إيمانويل ماكرون... الرئيس الساعي إلى «قصة حب» بين فرنسا والجزائر

وسط حسابات الاقتصاد والأمن والتاريخ

لقاء الرئيسين تبون وماكرون
لقاء الرئيسين تبون وماكرون
TT

إيمانويل ماكرون... الرئيس الساعي إلى «قصة حب» بين فرنسا والجزائر

لقاء الرئيسين تبون وماكرون
لقاء الرئيسين تبون وماكرون

ثمة من عاب على الرئيس الفرنسي، خلال زيارته ثلاثية الأيام إلى الجزائر، أنه أقدم عليها بسبب حاجة بلاده للغاز الجزائري، كان رد إيمانويل ماكرون قاطعا: «هذا كلام هراء». وقبله، حرصت مصادر قصر الإليزيه، بمناسبة تقديمها للزيارة، على التأكيد على أن ما يريده الرئيس الفرنسي ليس الغاز وإنما «إعادة إطلاق العلاقات الثنائية نحو آفاق جديدة والاهتمام بمسائل الحاضر والالتفات إلى المستقبل». ولكن رغم النفي الرئاسي، فإن ملف الغاز كان حاضرا بقوة في المباحثات التي أدرجها الجانب الفرنسي من زاوية العمل على «تخفيف تبعات الحرب الروسية على أوكرانيا» التي من بين نتائجها غياب نسبة كبيرة من الغاز الروسي عن البلدان الأوروبية التي من بينها فرنسا. ويوم الثلاثاء 30 أغسطس (آب) أعلنت شركة «غازبروم» الروسية، وهي الجهة المصدرة للغاز الروسي، نظيرتها الفرنسية «أنجي» أنها ستخفض وبمفعول فوري، كميات الغاز المصدرة إلى فرنسا... وكانت حجتها في ذلك أن الشركة الفرنسية «لم تحترم بنود العقد المبرم بين الطرفين» من غير إعطاء مزيد من التفاصيل. وللتذكير، فإنها الحجة نفسها التي لجأت إليها مع دول أوروبية أخرى لخفض صادراتها أو لوقفها كليا.
الزيارة الرئاسية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الجزائر بالغة الأهمية لأنها تعني أن فرنسا، كغيرها من البلدان الأوروبية المتأثرة بالإجراءات الروسية، تبحث عن بدائل للغاز الروسي وأنها تنظر إلى الغاز الجزائري كأحد البدائل. وكان لافتا أن رئيسة «أنجي» ومديرتها العامة كاترين ماكغريغور كانت من ضمن الوفد الكبير الذي رافق الرئيس ماكرون إلى الجزائر.
وحقاً، أجرت ماكغريغور مباحثات مع كبار مسؤولي شركة «صوناطراك» الجزائرية التابعة للحكومة - والتي تدير الأنشطة البترولية والغازية الجزائرية - وأن البحث تواصل بعد عودة ماكرون إلى باريس. وشكل ملف الغاز أحد المواضيع الرئيسة التي نوقشت بين الأخير ونظيره الجزائري عبد المجيد تبون. وجرى تداول معلومات في العاصمة الفرنسية مفادها أن الطرفين يتجهان إلى اتفاق تقوم «صوناطراك» بموجبه بتوفير 50 في المائة إضافية من الغار الطبيعي المسال إلى فرنسا للفترة المقبلة.

