أسئلة قبل ساعات من إعلان الجوائز: من وكيف ولماذا؟

«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا ـ 7 : أعمال قد تصل إلى خط النهاية لأنها فنية... وأخرى قد تحقق الفوز لكونها سياسية

تيلدا سوينتون في «ابنة خالدة»
تيلدا سوينتون في «ابنة خالدة»
TT

أسئلة قبل ساعات من إعلان الجوائز: من وكيف ولماذا؟

تيلدا سوينتون في «ابنة خالدة»
تيلدا سوينتون في «ابنة خالدة»

هناك احتمالات كثيرة فنسبة الأفلام الجيدة التي سيتم التحليق فوقها لمعاينتها والنقاش حولها متعددة وتبادل وجهات النظر حولها كث
هناك أعمال قد تصل إلى خط النهاية لأنها فنية وأخرى قد تحقق الفوز لأنها سياسية أو ذات قضايا تعتبر مهمة لكن الثابت هو أن هذه الدورة هي أفضل من دورتي مهرجاني كان وبرلين وأفضل من دورة مهرجان فينيسيا ذاته في العام الماضي.

أميركية وإيرانية
تقود الممثلة الأميركية جوليين مور (صاحبة أكثر من 70 فيلماً) لجنة تحكيم تتألف أيضاً من المخرجين الإيطالي ليوناردو دي كوستانزا والأرجنتيني ماريانو كون والفرنسية أودري ديوان والإسبانية كولكست وكاتبا السيناريو البريطاني (من أصل ياباني) كازو إيشيغورو والإسباني ردريغو سوروغوين كما الممثلة الإيرانية ليلى حاتمي التي ربحت جائزة أفضل ممثلة من مهرجان كارلوفي فاري عن «آخر خطوة» (The Last Step) سنة 2014.


مشهد من فيلم من «باردو» لأليهاندرو إيناريتو

سيكون مثيراً تخيل الموقف بين أميركية تقود لجنة التحكيم وإيرانية لديها فيلمان في المسابقة جاء من وطنها الأم، مما يُثير السؤال عما إذا كان أي من هذين الفيلمين الإيرانيين، وهما «خلف الجدار» و«لا أعباء»، سيكون نقطة جدال بينهما (والآخرين) كون أولهما جيد الصنعة والثاني يستند إلى حقيقة أن مخرجه، جعفر بناهي، موجود في أحد السجون الإيرانية بتهمة معارضة النظام. هل فوز فيلم إيراني سيثير غضب السلطات هناك على الممثلة كونها «سمحت» بذلك؟ أم أنها ستُلام إذا ما أخفق أي من هذين الفيلمين في استحواذ جائزة؟
في اتجاه تقييم أفلام المسابقة يأمل الناقد أن يتم تجاوز الأفلام التي عانى منها المشاهدون كونها لم تشهد ميزات نراها كافية للفوز وذلك بدءاً بفيلم الافتتاح «ضجة بيضاء» (White Nose) والفيلم الفرنسي Saint Omer لأليس ديوب والإيطالي Bones and All للوكا غوادانينو. ويمكن التوقع هنا أنه من المحتمل جداً أن تتجاوز قرارات لجنة التحكيم هذه الأفلام كما فيلم رومين غافراس «أثينا» لأسباب مختلفة، خصوصاً أن أغلب ما عداها يحمل نقاطاً فنية أعلى ويطرح مسائل أهم.
أحدها هو Bardo‪، ‬ False Chronicle of a Handful of Truths («باردو، وقائع زائفة لحفنة حقائق») المقدم باسم المكسيك والذي حققه أليهاندرو جونزالِز إيناريتو. «باردو...» فيلم رائع الكتابة من مخرج يعرف أدوات التعبير الذاتية التي يعمل من خلالها. كان حاز على جائزتي أفضل إخراج أولها عن فيلم Birdman وثانيها عن The Revenant وسبق له وأن قدّم «ذا بيردمان» هنا في دورة عام 2014 وكاد أن يفوز بذهبية المهرجان لولا أنها ذهبت لفيلم ممتاز آخر هو «حمامة جلست على الغصن تفكر في الوجود» (A Pigeon Sat on a Branch Reflecting on Existence) للسويدي روي أندرسن.‬


طلقة على النظام في «خلف الجدار»

