لا حداثة شعرية من دون اغتصابات لغوية!

أدونيس
أدونيس
TT

لا حداثة شعرية من دون اغتصابات لغوية!

أدونيس
أدونيس

كم كنت أكره الشعر الحديث في البداية، وبالأخص قصيدة النثر. كم كنت أنفر منها وأحقد عليها. والسبب هو أني منذ نعومة أظفاري كنت متشبعاً بالقصيدة العمودية التي تملأ العين وتشبع الأذن بصوتها الجهوري وإيقاعها الفخم. ما أمتع القوافي والأوزان العربية! ما أمتع التغني بها! إنها تسكرك تماماً. لا أستطيع أن أنام وأصحو إلا بعد الترنم بصوت عالٍ بمقاطع من الشعر العربي قديمه والحديث. وأحياناً أزعج الجيران! ينبغي أن أشبع أذني وروحي كل يوم بهذا المقطع أو ذاك، بهذه القصيدة أو تلك... وهي عادتي منذ نعومة أظفاري وحتى الساعة. وأعتقد أن كل من تربى على قراءة المعلقات ومختارات الشعر العربي الأموي والعباسي والأندلسي، وحتى بدوي الجبل وأحمد شوقي ومحمد مهدي الجواهري... إلخ، يفهم ما أقول. ينبغي أن نعترف: الأذن العربية كانت متعودة على إيقاع الأوزان والقوافي العربية الضخمة أو الفخمة التي تشبعك إشباعاً ولا ترضى عنها بديلاً. من هنا سر امتعاضنا من الشعر الحديث عندما ظهر لأول مرة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. من هنا سبب سخطنا الشديد عليه. فالنقلة أو القطيعة كانت فجة، مفاجئة. كانت صعبة علينا وقاسية جداً جداً. أقول ذلك وأنا أتذكر حجم المعارك الضارية التي دارت حول الشعر الحر في كل الأوساط الثقافية، بل وحتى في كل العائلات والبيوت عندما ظهر لأول مرة. فقد انقسم الناس إلى قسمين: قسم معه وهي الأقلية وقسم ضده وهي الأكثرية. وقد كرّست أطروحتي الجامعية لهذه المسألة وناقشتها في السوربون ونلت عليها شهادة الدكتوراه في النقد الأدبي الحديث عام 1981. وكان مما قلت فيها، أن القصيدة العمودية الموروثة منذ آلاف السنين كانت قد تحولت إلى شكل شبه مقدس، معصوم، لا يناقش ولا يمس... لقد تحولت إلى صنم من الأصنام. ولهذا السبب انتفض الجمهور العربي بقوة ضد الشعر الحديث واعتبره زندقة أو هرطقة أو حتى كفراً!
لكن قصيدة النثر قبل أن تظهر في العالم العربي كانت قد ظهرت في فرنسا أولاً. ينبغي العلم بأن قصيدة النثر كانت قد ظهرت في الغرب منذ منتصف القرن التاسع عشر في حين أنها لم تظهر في العالم العربي إلا منذ منتصف القرن العشرين. وبالتالي، فبين الحداثة الشعرية الفرنسية والحداثة الشعرية العربية يفصل قرن من الزمان. ثم شاعت في أواخر ذلك القرن وتكرست على يد شعراء كبار ليس أقلهم رامبو ولوتريامون ومالارميه. ثم سادت وهيمنت في القرن العشرين على يد رينيه شار وهنري ميشو وآخرين عديدين. ويبدو أنها ظاهرة مرادفة للحداثة.