حتى اليوم، كانت المشتريات الفرنسية من الغاز الجزائري تمثل 8 إلى 9 في المائة من كامل الواردات الفرنسية الإجمالية من الغاز. ولقد أصدرت وزارة النقلة البيئوية بيانا تؤكد فيه أن المفاوضات مع الجانب الجزائري «تندرج في إطار استراتيجية تنويع الواردات من الغاز التي تتبعها الحكومة». وبين الاتفاقيات الخمس التي وقعت بين الجانبين في إطار «الشراكة المتجددة»، واحدة تتناول الطاقة إذ قرر الطرفان العمل معا في موضوع الطاقة المتجددة والغاز والهيدروجين، واتفقا على إطلاق برنامج بحث وابتكار تكنولوجي لاستعادة الغازات المحترقة (غاز الشعلة) ومعالجتها، وذلك إلى جانب التعاون الطبي والعلمي والرياضة والإبداع السينمائي. وللعلم، تعد الجزائر أحد المصدرين الأساسيين للغاز إلى أوروبا وحتى اليوم كانت حصتها بحدود 11 في المائة. لكنها ما زالت بعيدة عن الحصة الروسية (47 في المائة) حتى عشية بدء الحملة العسكرية الروسية على أوكرانيا. وفي أي حال، فإنها تحولت في الأشهر الأخيرة إلى «قبلة» المسؤولين الأوروبيين. وحتى اليوم، تعد إيطاليا السباقة في هذا المجال إذ أنها عقدت اتفاقيات مع «صوناطراك» لتضمن الحصول على كامل حاجتها من الغاز الجزائري.
- قلب صفحة الخلافات
لا تخفى على أحد أهمية ملف الطاقة، لا سيما في هذه المرحلة حيث تسجل أسعار الكهرباء والغاز المنزلي والصناعي قفزات متتالية تنعكس على غلاء المعيشة والتضخم وتراجع القوة الشرائية للمواطنين، وبالأخص، للطبقات الأكثر هشاشة. والجميع يعي، في فرنسا وخارجها، التبعات الخطيرة المترتبة على تفلت الأسعار. وما زالت ماثلة في الأذهان صور العنف الذي رافق تحركات «السترات الصفراء» في العامين 2019 و2020 والتي اندلعت وقتها احتجاجاً على ارتفاع زهيد في أسعار مشتقات الطاقة من البنزين والديزل. بيد أن أهمية هذا الملف لا يجب أن تغطي على الجوانب الأساسية من الزيارة الرئاسية إلى الجزائرية وما أسفرت عنه.
كثيرة العوائق المنتشرة على درب تطبيع جدي ودائم للعلاقات عبر ضفتي المتوسط بين الدولة المستعمرة والدولة المستعمرة. وحقاً نظر إلى وصول ماكرون إلى الرئاسة ربيع العام 2017 كعامل من شأنه قلب صفحة الخلافات والأحقاد والاضطهاد التي رافقت الحقبة الاستعمارية الممتدة من العام 1830 إلى العام 1962.
قبل أن يصبح رئيساً، زار ماكرون الجزائر والتقى رئيسها (يومذاك) عبد العزيز بوتفليقة. وعلق في ذاكرة الجزائريين قوله إن الاستعمار «جريمة ضد الإنسانية». وما انتظره الجزائريون أن يقدم باسم فرنسا بعدما أصبح رئيسا «اعتذاراً» عن هذه الجرائم أو الإعراب عن «الندم» أو «طلب الصفح» عما ارتكب خلال 132 سنة من الاستعمار وخلال حرب التحرير الجزائرية. لكن هذا الاعتذار لم يأتِ أبدا لأسباب تتعلق بالسياسة الداخلية الفرنسية. وإضافة إلى الإرث التاريخي، فإن ماكرون ارتكب أخطاء بحق الجزائر عندما اعتبر أن السلطات الجزائرية التي وصفها بالطغمة «السياسية - العسكرية» تعيش على «ريع الذاكرة»، أي تسخر التاريخ لمصلحتها ولشرعيتها. والأسوأ من ذلك تساؤله، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي أمام مجموعة من طلاب الجامعات الفرنسيين والجزائريين، عن حقيقة «وجود أمة جزائرية» قبل وصول المستعمر الفرنسي، وهو كلام رد عليه الرئيس تبون بعنف مؤكدا لماكرون، في حديث لمجلة «دير شبيغل» الألمانية، أن الأمة الجزائرية كانت موجودة قبل الاستعمار، وأن أقوال الرئيس الفرنسي «إهانة للشعب الجزائري». وقرن تبون القول بالفعل فاستدعى السفير الجزائري في باريس، وخفض التواصل بين الطرفين، ومنع الطائرات الفرنسية العسكرية من التحليق في الأجواء الجزائرية إلى غير ذلك من التدابير والإجراءات التي تعبر عن «غيظ» من ماكرون.
رغم دراميتها، فإن هذه المسألة «الشخصية» طويت. ويكفي للتدليل على ذلك النظر إلى الاحتفاء الرسمي البروتوكولي والشخصي بماكرون، الذي عانقه تبون مطولا لدى هبوطه من الطائرة، وحرصه طيلة أيام الزيارة على إبراز مؤشرات الود والاغتباط بالضيف الفرنسي... كأن يمثلا معا يدا بيد في حديثهما للصحافة وأن يكيل كل طرف للآخر المديح من غير حساب. وجاءت تصريحات تبون وماكرون لتبين أنهما نجحا في قلب صفحة التوتر بينهما. ورغم أن زيارة ماكرون لم ترق إلى «زيارة دولة» وهي الأعلى في السلم البروتوكولي، فإن الرئيس الفرنسي خصص لها ثلاثة أيام وهو المعروف عنه أن زياراته عادة لا تتعدى اليوم الواحد.
أما على المستوى العام، فإن تبون وصف الزيارة بأنها كانت «ناجحة ومتميزة»، مضيفا أنها «ساهمت في تحقيق تقارب ما كان ليحصل من غير شخصية الرئيس ماكرون». وبالنظر للمعطى الجديد الذي أفضت إليه الزيارة، أعلن تبون أن الجزائر وفرنسا «سيعملان معا في العديد من الميادين خارج فرنسا والجزائر»، وأن التقارب بينهما «سيمكنهما من الذهاب بعيدا جدا» في التعاون الذي عنوانه الجديد «الشراكة الدينامية المتجددة» المتضمنة في الإعلان المشترك الذي، من أجل توقيعه، عاد ماكرون أدراجه من مدينة وهران (غرب الجزائر) يوم السبت إلى العاصمة. وجاءت كلمات ماكرون في السياق نفسه إذ أكد أنه «لأول مرة في التاريخ اجتمعنا بالأمس مع المسؤولين الأمنيين لبلدينا حيث قررنا تعزيز التعاون في مجالات الطاقة والاقتصاد والابتكار...»... وأردف أن «العلاقات الثنائية بين الجزائر وفرنسا متينة وقوية»، داعياً إلى تعزيزها من خلال الحوار في كل المجالات، بما في ذلك «المواضيع التي منعت البلدين من التقدم».
- «خريطة الطريق» للمستقبل
يشكل «إعلان الجزائر» الذي صدر بنهاية زيارة ماكرون «خريطة طريق» سيعمل الطرفان على التقيد بمحتواها للسنوات المقبلة، والتي من المفترض بها أن تعكس الانطلاقة الجديدة التي يطمحان إليها بين بلديهما. وتتضمن «الخريطة» ميادين العمل المشترك التي أولها التنسيق السياسي عالي المستوى المتمثل بإنشاء «مجلس أعلى للتعاون» على مستوى الرئاسة في البلدين يلتئم بالمداورة بين باريس والجزائر مرتين كل عام ومهمته «تقديم التوجيهات الكبرى حول المحاور الأساسية للتعاون» بما فيها تعزيز التعاون الاستراتيجي والأمني، خصوصاً في منطقة الساحل وفي ليبيا. ويعني هذا من الناحية العملية، أن الرئيسين سيدفعان «كلما دعت الضرورة» إلى اجتماع لكبار المسؤولين العسكريين في البلدين، أكان ذلك على مستوى قيادة أركان القوات المسلحة أم أجهزة الاستخبارات الخارجية على غرار الاجتماع الذي ترأساه إبان الزيارة، والذي يعد سابقة في علاقات الطرفين منذ استقلال الجزائر.
ويبدو واضحا أن فرنسا، التي تواجه صعوبات لا بل الفشل في سياستها في منطقة الساحل ذات الأهمية الاستراتيجية لها وللجزائر، تعول على الاعتماد على الشريك الجزائري، كما في مالي على وجه الخصوص. وتجدر الإشارة إلى أن باريس اضطرت إلى سحب قوة «برخان» العسكرية من مالي بعد 13 سنة من الحضور، وفي سياق مساعدة باماكو على احتواء ومحاربة التنظيمات الإرهابية المتواصل. وعمدت قيادة الأركان الفرنسية إلى خفض عديد قواتها من 5500 مع أسلحتهم ومعداتهم والدعم الجوي واللوجيستي إلى النصف ونشر القوة المتبقية في النيجر. وما زالت باريس متمسكة بمساعدة دول الساحل الأربع (موريتانيا والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد) في محاربة التنظيمات الجهادية والإرهابية. كذلك عرضت باريس المساعدة على دول خليج غينيا وغرب أفريقيا بشكل عام وفق ما ترتئيه وبشكل مختلف عن الدور الذي كانت تلعبه في مالي. ومشكلة فرنسا أنها تواجه منافسة حادة من أربع دول على الأقل (روسيا والصين وتركيا وإسرائيل). ويضاف إليها الولايات المتحدة. إلا أن مشكلتها الرئيسية تتمثل بالدور الذي تلعبه موسكو وميليشيا «فاغنر» التي تعد ذراعها الضاربة في أفريقيا والتي كانت أحد الأسباب التي دفعت إلى انسحاب القوة الفرنسية من مالي. وبالتالي، تراهن باريس على علاقات الجزائر مع مجلس الحكم العسكري في مالي ومع النيجر والعديد من البلدان الأفريقية، وهي راغبة في التعاون معها، خاصةً أن للجزائر آلاف من الكيلومترات من الحدود المشتركة مع ليبيا والنيجر ومالي... وكلها بلدان تعاني من الإرهاب والتهريب وضعف البنى ومؤسسات الدولة.
