تفضيلات الشباب للأخبار تُثير تساؤلات بشأن المحتوى

إنفوغراف يوضح نتائج استطلاع آراء الشباب بشأن الأخبار (أ.ب)
إنفوغراف يوضح نتائج استطلاع آراء الشباب بشأن الأخبار (أ.ب)
TT

تفضيلات الشباب للأخبار تُثير تساؤلات بشأن المحتوى

إنفوغراف يوضح نتائج استطلاع آراء الشباب بشأن الأخبار (أ.ب)
إنفوغراف يوضح نتائج استطلاع آراء الشباب بشأن الأخبار (أ.ب)

أثارت نتائج استطلاع للرأي، نشرت أخيراً، تحدثت عن أن الشباب لا يستمتعون بالأخبار، تساؤلات بشأن تطوير محتوى وسائل الإعلام. وفي حين أكد خبراء «منطقية» هذه النتائج، فإن طالبوا وسائل الإعلام بالعمل على تغيير نظرة الشباب للأخبار عبر إطلاق برامج غير تقليدية وجذابة.
استطلاع الرأي هذا، أجراه مشروع إعلامي بحثي بالتعاون بين معهد الصحافة الأميركي ووكالة «أسوشييتد برس» للأنباء، ومركز «نورك» لأبحاث الشؤون العامة، ونُشرت نتائجه نهاية أغسطس (آب) الماضي. ولقد بيَّن أن «79 في المائة من الشباب الأميركي من سن 16 إلى 40 سنة (أي «جيل الألفية» و«جيل زد»)، يتلقون الأخبار بشكل يومي، لكنهم ليسوا سعداء بما يتلقونه».
تشكّل هذه النتائج تحدياً للمفهوم السائد القائل بأن الشباب «لا يقرأون»، اعتماداً على إحصائيات تُظهر أن جمهور وسائل الإعلام (صحافة وتلفزيون) من الجيل الأكبر سناً، حسب المدير التنفيذي لمعهد الصحافة الأميركي، مايكل بولدن، الذي ذكر في تصريحات نشرتها وكالة «أسوشييتد برس»، أن «جيل الشباب أكثر انخراطاً في الإعلام والأخبار من التصورات السائدة عنهم».
الدكتورة نهى بلعيد، أستاذ الإعلام والاتصال في تونس، علقت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، قائلة إن هذه النتائج تعد «منطقية... لا سيما أن مشكلات الحياة انتقلت إلى منصات التواصل الاجتماعي، التي يتابعها الشباب باستمرار، وأثرت على صحتهم النفسية. لذلك يبحث الشباب في المنطقة العربية عن الأخبار المضحكة بعدما ملّ من السياسة».
وبدورها ترى الدكتورة نهى عاطف، الباحثة الإعلامية في جامعة «سايمون فريزر» الكندية، أن «الاستطلاع، وإن كان يتحدث عن الشباب الأميركي في الأساس، فإن نتائجه تتوافق مع الوضع في المنطقة العربية». وأردفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «على مدار السنوات الماضية حدث تراجع حاد في توزيع الصحف لصالح الإنترنت والتلفزيون، وأضحت البرامج الحوارية المصدر الأساسي للأخبار والمتابعات». واستطردت لافتة إلى أن «الواقع يقول إن معظم البرامج الحوارية باتت تعتمد على المحتوى المتداول على منصات التواصل الاجتماعي، وفي الوقت نفسه تستخدم الصحف هذه المنصات في الترويج لمحتواها... ما يعني أن المحتوى ذاته يُعرض من خلال عدة وسائط، وهو ما يعرف بالاندماج الإعلامي». ولقد برّرت عاطف أسباب عزوف الشباب عن متابعة الأخبار، أو قلة استمتاعهم بها، بـ«الحالة العامة التي يشعر فيها الشباب بغياب الجديد، إضافةً إلى ضعف الصياغة الإعلامية للمحتوى، والتقصير في تقديمه بشكل جذاب يلمس الشباب».
الاستطلاع، الذي أُجري على 5975 أميركياً تتراوح أعمارهم بين 16 و40 سنة في الفترة من 18 مايو (أيار) حتى 8 يونيو (حزيران) 2022، كشف عن أن «32 في المائة فقط قالوا إنهم يستمتعون بالأخبار التي يحصلون عليها، وهي نسبة أقل مما كان عليه الوضع قبل سبع سنوات، حين كان 53 في المائة من جيل الألفية يستمتعون بالأخبار». ونقلت وكالة «أسوشييتد برس» عن أستاذ الصحافة بجامعة ماريلاند، توم روزنستيل، قوله إن «بعض النتائج التي تشير إلى شعور الأشخاص بالضيق كلما أمضوا وقتاً أطول على الإنترنت، أو تتحدث عن وضع البعض لقيود زمنية تحدد استهلاكهم اليومي من الإنترنت، وتعطي انطباعاً بأن الأخبار أصبحت مرهقة للجمهور».
كذلك يشير الاستطلاع إلى أن «71 في المائة من الفئة العمرية محل البحث يحصلون على الأخبار يومياً من مواقع التواصل الاجتماعي». وتتنوع منصات التواصل الاجتماعي التي يعتمد عليها الشباب في الحصول على الأخبار، إذ لم يعد «فيسبوك»، مهيمناً كما كان الوضع سابقاً. ويضيف الاستطلاع أن «أكثر من ثلث النسبة السابقة يحصلون على الأخبار من منصتي (يوتيوب) و(إنستغرام)، بينما يعتمد الربع تقريباً على منصات (تيك توك) و(سناب شات) و(تويتر)»، كما أورد أن «40 في المائة من الشباب قالوا إنهم يستقون الأخبار من (فيسبوك) بشكل يومي، مقارنةً بـ57 في المائة من جيل الألفية، كانوا يعتمدون على (فيسبوك) عام 2015».
وعلى صعيد الاهتمامات والتفضيلات، أوضحت حصيلة الاستطلاع أن المواضيع التي يتابعها الشباب تتقدمها أخبار المشاهير والموسيقى والترفيه بنسبة تقارب 49 في المائة، تليها مباشرة أخبار الطبخ والطعام بنسبة 48 في المائة، بينما يتابع نحو الثلث مجموعة متنوعة من القضايا المتعلقة بالصحة واللياقة البدنية، والعدالة الاجتماعية والبيئة، والسياسة، والتعليم.
في المقابل، يلفت الاستطلاع عينُه إلى أن «اعتماد الشباب على منصات التواصل الاجتماعي لا يلغي دور مصادر الأخبار التقليدية، إذ إن نحو 45 في المائة من المستطلعين قالوا إنهم يتلقون الأخبار يومياً من المصادر التقليدية (تلفزيون، وراديو، وصحف، ومواقع إخبارية)». ثم إن «ربع الشباب يدفعون بانتظام اشتراكات مقابل منتج إخباري واحد على الأقل من الصحف والمجلات، مطبوعة كانت أو رقمية، ونسبة مماثلة تبرعت لمؤسسة إخبارية غير ربحية واحدة على الأقل». أيضا، فإن «9 من كل 10 شباب رأوا المعلومات الزائفة مشكلة، في حين عدها 6 من بين كل 10 مبحوثين مشكلة كبيرة. وأفاد معظمهم بأنهم تعرضوا لمعلومات مضللة». ولقد ألقى هؤلاء باللوم على منصات التواصل الاجتماعي وبعض السياسيين وبعض وسائل الإعلام التقليدي كأسباب لانتشار المعلومات الزائفة، إذ تقول نسبة كبيرة من المستطلعين إن «القصص الإخبارية عادةً ما تسبب الصراع أكثر من المساعدة في حله ومعالجته، كما أنها تسهم في نقل نظريات المؤامرة والشائعات». في حين يرى البعض أن «الصحافيين يضعون الكثير من الرأي في قصصهم الصحافية».
الدكتورة بلعيد ترى هنا أنه «من الصعب التعامل مع مشكلة تزايد اعتماد الشباب على منصّات التواصل»، لكنها في الوقت نفسه تطالب وسائل الإعلام بالعمل على «خلق محتوى جذاب يتحدث عن حياة الشباب ومشكلاتهم اليومية». وتتفّق الدكتورة عاطف في ذلك، مشددةً على «أهمية إطلاق برامج غير تقليدية على شاكلة تدوينات الفيديو التي يصنعها المؤثرون على منصات التواصل الاجتماعي بهدف تغيير نظرة الشباب للأخبار». وأشارت إلى أن «هؤلاء المؤثّرين أسرع وصولاً للشباب لأنهم يعرفون ما يريده هذا الجمهور ويسعون لتلبية احتياجاته بأسلوب شيق وجذاب، مقارنةً بالبرامج الحوارية التلفزيونية التي تقدم في قوالب مكررة غير جذابة».
ختاماً، هذه النتائج لم تفاجئ مايكل بولدن، الذي يصف دورة الأخبار على مدار السنوات الثلاث الأخيرة بأنها «كانت صعبة... وأن البعض قد يتفاجأ من أن الشباب يرى أن وسائل الإعلام أحد أسباب انتشار المعلومات المضللة، رغم اعتقاد هذه الوسائل أنها تعمل على محاربتها». ويؤكد أنه «في كل الأحوال وسواء كان اعتقاد الشباب صحيحاً أم خاطئاً، على وسائل الإعلام أن تعمل على تصحيحه، وتشرح بشكل أفضل ما تفعله، وكيف تتخذ قرارات التغطية الإخبارية».


