«الحرس الثوري» و«حزب الله» ناقشا مع خصوم الصدر مواجهته بالسلاح

تضارب الأجهزة الإيرانية وانقسام «الإطار» أربكا الخطط... ووساطة لبنانية اصطدمت برفض قاطع

مناصرون للصدر يرفعون صورته داخل القصر الجمهوري في المنطقة الخضراء أمس (رويترز)
مناصرون للصدر يرفعون صورته داخل القصر الجمهوري في المنطقة الخضراء أمس (رويترز)
TT

«الحرس الثوري» و«حزب الله» ناقشا مع خصوم الصدر مواجهته بالسلاح

مناصرون للصدر يرفعون صورته داخل القصر الجمهوري في المنطقة الخضراء أمس (رويترز)
مناصرون للصدر يرفعون صورته داخل القصر الجمهوري في المنطقة الخضراء أمس (رويترز)

منتصف أغسطس (آب)، وفي منزل محصّن قرب المنطقة الخضراء وسط بغداد، اجتمع أربعة قادة لفصائل شيعية مع عنصرين من «الحرس الثوري» الإيراني و«حزب الله» اللبناني. خارج المنزل، كان أنصار «التيار الصدري» يجمعون آلاف التواقيع لـ«عريضة قانونية» تطالب المحاكم العراقية بحل مجلس النواب.
خلال الاجتماع، استمع الضيفان الإيراني واللبناني إلى «فرضيات» عما ستكون عليه «المواجهة المسلحة» مع تيار الصدر، بدءاً من إمكانية إخراج المعتصمين «بالقوة» من المنطقة الخضراء، والاشتباك مع أهداف «مختارة» في بغداد ومدن أخرى.

لائحة أهداف لمواقع الصدر
يقول مصدر مطلع على تفاصيل الاجتماع، إن «فرضيات الاشتباك تضمنت عرضاً لعشرات الأهداف السياسية والعسكرية التابعة للتيار الصدري، ستفضي معالجتها إلى إنهاء تمرد الصدر»؛ بعض تلك الأهداف «معسكرات ومخازن عتاد خاصة بسرايا السلام»، الذراع العسكرية للتيار الصدري.
خلال الاجتماع، تحمس ممثل «الحرس» الإيراني لفكرة «الاستعداد»، لكنه طلب بأن «تخدم» موقف الإطار التنسيقي في «الدفاع عن النظام والشرعية»، في حين وجّه ممثل «حزب الله» اللبناني أسئلة عن تداعيات المواجهة «هل يفلت الأمر إلى جمهور غاضب وناقم على النظام السياسي؟».
بعد ساعات، تلقى قادة الفصائل رسالة مقتضبة من شخص إيراني يعمل في سفارة طهران لم يكن حاضراً في الاجتماع، تضمنت تحذيراً من «تفعيل الخطط التي شاركوها مع الحرس الثوري».
مر أسبوع على اجتماع الفصائل في بغداد، ليكتشف المشاركون أن طرفاً ما قرر إخطار بيئة زعيم «التيار الصدري» بنوايا المواجهة. لقد شاهد مقربون من الصدر وثائق وصوراً عن «جاهزية الفصائل، عدداً وعتاداً».
في 20 أغسطس، تحدث الصدر للمرة الأولى منذ استقالة نوابه من البرلمان عن أطراف «تريد قتله»، رافضاً أي حوار سري معهم. منذ ذلك الحين، حرص الصدر والناطق باسمه على تكرار عبارة «الثورة السلمية» المناهضة للعنف، ويرى قيادي صدري رفض الكشف عن اسمه، أن الإطار «حاول سحب التيار إلى منطقة دموية».

                                                            نوري المالكي (رويترز)
انقسام إيراني ـ إيراني
ويزعم 4 سياسيين من أحزاب في «الإطار التنسيقي»، أن الانقسام تفاقم داخل «الحرس الثوري»، وبين أوساط سفارة طهران، ومع وزارة الاستخبارات (اطلاعات)، في حين تتقاطع جميع هذه الدوائر مع الفصائل العراقية، بشأن إدارة الأزمة مع الصدر.
يقول أحد هؤلاء، وهو من «منظمة بدر» التي يقودها هادي العامري، إن «الصدر تمكن من استثمار هذا الانقسام في إدامة الزخم الذي يقول إنه انتفاضة ضد النظام، في حين كان الإيرانيون يختبرون مسارات أخرى لمعالجة الاختلال الشيعي، لكن من دون يقين بأن الصدر سيعود إلى المنزل القديم».
وحاولت طهران استخدام دوائرها المتعددة في التأثير على طرفي النزاع في العراق، لكن غالباً ما يقوم «الحرس الثوري» بتعطيل فرضيات يصوغها الدبلوماسيون في السفارة، أو جهاز الاستخبارات الذي كان أكبر ضحايا «الحرس».
وقال سياسي عراقي شارك في اجتماع حضره ضابط في «الحرس الثوري» بعد يوم من اقتحام أنصار الصدر مجلس النواب، إن «المجموعات العراقية أظهرت قلقاً من التردد الإيراني من صياغة موقف حاسم من الصدر، ولاقت فرضية التفاوض ممانعة شديدة من فصائل متشددة».