نزار قباني

فإيقاع الحداثة لم يعد هو إيقاع المجتمعات الزراعية الريفية التقليدية وإنما المجتمعات الصناعية التكنولوجية. وبالتالي، فأصبحت الحداثة في حاجة إلى شكل شعري جديد لمواكبتها. وعلى هذا النحو ولدت قصيدة النثر، وكذلك قصيدة التفعيلة قبلها. يضاف إلى ذلك أن قيود الأوزان والقوافي ترهق الشاعر مهما كان كبيراً وفحلاً ولا تجعله قادراً على التعبير عن جوّانيته العميقة بكل حرية. ولهذا السبب كسر الشاعر الحديث تلك الأوزان وراح ينفجر قائلاً: أعطني حريتي أطلق يديا! على هذا النحو ينبغي أن نفهم سبب ظهور الشعر الحديث.
كان بودلير أول شاعر كبير يدشن قصيدة النثر فعلاً ويكرّسها ويخلع عليها المشروعية من خلال مجموعته التي تحمل العنوان التالي «كآبة باريس: قصائد نثر صغيرة». ويبدو أنه تردد كثيراً قبل أن يتبنى قصيدة النثر. يحصل ذلك كما لو أنه كان يخجل من هذه التسمية، أو يخشى من رفض الجمهور لها. وذلك لأن الجمهور الفرنسي، كما العربي، كان متعوداً على الإيقاعات الضخمة للشعر الموزون المقفى. فهو وحده كان قادراً على إشباعه شعرياً مثلنا تماماً. ولكننا نعلم أن الأوزان والقوافي تدفعان أحياناً حتى بأكبر الشعراء إلى استخدام الحشو أو الافتعال غصباً عنهم. هذا في حين أن قصيدة النثر لا تتقيد إلا بحركة الروح الداخلية وتموجاتها الإيقاعية. هذا لا يعني أنها خالية من أي وزن أو إيقاع. هذا لا يعني أنها سهلة! فالواقع أن لها إيقاعها الداخلي الخاص ولكن الخافت وأكاد أقول الخفي الذي لا تسمعه إلا الأذن المتعودة على تذوق الشعر حقاً. ولكن ينبغي العلم بأن قصيدة النثر أصعب بكثير مما نظن. فلها قيودها الداخلية التي لا يعرفها إلا الشعراء المحترفون الحقيقيون.


بودلير

هناك تقنيات معينة خاصة بقصيدة النثر، وأهمها انتهاك قانون اللغة المعتاد أو اغتصابه كأن نقول مثلاً «ليل أبيض» أو «نهار أسود»، أو «عطر أخضر»، إلخ. هذه الانتهاكات أو الاغتصابات اللغوية هي التي تحدث الشحنة الشعرية وتعوض عن الأوزان والقوافي. ولكن ليس كل الانتهاكات ناجحة أو موفقة. الأسلوب غلطة كما قال أحد النقاد الكبار، ولكن ليس كل غلطة أسلوباً! وعلى هذا المنوال نقول: الشعر اغتصاب لغوي ولكن ليس كل اغتصاب شعراً! للأسف كثيراً ما يستسهلون قصيدة النثر فيكتبها كل من هب ودب. والأخطر من ذلك هو أنهم يستسهلون الاغتصابات اللغوية فتبدو مجانية غير مقنعة على الإطلاق. إنها مجازات باهتة، عبثية، بلا جدوى. إنها مجازات فاشلة لا تحدث الشحنة الشعرية على الإطلاق. وبالتالي، فهناك اغتصاب واغتصاب! انظروا بعض مجموعات الشعر الحديث التي تتكاثر كالفطر، والتي تتشابه في مجازاتها أو انتهاكاتها اللغوية إلى درجة أنك لا تعود تعرف التفريق بينها ما عدا عند الشعراء الموهوبين حقاً. وهذا هو أحد أسباب نفور الناس من الشعر الحديث. مهما يكن من أمر فإن قصيدة النثر فرضت نفسها على فرنسا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ لأن ثلاثة من الكبار كتبوا بها وهم: بودلير، ورامبو، ومالارميه. ولكن هؤلاء يعرفون كيف يغتصبون اللغة الفرنسية ويفجّرون اللغة الشعرية. ولا ينبغي أن ننسى ذلك الوحش الرهيب لوتريامون! فعنده وصل الاغتصاب الشعري إلى حدود مفزعة لا يكاد يصدقها العقل.