مقالات ذات صلة

الكويت تنفي مشاركتها في العمليات ضد إيران

الخليج الشيخة الزين الصباح سفيرة الكويت لدى الولايات المتحدة (كونا)

الكويت تنفي مشاركتها في العمليات ضد إيران

نفت الشيخة الزين الصباح، سفيرة الكويت لدى أميركا، ما أورده تقرير عن مشاركة بلادها في عمليات عسكرية ضد إيران، مؤكدةً أنها «ادعاءات باطلة، ولا تمت للحقيقة بصلة».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ كارولين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض تتحدث مع الصحافيين خلال إحاطة في البيت الأبيض بالعاصمة الأميركية واشنطن... 16 يوليو 2026 (أ.ب)

مئات الصحافيين يحثّون «مراسلي البيت الأبيض» على التصدي لهجوم إدارة ترمب ضد الإعلام

دعا مئات الصحافيين السابقين، أو المتقاعدين، و8 منظمات معنية بحرية الصحافة، «رابطة مراسلي البيت الأبيض» إلى التصدي لهجمات إدارة الرئيس الأميركي ترمب ضد الإعلام.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شؤون إقليمية امرأة تحمل لافتة مناهضة للرئيس الأميركي دونالد ترمب بينما يتجمّع المشيّعون في يوم دفن المرشد الإيراني علي خامنئي... في مشهد بإيران يوم 9 يوليو 2026 (رويترز)

وكالة «فارس» الإيرانية تنشر مقطع فيديو بعنوان «أين نقتل ترمب؟»

نشرت وكالة أنباء «فارس» الإيرانية مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، باللغة الإنجليزية، بعنوان «أين نقتل ترمب؟».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق النائب العام الدكتور خالد اليوسف مستقبلاً وزير الإعلام سلمان الدوسري (النيابة العامة)

لقاء سعودي يبحث تطوير الخطاب القانوني الإعلامي

بحث النائب العام السعودي الدكتور خالد اليوسف مع وزير الإعلام سلمان الدوسري، تطوير الخطاب القانوني الإعلامي، وتعزيز التنسيق في التعامل مع القضايا الإعلامية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد شعار شركة «سكاي» مضاءً على واجهة مبنى مقر الشركة في غرب لندن (رويترز)