- مداواة الذاكرة الجريحة
رغم تعاقب ثمانية رؤساء على حكم فرنسا منذ استقلال الجزائر عام 1962، بدءا بالجنرال شارل ديغول وانتهاء بماكرون، فإن موضوع الذاكرة من على جانبي المتوسط ما زال بالغ الحساسية. وخلال العامين الماضيين، سعى ماكرون من جانبه إلى محاولة الالتفاف عليه من خلال تشكيل لجنة من المؤرخين الفرنسيين أدارها المؤرخ المعروف بنجامين ستورا، المولود في مدينة قسطنطينة عام 1950 والمتحدر من عائلة يهودية. وكانت المهمة الموكلة لستورا تقديم تقرير غرضه «مصالحة الذاكرتين» الفرنسية والجزائرية. وهذا ما فعله الأخير إذ أنجز تقريره ورفعه لماكرون بداية العام الماضي متضمنا 21 مقترحا ليس بينها لا تقديم اعتذار ولا طلب الصفح، الأمر الذي أثار حفيظة الفرنسيين. وكان مفترضاً أنه بالتوازي، ستعمد الجزائر لعمل مشابه. بيد أن شيئا من هذا لم يتحقق. يضاف إلى ذلك أن المبادرات العديدة التي أمر بها ماكرون كالاعتراف بمسؤولية الشرطة الفرنسية في اختفاء واغتيال المناضل الشيوعي الداعم للثورة الجزائرية موريس أودان، أو موت المحامي الجزائري علي بومنجل، وإعادة جماجم عدد من المناضلين الجزائريين... ولذا، فإن ماكرون كان حريصاً على أن تساهم زيارته في غلق هذا الملف.
من هنا، نص الإعلان المشترك على إنشاء لجنة مشتركة من المؤرخين الفرنسيين والجزائريين «مهمتها مراجعة أرشيف الفترة الاستعمارية وحرب الاستقلال»، في فرنسا كما في الجزائر من أجل جلاء الحقيقة التاريخية. وبحسب ماكرون، فإن المهم ليس الاعتذار بل معرفة حقيقة ما جرى. ويهدف عمل المؤرخين من الجانبين «إلى معالجة جميع القضايا، بما في ذلك تلك المتعلقة بفتح وإعادة الأرشيف والممتلكات ورفات مقاتلي المقاومة الجزائرية، وكذلك تلك الخاصة بالتجارب النووية والمفقودين، مع احترام الذاكرة» من الجانبين.
ولأن شريحة الشباب هي المستقبل، فإن الطرفين اتفقا على إنشاء فضاءات في البلدين لتكون متاحف ومساحة للإبداع والحوار والتبادل بين الشباب الفرنسي والجزائري. ومن المقرر أن تستقبل هذه الفضاءات الباحثين والفنانين والشباب من فرنسا والجزائر الذين سينفذون مشاريع مشتركة، لا سيما في مجال الإبداع السينمائي. كذلك اتفق الطرفان على إنشاء «حاضنة» للشركات الناشئة في الجزائر بدعم من «الهياكل العامة والخاصة» وتعزيز التدريب من خلال التعاون بين الجامعات، مع إعطاء الأولوية للاقتصاد الرقمي والانتقال إلى الطاقة النظيفة والصناعات الثقافية والصحة. كذلك سيعمل معهدا باستور في فرنسا ونظيره في الجزائر على زيادة تبادل الباحثين عبر مختبر أبحاث مشترك.
وستنشأ مدرسة بدعم من رجل الأعمال الفرنسي كزافيي نيل لتدريب الشباب غير الحائزين على شهادات في ترميز الأجهزة الإلكترونية. وأخيرا، اتفق البلدان على تعزيز تعاونهما في الحفريات الأثرية، لا سيما في تيبازة (شمال الجزائر) وتعزيز تدريب علماء الآثار وعلى «تعزيز العمل على صيانة المقابر الأوروبية والحفاظ على تراثها المتميز».
هكذا تبدو زيارة ماكرون، منظورا إليها من فرنسا، ناجحة بمختلف المقاييس بحيث إنه لم يتردد، في اليوم الثاني من زيارته، في الحديث عن «قصة حب» بين بلاده والجزائر أرادها مبنية على الإبداع والشباب والشتات من الطرفين. وقال ماكرون «ما موجود وسيبقى قائما (بين البلدين) هو قصة احترام وصداقة وأجرؤ على القول قصة حب».
ولأنه يرى المستقبل في الطلاب والشباب، أكد أن 8 آلاف طالب جزائري سيفدون هذا العام وهم سينضمون إلى الثلاثين ألفا الذين يقبلون كل عام في فرنسا في الجامعات والمعاهد الفرنسية. ويضاف إلى ما سبق أن الرئيسين بحثا مطولا ملف التأشيرات للمواطنين الجزائريين، ويمس هذا الملف بالكثير من الحساسية لاعتبارات سياسية من الجانبين ولأن ماكرون أمر العام الماضي بخفض التأشيرات بنسبة النصف. وكشف ماكرون أنه تناول هذا الملف مع تبون إلى ما بعد منتصف ليل الخميس - الجمعة. والنتيجة أن باريس ستسهل التأشيرات للفنانين والرياضيين والمقاولين والسياسيين ولعائلات مزدوجي الجنسية وأنهما اتفقا كذلك على محاربة الهجرات غير الشرعية وأبدت الجزائر استعدادها لاسترداد مواطنيها الذي لا يحق لهم البقاء على الأراضي الفرنسية.
- هل يعني ما سبق أن شهر عسل جديدا قد انطلق بين الطرفين؟
يبدو التزام جانب الحذر ضروريا نظرا للخيبات السابقة ولحساسية العلاقات بين الطرفين. ويكفي أن يصدر تصريح جاف من هذا الجانب أو ذاك حتى تتلبد الأجواء وتتراجع العلاقات. صحيح أن الطرفين بحاجة لبعضهما البعض اقتصاديا وأمنيا واستراتيجيا وسياسيا، لكن يتعين أخذ الواقع السياسي الداخلي لكل طرف وللضغوط التي ستحصل من طرف المتشددين أو الذين يعتبرون أنفسهم متضررين من التفاهم بين العاصمتين.
- زيارات الرؤساء الفرنسيين الرسمية إلى الجزائر
> كان فاليري جيسكار ديستان أول رئيس فرنسي يزور الجزائر في العام 1975، أي بعد 13 سنة على حصول الجزائر على استقلالها وآخرهم ماكرون. وما بين الاثنين زار جميع الرؤساء الفرنسيين الجزائر رسمياً: فرنسوا ميتران أواخر العام 1981، وجاك شيراك في العام 2003، ونيكولا ساركوزي في العام 2007 وفرنسوا هولاند بنهاية العام 2012.
- أرقام الاقتصاد والتجارة والاستثمارات
> أفادت وثائق الجمارك الفرنسية أن المبادلات التجارية بين فرنسا والجزائر، وفق أرقام العام 2020، بلغت 6.9 مليار يورو. وتحتل فرنسا المرتبة الثانية كجهة مصدرة للجزائر بحصة سوقية نسبتها 10.6 في المائة، بعد الصين (16.8 في المائة). كذلك فإن فرنسا هي الزبون الثاني للجزائر بعد إيطاليا إذ أنها تستوعب 13.3 في المائة من مجمل الصادرات الجزائرية التي تتشكل أساسا من المحروقات (غاز وبترول) بنسبة 91 في المائة. أما واردات الجزائر فتتركز على الصادرات الغذائية والأدوية والسيارات وقطع الغيار والكماليات. وتمثل مشتريات الجزائر من فرنسا 13.3 في المائة من مجمل مشترياتها. ولكن تبين الإحصائيات الرسمية منذ العام 2013 وحتى العام 2020 تراجع حصة فرنسا تصديرا واستيرادا. ويعد العام 2020 الأسوأ بين الأعوام الثمانية.
أما بالنسبة للاستثمارات الفرنسية المباشرة في الاقتصاد الجزائري، فقد بلغ مجموعها في العام 2020 ما يساوي 2.4 مليار يورو بحيث تحتل فرنسا المرتبة الثالثة بعد الولايات المتحدة وإيطاليا. وتتركز هذه الاستثمارات بشكل خاص في القطاع المالي (البنوك والتأمين بنسبة 36 في المائة) تليها الصناعات (السيارات والأدوية والأغذية والكيماويات بنسبة 29 في المائة) والتعدين (معادن ونفط بنسبة 23 في المائة).