يسرد إيناريو في «باردو...» حكاية صحافي وباحث مكسيكي شاب على وشك الفوز بجائزة في مدينة لوس أنجليس. المناسبة تهيؤه لكي يفكر بماضيه وإنجازاته ومراجعة ذاته. خلال هذا الاستعراض الوجداني يعود بذاكرته (وبأسلوب الاستعادة، «فلاشباك») إلى بعض أهم مراحل حياته. لن يمض سوى وقت قصير قبل أن ندرك أن المخرج يحكي عن نفسه موارباً على طريقة فدريكو فيلليني في «أماركورد». وهو يذكّرنا بفيلم ألفونسو كوارون «روما» الذي فاز بذهبية فينيسيا سنة 2018 ومن هناك قفز إلى نتائج الأوسكار ففاز بحفنة منها كما فاز بغولدن غلوبس أفضل مخرج في العام التالي.
لا بد هنا من ملاحظة أن تقديرا عالياً يكنه المهرجان الإيطالي للأفلام التي تنتمي إلى مخرجين مكسيكيين. إلى جانب «روما» و«باردو» سبق للمكسيكي الأميركي الثالث غوليرمو دل تورو أن فاز بذهبية فينيسيا عن فيلمه «شكل المالـ”(The Shape of Water) سنة 2017. فيلم إيناريتو يلتقي مع فيلم كوارون من حيث إنهما يتحدّثان عن فترات شخصية مرّ بهما كل منهما.

شغب في إيران
فيلم آخر آيل إلى أن يكوم محور نقاش هو «الابن» لفلوريان زَلر الذي عهدنا اسمه عندما حقق فيلمه الأول قبل ثلاثة أعوام تحت عنوان «الأب» بطولة أنطوني هوبكنز. هذه المرّة هوبكنز في دور مساند وهيو جاكمن هو من يتولى بطولة الفيلم الذي يتحدث عن أب آخر، أصغر سناً، يسعى لمراجعة حياته في سبيل إيجاد الوسيلة الأفضل لإدارة عائلته التي تتألف من طفل وشاب. الأول من عشيقته الحالية (فينيسا كيربي) والثاني من زوجته السابقة (لورا ديرن). هذا ليس الهم الوحيد الذي يعيشه، فهناك فرصة ثمينة يريد اقتناصها ليكون أخد من سيعتمد عليهم مرشح سياسي. إنها فرصة كان ينتظرها منذ زمن وتكاد تتحقق لولا أن زوجته السابقة تعود إلى حياته عندما تدق باب منزله لتخبره أن ابنهما توقف عن استكمال دروسه في الكلية.
يسبر المخرج غور القصص الخلفية التي تزور بطل الفيلم وتعكس الوضع الذي عاشه حين كان يترعرع بين والدين اتفقا بدورهما على الانفصال. الفيلم بكليّته نسخة مشابهة في التوضيب والتنفيذ لفيلم زَلر السابق «الأب» ويتعامل مع موضوع العائلة التي ليس لديها خيارات تعرفها لتحافظ على وحدتها الذاتية.
مثل «الأب» اقتبس المخرج هذا الفيلم الجديد من مسرحية قدّمها على منصّات فرنسية من قبل، وكذلك الحال بالنسبة لمسرحية ثالثة بعنوان «الأم» يُنتظر أن يحوّلها زَلر إلى مشروع فيلم مقبل.
هذه الكتابة تتم قبل مشاهدة فيلم جعفر بناهي «لا أعباء»، بالتالي ليس بالإمكان معرفة ما إذا كان سيرد كأحد الأفلام الفائزة بجائزة ما. وماذا سيكون الحال لو أن الفيلم لم يكن متميّزاً على الصعيد الفني، هل سيتجه أعضاء لجنة التحكيم إلى منحه تقديراً ما لمجرد أن مخرجه من المغضوب عليهم في بلده؟
إلى هذا الحين لدينا فيلم آخر من إيران عنوانه «خلف الجدار» (Beyond the Wall) وهو من أعمال مخرج جديد اسمه وحيد جليلون.
يبدو أن السلطات الإيرانية سمحت لهذا الفيلم بالاشتراك في فينيسيا على عكس فيلم بناهي الذي تسلل إليه رغم حظرها، لكن «خلف الجدار» ليس فيلماً مهادناً للنظام بدوره. هو أنه عمل جيد جداً يتميّز بنبض متلاحق وموضوع آسر وإخراج متمكن غالباً. هناك ثغور في الحكاية وبعض المواقف لكنها ليست فجوات.
في مطلعه نشهد محاولة رجل (دانيال خيريخاه) الانتحار بخنق نفسه بقميصه (التي شيرت) بعدما بلله بالماء. يضع القميص فوق رأسه ويربطه جيداً ثم يضع كيس نايلون فوقه ويربطه ويستعد لأن يفقد روحه. لكنه يخاف ويتراجع ويكاد يفقد الرمق الأخير وهو يحاول نزغ ما ارتداه.
بطل الفيلم، علي (ناود محمد زاده) رجل شبه أعمى يعيش وحيداً وأحد زوّاره القلائل طبيب يفحصه دوماً ويجلب له السجائر. ذات مرّة تقتحم منزله امرأة (دايانا حبيبي) من دون أن يشاهدها. هذه المرأة، كما نرى في خط أحداث متوازٍ) فقدت طفلها في هيجان شعبي واحتدام قتال بين رجال على جانبي نزاع تحوّل إلى اقتتال وعندما يصل رجال الأمن للمكان يتحول القتال إلى مجابهة يدخل فيها البوليس طرفاً. لا تحديد لسبب احتجاجهم بل تصوير يجسّد عنف ذلك الاحتجاج وينتهي الذي بزج عدد منهم وبينهم نساء في شاحنة الأمن بينهن تلك المرأة التي كانت تبحث عن ابنها وسط الفوضى. تتضرّع للضابط إطلاقها لأن لا علاقة لها بما يجري وعليها أن تجد وحيدها. لكن هذا يرفض والصورة اللاصقة به من الأساس وكلما عدنا إليه هي الغلاظة والجبروت.
عندما تتعرض السيارة لحادثة تهرب وفي إثرها رجال البوليس وتدخل بيت الرجل الأعمى لتختبئ فيه. المنزل في دور علوي ولديه بابان أحدهما رئيسي والثاني للطوارئ ورجال الأمن يطرقونهما معاً للبحث عنها ولاستجواب علي. هذا قبل أن يتأكد من وجودها وبعده.
تمتد الحكاية على بعض التكرار لكن بقوّة إقناع وحسن إخراج لصراع يتمحور حول ضحايا القوّة الأمنية التي لن تمتنع (كما في أحد المشاهد) عن القتل إذا ما ووجهت بأي معارضة. علي الأعمى (وهناك مفاجأة في نهاية الفيلم تكشف عن سر آخر له) ضد السُلطة والمرأة ضحية لها أما السلطة فتقتحم المنازل وتقوّض الواقع وتبعث على اليأس.
لا علم لهذا الناقد بالظروف التي أدت لوصول فيلم كهذا إلى المهرجان. هناك تليين موقف من نواحٍ جانبية، لكن هل كانت كافية لاستصدار إذن بتصدير الفيلم؟ أم أن التصوير تم خارج البلاد أصلاً؟ نقرأ في تقرير المخرج عن فيلمه التالي: «في عام 2018 سمعت باستعادة أمل الناس عبر كلمات شاعر إيراني يقول: بلا أمل لن نجد القوّة للتصدي. (لن نجد) هواءً لنتنفسه. لا حياة لكي نعيش».