صفقة تاريخية بـ2.1 مليار دولار... «سكاي» تستحوذ على قطاع البث بـ«آي تي في»

أبرمت شركة «سكاي»، المملوكة لمجموعة «كومكاست»، اتفاقاً تاريخياً للاستحواذ على القنوات التلفزيونية ومنصة البث الرقمي التابعة لشبكة «آي تي في» (ITV) البريطانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الإعلام المتخصِّص في لبنان... السياسة تتصدّر والبقية تأتي

حسن شرارة (الشرق الأوسط)
حسن شرارة (الشرق الأوسط)
TT

الإعلام المتخصِّص في لبنان... السياسة تتصدّر والبقية تأتي

حسن شرارة (الشرق الأوسط)
حسن شرارة (الشرق الأوسط)

بين قطاعات الرياضة والفن والاقتصاد، برزت منصّات ومواقع إخبارية اختارت أن تضع التخصّص في صلب عملها في الماضي القريب، كان للإعلام المتخصّص مساحته الخاصة في الصحف والمجلّات، ثم تطوّر لينتقل إلى الشاشة الصغيرة، ومنها إلى المواقع الإلكترونية والمنصّات الرقمية. وكانت مجموعة من المجلات الفنية تحظى بشعبية واسعة، وينتظر اللبناني صدورها من أسبوع إلى آخر للاطّلاع على أحدث أخبار الفنانين ونجوم الشاشة. في المقابل، تمتّعت مجلَّات أخرى متخصّصة في الاقتصاد أو الرياضة بشعبية لا يستهان بها، ولاحقت تطوّرات هذين القطاعين وأخبارهما.

وحقاً، في جميع الحالات، بقي الإعلام السياسي هو السائد. بل كلما اشتدّت العواصف الأمنية وتوالت الحروب، سجّل الإعلام السياسي حضوراً أوسع، وفرض نفسه على أجندة المتابعين. أما في فترات الأمن والاستقرار، فيعود اللبناني إلى متابعة أخبار متنوعة تُبعده نسبياً عن السياسة.

وهذا ما لوحظ، مثلاً، إبّان نهائيات كأس العالم لكرة القدم، حين انصبّت معظم المواضيع والأحاديث على متابعة المنافسات ونتائجها. مع أن قضية حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة ظلّت بين الأخبار الأبرز في الصفحات السياسية والاقتصادية، نظراً إلى تشابك ملفه مع أزمة المصارف والمودعين والتحوّلات الاقتصادية التي شهدها لبنان. أما عن الأخبار الفنية، فإنها تبقى محط متابعة دائمة لدى جمهور كل فنان، يرى في تتبع أخبار فنانِه المفضّل هواية تحلو متابعتها باستمرار.

وسائل التواصل الاجتماعيمن جهة ثانية، مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن القول إن الإعلام اللبناني ما عاد رهينة لمواكبة الأخبار السياسية والمحلية، بل شهد توسعاً لافتاً في الإعلام المتخصّص الذي يتوجه إلى جمهور يبحث عن معلومة أكثر دقة وعمقاً في مجالات محددة.

مثلاً، بين قطاعات الرياضة والفن والاقتصاد، برزت منصّات ومواقع إخبارية اختارت أن تضع التخصّص في صلب عملها، مواكبةً تطوّرات كل قطاع، ومُقدِّمة تقارير وتحليلات ومتابعات تتجاوز الخبر العاجل.

وإذا كانت الصحافة الرياضية تسعى إلى مواكبة المنافسات والنتائج وقراءة المشهد الرياضي بأبعاده المختلفة، فإن الإعلام الفني أصبح يلعب دوراً أساسياً في رصد الحركة الفنية والثقافية، في حين ما زال الإعلام الاقتصادي بحاجة إلى مقاربة أكثر تخصصاً لفهم تحوّلات الأسواق والمصارف والاستثمار وأحوال الاقتصاد اللبناني. ومع تزايد الاعتماد على المنصات الرقمية، فرض هذا النمط من الإعلام نفسه تدريجياً في المشهد الصحافي اللبناني.

بين الأمس واليوموبين الأمس واليوم، تبدلت أوجه الإعلام بشكل عام، وتغيرت أيضاً أسماء ووجوه الإعلام المتخصص. فالمنافسة التي كانت تدور بين كبار نقّاد الفن والمحللين الاقتصاديين والمعلقين الرياضيين أصبحت من «ذكريات» المشهد الإعلامي السابق؛ إذ يغزو اليوم المواقعَ الإلكترونية المتخصِّصة جيلٌ جديد من الصحافيين وصنّاع المحتوى.

ومَن كان يتابع المواضيع الفنية الموقّعة بقلم الراحل جورج إبراهيم الخوري، أصبحت ذكرياته تنتمي إلى زمن إعلامي آخر. ومَن يتذكر المعلّقَين الرياضيين لبيب بطرس وعلي حميدي صقر وحماستهما لدعم النشاطات الرياضية لا يجد اليوم سوى قلة تحفظ هذه التجربة. ومن كان ينتظر تحليلات أو آراء وزراء ومصرفيين وخبراء ماليين حول الاقتصاد اللبناني، يجد نفسه اليوم متابعاً للفقرة الاقتصادية التي يقدمها موريس متَّى ضمن نشرة أخبار قناة «إم تي في»، أو خالد أبو شقرا على قناة «الجديد».