مقالات ذات صلة

الجزائر تحشد إمكانات كبيرة لتجنب عودة حرائق الغابات

شمال افريقيا الجزائر تحشد إمكانات كبيرة لتجنب عودة حرائق الغابات

الجزائر تحشد إمكانات كبيرة لتجنب عودة حرائق الغابات

أكد وزيران جزائريان استعداد سلطات البلاد لتجنب سيناريو موسم الحرائق القاتل، الذي وقع خلال العامين الماضيين، وسبّب مقتل عشرات الأشخاص. وقال وزير الفلاحة والتنمية الريفية الجزائري، عبد الحفيظ هني، في ندوة استضافتها وزارته مساء أمس، إن سلطات البلاد أعدت المئات من أبراج المراقبة والفرق المتنقلة، إضافة لمعدات لوجيستية من أجل دعم أعمال مكافحة الحرائق، موضحاً أنه «سيكون هناك أكثر من 387 برج مراقبة، و544 فرقة متنقلة، و42 شاحنة صهريج للتزود بالمياه، و3523 نقطة للتزود بالمياه، و784 ورشة عمل بتعداد 8294 عوناً قابلاً للتجنيد في حالة الضرورة القصوى».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا الجزائر: التماس بسجن وزير سابق 12 سنة مع التنفيذ

الجزائر: التماس بسجن وزير سابق 12 سنة مع التنفيذ

التمست النيابة بمحكمة بالجزائر العاصمة، أمس، السجن 12 سنة مع التنفيذ بحق وزير الموارد المائية السابق، أرزقي براقي بتهمة الفساد. وفي غضون ذلك، أعلن محامو الصحافي إحسان القاضي عن تنظيم محاكمته في الاستئناف في 21 من الشهر الحالي، علماً بأن القضاء سبق أن أدانه ابتدائياً بالسجن خمس سنوات، 3 منها نافذة، بتهمة «تلقي تمويل أجنبي» لمؤسسته الإعلامية. وانتهت أمس مرافعات المحامين والنيابة في قضية الوزير السابق براقي بوضع القضية في المداولة، في انتظار إصدار الحكم الأسبوع المقبل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيس الشورى السعودي يدعو من الجزائر لتوسيع الاستثمار ومصادر الدخل

رئيس الشورى السعودي يدعو من الجزائر لتوسيع الاستثمار ومصادر الدخل

استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في مقر القصر الرئاسي بالجزائر، الثلاثاء، الدكتور عبد الله آل الشيخ، رئيس مجلس الشورى السعودي الذي يقوم بزيارة رسمية؛ تلبية للدعوة التي تلقاها من رئيس مجلس الأمة الجزائري. وشدد آل الشيخ على «تبادل الخبرات لتحقيق المصالح التي تخدم العمل البرلماني، والوصول إلى التكامل بين البلدين اللذين يسيران على النهج نفسه من أجل التخلص من التبعية للمحروقات، وتوسيع مجالات الاستثمار ومصادر الدخل»، وفق بيان لـ«المجلس الشعبي الوطني» الجزائري (الغرفة البرلمانية). ووفق البيان، أجرى رئيس المجلس إبراهيم بوغالي محادثات مع آل الشيخ، تناولت «واقع وآفاق العلاقات الثنائية الأخوية، واس