                                                                                    محمد شياع السوداني (أ.ف.ب)
«أفكار متغيرة ومتقلبة»
وينقل فاعلون في أجواء الفصائل الشيعية المسلحة، عن مسؤولين إيرانيين «أفكاراً متغيرة ومتقلبة» منذ انتخابات أكتوبر (تشرين الأول) الماضي؛ «هل نتخلى عن صقور الإطار ونفاوض الصدر عما ستؤول إليه ثورته، أم نواصل حماية الإطار وندفعه للقضاء على مستقبل التيار السياسي؟». وسرعان ما اكتشفوا أنهم يتعاملون مع دوائر مختلفة لديها مواقف متناقضة بشأن ملف العراق.
يقول عضو في أحد الفصائل، شارك مع الإيرانيين في معارك في سوريا وأخرى ضد تنظيم «داعش» في تكريت، إن «الفصائل الشيعية تعمل بشكل ارتجالي منذ غياب الجنرال قاسم سليماني» قائد «فيلق القدس»، ذراع العمليات الخارجية لـ«الحرس الثوري». لقد سمع من الإيرانيين أنفسهم انطباعات راسخة عن العراقيين، «يفشلون في تخيل الغد، نتيجة اندفاعهم وعاطفتهم المتحكمة في تفكيرهم السياسي».
ومنذ ثمانية أشهر، يبدو أن الإيرانيين الذين يطلبون الصبر من حلفائهم العراقيين، ليست لديهم وصفة سحرية لتسوية أعمق خلاف بين الفاعلين الشيعة، لا سيما أن لحظة التمرد على المعادلة القائمة يرتجلها الصدر بوصفها «ثورة» ضد النظام الذي ترعاه إيران.

تعويل على السيستاني لمنع الاقتتال
لكن الفعل الصدري قوي بما يكفي لإظهار الانقسام الإيراني والتقاطع في مصالح الفصائل العراقية. يقول مسؤول محلي في «الحشد الشعبي»، إن إحلال القوى الشيعية القريبة من طهران بالتيار الصدري «أشعل نقاشاً مُراً عن احتمالية اندلاع حرب شوارع».
وسمع مسؤول الحشد الذي يدير نشاط نحو 200 مقاتل في إحدى مدن الجنوب، مقاربات صاغها ناشطون في الفصائل المسلحة، عن «اشتباك شيعي - شيعي يحوّل مناطق الاشتباك بين الإطار والصدر إلى ما يشبه خنادق بيروت، أيام الحرب الأهلية».
وكانت «الشرق الأوسط» تحدثت مع هذا المسؤول في مارس (آذار) الماضي، بعد يومين من إعلان «التيار الصدري» تحالفاً مع السنّة والكرد لتشكيل الحكومة. وقال حينها، إن «الفصائل العراقية، ومنذ المعارك ضد (داعش)، ضربت نفوذها عميقاً في المؤسسات العراقية والقطاع الخاص، وما سيقوم به الصدر هو تجريدها من مصالح واسعة ومشتبكة»؛ ولهذا «لن يكون الأمر مجرد مفاوضات سياسية على تشكيل الحكومة... هذا تهديد جريء لأكبر نفوذ شيعي في العراق الجديد».
ومنذ اعتصام «التيار الصدري» في مجلس النواب، فضّل المسؤول المحلي التمتع بإجازة مفتوحة. يقول، إنه يتعرض لضغوط كبيرة نتيجة «تفاقم فرضيات الصدام»، وإنه لو اضطر إلى الاشتباك مع التيار فإنه سيرفع السلاح «بوجه أبناء عمومة، وأفراد من القبيلة» التي يتحدر منها.
ويعتقد ناشطون سياسيون في الوسط الشيعي، أن احتمالات المواجهة بوصفها حرباً بين جبهات معلومة لطرفي النزاع؛ ضعيفة نظراً للاشتباك السكاني والعشائري الذي يحول دون فرز الخنادق في المناطق الشيعية، لكن سياسيين عراقيين يرون أن نحو عام من التصعيد بين الطرفين كفيل بتعبئة الرصاص.
يقول القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني هوشيار زيباري الذي يعتقد أن الأزمة الراهنة مرجحة لسيناريو كردي قديم، إن الحروب الأهلية «لا يقررها القادة... غالباً ما تبدأ بحوادث عنف فردية بين قيادات ميدانية».
وسألت «الشرق الأوسط» خمس شخصيات سياسية من «التيار الصدري» و«الإطار التنسيقي» عن توقعاتها بشأن فرضية الاشتباك، ورغم أن الجميع استعرض قدراته الميدانية، لكنهم بدوا متأكدين تماماً من أن «المرجع السيستاني يدخر موقفاً حاسماً لهذا المنزلق».

مصالح مالية بتقاطعات إقليمية
قبل تقديم نواب «التيار الصدري» استقالاتهم من مجلس النواب، كانت عناصر أساسية في «الإطار التنسيقي» تناقش مصير المصالح النشطة التي تسيطر عليها، فيما لو نجح الصدر في قلب المعادلة الشيعية. وكان جناح ضد التصعيد داخل الإطار، يمثله هادي العامري، يعارض اندفاع نوري المالكي وقيس الخزعلي لتشكيل حكومة إطارية، تستحوذ على المفاصل المالية والعسكرية، بغياب الصدر. ويقول مقربون من العامري، إنه «يجد في هذه الطريق نهاية سريعة لمشروع الإطار»، وإن «الاستحواذ على كل شيء سينتهي بخسارة ما كان بيده قبل انسحاب الصدريين».
وتحت مظلة المالكي وحلفائه، تتحرك مصالح اقتصادية واسعة ضمن شبكات متداخلة من رجال الأعمال والمسؤولين الحكوميين. هؤلاء يشعرون بالقلق من مستقبل مجهول في ظل طموحات الصدر السياسية.
وتحدثت «الشرق الأوسط» مع رجال أعمال يديرون أنشطة تجارية ضخمة في سبع مدن عراقية. بعض تلك الأعمال على صلة بنافذين من الفصائل المسلحة، وتشمل قطاعات واسعة؛ فنادق، مستشفيات، مجمعات سكنية، مقاولات حكومية، مراكز تجارية، مزارع، وغيرها. أحد رجال الأعمال قال «كل شيء الآن في مرمى الصدر... الجميع مستنفر لحماية هذه المصالح بأي طريقة».
وقال رجل أعمال آخر، يعمل في المشاريع الإنشائية، إن عقوداً استثمارية كبيرة استحوذت عليها الفصائل الشيعية، بعضها يوفر للإيرانيين أرباحاً بالعملة الصعبة من شراكات مع معامل حديد وإسمنت في مناطق عديدة من البلاد.
وقال مستثمر محلي، إن «اللبنانيين جزء من حيوي من النشاط الاقتصادي الذي تسيطر عليه الفصائل، لا سيما شركات السياحة والمراكز التجارية، وقطاع الفنادق».
ويعتقد عضو في «الإطار التنسيقي» أن قلق المستثمرين النشطين في شبكة الإطار الممتدة بين بغداد وطهران وبيروت، دفع أطرافاً داخلية وإقليمية للتدخل في الأزمة السياسية. ويقول، إنه تلقى مئات الاتصالات من رجال أعمال ووسطاء ومقاولين مقربين من الإطار يسألون عن ضمانات بشأن مصالحهم في السوق. وأضاف «كان من الصعب التعامل مع أزمة الصدر من دون هذا العامل الحاسم والمؤثر في الصراع».