أمثلة على الاغتصابات الشعرية الناجحة

يقول رامبو في فصل في الجحيم:
«ولكن لماذا نتأسف على شمس أبدية، إذا كنا منخرطين في البحث عن الضوء الإلهي - بعيداً عن البشر الذين يموتون على الفصول»...
كيف يمكن أن يموت البشر على الفصول؟ الفصول ليست خشبة لكي يموت الناس عليها. الفصول ليست شيئاً مادياً. ومع ذلك، فالعبارة أحدثت الشحنة الشعرية كأقوى وأعظم ما يكون. هذا مثال ناجح جداً على الاغتصاب المقنع للغة الفرنسية.
ويقول في الإشراقات: قبلت فجر الصيف... الماء كان ميتاً... مشيت موقظاً الأنفاس القوية الفاترة... والجواهر تنظر والأجنحة تحلق دون ضجيج... الفجر والطفل سقطاً في أسفل الغابة، إلخ... (كلها مجازات متفرقة مقتطعة من قصيدة بعنوان: فجر. وقد تبدو عبثية للوهلة الأولى. ولكنها ليست عبثية على الإطلاق.
إن غموضها يخلق جواً محبباً من أروع ما يكون. إن غموضها أرقى من كل وضوح. على أي حال ينبغي أن تُقرأ القصيدة كلها من أولها إلى آخرها وأعتذر عن اقتطاع أشلاء منها. ما أجمل هذه العبارة التي تستهلها: قبلتُ فجر الصيف! إنها تذكرني بأصياف عشتها... إنها تذكرني ببداية العطلة الصيفية وكل الفرحة المرافقة لها كل عام).
ويقول رينيه شار في قصيدته الشهيرة التي مطلعها:
حسناً فعلت إذ رحلت آرثر رامبو!
«سنواتك الثماني عشرة المستعصية على الصداقة، على اللؤم، على تفاهة شعراء باريس، وكذلك على طنين النحل العقيم لعائلتك المجنونة، حسناً فعلت إذ بددتهم؛ إذ نثرتهم على أرجاء المحيطات في الريح، حسناً فعلت إذ رميتهم تحت سكين مقصلتهم المبكرة»... إلخ
كلها مجازات خارقة، كلها اغتصابات رائعة لشاعر كبير يمجد شاعرا كبيرا آخر ويتغنى بعظمته، بجنونه التحريري الهائل. أنها قصيدة متفجرة من الأعماق تليق برامبو وبرينيه شار في آن معاً. إنها قصيدة تمجّد الفوضى الخلاقة المدمرة المتمردة التي من دونها لا شعر ولا من يحزنون.
ماذا نستنتج من كل ذلك؟ نستنتج أن الشعر الحديث كله اغتصابات في اغتصابات، كله انتهاكات في انتهاكات. من دون اغتصاب أو انتهاك للمعاني الشرعية للغة لا شعر ولا من يحزنون.
أخيراً، لتوضيح الفكرة أكثر اسمحوا لنا أن نختتم بأمثلة من الشعر العربي. يقول نزار قباني واصفاً القطار السريع الذي ينهب الأرض نهباً:
يمضي قطاري مسرعاً مسرعاً
يمضغ في طريقه لحم المسافات
يفترس الحقول في طريقه
يلتهم الأشجار في طريقه
يلحس أقدام البحيرات
القطار يمضغ لحم المسافات، القطار يفترس الحقول، القطار يلتهم الأشجار، القطار يلحس أقدام البحيرات. كلها مجازات خارقة تغتصب قانون اللغة المعتاد. كلها تفترس اللغة العربية إذا جاز التعبير لكي تنعش اللغة العربية وتضيف إليها مساحة جديدة من الحرية. هذا هو الإبداع. هذا هو الشعر. لا إبداع من دون اغتصاب للمعاني الامتثالية الشرعية المملة للغة العربية...
ويقول أدونيس:
كانت الليلة كوخاً بدوياً
والمصابيح قبيلة
وأنا شمسٌ نحيلة
تحتها غيّرت الأرض رباها
والتقى التائه بالدرب الطويلة
ما يهمني هنا في هذا المقطع الرائع هو: شمس نحيلة. كيف يمكن أن تكون الشمس نحيلة؟ هذا انتهاك لقانون اللغة. فالمرأة قد تكون نحيلة وليس الشمس. ومع ذلك فالمجاز شاعري وناجح جداً جداً.
ثم يقول في قصيدة أخرى:
ليس وجهاً خاشعاً للقمر
هو ذا يأتي كرمح وثني
غازياً أرض الحروف
نازفاً يرفع للشمس نزيفه
هو ذا يلبس عري الحجر
ويصلي للكهوف
هو ذا يحتضن الأرض الخفيفة
الأرض ثقيلة وليست خفيفة. ومع ذلك فالمجاز ناجح جداً ومقنع تماماً. وعموماً، فالأمثلة على ذلك كثيرة في الديوان الرائد والمؤسس للحداثة الشعرية العربية: عنيت «أغاني مهيار الدمشقي». لقد فجّر اللغة الشعرية العربية شكلاً ومضموناً. والأخطر من كل ذلك هو أنه فجّر التراث اللاهوتي القمعي ذاته، أي قدس الأقداس، واستبق على كل ما يحصل حالياً من انفجارات واشتعالات.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