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الجزائر: السجن بين 10 و15 سنة لوجهاء نظام بوتفليقة

الجزائر: السجن بين 10 و15 سنة لوجهاء نظام بوتفليقة

قضت محكمة الاستئناف بالعاصمة الجزائرية، أمس، بسجن سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس الراحل، 12 سنة مع التنفيذ، فيما تراوحت الأحكام بحق مجموعة رجال الأعمال المقربين منه ما بين ثماني سنوات و15 سنة مع التنفيذ، والبراءة لمدير بنك حكومي وبرلماني، وذلك على أساس متابعات بتهم فساد. وأُسدل القضاء الستار عن واحدة من أكبر المحاكمات ضد وجهاء النظام في عهد بوتفليقة (1999 - 2019)، والتي دامت أسبوعين، سادها التوتر في أغلب الأحيان، وتشدد من جانب قاضي الجلسة وممثل النيابة في استجواب المتهمين، الذي بلغ عددهم 70 شخصاً، أكثرهم كانوا موظفين في أجهزة الدولة في مجال الاستثمار والصفقات العمومية، الذين أشارت التحقيقات إلى تو

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

إسبانيا تشيد بالعلاقات مع المغرب وتعدُّها «من بين الأقوى في العالم»

العاهل المغربي الملك محمد السادس في لقاء سابق مع رئيس الحكومة الإسبانية (أ.ف.ب)
العاهل المغربي الملك محمد السادس في لقاء سابق مع رئيس الحكومة الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

إسبانيا تشيد بالعلاقات مع المغرب وتعدُّها «من بين الأقوى في العالم»

العاهل المغربي الملك محمد السادس في لقاء سابق مع رئيس الحكومة الإسبانية (أ.ف.ب)
العاهل المغربي الملك محمد السادس في لقاء سابق مع رئيس الحكومة الإسبانية (أ.ف.ب)

أكد وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، أن العلاقات الثنائية بين إسبانيا والمغرب تُعد من بين الأقوى في العالم.

وحسب وكالة الأنباء الرسمية المغربية، فقد أكد وزير الخارجية الإسباني في حسابه الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي «إكس»، أن علاقة المغرب وإسبانيا «متينة واستراتيجية ومليئة بالآفاق الواعدة للمستقبل».

مشيراً إلى أن التبادل التجاري الثنائي والاستثنائي «بلغ 21 مليار يورو سنة 2025، كما أن التعاون في مجالي الهجرة والأمن الشرطي، يسهم في تعزيز أمن واستقرار مواطنينا، ونحن نعمل على تفعيل الاتفاقيات الموقَّعة خلال الاجتماع رفيع المستوى الإسباني - المغربي، الذي انعقد في شهر يناير (يناير الثاني) الماضي، ونسير معاً نحو كأس العالم 2030 التي ننظمها بشكل مشترك».

كان سفير إسبانيا لدى المغرب، إنريكي أوخيدا فيلا، قد أكد الأسبوع الماضي أن المغرب وإسبانيا تربطهما «علاقات ثقافية متجذرة، تستند إلى قاعدة صلبة»، مشدداً على أن هذا الأساس يمكّن من تعزيز التعاون الثنائي في مختلف المجالات، لا سيما الثقافية والفنية والعلمية.

جاء ذلك خلال عرض السفير للبرنامج السنوي للأنشطة الثقافية الإسبانية لعام 2026 في الرباط، حيث أبرز المكانة الخاصة للمغرب، بوصفه ثاني دولة في العالم من حيث عدد مراكز «ثيرفانتس». مشيراً إلى التفاعل التاريخي بين المجتمعين المغربي والإسباني، الذي أنتج تراثاً فريداً، خصوصاً في مكونات العمارة الأندلسية والموسيقى والتقاليد الغذائية، مؤكداً أن هذا الإرث سيكون أحد المحاور الأساسية للتعاون الثقافي في المغرب.

كما أوضح السفير الإسباني أن التراث المشترك يظهر بشكل خاص في شمال المغرب، مشيراً إلى مدينة تطوان بصفتها «عاصمة متوسطية للثقافة والحوار» وأنها محور رئيسي للأنشطة، إلى جانب البعد الرمزي لطنجة بوصفها مدينة مرتبطة تاريخياً بالعلاقات بين البلدين. كما أشاد بالدعم الذي يحظى به البرنامج الثقافي من مؤسسات مغربية محورية، وعلى رأسها أكاديمية المملكة المغربية، التي تلعب دوراً أساسياً في تعزيز هذه الروابط، إضافةً إلى فعاليات كبرى، مثل معرض الرباط الدولي للكتاب.


الحدود الجنوبية الليبية… بوابة هشة على «جبهات مشتعلة»

دورية أمنية على الحدود الجنوبية الليبية (رئاسة الأركان البرية التابعة لـ«الجيش الوطني»)
دورية أمنية على الحدود الجنوبية الليبية (رئاسة الأركان البرية التابعة لـ«الجيش الوطني»)
TT

الحدود الجنوبية الليبية… بوابة هشة على «جبهات مشتعلة»

دورية أمنية على الحدود الجنوبية الليبية (رئاسة الأركان البرية التابعة لـ«الجيش الوطني»)
دورية أمنية على الحدود الجنوبية الليبية (رئاسة الأركان البرية التابعة لـ«الجيش الوطني»)

أعاد الهجوم الذي استهدف معبر «التوم» الحدودي ونقطتين عسكريتين على حدود ليبيا والنيجر، إلى واجهة الأحداث ملف تأمين الحدود الجنوبية لليبيا، التي ينظر إليها مراقبون على أنها «بوابة رخوة» على جبهات إقليمية مشتعلة، في ظل حرب أهلية في السودان، وتمركز جماعات إرهابية وشبكات تهريب في كل من النيجر وتشاد.

هشاشة الحزام الحدودي

تصاعدت وتيرة القلق الليبي عقب الهجوم الذي طال منفذ التوم، ونقطتَي وادي بوغرارة والسلفادور نهاية الشهر الماضي، ونُسب إلى مجموعات وصفتها القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» بأنها «عناصر مسلحة إرهابية». ورغم استعادة السيطرة على المعبر خلال وقت وجيز، فإن الحادث سلط الضوء مجدداً على هشاشة هذا الحزام الحدودي، وما يطرحه من تهديدات للأمن القومي.