وساطة «حزب الله»... دكتوراه للمالكي
وقبل اقتحام أنصار الصدر مجلس النواب، زار قيادي في «حزب الله» اللبناني مدينة النجف حاملاً مبادرة للتوسط بين التيار والإطار. ويرى مصدران عراقي ولبناني، أن الحزب «يمكنه إدارة تسوية مؤقتة ضمانة للتهدئة إلى حين إجراء الانتخابات التي يطالب بها الصدر».
وتقترح المبادرة تشكيل حكومة عراقية لفترة محددة لا تتجاوز عامين بصلاحيات «كافية» لا يشترك فيها كل من «التيار الصدري» ونوري المالكي، مع إمكانية تغيير المرشح محمد شياع السوداني.
في المقابل، يعرض «حزب الله» على المالكي «أسطوانة أوكسجين» لقضاء فترة راحة في الضاحية الجنوبية، لنيل شهادة الدكتوراه في اللغة العربية، ويمكنه خلال ذلك إلقاء محاضرات بين أوساط «المقاومة» والأكاديميين، لإبقائه حياً في المشهد السياسي.
توكد مصادر «الشرق الأوسط»، أن الصدر لم يلتق ممثل «حزب الله»، لكن وسيطاً نقل رفضه للمبادرة اللبنانية، «قولاً واحداً»؛ لأنها تسمح لائتلاف دولة القانون بالمشاركة في الانتخابات المقبلة.
وأثارت مبادرة «حزب الله» جدلاً ساخناً داخل «الإطار»، لا سيما الجناح الذي يرفض تقديم تنازلات من هذا النوع للصدر. تقول مصادر عليمة، إن الوسيط اللبناني الذي حمل المبادرة إلى النجف تلقى رسائل صريحة من فصيل شيعي بأنه «من الأفضل عدم زيارة العراق هذه الفترة»، وفي وقت لاحق، تحول ملف العراق في «حزب الله» إلى عنصر مقرب من «الحرس الثوري» الإيراني.
والحال، أن جزءاً من الأزمة السياسية الخانقة في البلاد يعود إلى صراع غير محسوم بين طرفين داخل «الإطار التنسيقي»، في حين تواجه طهران بدوائرها المنقسمة مشكلات جدية في العثور على صفقة «آمنة» تتحمل فيها تبعات التضحية بحليف يملك السلاح ويتوغل في المؤسسات العراقية.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

المشرق العربي الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

حثت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى العراق، جينين هينيس بلاسخارت، أمس (الخميس)، دول العالم، لا سيما تلك المجاورة للعراق، على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث التي يواجهها. وخلال كلمة لها على هامش فعاليات «منتدى العراق» المنعقد في العاصمة العراقية بغداد، قالت بلاسخارت: «ينبغي إيجاد حل جذري لما تعانيه البيئة من تغيرات مناخية». وأضافت أنه «يتعين على الدول مساعدة العراق في إيجاد حل لتأمين حصته المائية ومعالجة النقص الحاصل في إيراداته»، مؤكدة على «ضرورة حفظ الأمن المائي للبلاد».

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

أكد رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني، أمس الخميس، أن الإقليم ملتزم بقرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل، مشيراً إلى أن العلاقات مع الحكومة المركزية في بغداد، في أفضل حالاتها، إلا أنه «يجب على بغداد حل مشكلة رواتب موظفي إقليم كردستان». وأوضح، في تصريحات بمنتدى «العراق من أجل الاستقرار والازدهار»، أمس الخميس، أن الاتفاق النفطي بين أربيل وبغداد «اتفاق جيد، ومطمئنون بأنه لا توجد عوائق سياسية في تنفيذ هذا الاتفاق، وهناك فريق فني موحد من الحكومة العراقية والإقليم لتنفيذ هذا الاتفاق».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن علاقات بلاده مع الدول العربية الشقيقة «وصلت إلى أفضل حالاتها من خلال الاحترام المتبادل واحترام سيادة الدولة العراقية»، مؤكداً أن «دور العراق اليوم أصبح رياديا في المنطقة». وشدد السوداني على ضرورة أن يكون للعراق «هوية صناعية» بمشاركة القطاع الخاص، وكذلك دعا الشركات النفطية إلى الإسراع في تنفيذ عقودها الموقعة. كلام السوداني جاء خلال نشاطين منفصلين له أمس (الأربعاء) الأول تمثل بلقائه ممثلي عدد من الشركات النفطية العاملة في العراق، والثاني في كلمة ألقاها خلال انطلاق فعالية مؤتمر الاستثمار المعدني والبتروكيماوي والأسمدة والإسمنت في بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»، داعياً الشركات النفطية الموقّعة على جولة التراخيص الخامسة مع العراق إلى «الإسراع في تنفيذ العقود الخاصة بها». جاء ذلك خلال لقاء السوداني، (الثلاثاء)، عدداً من ممثلي الشركات النفطية العالمية، واستعرض معهم مجمل التقدم الحاصل في قطاع الاستثمارات النفطية، وتطوّر الشراكة بين العراق والشركات العالمية الكبرى في هذا المجال. ووفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، وجه السوداني الجهات المختصة بـ«تسهيل متطلبات عمل ملاكات الشركات، لناحية منح سمات الدخول، وتسريع التخليص الجمركي والتحاسب الضريبي»، مشدّداً على «ضرورة مراعا