تقرير: «سبيس إكس» تؤجل خططها للمريخ وتركز على القمر

إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من  مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)
إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)
TT

تقرير: «سبيس إكس» تؤجل خططها للمريخ وتركز على القمر

إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من  مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)
إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)

ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أمس (الجمعة)، نقلاً عن مصادر، أن ​شركة «سبيس إكس» التابعة للملياردير إيلون ماسك، أبلغت المستثمرين بأنها ستعطي الأولوية للوصول إلى القمر أولاً، وستحاول القيام برحلة إلى المريخ لاحقاً، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف التقرير أن الشركة ستستهدف شهر مارس (آذار) 2027، للهبوط على سطح القمر ‌من دون إرسال ‌رواد فضاء على ‌متن ⁠المركبة.

يأتي ​ذلك ‌بعد أن وافقت «سبيس إكس» على الاستحواذ على شركة «إكس إيه آي»، في صفقة قياسية تدمج شركة الصواريخ والأقمار الاصطناعية مع شركة الذكاء الاصطناعي المصنعة لروبوت الدردشة «غروك». وتقدر قيمة شركة ⁠الصواريخ والأقمار الاصطناعية بتريليون دولار وقيمة ‌شركة الذكاء الاصطناعي بـ250 مليار دولار.

صورة مركبة تظهر الملياردير إيلون ماسك وشعار شركة «سبيس إكس» (رويترز)

وقال ماسك العام الماضي، إنه يهدف إلى إرسال مهمة غير مأهولة إلى المريخ بحلول نهاية عام 2026.

وتعمل «سبيس ​إكس» على تطوير صاروخ «ستارشيب» من الجيل التالي، وهو صاروخ ضخم ⁠مصنوع من الفولاذ المقاوم للصدأ، ومصمم ليكون قابلاً لإعادة الاستخدام بالكامل، وليخدم مجموعة من المهام بما في ذلك الرحلات إلى القمر والمريخ.

وتواجه الولايات المتحدة منافسة شديدة هذا العقد، من الصين، في سعيها لإعادة رواد الفضاء إلى القمر، حيث لم يصل إليه أي إنسان منذ آخر مهمة ‌مأهولة ضمن برنامج «أبولّو» الأميركي في عام 1972.


دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
TT

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)

افتتح الرئيس السوري أحمد الشرع، الخميس، «معرض دمشق الدولي للكتاب 2026»، في قصر المؤتمرات بالعاصمة، واستقبل وزيرَ الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، الذي تشارك فيه بلاده ضيفةَ شرف.

وتمثّل هذه الدورة من المعرض، محطة إشعاع ثقافي مهمة، تعيد الاعتبار للكتاب بوصفه حاملاً للمعنى ومساحة للحوار.

وخلال زيارته الرسمية، التقى وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، وقدَّم له التهنئة بمناسبة إقامة المعرض.

ودشّن الوزير السعودي جناح بلاده في المعرض، بحضور نظيريه السوري والقطري الشيخ عبد الرحمن بن حمد آل ثاني. وتستمر فعاليات المعرض حتى 16 فبراير (شباط) الحالي، في حضور ثقافي عربي يعكس دور السعودية الريادي في المشهد الثقافي العربي والدولي.


«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
TT

«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)

يغوص الفنان التشكيلي جوزيف أفرام في الذات، كاشفاً مشاعر وأحاسيس تكتنفها لعبة الحياة. ومن هذا المنطلق، يُتيح معرضه «القوى الدافعة» في غاليري «آرت ديستريكت» للزائر أن يُسقط قراءته الخاصة على الأعمال. وبين لعبة الحياة ولعبة الدول، يستكشف تركيبات السياسات الدولية المؤثرة في العالم، ويزيح الأقنعة التي تُخفى خلفها حالات الإحباط.