نائب قائد «الجيش الوطني» الفريق صدام حفتر (الجيش الوطني)

في هذا السياق، حظي لقاء نائب قائد «الجيش الوطني»، الفريق صدام حفتر، مع قائد المنطقة العسكرية في سبها، اللواء المبروك سحبان، في بنغازي، الاثنين، باهتمام خاص، حيث تصدر ملف «جاهزية الوحدات العسكرية» المباحثات، في ظل إدراك متزايد للمخاطر التي يمكن أن تأتي من الجنوب، والتي أعادت الهجمات الأخيرة تأكيدها.

وبدا حجم القلق من هذه الهشاشة الأمنية واضحاً أيضاً في تقديرات وزير الدفاع الليبي السابق، محمد البرغثي، الذي رأى أن «استهداف المعبر يعيد التذكير بالأهمية الاستراتيجية للجنوب»، مؤكداً أنه يشكل «موقعاً حيوياً في المعادلة الأمنية، خصوصاً مع اتساع صحاريه، التي لطالما مثلت ملاذاً للجماعات المتطرفة، ونقطة ارتكاز لعصابات تهريب البشر والوقود».

وعزا البرغثي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، الاختراقات المتكررة للحدود، إلى «عجز دول الجوار عن ضبط حدودها بسبب النزاعات الداخلية»، إضافةً إلى «تشكل شبكات مصالح بين مجموعات محلية قرب الحدود ومرتزقة أجانب»، مذكّراً بما شهدته مدن الجنوب سابقاً من «أنشطة إجرامية، كفرض الإتاوات والاختطاف، التي تحقق لتلك الشبكات الإجرامية أرباحاً ضخمة».

وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً بين حكومتين متنافستين؛ الأولى «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، والثانية برئاسة أسامة حماد المكلفة من البرلمان، والمدعومة من قائد الجيش المشير خليفة حفتر، وتدير الشرق وبعض مدن الجنوب.

حلول لمعالجة الوضع الأمني الهش

رغم تأكيد أصوات سياسية موالية لـ«الجيش الوطني» أن الهجوم كان محاولة فاشلة لتشويه صورة القيادة العامة، وإظهار ضعف سيطرتها على الجنوب، فإنها رأت في الحادث مؤشراً سيدفع نحو مراجعة شاملة لاستراتيجية تأمين الحدود.

اعتقال مهاجرين سريين من طرف دورية للأمن بعد أن تسللوا إلى ليبيا عبر الحدود الجنوبية (متداولة)

في هذا السياق، أعرب رئيس حزب «شباب الغد»، أحمد المهدوي، عن ثقته بأن القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» ستتخذ قرارات تَحول دون تكرار مثل هذه الحوادث، مشيراً إلى أن سرعة استعادة المعبر لا تعني الاكتفاء بالحلول العسكرية. ومبرزاً أيضاً أن «استراتيجية التأمين لا تقوم على القوة المسلحة وحدها، بل تشمل رؤية وطنية، تقوم على التنمية والإعمار والمصالحة، إلى جانب حماية الحدود».

ورأى المهدوي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الهجوم سعى إلى تصوير الجنوب كنقطة توتر عبر تداول صور لسيطرة مؤقتة، بهدف عرقلة مسار التنمية، إضافةً إلى محاولة التأثير على علاقة المؤسسة العسكرية ببعض قبائل الجنوب، خصوصاً التبو»، مؤكداً نفي قيادات تلك القبائل تورط أبنائها في الحادث.

كما لفت المهدوي إلى «تضرر مصالح شبكات التهريب والتنقيب غير المشروع عن الذهب قرب الحدود التشادية نتيجة ضربات الجيش، مما دفعها إلى محاولات زعزعة الاستقرار».

المشير خليفة حفتر (الجيش الوطني)

وتباينت الروايات حول منفّذي الهجوم؛ فالقيادة العامة تحدثت عن «مرتزقة ومجموعات خارجة عن القانون مدعومة بأجندات خارجية»، فيما أشارت المجموعة، التي سيطرت على المعبر، في بيانات مصورة، إلى أنها تمثل «أبناء الجنوب» وتحركت احتجاجاً على التهميش ونقص الخدمات.

ووسط هذا التحدي الأمني، طرح محللون وخبراء، حزمة حلول ومقترحات لهذا الوضع الأمني الهش، حيث أكد البرغثي أن «الحل يكمن في توظيف آليات مراقبة حديثة وسد الثغرات الصحراوية، بالتوازي مع تنمية الجنوب وتحسين أوضاع سكان»، لكنه أقر بصعوبة تنفيذ ذلك في ظل الانقسام السياسي، ومحاولات أطراف الصراع توظيف الأزمات لتحقيق مكاسب سياسية.

دورية لتأمين الحدود في جنوب ليبيا من المهربين وتجار المخدرات (الجيش الوطني)

أما المحلل المتخصص في الأمن القومي، فيصل أبو الرايقة، فيرى من جهته أن حماية الحدود لا تتحقق بالنقاط العسكرية فقط، بل «عبر منظومة إنذار مبكر، وتحركات استباقية قائمة على الرصد الاستخباراتي، وتجفيف شبكات التهريب داخل العمق». وحذر في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» من أن «خطر تنظيم (داعش) وغيره من التنظيمات المتطرفة في الساحل بات منظومة توسع تستغل فراغ الدولة واقتصاد الظل».

ولطالما شكَّلت الحدود الليبية - النيجرية، الممتدة لنحو 340 كيلومتراً، مسرحاً لاقتصاد الظل عبر تهريب الوقود والسلع الليبية المدعومة، وتدريجياً ارتبطت عصابات التهريب بالتنظيمات المتطرفة عبر تجارة السلاح، حسب مراقبين.

من جانبه، ذهب مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية، أشريف عبد الله، إلى حلول أبعد من تلك المطروحة، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى «ضرورة تطهير المؤسسات الأمنية والعسكرية من العناصر المتورطة في التهريب، التي تغذي اتهامات سكان المناطق الحدودية للقوات المسيطرة بالانخراط في هذه الأنشطة، بدل مكافحتها».