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

بحث رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو العلاقات بين بغداد وروما في الميادين العسكرية والسياسية. وقال بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي بعد استقباله الوزير الإيطالي، أمس، إن السوداني «أشاد بدور إيطاليا في مجال مكافحة الإرهاب، والقضاء على عصابات (داعش)، من خلال التحالف الدولي، ودورها في تدريب القوات الأمنية العراقية ضمن بعثة حلف شمال الأطلسي (الناتو)». وأشار السوداني إلى «العلاقة المتميزة بين العراق وإيطاليا من خلال التعاون الثنائي في مجالات متعددة، مؤكداً رغبة العراق للعمل ضمن هذه المسارات، بما يخدم المصالح المشتركة، وأمن المنطقة والعالم». وبي

حمزة مصطفى (بغداد)

جهود لبنان لفصل مفاوضاته عن إيران تصطدم بعرقلة «حزب الله»

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه وأعلام إيران خلال مسيرة داعمة لطهران في ضاحية بيروت الجنوبية (د.ب.أ)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه وأعلام إيران خلال مسيرة داعمة لطهران في ضاحية بيروت الجنوبية (د.ب.أ)
TT

جهود لبنان لفصل مفاوضاته عن إيران تصطدم بعرقلة «حزب الله»

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه وأعلام إيران خلال مسيرة داعمة لطهران في ضاحية بيروت الجنوبية (د.ب.أ)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه وأعلام إيران خلال مسيرة داعمة لطهران في ضاحية بيروت الجنوبية (د.ب.أ)

اصطدمت الجهود اللبنانية الرامية إلى فصل مفاوضات إنهاء الحرب عن المسار الإيراني بإصرار «حزب الله» على ربط المسارين، ورفضه التعاون مع الدولة اللبنانية، رغم مطالبة رئيس الحكومة الحزب بدعم مفاوضات بيروت مع تل أبيب في واشنطن، في وقت تتكثف فيه الجهود لحماية السلم الأهلي.

وقال الرئيس اللبناني جوزيف عون، الذي يقود المفاوضات مع إسرائيل: «نحن في لحظة لا تحتمل الترف الطائفي، ولا التجاذب المناطقي. الوحدة الوطنية اليوم ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل هي ضرورة وجودية تُبنى بالمصارحة، وتُعزَّز بالعدالة، وتتجذّر بالإنصاف لكل مكوّنات هذا الشعب دون استثناء».

ويقفز لبنان فوق الانقسامات السياسية الداخلية، باتجاه وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب مع إسرائيل، في ظل تجاذب دولي، وتباينات حول المسارات التفاوضية في المنطقة.

ولا يخفي لبنان أن أي تفاهمات أميركية - إيرانية من شأنها أن تنعكس على الواقع اللبناني، إلا أنه يمضي بمسار تفاوضي مستقل مع إسرائيل، عبر محادثات مباشرة عُقدت 4 جولات منها حتى الآن في مقر «الخارجية الأميركية»، وستُعقد الجولة الخامسة في 22 و23 و24 يونيو (حزيران) الحالي عبر جلسات دبلوماسية وعسكرية.

ويبرز اعتقاد لبناني واسع بأن أي تفاهمات إقليمية «يمكن أن تُساعد على وقف لإطلاق النار في لبنان»، لكنها «لا يمكن أن تُستكمل من دون المسار التفاوضي الذي يسلكه لبنان لجهة الوصول إلى ترتيبات على الانسحاب الإسرائيلي وتثبيت الحدود ووقف الخروقات وإعادة السكان والإعمار وإعادة الأسرى»، حسبما تقول مصادر لبنانية لـ«الشرق الأوسط». وتؤكد أن الحزب «لا يتعاون مع الدولة اللبنانية» بدعم مسارها.

دعم أميركي للمسار اللبناني

ويواظب الحزب على انتقاد المسار الذي اتبعته الحكومة، ويكرر رفضه للمفاوضات المباشرة التي يؤكد المسؤولون اللبنانيون أنها تجسيد «لموقف سيادي»، في وقت تدعم الولايات المتحدة بيروت باستكمال هذا المسار.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن مصادر دبلوماسية قولها إن «لبنان الرسمي هو من له الحق في التفاوض بعيداً عن أي تداخلات موازية». وقالت المصادر إن واشنطن «تنظر بقلق للإيحاءات التي يسوقها البعض، والتي تقول إن مسارات تفاوضية أخرى تحظى بموافقة أميركية وقادرة على إنتاج تفاهمات أو اتفاقات». ورأت المصادر أن «هذه الإيحاءات تهدف إلى التشويش على المفاوضات الرسمية اللبنانية، وهي تتقصد ذلك بهدف إضعاف موقع الدولة».

لبناني يراقب الدخان المنبعث من موقع غارة إسرائيلية استهدفت مدينة النبطية بجنوب لبنان (رويترز)

وأشارت المصادر إلى أن الولايات المتحدة «تتعامل حصراً مع الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية»، وأن الوفد اللبناني الرسمي المفاوض في واشنطن هو «الجهة الوحيدة المخولة بإدارة هذا الملف». ولفتت إلى أن واشنطن «تُمارس ضغوطاً على إسرائيل من أجل تحقيق اختراقات ملموسة في مسار التفاوض، إلا أن التدخلات الإيرانية تُسهم في تعطيل فرص التوصل إلى وقف لإطلاق النار».