الدخلاء على المهنة غيَّروا ملامحهاتعدّ الإعلامية هلا المرّ، رئيسة تحرير موقع «الفن» الإلكتروني، من جيل الإعلام الذي عاصر المرحلتين الذهبية والحالية في مجالها. وبفضل مشوارها الطويل في الصحافة الفنية، صار لديها رؤية واضحة لملامح تطوّرها. وهنا تقول: «جيلنا كان يتألف من الصحافيين الحقيقيين الذين درسوا الإعلام وعملوا بالمهنة على أصولها. أما اليوم، فغالبية العاملين في هذا القطاع دخلاء. كانوا إما من (فانزات) (جمع «فان») هذا الفنان، وإما من مرافقي تلك الفنانة».

هالة المرّ (الشرق الأوسط)

وبالنسبة إلى النقد الفني، الذي كان الفنان يخشى أن يطاله، لم يعد، في رأي المرّ، يتمتع بالموضوعية والدراية... و«من يعتب على فنان معيّن يكتب عنه بشكل سلبي، ومَن ينتفع من الفنان الفلاني يمدحه باستمرار». ثم تذكر أن كل شيء تغيّر في الصحافة الفنية المتخصّصة، موضحة أن «التعاطي مع الصحافة الفنية اليوم يرتكز على تبييض الوجه. والسوشيال ميديا زادت الأمر سوءاً؛ لأن توليد الإشاعات أصبح سريعاً جداً. ويُمكن بين ليلة وضحاها أن تسري مفاعيل إشاعة تقف وراءها جهة معينة تنتسب إلى حزب الفنان المستفيد منها. فيصبح الفنان المستهدف بحاجة إلى من يدافع عنه. وهنا تقع الكارثة؛ لأن الإعلامي الصادق والمحايد بات نادراً».

الشاشة الصغيرة على خط الإعلام المتخصصبالتوازي، بعدما كانت الصحف تجذب قراءها بـ«مانشيت» سياسي أو فني أو اقتصادي، استحوَذت المواقع الإخبارية والشاشة الصغيرة على مكانتها تدريجياً. وأضحت المطبوعات خارج المنافسة، فمَن بقي منها على قيد الحياة لجأ إلى نشر محتواه إلكترونياً.

وفي عصر تغزوه المنصّات الرقمية، تحاول القنوات التلفزيونية حجز مكانٍ لها على ساحة الإعلام المتخصّص. ولذا، لجأت معظم القنوات المحلّية إلى تلوين نشرات الأخبار بفقرات رياضية وفنية واقتصادية. وصارت هذه الفقرات منتظرة في ختام النشرات من شريحة لا يستهان بها من المشاهدين. وضخّ هذا النوع من الأخبار نبضاً إعلامياً مختلفاً، انعكس متابعة يومية من قبل المشاهد.

أما الفقرات الرياضية، فكان من أبرز روادها على شاشات التلفزيون الرائدان الراحلان ناصيف مجدلاني - مؤسس «الحياة الرياضية» - وخليل نحاس. ثم لمع خلال الثمانينات الراحل لبيب بطرس. وفي الألفية الثانية، شكّلت مادة إخبارية في قناتي «إل بي سي آي» و«المستقبل». وكانت تواكب يومياً الأحداث والنشاطات الرياضية المحلية والعالمية. غير أن انطلاق قنوات فضائية عربية متخصّصة في الرياضة أسهم لاحقاً في تراجع أهميتها؛ إذ أصبحت تلك المحطات تستحوذ على جزء كبير من متابعة الخبر الرياضي وتغطيته حول العالم.

القنوات الرياضية تقيّد الصحافةالإعلامي المتخصص في الأخبار الرياضية على شاشة «الجديد» حسن شرارة، يقول إن ثمة تراجعاً ملحوظاً في حضور الأخبار الرياضية على الإعلام المرئي. ويعطي مثالاً على ذلك خلال مباريات كأس العالم الأخيرة، فيشرح: «القنوات الرياضية المتخصّصة قيّدت مادتنا الرياضية العالمية في نشرات الأخبار. وكنا في (المونديال) نلجأ إلى صورة أو لقطة غير متحرّكة للإشارة إلى هدف تم تسجيله أو حادث وقع على أرض الملعب».

ثم يضيف: «هذه القنوات تملك الحقوق الكاملة لبث مباريات المونديال، وكذلك بطولات الدوري في إسبانيا وإنجلترا وإيطاليا وغيرها. وبناءً عليه، اضطررنا في أحيان كثيرة إلى وضع صورة وإرفاقها بتعليق مسجّل للتكلم عن نشاط رياضي عالمي. وهو ما جعلنا نكتفي بإذاعة الأخبار الرياضية المحلية. لقد أصبحت الأمور أكثر صعوبة، والبرامج الرياضية التي نستضيف فيها أبطال لعبة معينة هي البديل». وبالتالي، يرى شرارة أن وسائل التواصل «عزّزت نشر المعلومة السريعة الخاصة بالرياضة، وهو ما دفع الإعلاميين الرياضيين إلى البحث عن مادة مغايرة، وإلا وقعوا في فخ التكرار ونسخ الأخبار».

رؤوف أبو زكي (الشرق الأوسط)

ثم إن الإعلام المتخصص قد يواجه عقبات وحواجز في خضم انتشار وسائل التواصل الاجتماعي. فالمشهد الإعلامي برمّته تبدّل، حتى السياسي منه، بعدما أصبح في إمكان أي شخص تحقيق «سكوب» (سبق) عبر هاتفه الجوّال ومن خلال لقطة مصوّرة صادفها في الشارع.

ومع ذلك، يحتفظ الإعلام الاقتصادي اليوم بقيمة خاصة لدى اللبنانيين، في ظل توالي الأزمات الاقتصادية والمالية في لبنان. فأزمة الدولار، وتراجع قيمة الليرة، وأزمة أموال المُودِعين في المصارف، إضافة إلى الحروب التي أوقفت استثمارات عدة، جعلت من الفقرة الاقتصادية في نشرات الأخبار أو على المواقع الإلكترونية مادة متابعة من نسبة كبيرة من اللبنانيين.