أفلام أخرى
إذا ما تم اختيار فيلم إيطالي للفوز بإحدى الجوائز الأولى فهناك فيلم لجياني أميليو بعنوان «سيد النمل» (The Lord of the Ants) الذي يتناول وضعاً استخلصه المخرج من الواقع، مضيفاً إليه ما يلزم من الخيال لأحداث فعلية وقعت في النصف الثاني من الستينات عندما تم تقديم الشاعر والصحافي إلدو رامبرانتي إلى القضاء بتهمة «المثلية».
إلدو برايلبانتي (لويجي لو كاشيو) مدرّس وكاتب وصحافي مثلي منذ أن يعود الفيلم بنا إلى سنة 1959. عندما يتم تقديمه إلى المحاكمة بسبب علاقاته الشاذّة يكون المخرج أميليو قد رصف الوضع بحيث سيميل المشاهد تلقائياً للدفاع عن حرية العلاقات الجنسية. لكن إذ يذهب الفيلم في وجهته لتصوير الوضع على أن المثليين كانوا مضطهدين اجتماعياً في ذلك الحين (وهذا قد يكون صحيحاً) يتولى التأكيد على أن القانون آنذاك كان يعاقب المثليين كفعل محظور.
الواقع أن القانون لم ينص على ذلك حينها. وحسب ما يفصح الناقد الأميركي ديفيد روني في كتابته عن الفيلم، وضع موسوليني بذور للتفرقة منذ أيام حكمه لكنه لم يصدر قانوناً بتجريم كامل. في كل الأحوال استرعت محاكمة ألدو برايليابنتي اهتماماً كبيراً بين المثقفين الذين وقفوا معه ومن بينهم الروائي ألبرتو مورايا والمخرج ماركو بيلوكيو و- بالطبع - المخرج والشاعر بيير باولو بازوليني.
ليس بالفيلم الذي يمكن الدفاع عنه كثيراً كعمل فني، لكنه يصيب الهدف في زمننا اليوم الذي لا يمكن تصوّر تقديم أحد فيه إلى المحاكمة بسبب انتماء كهذا في الدول الغربية على الأقل.
هناك أفلام أخرى تتلألأ في الجولة الأخيرة للجنة التحكيم من بينها «الابنة الخالدة» للبريطانية جوانا هوغ (تؤدي فيه تيلدا سونتون دور أم وابنتها معاً ولديها حظ بالفوز بجائزة أفضل ممثلة) وفيلم «الحوت» للأميركي دارن أرونوفسكي (بطله براندان فرايزر قد يخرج بجائزة أفضل ممثل) و«جنيّات أنيشيرين» (The Banshees of Inisherin) الذي يوفر أداءً آخر يدعو للتقدير من بطليه براندان غليسن وكولِن فارل.
Argentina‪، ‬ 1985 لسانتياغو ميتلري جيد كوثيقة مروية درامياً حول الوضع السياسي في الأرجنتين في تلك الفترة لكن يبدو أن حظه الوحيد ضمن كل هذه النخبة من الأفلام هو الفوز بجائزة أفضل إخراج. ‬
على قائمة الأفلام إلى من المستبعد لها أن يتم لها الفوز «ثنائي» لفردريك وايزمن (رديء الصنعة لكن اسم مخرجه غالب) و«مونيكا» للإيطالي أندريا بالاورو الذي لم ينل إعجاب النقاد على نحو شبه مطلق.