وكانت وكالة «رويترز» قد نقلت عن مصدر لبناني مطلع على المحادثات أن طهران «غضبت من قرار بيروت التفاوض بشكل مستقل مع إسرائيل»، وعدّته «حرماناً لإيران من ورقة تفاوضية رئيسية في مواجهتها مع واشنطن».

دعوة سلام لـ«حزب الله»

من هذا المنطلق، تأتي دعوة رئيس الحكومة نواف سلام لـ«حزب الله»، وأن يكون على مسار واحد مع الحكومة لتأمين الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان. وقال في حديث لوكالة «رويترز»: «على (حزب الله) أن يكون أسرع منا، أو ​ليكن على السرعة نفسها، وليعلن دعمه للمفاوضات التي نجريها في واشنطن».

ولم يخفِ سلام تأثر لبنان ​بمفاوضات ‌إسلام آباد، لكنه ​أعاد تأكيد الإصرار على التفاوض بوصفه دولة مستقلة، «لا يفاوض باسمها أحد». وأضاف: «نحن طبعاً نتأثر بمسار التفاوض في إسلام آباد... فكيف بحرب ونتائجها تخاض على أرضنا؟ نحن نتأثر بالحرب وبالسلم وبالتهدئة في المنطقة. وإسلام آباد، أو أي مكان آخر، من شأنه أن يترك أثره علينا». وتابع: «إذا كان هذا المسار يؤدي لوقف (إطلاق) النار وتهدئة بالمنطقة، فأكيد نحن نستفيد منه».

مناصرة لـ«حزب الله» تبكي أحد مقاتليه خلال تشييعه في مدفن مؤقت في بلدة حارة صيدا بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

وعدّ سلام أن لبنان اختار الطريق الأقل تكلفة، ورفض اعتبار نزع سلاح «حزب الله» شرطاً إسرائيلياً، وقال «فلنخلص من هذه التجليطة (الكذبة). لقد اتفق اللبنانيون في اتفاق الطائف عام ⁠1989 على بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، ونحن أكدنا هذا الأمر في بياننا الوزاري، وشددنا على حصرية السلاح ‌واستعادة قرار الحرب والسلم بيد الدولة. فهل إسرائيل جلست ​معنا على الطاولة وأسهمت في صياغة بياننا ‌الوزاري؟ بالطبع لا».

وأضاف سلام: «نحن على تواصل دائم مع (حزب الله)، وكل المطلوب منه أن ‌ينفذ التزاماته. فالجنوب من المفترض أن يكون منطقة خالية من السلاح، و(حزب الله) أعطى الثقة بالحكومة مرتين، والتي يشدد بيانها الوزاري على حصرية السلاح، ومن غير المطلوب منه أكثر من ذلك».

وخاطب سلام «حزب الله» قائلاً: «إذا أنت حريص فعلاً على ما يسمى بيئتك، ومآسي بيئتك، فالمطلوب منك أن تفي بالتزاماتك» لجهة التعاون في تنفيذ حصرية السلاح.

ولم تُقدم واشنطن أي ضمانات حول مستقبل التفاوض اللبناني مع إسرائيل، لكن سلام قال: «من الأفضل أن نعطي صافرة الحكم للوسيط الأميركي، وعدم الإصغاء إلى الثرثرة السياسية». وقال سلام: «مشكلتنا مع (حزب الله) هي سلاحه، ونعدّ الحزب قوة سياسية لبنانية، ونريد منه أن يفي بالتزاماته اللبنانية».


سوريا: مئات المطلوبين في قبضة العدالة خلال 3 أشهر

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق بالنظام السوري داخل المحكمة الجنائية بدمشق يحضر جلسة محاكمته الأولى في أبريل الماضي (إ.ب.أ)
العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق بالنظام السوري داخل المحكمة الجنائية بدمشق يحضر جلسة محاكمته الأولى في أبريل الماضي (إ.ب.أ)
TT

سوريا: مئات المطلوبين في قبضة العدالة خلال 3 أشهر

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق بالنظام السوري داخل المحكمة الجنائية بدمشق يحضر جلسة محاكمته الأولى في أبريل الماضي (إ.ب.أ)
العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق بالنظام السوري داخل المحكمة الجنائية بدمشق يحضر جلسة محاكمته الأولى في أبريل الماضي (إ.ب.أ)

في إطار تطبيق مبدأ «عدم ‏الإفلات من العقاب، وتحقيق العدالة ‏الانتقالية، وضمان حقوق ذوي الضحايا»، تكثف وزارة الداخلية السورية والجهات المعنية من جهودها، ‏في ملاحقة ومحاسبة ‏المتورطين بارتكاب جرائم وانتهاكات بحق الشعب ‏السوري، خلال حكم بشار الأسد. ولا يكاد يمر يوم إلا وتعلن فيه عن إلقاء القبض على مطلوب أو اثنين أو ثلاثة، لضلوعهم في تلك الجرائم.

وتُعدُّ الاعتقالات المعلنة المتكررة، حسب «الشبكة السورية لحقوق الإنسان»: «أداة لتأسيس سردية مؤسسية، تؤكد أن الدولة الجديدة قطعت مع ثقافة الإفلات من العقاب».

رأفت أنور العامودي (سانا)

وفي سياق سيل المنشورات التي تعلن عنها الوزارة، قالت في بيان السبت: «إن قوى الأمن الداخلي، بالتنسيق مع إدارة مكافحة الإرهاب، أوقفت المدعو رأفت أنور العامودي، أحد أبرز المطلوبين، لضلوعه في العمل لصالح ميليشيا اللجان الشعبية التابعة للنظام السابق في محافظة درعا»، الواقعة جنوب البلاد.

