخيرة. وسامي مهدي شاعر خدمته سلطة الديكتاتور، وخدم هو، نفسه، تلك السلطة. هاتان حقيقتان لا يمكن إنكارهما، ولا يمكن فصلهما عن بعض، مثلما لا يمكن تفسيرهما بمنطق صراع الشيوعيين والبعثيين، أو كما يسوِّغ بعضهم «استخدام» السلطة المستبدة للأدب والثقافة في خداع الناس وإخضاعهم لها، وركون «الشعراء» و«الكتاب» لهذا المنطق كما لو أنه الحالة الطبيعية. وهو ما يريده أغلب المدافعين عن الشاعر الراحل. نحن نتحدث عن «شاعر» و«شعر» يفترض أن يعبّر عن الحق والعدالة، كما هو منطق الشعر في أغلب آداب العالم، لا أن يكون «أداة» لترسيخ سلطة «الديكتاتور» المطلق. وهذا الأمر حدث على مستوى الشعر نفسه، مثلما حدث على مستوى إدارة الشاعر لمؤسسات السلطة الديكتاتورية. لعل كثيرين سيوردون سيرة الجواهري، مثلاً، وسيقفون عند قصائد أو أبيات مدح بها الشاعر الشهير ملوك العراق و«قاسم» وحتى «البكر» وقادة بعثيين آخرين. وقد يتحدثون عن «منطق» الشعر العربي في مديح السلاطين، شأن أي شعر آخر في أمة أخرى، ولنا في سيرة الشاعر العربي الأعظم «المتنبي» مثلاً. بل قد نحتاج إلى كتب ومؤلفات كثيرة نحصي بها «كلام» المختصين، وغيره، عن جدل العلاقة بين «الأدب» و«السلطة» في تاريخنا العربي والعراقي. ولابأس؛ لكننا في حالة الشاعر الراحل نقف، ربما لأول مرة عند شاعر يسهم في بناء سلطة ديكتاتور. فلا المتنبي فعلها مع سيف الدولة الحمداني، ولا الجواهري مع الملك فيصل أو قاسم. نعم، لم يفعلها شاعر من قبل سوى شعراء الديكتاتور العراقي.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«أرتيميس 2» في مدار القمر

كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
TT

«أرتيميس 2» في مدار القمر

كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)

دخل رواد الفضاء الأربعة ضمن مهمة «أرتيميس2» إلى مدار القمر، أمس، في وثبة عملاقة للبشرية، تمكنهم من مشاهدة أجزاء قمرية لم تَرَها عين مجردة لإنسان من قبل.

وقبل أقل من ساعة من التحليق في مدار القمر، كان مقرراً أن يصير رواد الفضاء الأربعة أبعد مَن يصل إلى هناك من البشر، متجاوزين الرقم القياسي للمسافة الأبعد، البالغ 400 ألف و171 كيلومتراً، الذي سجلته المركبة الفضائية «أبولو13» في أبريل (نيسان) 1970. وتوقع مركز التحكم في المهمة أن تتجاوز كبسولة «أوريون» التابعة لـ«أرتيميس2» هذا الرقم القياسي بأكثر من 6600 كيلومتر.

وعلى رأس قائمة أهداف البعثة «حوض أورينتال»، وقد أظهرت صورةٌ أرسلها الطاقم هذه الفوهةَ التي لم تسبق رؤيتها إلا بواسطة كاميرات تدور في مدار حول القمر من دون وجود طاقم، بالإضافة إلى أطراف منطقة القطب الجنوبي، وهي الموقع المفضل لعمليات الهبوط المستقبلية.


أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
TT

أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)

شهدت الدورة 41 لمهرجان المسرح العالمي الذي تنظمه أكاديمية الفنون المصرية في القاهرة عرض مجموعة مسرحيات مقتبسة من نصوص عالمية، من بينها «الكمامة»، تأليف ألفونسو ساستري، و«موت فوضوي صدفة» لداريو فو، و«قصة الحي الغربي» لأرثر لورنس، و«منظمة آل يونسكو»، عن مسرحية ليوجين يونسكو، و«ليزي أنبل من الجميع»، عن مسرحية لجان بول سارتر. وقد قدّم كل عرض رؤية خاصة أسهمت في إثراء الحالة المسرحية، بما يسهم في تجديد دماء المسرح المصري.

واحتضنت الدورة الجديدة المواهب الشابة لتصبح منصة فاعلة لإطلاق الطاقات الإبداعية؛ إذ تنافست 7 عروض مسرحية قدّمت رؤى فنية متنوعة، عكست وعياً جمالياً متطوراً وقدرة لافتة على الاشتباك مع أدوات المسرح المختلفة، من إخراج وتمثيل وتصميم بصري وموسيقي، وفق بيان لأكاديمية الفنون، الأحد.