مقالات ذات صلة

المخرج الصيني تان يوتشنغ: استلهمت لوحات إدوارد هوبر في «نيير»

يعرض الفيلم الصيني للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان برلين - إدارة المهرجان

المخرج الصيني تان يوتشنغ: استلهمت لوحات إدوارد هوبر في «نيير»

في فيلمه الروائي القصير «نيير»، المشارك ضمن قسم «أجيال» بالدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الدولي. يراهن المخرج على الصمت والمراقبة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

بعد أصداء دولية واسعة رافقت عروضه في المهرجانات السينمائية الكبرى، يصل فيلم «صوت هند رجب» إلى منصة «شاهد» التابعة لشبكة «MBC»، في عرض رقمي حصري انطلق يوم…

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

لا يُعدّ الفيلم اللبناني «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» فيلماً وثائقياً تقليدياً يتوقف عند لحظة احتجاج عابرة، ولا محاولة لتأريخ مدينة عبر سرد زمني خطي.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)

9 أفلام نسائية في مسابقة برلين

تتوالى الأيام سريعاً صوب بدء الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الذي ينطلق في الثاني عشر من هذا الشهر.

محمد رُضا (بالم سبرينغز (كاليفورنيا) )
يوميات الشرق يوثق الفيلم رحلة صديقين من الوطن إلى المنفى (الشركة المنتجة)

«حلفاء في المنفى»... صداقة وسينما في مواجهة الحرب السورية واللجوء

المنفى ليس مكاناً فحسب، بل حالة نفسية مستمرة تتطلّب أدوات جديدة للتكيّف، وكانت السينما إحدى هذه الأدوات.

أحمد عدلي (القاهرة )

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
TT

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» (It Was Just an Accident) مهرجانات عديدة (39 مهرجاناً بالتحديد)، حصد فيها، وفي مناسبات احتفائية أخرى، ما يزيد على 35 جائزة. ما هو بالقدر نفسه من الأهمية أن الفيلم (الذي دخل مسابقتي بافتا والأوسكار أيضاً) تربَّع في قوائم عشرات النقاد حول العالم بوصفه واحداً من أفضل أفلام السنة الماضية.

حين شاهد الناقد كاتب هذه السطور الفيلم خلال عرضه في ذلك المهرجان، تبلور لديه تأثير سلبي مردُّه تكرار مشاهد أكثر من التقدّم بها فعلياً، ما جعل الفيلم يبدو حوارياً أكثر منه حدثياً. كذلك لم يكن بإمكان بناهي (على الأرجح) أن ينبري لتحقيق فيلم يقطع المسافة كاملة ما بين الإيحاء والاتهام، بانياً نهاية فيلمه على أساس أن المجموعة التي اختطفت رجلاً لاعتقادها بأنه هو من كال لهم التعذيب في أحد سجون طهران بناءً على مواقفهم السياسية عادت عن اعتقادها في النهاية وتركت الرجل وشأنه.

المخرج جعفر بناهي (MK2 بيكتشرز)‬

مخرج وحيد

أبقى المخرج الدراما دون مستوى التفعيل. هذا القرار يلتقي تلقائياً مع أفلامه السابقة مثل «تاكسي» و«هذا ليس فيلماً» و«دائرة»، ومع أسلوب عمله. من هذه الزاوية يلتقي وأسلوب الراحل عبّاس كياروستمي والمعتزل محسن مخملباف، لكن هذا الالتقاء لا يتجاوز الهامش العريض لأن لكل واحد من هؤلاء أسلوبه الخاص ضمن ذلك الأسلوب العام.

في حين أن تقتير الدراما في أفلام بناهي قد لا يلتقي وحب كثيرين (بينهم هذا الناقد) لسينما تجمع حسنات العناصر الفنية كاملة (سيناريو وتصوير وتمثيل وتوليف وموسيقى وإخراج شامل مع تصميم فني ملتحم وفاعل)، غير أنه تعبير ذاتي ليس فقط في المضمون، بل في طريقة توظيف اللغة السينمائية المستخدمة أيضاً.