صاحب الغاليري ماهر عطّار يصف أفرام بأنه من المواهب اللبنانية اللافتة، وفنان ذو رؤية مختلفة وأفكار عميقة. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنه يخرج في أعماله عن المألوف، ويأخذ الزائر إلى مساحات فنية مفتوحة على احتمالات لا حدود لها.

يرسم أفرام الثبات والإحباط، كما الصمود والثورة، في لوحات تقوم على التناقض، مستخدماً الأبيض والأسود كلغتين بصريتين أساسيتين. ويرتكز في أعماله على «الأكريليك» والحبر الصيني، المتوَّجين بتقنية الـ«جيسو»، لتتراكم الطبقات وتُسلّط الضوء على موضوعاته. بهذا تتحوّل اللوحات إلى ما يشبه لآلئ لامعة، صاغها الفنان بالفرشاة والمجحاف والإسفنج.

من «القوى الدافعة» لجوزيف أفرام في غاليري «أرت ديستريكت» (الشرق الأوسط)

يشير أفرام إلى أن أعماله تبدأ برسوم تحضيرية تتطوّر لاحقاً إلى لوحات كبيرة. ويقول: «أعتمد هذا الأسلوب انطلاقاً من دراستي الجامعية في الهندسة الداخلية. لكن عندما أقف أمام المساحة البيضاء، حتى أغوص في عالم آخر يجرّني إلى تفاصيل لم أُحضِّر لها مسبقاً».

عناوين اللوحات المعروضة تحمل دلالات نفسية وإنسانية واضحة، وتعكس حالات نمرُّ بها في الحياة. في لوحة «المتأمِّل» تحلِّق في رحلة علاج داخلي، وفي «خيبة أمل في اللعبة» تدرك أن الحياة لا تستحق هذا القدر من التعقيد. أما في «الثوري» و«لا بأس بأن تكون معصوب العينين» فيدفعان المتلقي إلى التوقّف وإعادة النظر.

ويؤكد أفرام أن أكثر ما يشغله في أثناء تنفيذه أي لوحة هو وضوح الرسالة. ويقول: «أضيف تفاصيل صغيرة لتكشف عن نفسها بنفسها. أشكّل لوحتي من مجموعة رسومات يسكنها التجدد. أتناول أعماق الإنسان بصور تُكمل بعضها بعضاً؛ فتأتي أحياناً واضحة، وأحياناً أخرى مخفيَّة تحت وطأة لعبة الحياة التي تتطلّب منّا غضّ النظر».

في لوحة «الثوري»، يحرِّر أفرام مشاعر مدفونة تراكمت مع الزمن. وفي «المقاومة» يظهر وحيد القرن في مواجهة العواصف، رمزاً للثبات والقوة. ويعلّق: «اخترت هذا الحيوان لما يجسِّده من قدرة على التحمُّل والمواجهة».

لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» (الشرق الأوسط)

أما «الرجل الجنين» فيستحضر الحاجة إلى الأمان؛ يقول: «مرحلة وجود الجنين في رحم أمّه قد تكون الوحيدة التي تعيدنا إلى الأمان المطلق». وفي اللوحة الثنائية «الفائض بالروح» يقف كل قسم منها في مواجهة الآخر، مستحضراً مرحلة الغوص في الذات.

بعض الأعمال يدخل إليها اللونان البرتقالي والأزرق إلى جانب الأبيض والأسود. ويوضح: «في الحياة لا نكشف دائماً عن مشاعرنا الحقيقية، كما تترك السياسات آثارها السلبية علينا. استخدمت البرتقالي لتقديم الإحباط ضمن مساحة مضيئة، والأزرق للدلالة على حقائق زائفة تحتاج إلى مواجهة هادئة».

ويلاحظ أفرام أن المتلقي اليوم يميل إلى مشاهدة العمل الفني بوصفه مساحة تحليل، لا مجرد صورة عابرة. ويقول: «مع تسارع العصر وحضور الذكاء الاصطناعي، تزداد حاجتنا إلى التأمل للحفاظ على تواصلنا مع ذواتنا، لذلك اعتمدت لغة جسد مرنة تمنح الشكل بُعداً إنسانياً».

في لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» يقدِّم رسالة مباشرة: «أحياناً يكون غضّ الطرف ضرورة». ويختم: «المهم أن نبدأ من جديد وألا نستسلم للعتمة، بل نبحث عن الضوء الذي يسمح بالاستمرار».