وأسفرت نتائج الجوائز عن مشهد تنافسي ثري؛ إذ حصد عرض «آل يونسكو» جوائز في أكثر من فرع، من بينها أفضل بوستر وأفضل دراماتورج، إلى جانب تقاسمه جوائز في مجالَي الملابس والديكور. في حين برز عرض «ماذا لو؟»، محققاً جوائز نوعية شملت الإخراج والتمثيل، إلى جانب حصوله على جائزة أفضل عرض ثانٍ.

ونال شادي نجم جائزة أفضل موسيقى عن «موت فوضوي صدفة»، ومارينا بيرزي أفضل مكياج عن «ليزي أنبل من الجميع»، في حين تُوّج محمد الديب بجائزة أفضل استعراض عن «قصة الحي الغربي»، الذي حصد أيضاً جائزة لجنة التحكيم الخاصة للمخرج مازن نادر.

وفي مجال التمثيل، عكست النتائج بروز جيل جديد من الموهوبين؛ إذ حصلت أمنية حسن على المركز الأول (للبنات)، في حين تصدّر سعيد سلمان جوائز التمثيل (للرجال).

وتقاسم جائزة أفضل مخرج أول كل من ماركو نبيل ومحمد عادل، ونال حسام قشوة جائزة أفضل مخرج ثانٍ عن عرض «الكمامة»، الذي حصد بدوره جائزة لجنة التحكيم الخاصة.

وتُوّج عرض «منظمة آل يونسكو» بجائزة أفضل عرض أول، ليختتم المهرجان بصورة تعكس توازناً بين الجرأة الفكرية والاحترافية الفنية، ويؤكد أن المسرح الجامعي لا يزال قادراً على إنتاج تجارب لافتة ومؤثرة، وفق بيان «الأكاديمية».

جانب من حفل ختام مهرجان المسرح العالمي (أكاديمية الفنون المصرية)

ويرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن «مهرجان المسرح العالمي الذي أقيم في أكاديمية الفنون قدم أعمالاً عالمية مهمة جداً، وتم الاحتفاء بها بشكل كبير»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الأعمال قُدمت في إطار محدود ضمن المهرجان، لكنها حين تُعرض للجمهور العام لا شك أنها ستجد إقبالاً كبيراً عليها»، وتابع: «أكبر دليل على ذلك أن أعمال ويليام شكسبير الذي يعدّ (أبا الدراما والمسرح)، حين يعاد تقديمها على مسارح الدولة تشهد قبولاً كبيراً».

ويأتي هذا المهرجان في سياق رؤية أكاديمية الفنون التي تستهدف بناء جيل جديد من الفنانين يمتلك أدواته، ويعي دوره، ويكون قادراً على تجديد دماء الحركة المسرحية في مصر، عبر تجارب حقيقية تتجاوز حدود التعلم النظري إلى فضاءات الممارسة والابتكار.

وأكد سعد الدين أن الروايات العالمية حين يعاد إنتاجها بدماء جديدة فهي تجدد دماء المسرح، وأوضح: «لو نُفذت مسرحية (هاملت) أو (ماكبث)، أو غيرهما، سيجذبان جمهوراً كبيراً، رغم تقديمهما قبل 30 أو 40 سنة في مصر، لكن من حق الجمهور الجديد أن يراهما وهو يضمن أنه سيرى في كل منهما عملاً جيداً؛ لما لهما من صدى عالمي، مما يسهم في تجديد دماء المسرح بشكل كبير».


عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
TT

عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)

في ظل ما يتعرض له العالم من تطورات متسارعة في كل المجالات الحيوية في الطبيعة والاقتصاد والسياسة والاجتماع، وحتى في منظومة القيم، يصطدم الواقع البشري بأن لديه قوانين وتشريعات تتطور بوتيرة بطيئة تشبه المشي، في حين يتطور العالم بتقنياته الحديثة بسرعة الضوء.

هذه الفجوة بين نمط الحياة البشري وإيقاع الحياة التكنولوجي المتطور الذي تحكمه عناصر عدة أهمها الذكاء الاصطناعي، هو ما يطرحه الدكتور منصور الجنادي، في كتابه الأحدث «عصر الانفلات... حياتنا اليوم ومستقبل الإنسان» الصادر أخيراً عن دار العين في القاهرة.

على طريقة «أيام الإنسان السبعة»، ينقسم الكتاب إلى سبعة أبواب كل باب يتضمن فصلاً عن توقعات العلم وتطوراته وتقنياته وآلياته المختلفة وتأثيراته على الكرة الأرضية، وفصلاً عن الإنسان وتأثره بهذا التطور العلمي أو التقني أو التكنولوجي. فيما عدا الباب السابع المخصص للإنسان فقط من خلال رصد الأزمات التي تناولها الكتاب وتشريحها لفهم أبعادها المختلفة، والبحث عن حلول وعلاج لها أو طرق لمواجهتها.