بناهي هو المخرج الوحيد عالمياً الذي خرج من المهرجانات الرئيسية الأربعة، كان و«برلين» و«ڤينيسيا» و«كارلوڤي ڤاري»، بجائزة أولى من كل واحد منها: «البالون الأبيض» نال جائزة «الكاميرا الذهبية» في 1995، و«الفهد الذهبي» في «لوكارنو» عن «المرآة» 1997، و«الأسد الذهبي» في مهرجان «ڤينيسيا» عن «الدائرة» سنة 2000، و«الدب الذهبي» في مهرجان «برلين» عن «تاكسي» (2015).

ألا يُنظر إلى هذا الإنجاز بتقدير كبير هو نوع من الجهل أو التجاهل، لكن حقيقة أن كل واحد من هذه الأفلام (لجانب «مجرد حادثة») ارتبط بموقف سياسي ضد السلطة الإيرانية تساهم في طرح سؤال حول ما إذا كانت الجوائز سياسية أكثر منها فنية، خصوصاً حين النظر إلى ما عرضه كل مهرجان من أفلام في السنة التي شهدت عرض أحد أفلام بناهي. القول إنه لم يكن هناك أفلام أفضل صُنعاً هو بدوره غير صحيح.

كمثال لا بدّ منه، هل كان «تاكسي» فعلاً أهلاً للجائزة؟ فيلم عن بناهي يقود سيارة تاكسي يصعد إليها ويخرج منها زبائن، كلّ يحكي شيئاً عن نفسه؟ هل يبرر الموقف السياسي الغربي (إليه ينتمي معظم أفراد لجان التحكيم) منح هذه الأفلام الجائزة الكبرى، أم أن هناك بنوداً غير معلنة تتبعها بعض هذه المهرجانات؟

«ذهب قرمزي» (جعفر بناهي برودكشنز)

جوانب شخصية

كثيراً ما وصف بناهي أفلامه بأنها «مجتمعية وليس سياسية» رغم أن الخيط رفيع بين هذين الجانبين، طالما أن ما طرحه في تلك الأفلام، وفي أخرى من بينها «ذهب قرمزي» (2003)، لا يعرض لما تفضّل السلطة أن تراه، بل لما يريد هو عرضه عن حالات الناس في بلده.

«ذهب قرمزي» (Crimson Gold) الذي فاز بجائزة أفضل فيلم في قسم «نظرة ما» في «كان» في سنة إنتاجه، هو الوحيد بين أفلامه الذي يختلف في طريقة سرده مقترباً من تفعيل الأحداث حسب وقائع درامية وليس وصفية. فيلم ممتاز من حيث حبكته (شاب في مواجهة فساد شائع ما يدفع به لارتكاب جريمة) وينتمي إلى السنوات الأولى من مهنة المخرج، تلك التي كان يعمل فيها على ملاحقة قضايا إنسانية. لاحقاً، ومنذ «هذا ليس فيلماً» (2011)، وهو ينتقي أن يتكلم ذاتياً حتى عندما يضع في البطولة ممثلين آخرين كما الحال مع «ستارة مسدلة» (Closed Curtain) في 2013.

الفيلم المحتفى به حالياً حُقِّق بعد السماح لبناهي بالإخراج والسفر، لكن بناهي صوّر الفيلم بلا إذن رقابي، مدركاً أنه لن يحصل عليه لو تقدّم بالسيناريو إلى الجهات المعنية. هذا ما أعاده إلى دائرة المواجهة مع السلطة التي تنتظر عودته إلى البلاد لمحاكمته (حالياً متنقّلاً ما بين أوروبا والولايات المتحدة، منتظراً نتائج جوائز بافتا والأوسكار).

يتكلم «مجرد حادثة» عن سنوات التعذيب في السجن. ليس حكاية ذاتية كون بناهي لم يدخل بنفسه هذه التجربة، بل عبر شخصيات خرجت بذاكرة موجوعة مما حدث لها، وعندما يُتاح لها خطف من اعتقدت أنه هو الذي كان يعذّبها تبحث في أمر تعذيبه أو قتله. لكنها في النهاية ليست موقنة بأنه الفاعل، والفيلم يترك شخصياته من دون يقين، وكذلك جمهوره.

ما لم يدخل في اعتبار السلطة والرقابة الإيرانية حين توعَّدت بمعاقبة المخرج (وألقت القبض مؤخراً على محمد محموديان، أحد المشاركين في كتابة السيناريو) حقيقة أن الفيلم يصوّر شخصياته التي تريد الانتقام في ضوءٍ اتهاميٍ مماثل. ليس فقط على أساس أنهم في النهاية ليسوا واثقين من الرجل الذي كاد أن يموت بين أيديهم، بل أيضاً لأنهم شخصيات ذات عواطف هشّة وبلا خصال يمكن الإعجاب بها. يحملون قضية، لكنهم أقل قدرة على الدفاع عنها. من ناحية يضع بناهي أبطاله في موقع الضحية، وفي ناحية أخرى لا يرفعهم إلى درجة منحهم حق الانتقام، ويتركهم في النهاية بعيدين عن قرار بعدما دخلوا التجربة بثقة وخرجوا منها ملتبسين.


شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
TT

شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)

WHO IS STILL ALIVE

★★★1/2

إخراج:‫ نيكولاس واديموف‬

سويسرا | تسجيلي غربي بقلب فلسطيني

خلال زيارة للقاهرة في مطلع سنة 2025، وجد المخرج السويسري نيكولاس واديموف نفسه في واجهة المأساة الفلسطينية. سمع وشاهد كل ذلك الدمار الذي لحق بغزّة والضحايا التي كانت قد بدأت تتساقط منذ ذلك الحين. فكّر مع صديق فلسطيني له نزح إلى القاهرة في تحقيق فيلم عن الموضوع، وارتأى أن يكون فيلماً يجمع في أحد الاستوديوهات مجموعة من النازحين الفلسطينيين ليتحدّث كل منهم عن آلامه وما حدث له أو لعائلته.

بعض هؤلاء خرج بثيابه التي كان يرتديها، والبعض كان ناجياً وحيداً أو برفقة فرد واحد من عائلته. يقول واديموف إن شريكه الفلسطيني في الفيلم (جودت خضري)، الذي كان يعرفه منذ سنوات، بدا شخصاً مختلفاً: «للمرّة الأولى كنت أمام شخص يعكس الإبادة الجماعية».

جمع هؤلاء لم يكن سهلاً، والمخرج رغب في نقلهم إلى بلد آخر لضمان عمل مستقل. تبعاً لحقيقة أن معظم دول الأرض لا تمنح تأشيرات دخول للفلسطينيين، توجَّه المخرج بمجموعته إلى دولة جنوب أفريقيا، التي هي شبه الوحيدة التي يمكن للفلسطيني دخولها من دون «فيزا» مسبقة.

نتيجة اللقاء هي تحقيق فيلم يقوم على 9 أشخاص فلسطينيين نازحين يتحدّثون، لنحو ساعة و10 دقائق، عن كيف استيقظوا يوماً من دون مأوى نتيجة القصف، وكيف كان وقع ذلك على حياتهم وما بعد نزوحهم. خسروا البيت كما الحياة الآمنة (نسبياً)، ليجدوا أنفسهم في العراء.

الفيلم ليس عبارة عن مقابلات منفردة مزوّدة بمشاهد من غزّة كما قد يتوقّع البعض، بل عمد المخرج إلى مقابلات جماعية، حيث يقوم كل من هؤلاء برسم مربّعات ودوائر وخطوط ليشرح ما حدث له.

بساطة هذا اللجوء إلى هذا الحل تبدو دخيلة في البداية، قبل أن تبدأ بتأسيس رابط بين الذاكرة المروية كلاماً والمرسومة تنفيذاً.

الطباشير والأقلام المستخدمة هي اللون الأبيض الوحيد في الفيلم، إلى جانب ألوان الملابس الداكنة، لأن كل شيء آخر (الخلفية والأرض والصورة نفسها) أسود. هذا فيلم ليس مهتماً بأصوات الطائرات والقذائف وصراخ الضحايا، بل بالمضيّ عميقاً في التجربة الإنسانية لمن استطاع البقاء حياً محمّلاً بتلك الذكريات وآلامها. الأسلوب المعتمد لا ينجو من التبسيط بصرياً، لكن البساطة في الشكل هي التي تمضي عميقاً في البال من كلمات شخصياته الأولى وحتى النهاية.

:GREENLAND2

MIGRATION ★★★ إخراج:‫ رِك رومان ووف‬

الولايات المتحدة | عن الأرض

والمجتمعات بعد هجوم النيازك

على عكس المتوقَّع، لن تنتهي الحياة على الأرض بسبب حرب نووية ولا بسبب وباء يحوّل البشر إلى وحوش، بل لأن أمطاراً من النيازك ستهاجم كوكبنا الصغير وتفتك به. بعض ذلك شوهد في الجزء الأول Greenland، حيث بدأ هطول النيازك الآتية من عمق السماء. ذلك الجزء كان بداية تصوير الخراب الذي ستسبّبه النيازك بأحجامها المختلفة. كل واحد منها سيدمّر جسراً أو مدينة أو أكثر

«غرينلاند 2: هجرة» (ليونز غايت)

الجزء الجديد يُكمل من حيث انتهى الأول. الناجون مختبئون في ملاجئ يعدّونها محصّنة، إلى أن يقرّر السيناريو أن ذلك ليس صحيحاً. جون غاريتي (جيرالد بتلر) وعائلته (زوجته بكارين وابنهما الشاب ناتان) وقلّة آخرون يفرّون عندما يُصيب الدمار ذلك الملجأ إلى مركب كبير لقطع المسافة بين القارتين الأميركية والأوروبية. لا مانع إذا ما نفد الوقود في عرض البحر، فلربما أدَّت النيازك إلى تقريب القارّتين من بعضهما. المهم أنهم تركوا أرضاً مدمّرة إلى أخرى.