نقص في الصحافة المتخصصة بالاقتصاد

الإعلامي الاقتصادي المخضرم رؤوف أبو زكي عاصر حقباتٍ زمنيةً طويلةً شهد فيها لبنان متغيراتٍ كثيرةً على المستوى الاقتصادي. وكان أبو زكي أول من أطلق وكالة أنباء اقتصادية في سبعينات القرن الماضي هي «أورينت برس». ثم عمل في صحيفة «النهار»، وكذلك في العاصمة الفرنسية باريس مراسلاً صحافياً اقتصادياً لقنوات تلفزيونية لبنانية. واليوم يكمل أبو زكي مسيرة مجلة أسّسها عام 1977، هي «الاقتصاد والأعمال»، التي تُعدّ من أقدم المؤسسات الإعلامية المتخصّصة في الشؤون الاقتصادية والأعمال على مستوى المنطقة العربية.

أبو زكي يخبر «الشرق الأوسط» عن أوضاع الإعلام الاقتصادي اليوم، فيقول: «لا يوجد عندنا صحافيون متخصصون بالشؤون الاقتصادية والعملية. قد نصادف مراسلين وصحافيين يقارِبون الساحة الميدانية، أما فيما يخصّ التحليل الاقتصادي، فإننا نعاني من قلة المتخصصين الذين يجيدونه».

ويشير أبو زكي إلى أن «الإعلام الاقتصادي عاش في الماضي عصره الذهبي»، حتى إن المصرف المركزي كان يوليه اهتماماً كبيراً، موضحاً أنه كان يهتم شخصياً بإجراء تحقيقات عن الاحتكارات في لبنان. ويضيف: «كنت أسمّي الأشياء كما هي، وكان الراحل غسان تويني (عميد «دار النهار») يضع هذه الأخبار في الصفحة الأولى من جريدة (النهار)». ثم يلفت إلى أن الإعلام الاقتصادي مهم من جوانب أخرى؛ «فهو يتداخل مع القطاع الفني من باب أجور الفنانين والحفلات التي يحيونها، وكذلك مع الرياضة؛ لأن الاقتصاد يلعب دوراً أساسياً في ميزانيات النوادي والألبسة الخاصة بالفرق».

ويختم رؤوف أبو زكي قائلاً: «لا شك في أن هناك اليوم أشخاصاً جيدين يتمتّعون بكفاءات عالية. لكن هناك، مع الأسف، مَن يمارس الصحافة الصفراء ويطالب بمبالغ من المال من باب التهديد والابتزاز. ومن ثم، يبقى القول إن الصحافة بشكل عام واقعة في مأزق كبير بسبب التغييرات المتسارعة التي تضربها؛ فكما السوشيال ميديا، كذلك المواقع الإخبارية الإلكترونية تنافس اليوم الصحافة اليومية».


نجاح مشروع «ميتا» لـ«الذكاء الاصطناعي الشخصي» مرهون بثقة المستخدمين

شعار "ميتا" (رويترز)
شعار "ميتا" (رويترز)
TT

نجاح مشروع «ميتا» لـ«الذكاء الاصطناعي الشخصي» مرهون بثقة المستخدمين

شعار "ميتا" (رويترز)
شعار "ميتا" (رويترز)

قدَّم الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا» مارك زوكربيرغ رؤيته المفصّلة لمستقبل ما يسميه «الذكاء الفائق الشخصي» والفوائد التي يتوقع أن يجلبها للبشرية. واتضح من البيان الذي نشره في العاشر من أغسطس (آب) الحالي أن «رؤيته لن تتحقّق إلا بتفويض كامل من المستخدمين حول بياناتهم الشخصية». غير أن خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» حذّروا من أن «مشروع الذكاء الشخصي» قد يصطدم بأزمة ثقة المستخدمين.

زوكربيرغ قال في بيانه إن كل شخص سيمتلك في المستقبل «وكيلاً شخصياً» فائق القدرة يفهمه ويفهم أهدافه، ويعمل على مدار الساعة لتحسين علاقاته وصحته ومسيرته المهنية وأموره المالية وإدارة منزله وهواياته، بما يوفّر له وقتاً أكبر للاستمتاع بحياته. غير أن هذا الطرح يثير مخاوف عدة أبرزها أن «ميتا» تريد من المستخدمين تفعيل تتبّع بيانات يتاح عبرها فهم معلومات شخصية بالغة الخصوصية، وهو أمر يصعب الترويج له بالنظر إلى سجل الشركة في استخدام هذه البيانات لأغراض إشكالية أو السماح لجهات أخرى بذلك.

وفق مراقبين، واجهت «ميتا» عام 2016 اتهامات بـ«تسريب» بيانات ملايين من مستخدمي «فيسبوك» لصالح شركة كمبريدج أناليتيكا من دون علمهم، وجرى استخدامها لأغراض دعائية سياسية. ولقد أدت تداعيات هذه القضية إلى تراجع حاد في ثقة الجمهور بالشركة لدرجة أن «فيسبوك» احتل المرتبة الأخيرة في «مؤشر الثقة الرقمية» لعام 2019 الصادر عن موقع «بيزنس إنسايدر».

السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، يرى أن البيانات التي تمتلكها «ميتا» حالياً مثل التفاعلات، والإعجابات، وسجل التصفّح، والعلاقات الاجتماعية، والاهتمامات هائلة ومثالية جداً لأغراض «الإعلانات الموجّهة» و«التوصيات».

لكنه يستدرك فيقول: «رغم ذلك، هذه البيانات غير كافية لطموح بناء مساعد شخصي يدير تفاصيل حياة المستخدم، فلكي يتمكن الذكاء الاصطناعي من إدارة حياتك والقيام بدور السكرتير الشخصي أو المساعد الذكي، سيحتاج زوكربيرغ إلى استهداف طبقات أعمق بكثير من البيانات الحساسة واللحظية، مثل نبرة الصوت، وتعابير الوجه، وحركة العين، بل وحتى ما تنظر إليه في العالم الحقيقي وتفاعلك الجسدي مع البيئة المحيطة، وكذلك معرفة مواعيد نومك، ونشاطك البدني، ونظامك الغذائي، وحتى تقلباتك المزاجية من خلال ربط المساعد بالتقنيات الصحية والساعات الذكية».