وأضافت أن التحقيقات الأولية تشير إلى «تورط الموقوف في عمليات اعتقال وتغييب قسري، طالت عدداً من أبناء المحافظة، وذلك بالتنسيق المباشر مع الأجهزة الأمنية»، مشيرة إلى أن سجلات التحقيق بيَّنت أن العامودي عمل لصالح رئيس فرع الأمن العسكري السابق، العميد وفيق الناصر، كما نشط تحت إشراف المساعد أسامة أبو جعفر.

ووفق الوزارة، أظهرت الأدلة تعاونه الوثيق مع فرع المخابرات الجوية بقيادة العقيد قصي ميهوب؛ حيث تمثَّل دوره في تسليم مطلوبين للأجهزة الأمنية، ثم ابتزاز ذويهم مالياً عبر التفاوض معهم على مبالغ طائلة لقاء وعود كاذبة بالإفراج عنهم.

وجاء ذلك بعد يوم واحد من إلقاء القبض على اللواء قيس حسان العبد الرجب، معاون مدير إدارة المخابرات العامة (أمن الدولة) في زمن نظام بشار الأسد. وهو يُعد «من أبرز المسؤولين المتورطين في ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق الأهالي في حي الحجر الأسود، ومدينتي داريا ومعضمية الشام بريف دمشق، إضافة إلى عدد من القرى والبلدات في محافظة درعا».

اللواء قيس حسان العبد الرجب (سانا)

كما تم في السابع من يونيو (حزيران) الحالي القبض على غسان عساف، الذي شغل منصب مدير مكتب اللواء سهيل الحسن برتبة مساعد أول في أجهزة النظام، في حين لا يزال الحسن الذي اشتُهر بلقب «النمر»، وكان من أبرز القادة العسكريين الميدانيين الموالين للنظام، الذين استخدموا ما يُعرف بـ«البراميل المتفجِّرة»، هارباً مع كثير من رؤوس النظام.

ويُعد عساف «من المتورطين في ارتكاب مجازر مروعة بحق المدنيين في ريف حلب الغربي، فضلاً عن استمراره بعد تحرير البلاد في العمل التخريبي ضد الدولة، عبر تجنيد الخلايا الإرهابية، وبث التحريض، والوقوف خلف تفجيرات استهدفت الأمن العام ومؤسساته»، على ما أفيد به رسمياً.

آنذاك، كان عساف رابع مطلوب من النظام ‏البائد تقبض عليه الوزارة ‏خلال 24 ساعة، بعد شعيب محمود إبراهيم ومحمد حساني، وآخر ‏لم تكشف هويته، وجميعهم متهمون بارتكاب جرائم حرب، ‏والانخراط في أنشطة ‏ميليشيات طائفية وأعمال تخريبية.‏

في السياق ذاته، أعلنت الوزارة أواخر مايو (أيار) الماضي، أن قوات الأمن الداخلي في مدينة الرقة، ألقت القبض على تركي البوحمد الذي يعد أبرز الأسماء القيادية لدى ميليشيات النظام البائد، وأبرز المتهمين في المحافظة بالتعاون مع الميليشيات الإيرانية التابعة لـ«الحرس الثوري»، و«حزب الله» اللبناني.

جمهرة خارج «قصر العدل» يوم محاكمة عاطف نجيب (رويترز)

وشهد النصف الأول من مايو وأبريل (نيسان)، منعطفاً دراماتيكياً في ملف اعتقال كبار مسؤولي النظام السابق، ومنهم عدنان عبود حلوة، وهو جنرال متهم بتدبير هجوم غاز «السارين» عام 2013 على الغوطة الشرقية، وجايز الموسى رئيس أركان القوات الجوية للأسد الخاضع لعقوبات الاتحاد الأوروبي المرتبطة بهجمات الأسلحة الكيميائية، واللواء وجيه علي العبد الله، الذي أدار مكتب الشؤون العسكرية للأسد لمدة 13 عاماً، وأمجد يوسف، صف الضابط في المخابرات العسكرية المتهم بارتكاب مجزرة التضامن عام 2013، والتي تمَّ فيها اقتياد ما لا يقل عن 41 مدنياً إلى حفرة وإطلاق النار عليهم.

وأعلنت الوزارة في الرابع من يونيو الجاري، أن إدارة مكافحة الإرهاب أوقفت خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة 331 مطلوباً، وضبطت 34 شخصية أمنية «من المتورطين في ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق الشعب السوري في حقبة النظام السابق».

سورية تحمل الجمعة الماضي صور أقارب لها قُتلوا في «مجزرة التضامن» بالحي جنوب دمشق (إ.ب.أ)

ويأتي نشاط وزارة الداخلية السورية المتواصل في ملاحقة منتسبي أجهزة النظام السابق، وعناصر التشكيلات المسلحة الموالية له، ضمن سياق متعدد الدوافع لا يمكن اختزاله في عامل واحد، حسب رئيس «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» فضل عبد الغني، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»: إن «المحركات الهيكلية الرئيسية لهذا النشاط، هي أولاً: بناء شرعية مؤسسية؛ إذ تواجه الحكومة الانتقالية ضغطاً داخلياً حاداً من الضحايا وأسر المعتقلين والمغيَّبين الذين ينتظرون المحاسبة منذ أكثر من 14 عاماً. وثانياً: أن الاعتقالات المعلنة المتكررة تُعدُّ أداة لتأسيس سردية مؤسسية، تؤكد أن الدولة الجديدة قطعت مع ثقافة الإفلات من العقاب.

ويتسق هذا التوجه -حسب عبد الغني- مع ما أعلنته الحكومة من جعل «المساءلة أولوية في مرحلة إعادة البناء».