إثيوبيا تبني معسكراً سرياً لتدريب مقاتلين لـ«الدعم السريع»

صورة جوية تظهِر الموقع الرئيسي للمعسكر في أثيوبيا (رويترز)
صورة جوية تظهِر الموقع الرئيسي للمعسكر في أثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا تبني معسكراً سرياً لتدريب مقاتلين لـ«الدعم السريع»

صورة جوية تظهِر الموقع الرئيسي للمعسكر في أثيوبيا (رويترز)
صورة جوية تظهِر الموقع الرئيسي للمعسكر في أثيوبيا (رويترز)

أوردت وكالة «رويترز» في تقرير لها من نيروبي، أن إثيوبيا تستضيف معسكراً سرياً لتدريب آلاف المقاتلين من «قوات الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان المجاور، في أحدث مؤشر على اجتذاب أحد أكثر الصراعات دموية في العالم لقوى إقليمية من أفريقيا والشرق الأوسط.

ويمثل المعسكر أول دليل مباشر على انخراط إثيوبيا في الحرب الأهلية السودانية؛ ما قد يمثل تطوراً خطيراً إذ يوفر لـ«قوات الدعم» إمدادات كبيرة من الجنود الجدد مع تصاعد القتال في جنوب البلاد.

وقالت ثمانية مصادر، من بينهم مسؤول حكومي إثيوبي كبير، إن الإمارات موَّلت بناء المعسكر وقدمت مدربين عسكريين ودعماً ​لوجيستياً للموقع، وهو ما ورد أيضاً في مذكرة داخلية صادرة عن أجهزة الأمن الإثيوبية وبرقية دبلوماسية اطلعت عليهما «رويترز».

صورة جوية واسعة للمنطقة التي يُبنى فيها المعسكر (رويترز)

ولم يتسن للوكالة التحقق بشكل مستقل من مشاركة الإمارات في المشروع أو الغرض من المعسكر. لكن وزارة الخارجية الإماراتية، قالت رداً على طلب التعليق، إنها ليست طرفاً في الصراع ولا تشارك «بأي شكل من الأشكال» في الأعمال القتالية.

وتحدثت «رويترز» إلى 15 مصدراً مطلعاً على تشييد المعسكر وعملياته، من بينهم مسؤولون ودبلوماسيون إثيوبيون، وحللت صور الأقمار الاصطناعية للمنطقة. وقدم مسؤولان بالمخابرات الإثيوبية وصور الأقمار الاصطناعية، معلومات تؤكد التفاصيل الواردة في المذكرة الأمنية والبرقية. ولم ترد تقارير من قبل، عن موقع المعسكر وحجمه، أو عن التصريحات المفصلة بشأن ضلوع الإمارات في الأمر. وتُظهر الصور مدى التوسع الجديد، الذي حدث خلال الأسابيع القليلة الماضية، إلى جانب بناء مركز تحكم أرضي في الطائرات المسيَّرة في مطار قريب.

وتشير صور الأقمار الاصطناعية إلى أن النشاط تزايد في أكتوبر (تشرين الأول) في المعسكر، الذي يقع في منطقة بني شنقول-قمز النائية غرب البلاد، بالقرب من الحدود مع السودان.

ولم يرد المتحدثون باسم الحكومة الإثيوبية والجيش الإثيوبي و«قوات الدعم السريع» على طلبات مفصلة للتعليق على نتائج هذا التقرير، علماً أنه في السادس من يناير (كانون الثاني)، أصدرت الإمارات وإثيوبيا بياناً مشتركاً تضمن دعوة لوقف إطلاق النار في السودان، بالإضافة إلى الاحتفاء بالعلاقات ‌التي قالتا: «إنها تخدم ‌الدفاع عن أمن كل منهما».

صورة جوية لمطار أصوصا والمنشآت الجديدة المخصصة لتصنيع المسيَّرات (رويترز)

ولم ترد القوات المسلحة السودانية على طلب للتعليق. وورد في مذكرة أجهزة الأمن الإثيوبية التي اطلعت عليها «رويترز» أنه في أوائل يناير، كان ⁠4300 مقاتل ​من «قوات الدعم» يتلقون تدريبات عسكرية في الموقع، «توفر الإمارات الإمدادات اللوجيستية والعسكرية لهم».

واتهم الجيش السوداني في السابق الإمارات بتزويد «قوات الدعم السريع» بالأسلحة، وهو اتهام يلقى مصداقية لدى خبراء بالأمم المتحدة ومشرعين أميركيين.

وقال ستة مسؤولين، إن المجندين في المعسكر هم في الغالب من الإثيوبيين، ولكن هناك أيضاً مواطنين من جنوب السودان والسودان، ومنهم من ينتمون إلى «الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال»، وهي جماعة متمردة سودانية تسيطر على أراضٍ في ولاية النيل الأزرق المجاورة. ولم يتسن التحقق بشكل مستقل من هوية الموجودين في المعسكر، أو شروط أو ظروف التجنيد. ونفى أحد كبار قادة «الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال»، طالباً عدم نشر هويته، وجود قوات من الجماعة في إثيوبيا.

وقال المسؤولون الستة، إن من المتوقع أن ينضم المجندون إلى «الدعم السريع» التي تقاتل الجنود السودانيين في ولاية النيل الأزرق، التي أصبحت جبهة قتال في الصراع من أجل السيطرة على السودان. وقال اثنان من المسؤولين، إن المئات عبروا بالفعل في الأسابيع القليلة الماضية لدعم القوات شبه العسكرية في النيل الأزرق.

وورد في المذكرة الأمنية الداخلية، أن الجنرال جيتاتشو جودينا، رئيس إدارة الاستخبارات الدفاعية في قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، هو المسؤول عن إقامة المعسكر. وأكد مسؤول كبير في الحكومة الإثيوبية وأربعة مصادر دبلوماسية وأمنية، دور جيتاتشو في إطلاق المشروع... ولم يرد جيتاتشو على طلب للتعليق.

صورة جوية تظهِر طريق عبور الشاحنات والآليات إلى منطقة تعمير المعسكر (رويترز)

وكشفت صور الأقمار الاصطناعية والبرقية الدبلوماسية، عن أنه تم إنشاء المعسكر ⁠في منطقة أحراش بحي يسمى مينجي على بعد نحو 32 كيلومتراً من الحدود، ويقع في موقع استراتيجي عند التقاء البلدين وجنوب السودان.

وبدأت أولى بوادر النشاط بالمنطقة في أبريل (نيسان)، مع إزالة الأحراش وبناء مبانٍ بأسقف معدنية في منطقة صغيرة إلى الشمال من منطقة المعسكر الذي بدأ العمل فيه خلال النصف الثاني من أكتوبر (تشرين الأول).