سعد اعتبر أيضاً أن «مشروع زوكربيرغ» سيصطدم بأزمة ثقة المستخدمين. وأوضح: «من الناحية الأخلاقية والمؤسسية، ثقة المستخدمين في (ميتا) اهتزّت بشدة بسبب تاريخها الحافل بفضائح تسريب البيانات والتلاعب النفسي... ولكن من الناحية العملية نحن أمام مفارقة، فـ(ميتا) لا تعتمد (اليوم) على الثقة بقدر ما تعتمد على الاعتمادية والإدمان». وأضاف أن «المستخدمين يدركون اليوم أن خصوصيتهم مهدّدة، لكنهم يبقون بسبب تأثير الشبكة، حيث توجد عائلاتهم، وأصدقاؤهم، ومجتمعاتهم، مما يجعل ترك المنصّات أمراً صعباً جداً رغم انعدام الثقة».

للتغلب على حاجز انعدام الثقة وجمع البيانات الأعمق، يتوقع سعد أن تتبع «ميتا» عدة استراتيجيات، شارحاً «عبر استراتيجية (فخ المنفعة) إذا قدّم المساعد الشخصي قيمة هائلة فإن المستخدمين سيتنازلون طواعية عن بياناتهم (المعلومات الخاصة عنهم) الحساسة مقابل هذه الراحة - وأيضاً هناك استراتيجية (حصان طروادة) الآتية من خلال التوسّع في الأجهزة المادية والتحول من شركة برمجيات إلى شركة أجهزة تلامس جسد المستخدم وبيئته - على التجارة الإلكترونية المُدمجة، عبر إتمام عمليات الشراء والبيع بالكامل داخل التطبيقات، مما يمنحها معلومات دقيقة عن سلوك الشراء الفعلي، فضلاً عن الاستفادة من استنزاف البيانات النفسية عبر الذكاء الاصطناعي». بالعودة إلى بيان زوكربيرغ، فإن حجته الأساسية هي أن «الذكاء الفائق» سيكون أحد أهمّ التطورات التكنولوجية في التاريخ، ولذا يجب أن يكون متاحاً للجميع، وألَّا تحتكره الشركات أو الجهات الحكومية.

ويرى زوكربيرغ أيضاً أن «الذكاء الاصطناعي ليس نتاج الأتمتة أو إبدال العمالة البشرية بالآلات، بل يأتي عبر توسيع الفرص من خلال أنظمة تساعد على اكتشاف معارف جديدة». غير أن هذا الطرح يتناقض مع خطوات «ميتا» نفسها بعدما خفضت 20 في المائة من موظفيها في وقت سابق.

معتز نادي، الصحافي المصري والمدرّب المتخصص في الإعلام الرقمي، يؤكد من جهته، أن «رهان (ميتا) على مساعد ذكاء اصطناعي شخصي يواجه معضلة تتجاوز جودة التقنية نفسها». ويشرح أن «المساعد الذي يعرف مواعيد المستخدم، ورسائله، وعلاقاته، وموقعه، واهتماماته، وربما حالته الصحية والمالية، يحتاج إلى مستوى استثنائي من الثقة.

لأن الخطأ هنا لا يتعلق بإعلان غير مناسب، إنما بكشف تفاصيل شديدة الحساسية أو توظيفها تجارياً».

وحول خطة «ميتا» لاستعادة ثقة المستخدمين يضيف نادي: «لن يقتنع الجمهور ببيان تسويقي مهما كان مفصلاً، لأن المطلوب ضمانات قابلة للفهم والاختبار والإجابة على أسئلة عديدة منها ما هي البيانات التي يجمعها المساعد؟ وأين تحفظ؟ ومَن يتاح له الوصول إليها؟ وهل تستخدم في الإعلانات أو تدريب النماذج؟ وكيف يمكن حذفها نهائياً؟».

ومن ثم يرى أن «نجاح المشروع سيقاس بقدرة (ميتا) على منح المستخدم سيطرة حقيقية، لا بخطاب يطلب منه الثقة... ذلك أن التقنية قد تكون مُبهرة، لكن المستخدمين لن يسلِّموا مفاتيح حياتهم الرقمية لشركة يرون أنها تعرف عنهم أكثر مما ينبغي، ما لم تثبت أن الخصوصية جزء أصيل من المنتج وليست بنداً قانونياً طويلاً لا يقرأه أحد».


ما دور الإعلام ومواقع التواصل في النزاعات؟

ماسيمو جبانيني (آ جي ف) agf
ماسيمو جبانيني (آ جي ف) agf
TT

ما دور الإعلام ومواقع التواصل في النزاعات؟

ماسيمو جبانيني (آ جي ف) agf
ماسيمو جبانيني (آ جي ف) agf

نظمّت صحيفة «لا ستامبا» الإيطالية، الصادرة في مدينة تورينو، ندوة حول دور وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في النزاعات السياسية والاجتماعية، شارك فيها عدد كبير من المتخصّصين في علم الاجتماع السياسي وممثّلون عن المنصات الرقمية الضخمة، وعن المؤسسات الأوروبية المعنية بشؤون الصحافة وتنظيم نشاط شبكات التواصل في بلدان «الاتحاد الأوروبي». وجاء في الدعوة إلى عقد هذه الندوة: «إن الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام بات حاسماً وبالغ الأهمية في تكوين الإدراك العام وتطوّر النزاعات الاجتماعية والسياسية، وأصبح من العوامل الأساسية التي تحرك هذه النزاعات وتتطور على وقعها، وتحدّد في كثير من الأحيان مآلها وإفرازاتها».