وأوضح عبد الغني أن «من المحركات الهيكلية الرئيسية أيضاً، سياق محاكمة العميد عاطف نجيب رئيس الأمن السياسي السابق في درعا، في 26 أبريل الماضي؛ حيث أحدث انعقاد المحاكمة تسارعاً في ملفات المرتبطين به، ما يفسر جزئياً تكثيف الاعتقالات في المحافظة ذاتها».

فحص ما يُعتقد أنها مقبرة جماعية في حي التضامن بدمشق بعد بلاغ من الأهالي يوم 4 فبراير الماضي (الهيئة الوطنية للمفقودين)

كما أن إلقاء القبض على أمجد يوسف، وضباط رفيعي المستوى مثل عدنان الحلوة: «شكَّل -بما يحمله يوسف من رمزية مرتبطة بانتهاكات جسيمة- محطة مفصلية في مسار الملاحقات؛ إذ لم يقتصر أثره على محاسبته الفردية؛ بل امتد إلى فتح خيوط تحقيقية ساعدت في تحديد أماكن وجود متورطين آخرين، وكشف أدوار ضباط وعناصر شاركوا في الانتهاكات أو سهَّلوا ارتكابها أو تستَّروا عليها، وهذا يعني انتقال التحقيقات من ملاحقة أسماء منفردة إلى تفكيك شبكات المسؤولية داخل الأجهزة الأمنية والتشكيلات الرديفة للنظام السابق».


«الثنائي الشيعي» تبلّغ من عراقجي أن الاتفاق قريب... ويشمل لبنان

دمار واسع نتيجة الغارات الإسرائيلية التي استهدفت مدينة صور بجنوب لبنان (إ.ب.أ)
دمار واسع نتيجة الغارات الإسرائيلية التي استهدفت مدينة صور بجنوب لبنان (إ.ب.أ)
TT

«الثنائي الشيعي» تبلّغ من عراقجي أن الاتفاق قريب... ويشمل لبنان

دمار واسع نتيجة الغارات الإسرائيلية التي استهدفت مدينة صور بجنوب لبنان (إ.ب.أ)
دمار واسع نتيجة الغارات الإسرائيلية التي استهدفت مدينة صور بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

يبدي مسؤولون لبنانيون خشيتهم من أن يكون إصرار رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو على توسعة حربه ضد «حزب الله» مرتبطاً بوجود مخطط لجيشه للتمدد من النبطية والبلدات المحيطة بها، بدءاً من قلعة الشقيف إلى قرى إقليم التفاح وجبل الريحان في قضاء جزين، ويتعاملون مع هذا الواقع على أنه أول رد إسرائيلي مباشر على استعداد الولايات المتحدة الأميركية وإيران للإعلان في الساعات المقبلة عن توصلهما لاتفاق ينهي الحرب.

فلجوء نتنياهو المفاجئ لتوسعة الحرب يأتي رداً، من وجهة نظر مصدر وزاري لبناني، على قيام وزير خارجية إيران عباس عراقجي بإبلاغ «الثنائي الشيعي»، بشقَّيه حركة «أمل» و«حزب الله»، بأن مذكرة تفاهم ستُعلن قريباً، تأخذ بعين الاعتبار وقف الحرب على كافة الجبهات، ومنها لبنان.

توقيت التوسع الإسرائيلي

ويخشى المصدر الوزاري من التوقيت الذي اختاره نتنياهو لتوسعة حربه لتشمل معظم البلدات الواقعة في شمال نهر الليطاني، والتي طلب من سكانها إخلاءها والتوجه إلى شمال نهر الزهراني، ولا يستبعد، كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، أنه يهدف إلى توسيع الحدود الجغرافية للمنطقة التجريبية التي يُفترض أن ينتشر فيها الجيش عقب انسحاب مقاتلي «حزب الله» منها، والتي كانت تصدّرت البيان الذي صدر عن الجولة الرابعة من المفاوضات في واشنطن.

ويسأل ما إذا كان هدف نتنياهو من توسعته للحرب يكمن في سيطرته على البلدات الواقعة في شمال النهر لإلحاقها بالمنطقة التجريبية، لئلا تقتصر على قلعة الشقيف والبلدات المحيطة بها، وصولاً لضمها لجنوب النهر، بذريعة طمأنته سكان المستوطنات في شمال إسرائيل إلى أمنهم، واضطرار مقاتلي الحزب تحت الضغط بالنار للخروج منها، وبذلك يكون قد أدخل تعديلاً، كأمر واقع، على خطة انتشار الجيش، بحيث تضم جنوب وشمال النهر حتى حدود شمال نهر الزهراني، اعتقاداً منه أنه لا خيار أمام واشنطن سوى توفير الغطاء له، ما دامت توسعته تصب في تقويض أي وجود عسكري فيها للحزب، واضطراره للتراجع لشمال الزهراني، مراهناً، في نفس الوقت، على أن مذكرة التفاهم تأخذ بعين الاعتبار إنهاء أي وجود عسكري لأذرع إيران في المنطقة بدءاً بلبنان.

سكان محليون يتفقدون موقع استهداف إسرائيلي في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)

ويأتي الرد الإسرائيلي بالنار على مذكرة التفاهم استباقاً لإعلان لبنان، من قبل الولايات المتحدة، التوصل لاتفاق في هذا الخصوص مع إيران، في حين كان رئيس المجلس النيابي نبيه برّي أول من تبلّغ من القيادة الإيرانية بهذا الاتفاق.