ووصفت ‌البرقية الدبلوماسية، المؤرخة في نوفمبر (تشرين الثاني)، المعسكر بأنه يتسع لعشرة آلاف مقاتل، وجاء فيها أن النشاط بدأ في أكتوبر مع وصول العشرات ‍من سيارات «لاند كروزر» والشاحنات الثقيلة ووحدات «قوات الدعم السريع» والمدربين الإماراتيين.

وقال اثنان من المسؤولين، إنهما شاهدا شاحنات تحمل شعار شركة «جوريكا غروب» الإماراتية للخدمات اللوجيستية، وهي تتجه عبر بلدة أصوصا نحو المعسكر في أكتوبر. ولم ترد الشركة على طلب للتعليق.

وتمكنت «رويترز» من مطابقة الإطار الزمني المحدد في البرقية الدبلوماسية مع صور الأقمار الاصطناعية. وتظهر صور «شركة إيرباص للدفاع والفضاء»، أن الخيام بدأت تملأ المنطقة منذ أوائل نوفمبر بعد أعمال التهيئة الأولية. وتظهر حفارات عدة في الصور. وتكشف صورة التقطتها «شركة فانتور» الأميركية لتكنولوجيا الفضاء، في 24 نوفمبر عن أكثر من 640 خيمة في المعسكر. ووفقاً لتحليل أجرته شركة «جينز» التابعة للمخابرات العسكرية لصور الأقمار الاصطناعية، يمكن أن تستوعب كل خيمة أربعة أفراد بشكل مريح مع بعض المعدات، وبالتالي يمكن أن يستوعب المعسكر ما لا يقل عن 2500 شخص.

وذكرت «جينز» أنها لا تستطيع تأكيد أنه موقع عسكري بناءً على تحليلها للصور.

وقال اثنان من كبار المسؤولين العسكريين، إنه تم رصد مجندين جدد وهم يتوجهون إلى المعسكر في منتصف نوفمبر، وإن قافلة مكونة من 56 شاحنة محملة بالمتدربين سارت عبر الطرق الترابية في المنطقة النائية ​في 17 نوفمبر. ويقدر المسؤولان، أن كل شاحنة كانت تحمل ما بين 50 و60 مقاتلاً. وأضافا أنهما شاهدا بعد يومين، قافلة أخرى مكونة من 70 شاحنة تقل جنوداً تسير في الاتجاه نفسه.

عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)

وتظهِر الصورة الملتقطة في 24 نوفمبر 18 شاحنة كبيرة على الأقل في الموقع. ووفقاً لتحليل «رويترز»، يتطابق حجم المركبات وشكلها وتصميمها، مع الطرز التي يستخدمها الجيش الإثيوبي وحلفاؤه بشكل متكرر لنقل الجنود.

وتظهِر صور شركة «فانتور» أن التطوير استمر في أواخر يناير، وتضمن عمليات تهيئة وحفر جديد في مجرى النهر شمال المعسكر الرئيسي والعشرات من حاويات الشحن المصطفة حول المعسكر والتي تظهر في صورة التُقطت في 22 من الشهر نفسه. وقال مسؤول رفيع في الحكومة الإثيوبية، إن تشييد المعسكر مستمر، لكنه لم يقدم تفاصيل عن خطط البناء المستقبلية.

وقال مسؤول في الحكومة الإثيوبية إنه يتم نقل الآلات المستخدمة في بناء معسكر التدريب، ومن بينها جرافات وحفارات، يومياً عبر بلدة أصوصا المجاورة.

مطار أصوصا... والسدّ

ويشهد المطار، الذي يبعد 53 كيلومتراً عن المعسكر، أعمال بناء جديدة منذ أغسطس (آب) 2025. وتظهر صور الأقمار الاصطناعية، حظيرة طائرات جديدة ومناطق ممهدة بالقرب من مدرج المطار تعرف باسم ساحات الانتظار، بالإضافة إلى ما وصفه فيم زفينينبرج، خبير التكنولوجيا العسكرية في «منظمة باكس» الهولندية للسلام، بأنه محطة تحكم أرضية بالطائرات المسيَّرة وهوائي للأقمار الاصطناعية. وتشبه البنية التحتية لدعم الطائرات المسيَّرة التي تظهر في الصور، التجهيزات الموجودة في قاعدتين أخريين للطائرات المسيرة في إثيوبيا.

وقال مسؤول رفيع في الحكومة الإثيوبية، وأحد كبار المسؤولين العسكريين، إن الجيش الإثيوبي يعتزم تحويل المطار مركز عمليات للطائرات المسيَّرة، بالإضافة إلى خمسة مراكز أخرى على الأقل لتلك الطائرات يعرفان أنها موجودة في أنحاء إثيوبيا.

قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف بـ «حميدتي» (رويترز)

وذكر مصدر دبلوماسي، أن تجديد المطار جزء من خطة أوسع للجيش الإثيوبي لتحويل القواعد الجوية باتجاه الجانب الغربي من البلاد لمواجهة تهديدات جديدة محتملة على الحدود مع السودان، وحماية البنية التحتية المهمة مثل «سد النهضة». وعبَّر ثلاثة مسؤولين ودبلوماسيين من المنطقة، عن قلقهم من قرب المعسكر في مينجي من السد الضخم، وهو أكبر سد كهرومائي في أفريقيا؛ خشية أن يتضرر أو يُستهدف إذا اندلعت اشتباكات في المنطقة. ويقع المعسكر الجديد على بعد نحو 101 كيلومتر من السد. ولم ترد الحكومة، التي تمتلك السد، على طلب للتعليق.

وقال محلل عسكري غربي وخبير أمني إقليمي ومسؤول إثيوبي رفيع المستوى، إن أعمال البناء في المطار مرتبطة بزيادة وجود «قوات الدعم السريع» في المنطقة. وقال المحلل والخبير، إن المطار أصبح أداة فعالة في تزويد «قوات الدعم» عبر الحدود في السودان، بالإمدادات.

وذكر المسؤول الحكومي الإثيوبي البارز والمحلل الأمني، أن الإمارات دفعت أيضاً تكاليف تجديد ‌المطار. ولم يتسن لـ«رويترز» التحقق بشكل مستقل من مصدر تمويل المطار.