من وسيلة نقل إلى فاعل أساسي

الكاتب والصحافي الإيطالي ماسيمو جيانيني، المدير السابق لـ«لا ستامبا» والمعلّق السياسي في «لا ريبوبليكا»، قال إن «وسائل الإعلام اليوم لم تعد مجرد وسيلة تقليدية أو رقمية، سمعية أو بصرية، لنقل الأخبار حول النزاعات الدائرة في العالم والمواجهات السياسية، المحلية والإقليمية والدولية، بل أصبحت فاعلاً أساسياً في هذه النزاعات والمواجهات، عبرها يتم التركيز والإضاءة على جوانب معينة منها، وتوجيه الرأي العام نحو تلك التي تقرّر، وفقاً لمصالح الجهات التي تقف وراءها وتموّلها، أنها هي التي تستحق الاهتمام وتستدعي التعبئة، أو العكس».

أما الفنلندية هينا فيركونين ، النائب التنفيذي لرئيسة «المفوضية الأوروبية» والمكلفة حقيبة السيادة التكنولوجية والأمن السيبراني والديمقراطية - التي تشرف أيضاً على نشاط التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي -، فترى أن «مقاربة وسائل الإعلام للنزاعات، ومنها طريقة تناولها وعرضها للجهات المعنية بهذه النزاعات، من شأنها أن تولّد تعاطفاً مع هذه الجهات أو رفضاً لها ونفوراً منها، بغضّ النظر عن دورتها ومسؤوليتها في النزاعات».

وتنبّه فيركونين إلى أن «السردية الإعلامية السائدة يمكن أن تُضفي شرعية على بعض المواقف، أو تنزعها عن أخرى؛ ما يؤدي في واقع الحال إلى التأثير في مجرى النزاع». ومن ثم، فهي ترى «أن وسائل الإعلام التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المكتوبة ما زالت تلعب دوراً محورياً... لكن المنصّات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي أحدثت بالفعل تغييراً جذرياً في ديناميكية النزاعات، من خلال النقل المباشر للوقائع والأحداث، واتساع دائرة الانتشار، والمشاركة المباشرة للجمهور؛ ما أدّى إلى تغيير أشكال التفاوض حول النزاعات ونقلها إلى الرأي العام وتحديد مواقفه منها».

انتشار الأخبار المزيّفة

معظم المحاضرين المشاركين في الندوة، توقّفوا عند الانتشار الواسع للأخبار المزيّفة التي باتت أدوات فاعلة جداً للتأثير في الرأي العام. ولفتوا إلى صعوبة التحقّق من صحتها قبل فوات الأوان، بعدما بلغت درجة عالية من الإتقان. وضربوا أمثلة كثيرة على حالات تسببت فيها هذه الأخبار المزيّفة بزيادة التوتّر في النزاعات ومفاقمة الأزمات الاجتماعية.

ووفق المساهمات، تجلّت «القدرة على التلاعب» بالأخبار وسرعة تداولها، بشكل خاص إبّان «الربيع العربي» والاحتجاجات الصاخبة التي عمّت الولايات المتحدة إدانةً لتعرّض السكان السود للعنف المفرط على يد الشرطة.

كذلك، عاد البعض إلى نزاعات بعضها أقدم عهداً من ظهور المنصّات الرقمية والذكاء الاصطناعي، مثل «حرب فيتنام» و«الصراع في البقان» و«أزمة الانفصاليين في إقليم كاتالونيا (قطالونية) الإسباني»؛ للتدليل على أن التغطية الإعلامية التقليدية لعبت دوراً أساسياً في التأثير على الإدراك الدولي والمحلي لهذه النزاعات.

شبكات التواصل

وحقاً، في السنوات الأخيرة أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي أدوات بالغة التأثير في مجرى الأحداث السياسية والاجتماعية على امتداد العالم؛ إذ سهّلت تحشيد الجماهير وتنظيم الاحتجاجات، وأعادت تشكيل الأنماط التي من خلالها يتفاعل المواطنون ويعبّرون عن مطالبهم. ومن مزايا شبكات التواصل قدرتها على إتاحة الفرصة أمام أعداد كبيرة من الناس للإعراب عن آرائها، بعكس وسائل الإعلام التقليدية التي تكون عادة في خدمة الجهات التي تموّلها وتتماهى مع توجهاتها ومصالحها.

أيضاًً، تتيح هذه الشبكات الرقمية تبادل الآراء والمعلومات بشكل مباشر؛ الأمر الذي يساعد في حالات كثيرة على تسليط الضوء على مظالم اجتماعية، ويكشف عن حالات سوء المعاملة، ويحفّز مجموعات متباعدة جغرافياً على التلاقي في الدفاع عن قضايا مشتركة.

وبالفعل، يشهد العالم منذ سنوات حالات احتجاجية تضافرت فيها مجتمعات عدّة بفضل شبكات مثل «تويتر (إكس)» و«فيسبوك» و«إنستغرام» و«تيك توك»، مكّنت المحتجين من تنسيق تحركاتهم، وسرد الأحداث من زوايا بديلة، عادة ما تغضّ الوسائل الكبرى الطرف عنها أو تختار إسكاتها.

ورغم الانتقادات التي تُوجّه إلى شبكات التواصل لترويجها الأخبار المزيّفة، فإنها سهّلت للأجيال الشابة مشاركة نشطة في الحياة السياسية والاجتماعية، وأعطت الحركات الناشئة منابر عالمية، وأصبحت التحدّيات المحلية تطلّ على العالم عبر الحدود الجغرافية وتستقطب التضامن الدولي والضغط من أجل التغيير.