انتهاء الحرب عالق؟

ويسأل المصدر الوزاري: ما المقصود بانتهاء الحرب على كافة الجبهات في غياب اتفاق على الخطوات لإنهائها؟ ويقول إنه يقتصر من وجهة نظره على تثبيت وقف النار؛ لأن إنهاء الحرب لن يتحقق بمجرد التوصل بين واشنطن وطهران إلى مذكرة تفاهم هي كناية عن تبادل حسن نيات إفساحاً في المجال أمام حسم الخلاف حول النقاط التي ما زالت عالقة.

ويؤكد أن إنهاء الحرب في لبنان كما يتوقع عراقجي لا يكفي ما لم يكن مقروناً بالتوافق بين لبنان وإسرائيل على الترتيبات الأمنية لإنهاء حال العداء بينهما برعاية أميركية، وهذا يفترض أن يتصدر الجولة الخامسة من المفاوضات التي تستضيفها «الخارجية الأميركية» في 22 و23 و24 يونيو (حزيران) الحالي، في حال تقرر تثبيت موعد انعقادها، شرط استعدادها؛ أي «الخارجية»، للتدخل لدى إسرائيل لإلزامها أولاً بوقف النار كمدخل للبحث في الترتيبات الأمنية لطي صفحة الحرب، لئلا تراوح مكانها أسوة بالجولة الرابعة، في ضوء تأكيد رئيس الوفد اللبناني المفاوض السفير السابق سيمون كرم، أن إسرائيل لا تريد المفاوضات، وهي تصر على الضغط بالنار على لبنان، وأنها شاركت عنوة في الجولة الأخيرة بضغط مباشر من الوزير ماركو روبيو.

الجولة الخامسة من المفاوضات

ويلفت المصدر إلى أن وقف النار حسب ما تنص عليه مذكرة التفاهم في حال تثبيته من شأنه أن يساعد على تحضير الأجواء لانعقاد الجولة الخامسة، هذا في حال رضخ نتنياهو للضغط الذي يتمنى لبنان أن يتولاه الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ويقول إن الفصل بين المسارين اللبناني والإيراني لا يزال قائماً؛ لأن إنهاء الحرب في حاجة للتفاهم على الترتيبات الأمنية. ويقول إن الولايات المتحدة وإيران بحاجة للتوصل لمذكرة تفاهم لحفظ ماء الوجه بين البلدين؛ لأن إيران منهكة في الداخل، ولم يعد في مقدورها الصمود في ظل استمرار تآكل وضعها الداخلي من جراء الحصار الأميركي المفروض عليها، في مقابل الضغوط الاقتصادية على ترمب واضطراره لرفعها لتشكل رافعة لحزبه وهو يستعد لخوض الانتخابات النصفية.

ويضيف المصدر أن «حزب الله» هو الآن بأمسّ الحاجة لتسجيل انتصار، ولو إعلامياً، يتوجه به إلى حاضنته لرفع معنوياتها، ويستعيد حضوره بتمرير رسالة لخصومه بأن رهانه على المفاوضات غير المباشرة في محله، وأنها كانت وراء إنهاء الحرب في الجنوب، استباقاً لما تحتويه مذكرة التفاهم في ظل سباق الموقّعين عليها لتوظيفها كلٌّ لمصلحته. ويرى أن الحزب بوقوفه خلف إيران استحصل على «جائزة ترضية» تبقى معنوية، ولن يكون لها من مفاعيل في الميدان ما دام تثبيت إنهاء الحرب يتطلب التوصل لترتيبات أمنية، وهذا يبقى في عهدة المفاوضات المباشرة التي ترعاها واشنطن، وتقترب من اختبار مدى جديتها لإلزام إسرائيل بوقف النار وصولاً لإنهاء الحرب. ويؤكد أن «حزب الله» بحاجة لتقديم نفسه لبيئته على أنه سجل نقطة في وجه خصومه، برغم أنه لن يكون لها من مفاعيل في الميدان ما دامت إسرائيل أخذت تتمدد من الحافة الأمامية في شمال الليطاني إلى عمقه.

خسائر «حزب الله»

لذلك، فإن تباهي «حزب الله» برهانه على إيران لن يحجب الأنظار عن الضربات القاسية التي ألحقتها به إسرائيل، سواء بسيطرتها على جنوب الليطاني، أو بسعيها للتوسّع إلى شماله، ولن يجد ما يخاطب به حاضنته لتبرير الأخطاء التي ارتكبها بإسناده لغزة ولاحقاً لإيران، من دون أن يتحسب لرد فعل إسرائيل بتوسعتها للحرب التي أدت لتحويل جنوب الليطاني إلى أرض محروقة لا يصلح العيش فيها، وسط ارتفاع المخاوف من إلحاق معظم قرى قضاء النبطية بها، بعد أن دُمّرت منازلها، وهُجّر سكانها، وانهارت بناها التجارية والاقتصادية.

ويبقى السؤال: كيف ستتعاطى واشنطن في الجولة الخامسة من المفاوضات، في حال تثبيت موعدها كما هو مقرر؟ وهل ستتدخل بالضغط على إسرائيل، ليس لتثبيت وقف النار، وإنما للانتقال إلى البحث في صلب المشكلة التي لن تُحل ما لم يتم التوصل لترتيبات أمنية لإنهاء حال العداء، شرط التلازم بين انتشار الجيش في جنوب الليطاني وانسحاب إسرائيل حتى الحدود الدولية، بموازاة إخلاء «حزب الله» جنوب الليطاني، واستعداده للبحث في مصير سلاحه؟ مع أن إصرار نتنياهو على توسعة الحرب يطرح سؤالاً حول ما إذا كان الحل يكمن في أن يشمل انتشاره شمال النهر، وأن تخرج واشنطن برعايتها المفاوضات من دور الشاهد على الخلاف بين البلدين لتدخلها لإنجاح المفاوضات، التزاماً منها بعدم ربط المسار اللبناني بإيران، لئلا تربك أصدقاءها في لبنان الذين أحاطتهم علماً بأنه لا مجال للربط بينهما.