بعد ذلك سيحصر الفيلم اهتمامه في تلك العائلة بعد أن قدّم شخصيات أخرى تعيش التراجيديا نفسها. سيقود جون عائلته الصغيرة صوب مدينة نموذجية آمنة (لسبب يتعلّق بوجودها وسط مرتفعات فرنسية) من خلال رحلة خطرة تنطوي، مثلاً، على المشي فوق جسر من الحبال فوق ما كان يُعرف ببحر المانش ما بين إنجلترا وفرنسا، الذي أصبح الآن مجرّد وادٍ عميق.

رغم سذاجة المواقف وثغرات الكتابة، يوفِّر الفيلم دراما حول وحدة العائلة وصلابتها رغم المخاطر، إلى جانب أن مؤثّراته البصرية جيّدة في غالبيّتها. ترفيه يشترط القبول به مع ثغراته غير العلمية وغير المنطقية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
TT

«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)

بعد أكثر من 4 عقود على عرضه الأول، يصل فيلم «ذا شاينينغ» (The Shining) إلى دور السينما السعودية في إطار عرض محدودة، يبدأ يوم الخميس المقبل؛ ما يمنح الجمهور المحلي فرصة التفاعل مع أحد أكثر أفلام الرعب النفسي تأثيراً، بتقنية «آيماكس (IMAX)»، وذلك ضمن تجربة مشاهدة كاملة على الشاشة الكبيرة، حيث تتجلى قوته البصرية والفكرية كما صُممت في الأصل.

وربما حتى الذين لم يشاهدوا الفيلم، مرُّوا بلقطات أيقونية منه، حيث يترسخ حضور «ذا شاينينغ» من خلال مشاهد عدة، يتقدمها المشهد الشهير الذي يُعد من أكثر اللقطات تداولاً في تاريخ السينما، ويظهر فيه الممثل جاك نيكلسون وهو يكسر باب الحمام بفأسه، قبل أن يُدخل رأسه من الفتحة الخشبية مبتسماً بجنون. وتحوَّلت هذه اللقطة إلى رمز بصري يُستعاد باستمرار في وسائل التواصل الاجتماعي، مع حضور الفيلم الدائم في قوائم أفضل الأفلام، وفي الكتابات النقدية؛ ما يعكس قدرته على التجدّد والتفاعل مع تحولات الذائقة السينمائية.

كذلك أصبح الرقم 237 خالداً في ذاكرة عشاق السينما، وهو رقم أهم غرفة في الفيلم، وواحدة من أكثر عناصره رسوخاً في الأذهان، لارتباط هذا الرقم بمشهد بالغ الكثافة النفسية، واستمر تداول الرقم في النقاشات والتحليلات السينمائية، ليصبح علامة على قدرة الفيلم على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى رموز ذات دلالات مفتوحة.

ويمثل عرض «ذا شاينينغ» في السعودية جزءاً من حركة أوسع لإعادة قراءة السينما الكلاسيكية بعيداً عن الحنين العاطفي، وبمنظور نقدي معاصر يضع الفيلم في سياقه التاريخي والجمالي، حيث يفتح حضور هذا العمل المجال أمام جيل جديد لاكتشافه، وأمام جمهور أقدم لإعادة تأمله ضمن شروط مشاهدة مختلفة، تُبرز تفاصيله الدقيقة وإيقاعه المتأمل.

الممثلة شيلي دوفال في مشهد من الفيلم (المصدر: IMDb)

ستانلي كوبريك.. سينما التفاصيل

الفيلم الذي أُنتج عام 1980، من إخراج المخرج الأميركي ستانلي كوبريك، أحد أبرز صُناع السينما في القرن العشرين، وصاحب مسيرة اتسمت بالتنوع والصرامة الفنية؛ إذ عُرف كوبريك الذي توفي عام 1999 باهتمامه الشديد بكل تفصيلة في العمل السينمائي، من حركة الكاميرا إلى تصميم الديكور، ومن الإيقاع السردي إلى اختيار الموسيقى، وفي «ذا شاينينغ»، بلغ هذا الهوس بالكمال ذروته، حيث تحولت كل لقطة إلى جزء من بناء نفسي متكامل.