الكاتب المتخصص في الفلسفة، وصاحب الإنتاج الفكري والعلمي المعروف ومن بينه كتابه السابق «خرافة العقل» متناولاً مقاربة فلسفية لحياتنا قبل وبعد الذكاء الاصطناعي، يعتمد في كتابه الأحدث على علوم المستقبل، فهو لا يطلق الافتراضات أو الأفكار على علاتها وإنما بالدلائل والحجج والبراهين المختلفة، مشفقاً على القارئ من البرودة والملل الذي تسربه الأرقام الإحصائية والأبحاث العلمية الجافة منزوعة الروح، ليقدم لنا رؤية تنطلق من تجربة شخصية أو ما يمكن اعتباره سيرة ذاتية لشخص نشأ في قرية مصرية، لا تفرق عاداتها وتقاليدها كثيراً عن حياة المصريين القدماء، ثم انتقل إلى القاهرة ليواجه كل ما تخبئه المدينة من زخم يخطف الأنفاس، ثم يتعلم فن الباليه، ثم يقرر الهجرة إلى الخارج ويكرس وقته لدراسة الفلسفة وعلم النفس ثم العمل مع شركات عابرة للقارات، ثم العودة بكل خبرات السنين الطويلة لكتابة هذه التجربة الثرية من منظور عام يتصل بالوجود البشري وليس شخصه المفرد.

يأتي ترتيب أبواب الكتاب ليقدم لنا رؤية علمية للواقع الذي نعيشه من خلال عناصر بعينها هي الأكثر حضوراً وتأثيراً في حياتنا مثل الطبيعة، وتشير توقعات العلم فيها إلى «اغترابنا في كرتنا الأرضية»، بينما يتمثل حضور الإنسان في البحث عن وسائل للحياة مع الأرض لا فوقها، بمعنى مصالحة الطبيعة والاستفادة منها والتعايش معها بتوازن دقيق.

وفي الفصل التالي عن «العلم والتكنولوجيا»، تأتي توقعات العلم تحت عنوان «عندما يصنع العلم صانعه»؛ في إشارة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي بدأت تسيطر على الكثير من المجالات ومرشحة للتغول والتمدد لمساحات أوسع، في المقابل يظهر الإنسان الهجين الحائر بين وجوده البشري وبين الابتكارات الحديثة والبدائل التكنولوجية.

وفي باب الاقتصاد تتحدث توقعات العلم عن التحول من الرأسمالية إلى الذهنوية، فنحن أمام اقتصاد جديد يعتمد على تقنيات وتكنولوجيا المعلومات بالدرجة الأولى، ليجد الإنسان نفسه أمام عمل بلا زمن وهوية بلا مكان.

وفي باب عن الهجرة يتحدث المؤلف عن التحول من غريزة الترحال التي كان يتمتع بها الإنسان في الماضي إلى الهجرة المبرمجة، ومن ثم تصبح النتيجة أننا جميعاً مهاجرون، حتى لو لم نتحرك من أماكننا.

ويخصص الكاتب باباً للسياسة والمجتمع يتوقع فيه العلم مستقبل الحرية والسلطة، ويتحول فيه الإنسان من المجتمع إلى الذات الناقدة. كما يتناول الباب السادس القيم والهوية، ويتوقع العلم الانتقال من هوية الزمان والمكان إلى «ملف البيانات»، بمعنى أن الوجود البشري سيتم تكثيفه أو تركيزه في ملفات للبيانات تحدد الهويات والقيم، لتنتهي صلاحية البوصلة القيمة لأفكار الهوية والقيم التي كان يحفظ بها الإنسان في الماضي.

ويكرس الكاتب الفصل السابع والأخير لمستقبل الإنسان، من خلال التحديات التي تواجه ومدى سيطرته على حياته وعلى مظاهر الطبيعة وانتفاء فكرة أنه مركز الكون، ثم أدوات التأقلم أو ما يسميه الكاتب «الحكمة 2.0» أو تكنولوجيا البقاء، وصولاً إلى المستقبل أو المصير المنتظر للإنسان في مواجهة تقنيات العصر الحديث، بكل ما تحمله من التباسات ذهنية وفكرية وفلسفية واغترابات روحية ونفسية قد تؤثر على مستقبل البشر بطريقة أو بأخرى إذا لم يتم فهمها بطريقة صحيحة والتعايش معها، داعياً القارئ في نهاية كتابه إلى كتابة «سيرة مستقبلية» لتوقعاته في ظل التغيرات المتواترة التي يمر بها العالم.