هينا فيكونين، النائب التنفيذي لرئيسة «المفوضية الأوروبية» (المفوضية الأوروبية)

دور المؤثّرين

ومن المواضيع الأخرى التي ناقشتها الندوة، دور «المؤثّرين» الذين أصبحوا في هذا العصر الرقمي لاعبين أساسيين في عالم التواصل والثقافة الشعبية، ويمارسون تأثيراً واسع النطاق وعميقاً في أوساط الرأي العام. ولقد أسهمت هذه الظاهرة بشكل كبير في انتشار الحركات الاجتماعية عبر المؤثّرين الذين يتمتعون بشعبية واسعة في أوساط الرأي العام، ويحظون بثقته من خلال صحة المعلومات التي يقدمون والتفاعل الدائم. وثمة حالات كثيرة شهدت انتشاراً سريعاً، وتضامناً واسع النطاق، لمجرد أن أحد المؤثّرين تبناها أو دافع عنها.

يضاف إلى ذلك أن المؤثرين يضفون ديناميكية وابتكاراً على التواصل، كما أن لغتهم المبسطة تسمح لهم بطرح المشاكل الاجتماعية بأسلوب في متناول كثيرين، خاصة الشبّان وأولئك الذين سئموا الخطاب الأكاديمي أو السياسي.

لكن الوجه الآخر لهذه الظاهرة، هو أن ما يحفّز المؤثرين على دعم قضايا معينة أو تبنيها، قد يكون مدفوعاً بمصالح تجارية تستغل هذه القضايا وشعبية المؤثرين الذين يتحوّلون، بالتالي، عملاء أو وسطاء لأصحاب هذه المصالح. يضاف إلى ذلك أن الانتشار الواسع للقضايا من دون وضعها في الإطار العملي المناسب، قد يؤدي إلى مشاركة سلبية تكتفي بتأييد الفكرة على شبكات التواصل من غير التزام فعلي بالقضية.

سياسات وضوابط أوروبية

هنا، عرضت هينا فيركونين السياسات والضوابط التي وضعها «الاتحاد الأوروبي» لمراقبة وتنظيم نشاطات المنصّات الرقمية، حمايةً لحقوق المستخدمين، وتعزيزاً المنافسة وضمان الشفافية. ومن بين هذه السياسات: قانون الخدمات الرقمية الذي اعتمده «المجلس الأوروبي» عام 2022 بعد جولات من المناقشات المكثفة، والذي فتح جبهة مواجهة عريضة مع الولايات المتحدة ما زالت تحتدم من حين إلى آخر على وقع تهديدات واشنطن بفرض رسوم جمركية على الصادرات الأوروبية في حال تضييق الخناق على المنصات الرقمية والشركات التكنولوجية الكبرى.

وللعلم، تُلزِم أحكام هذا القانون المنصّات بتحمّل مسؤولية المضامين غير القانون أو المضرّة التي تنشرها في الاتحاد الأوروبي عبر خدماتها. ويلحظ هذا القانون التزام المنصات بالشفافية، وآليات للمقاضاة، وتدابير لمكافحة المعلومات والأخبار المُضلِّلة. وتنطبق أحكام هذا القانون على جميع المنصّات وشبكات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث.

هذا، وكان «الاتحاد» قد وضع منذ سنوات مجموعة من اللوائح العامة لحماية البيانات ليست موجهة بالتحديد لمراقبة نشاط المنصات، لكنها تلعب دوراً أساسياً في ضبط وتنظيم معالجة البيانات الشخصية، وتفرض التزامات صارمة على الشركات التي تعالجها. وأبرمت «المفوضية الأوروبية» اتفاقات ثنائية طوعية مع عدد من المنصّات لمكافحة الأخبار المزيّفة والتحريض على الحقد، فضلاً عن التنسيق الدائم مع الهيئات الوطنية التي تشرف على تطبيق القوانين المرعية في الاتحاد.

شعار «إ‘نستغرام» (رويترز)

عقوبات اتحادية

ولإظهار مدى جدّية «الاتحاد» في تطبيق هذه السياسات رغم الضغوط الهائلة التي يتعرّض لها من الإدارة الأميركية، وأيضاً من الصين؛ ضرب أحد المسؤولين الأوروبيين أمثلة عن بعض العقوبات التي فرضتها «المفوضية» في السنوات الأخيرة على المنصّات الرقمية بسبب انتهاكها القواعد الناظمة لنشاطها في البلدان الأعضاء، ومنها: فرضها عام 2022 غرامة مالية مقدارها 8 مليارات يورو على «غوغل»، وتكرارها ثلاث مرات؛ بسبب سوء استخدام الوضع المهيمن تحقيقاً لمكاسب غير قانونية عبر الإعلانات ونظام التشغيل «آندرويد».

أيضاً، كانت أجهزة «المفوضية» فتحت تحقيقات واسعة منذ سنتين حول نشاطات منصة «أمازون»، وفرضت عليها عقوبات بسبب ممارسات من شأنها الترويج بشكل غير قانوني لمنتجاتها عبر المنصّة على حساب أطراف ثالثة. ومع أن الاتحاد لم يفرض رسمياً بعد أي غرامة مالية على هذه المنصة، فإنه حذّر من عواقب وخيمة في حال رفضها الامتثال للضوابط وانتهاكها.

ومن جهتها، فرضت الحكومة الآيرلندية أخيراً غرامات على «ميتا» تجاوزت 200 مليون يورو بسبب مخالفات تتعلق بحماية البيانات الشخصية. وكانت هيئات أوروبية عدة ناظمة لأنشطة المنصات الرقمية قد فرضت عقوبات وتدابير قسرية على منصة «تيك توك» لقلة التزامها تدابير حماية القاصرين والتلاعب بالبيانات الشخصية.

معظم المشاركين توقّفوا عند الانتشار الواسع للأخبار المزيّفة التي باتت أدوات فاعلة للتأثير في الرأي العام