واستند كوبريك في عمله إلى رواية الكاتب «ستيفن كينغ» التي تحمل العنوان نفسه، لكنه قدّم معالجة سينمائية مستقلة ركزت على الأبعاد الذهنية للشخصيات أكثر من التزامها بحبكة رعب تقليدية، وهذه المقاربة جعلت الفيلم عملاً قابلاً لإعادة القراءة عبر أزمنة مختلفة.

قصة العزلة والانهيار النفسي

تدور أحداث الفيلم حول الكاتب جاك تورانس، الذي ينتقل مع زوجته ويندي وابنهما داني إلى فندق معزول في جبال كولورادو، لتولي مهمة الإشراف عليه خلال فترة الإغلاق الشتوي، والعزلة الطويلة، والطقس القاسي، والتاريخ الغامض للفندق، بيئة نفسية ضاغطة تتكثف فيها الهواجس والمخاوف، ليتحوّل الكاتب فيها إلى شخص مختلف عن صورة الزوج والأب الذي اعتادت عليه أسرته.

في حين يمتلك الطفل داني قدرات نفسية تتيح له رؤية أحداث من الماضي واستشراف ما سيقع، لتتحول إقامته في الفندق إلى تجربة قاسية تضع الأسرة أمام اختبارات متتالية، وهذه القصة، رغم بساطتها، تُستخدم مدخلاً لتفكيك مفاهيم الجنون، والذاكرة، والعنف الكامن في العلاقات الإنسانية.

يتناول الفيلم الانهيار النفسي الذي يعيشه كاتب يُدعى جاك تورانس، في مكان معزول (المصدر: IMDb)

أداء صنع أيقونة سينمائية

وجسّد دور البطولة الممثل جاك نيكلسون، في أداء أصبح علامة فارقة في مسيرته الفنية، مقدّماً شخصية الكاتب جاك تورانس بتدرج نفسي حاد، ينتقل من الاتزان الظاهري إلى الانفجار الداخلي، وأسهم هذا الأداء في ترسيخ الشخصية كإحدى أكثر الشخصيات حضوراً في تاريخ السينما.

كما شاركت شيلي دوفال، في دور زوجته ويندي، في أداء ركّز على الهشاشة والقلق والخوف، وقدّم الطفل داني لويد شخصية ابنهما داني بأداء هادئ وغامض، جعل منه عنصراً محورياً في بناء التوتر النفسي للفيلم، حيث منح تكامل هذه الأداءات العمل عمقاً إنسانياً تجاوز حدود الرعب التقليدي.

أصداء العرض الأول

عند عرضه الأول مطلع الثمانينات، أثار «ذا شايننغ» نقاشاً واسعاً بين النقاد والجمهور، ولفت الانتباه بأسلوبه المختلف وإيقاعه المتأني. ومع مرور السنوات، تزايد حضوره في الدراسات النقدية والجامعية، وظهرت قراءات متعددة تناولته من زوايا نفسية واجتماعية وثقافية وتاريخية. وهذا التحول في الاستقبال النقدي أسهم في ترسيخ مكانته كعمل سينمائي متجدد، يُعاد اكتشافه مع كل جيل، ويُقرأ وفق سياقات فكرية مختلفة، ما جعله أحد أكثر الأفلام تحليلاً في تاريخ السينما الحديثة.

الأم وطفلها يحاولون النجاة من الأمور الغريبة التي تحدث في فندق أوفرلوك داخل الفيلم (المصدر: IMDb)

الفندق... قلب القصة

ويحتل «فندق أوفرلوك» في «ذا شاينينغ» موقعاً مركزياً في السرد، حيث تعامل معه كوبريك بوصفه كياناً حياً، لا مجرد فضاء للأحداث، بما يشمله من الممرات الطويلة، والهندسة المتناظرة، وحركة الكاميرا الانسيابية، حيث بدت كلها عناصر صُممت بعناية لتعزيز الإحساس بالضياع والاختناق النفسي.

ولعبت الموسيقى التصويرية دوراً محورياً في بناء التوتر، عبر نغمات تجريبية حادة تتناغم مع التحولات النفسية للشخصيات، وهذا التوظيف الصوتي والبصري جعل من الفيلم تجربة حسية كاملة، تتضاعف قوتها عند مشاهدته على الشاشة الكبيرة.

الأفلام الكلاسيكية

يأتي عرض «ذا شاينينغ» في دور السينما السعودية ضمن توجُّه متصاعد لبرمجة الأفلام الكلاسيكية وأعمال الرعب النفسي ذات القيمة الفنية العالية، إلى جانب الإنتاجات الجديدة. ويعكس هذا التوجه تطور ذائقة الجمهور المحلي، واتساع مساحة الخيارات السينمائية، حيث باتت الصالات تستضيف عروضاً خاصة لأعمال مفصلية في تاريخ السينما العالمية، وحضور فيلم من وزن «ذا شايننغ» على الشاشة الكبيرة في السعودية يضع الجمهور أمام تجربة سينمائية جديرة بالتوقف والتذكّر.