زيادة الرسوم الجمركية تثير مخاوف السوريين من مسلسل ارتفاع الأسعار

توفر البضائع التركية من الفواكه إلى الملابس عبر حلب وإدلب

بسطات البالة (الملابس المستعملة) تأتي من تركيا عبر إدلب وحلب في منطقة الفحامة وسط دمشق (الشرق الأوسط)
بسطات البالة (الملابس المستعملة) تأتي من تركيا عبر إدلب وحلب في منطقة الفحامة وسط دمشق (الشرق الأوسط)
TT

زيادة الرسوم الجمركية تثير مخاوف السوريين من مسلسل ارتفاع الأسعار

بسطات البالة (الملابس المستعملة) تأتي من تركيا عبر إدلب وحلب في منطقة الفحامة وسط دمشق (الشرق الأوسط)
بسطات البالة (الملابس المستعملة) تأتي من تركيا عبر إدلب وحلب في منطقة الفحامة وسط دمشق (الشرق الأوسط)

بعد انفراجات تدريجية في الأوضاع المعيشية، أثار فرض الحكومة السورية المؤقتة رسوماً جمركية جديدة، مخاوف المواطنين المنهكين من الفقر، من عودة مسلسل ارتفاع الأسعار، الذي كان سائداً في زمن حكم النظام السابق.

في منطقة باب مصلى وسط دمشق، حيث تنتشر عشرات المحلات والأفران، ذكر صاحب محل بقالة أن تأثير قرار الحكومة بفرض رسوم جمركية جديدة على أسعار البضائع «لا يزال محدوداً حتى الآن، لكنه دون أدنى شك سيؤدي إلى رفع الأسعار».

وقال صاحب المحل لـ«الشرق الأوسط»: «التجار لم يستوردوا بعد مواد غذائية وفقاً للرسوم الجديدة، ويعتمدون على المخزون، ومع ذلك الأسعار بدأت بالارتفاع». يضيف: «كيس السكر كان سعره قبل فرض الرسوم الجديدة 400 ألف ليرة، والآن أصبح 415 ألفاً، ويمكن أن يرتفع أكثر في الأيام المقبلة، وبنسبة أكبر عندما نستورد بضائع جديدة».

بيع مواد غذائية على مدخل حيي التضامن ودف الشوك جنوب دمشق (الشرق الأوسط)

على بُعد عشرات الأمتار من مدخل حيي «التضامن»، و«دف الشوك» جنوب دمشق، تبدأ سوق شعبية محاذية لحديقة منطقة الزاهرة، تضم محلات لبيع المواد الغذائية والخضراوات والفاكهة، إضافة إلى بسطات وعربات خشبية جوالة.

وبمجرد الدخول إلى السوق، يصادف المرء سيلاً بشرياً تتزاحم أقدامه بخطوات بطيئة، لكن الإقبال على الشراء بدا ضعيفاً، إذ يلاحظ أن أغلبية المارة يشترون ما هو ضروري وبكميات قليلة.

يبدي أبو رامي، وهو متقاعد، تخوفه من أن يكون القرار الجديد شبيهاً بقرارات النظام المخلوع، التي كانت السبب الرئيس في جعل أكثر من 90 في المائة من المواطنين يعيشون تحت خط الفقر.

ويقول أبو رامي، الذي لديه عائلة مؤلفة من أربعة أفراد: «حالة الناس انفرجت بسقوط النظام، وانخفضت الأسعار نوعاً ما، وكنا نأمل بالمزيد في ظل الحكومة الجديدة، لكن تصريحات مسؤوليها لا تبشر بخير، فهم يقولون إنهم سيرفعون (سعر) ربطة الخبز (12 رغيفاً) إلى 8 آلاف (تباع حالياً في المخابز بـ4 آلاف)». ويضيف: «الناس متعبون جداً من الفقر والقلة، وتضخم المصاريف. لم يلتقطوا أنفاسهم بعدُ كي تصدر الحكومة قراراً سيزيد من صعوبة الحياة».

الازدحام على بسطات بيع مواد غذائية معظمها يأتي من تركيا عبر إدلب وحلب على مدخل حيي التضامن ودف الشوك جنوب دمشق (الشرق الأوسط)

وأعلنت الحكومة المؤقتة في 11 يناير (كانون الثاني) الحالي توحيد الرسوم على جميع الأمانات الجمركية. وقال مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية، مازن علوش، وفقاً للوكالة السورية الرسمية للأنباء (سانا) إن «الرسوم الجديدة خفضت الرسوم المعمول بها سابقاً من 50 إلى 60 في المائة».

وحاولت «الشرق الأوسط» التواصل مع مسؤولين في الحكومة للتعليق على مخاوف المواطنين، لكن لم يتسن لها ذلك، علماً بأن مظاهرات منددة بذلك خرجت في شمال البلاد بسبب ما خلفه القرار من ارتفاع كبير في الأسعار. لكن مدير «معبر نصيب» الحدودي مع الأردن (جنوب سوريا)، خالد البراد، حاول طمأنة المواطنين.

ونقلت «سانا» عن البراد قوله، إنه تم تحديد رسوم استيراد المواد الأساسية بـ50 دولاراً للطن الواحد، وسيكون تأثير ذلك على الأسعار النهائية للمستهلكين «محدوداً جداً». مضيفاً أنه من المتوقع مع بدء الاستيراد عبر الشحن البحري أن تنخفض التكاليف بشكل ملحوظ نتيجة انخفاض تكاليف النقل.

تصريحات البراد لم تقنع «هيفاء محمد»، الموظفة بمؤسسة حكومية، ورأت فيها مقدمة لقرارات ستصدر تباعاً دون الأخذ بعين الاعتبار الوضع المعيشي المتردي جداً للعائلات. وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «ما ذنب المواطن إذا الحكومة الجديدة تسلمت الخزينة فارغة، هل ستجلب الدولارات من جيوبنا الخاوية؟». أضافت: «نعم الأسعار انخفضت، وتعشمنا خيراً بتصريحاتهم أنهم سيرفعون الرواتب 400 في المائة، ولكن لم نر الزيادة، وكثير من الموظفين وأنا منهم لم تصرف رواتبهم حتى الآن. لدي مبلغ بسيط أتدبر أموري العائلية به، وأناشد الحكومة بالتراجع عن قرارات ستفقر الناس أكثر، والإسراع بصرف الرواتب؛ لأن الناس قدرتهم معدومة على التحمل».

حافلات نقل في كراج منطقة الفحامة وقد غابت عنه أزمة النقل (الشرق الأوسط)

وعلى الرغم من انحسار أزمة المواصلات مع توفر المحروقات، فإن ارتفاع أجرة الراكب زاد من معاناة الأهالي المعيشية.

ويؤكد «قصي يوسف» الطالب الجامعي أن ارتفاع أجور المواصلات 3 أضعاف زاد من هموم الأسر التي تفاءلت بقدوم السلطات الجديدة، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «مشوار الجامعة كان يكلف 4 آلاف ليرة، واليوم مع رفع الأجرة إلى 3500 أصبح يكلف 14 ألفاً، لأني أحتاج أن أركب أكثر من وسيلة نقل للذهاب والعودة، هذا الأمر يرهق الأسر مادياً».

على طول الطرق المؤدية إلى وسط دمشق تنتشر بكثافة بسطات عبوات البنزين اللبناني والمازوت على الأرصفة، بسعر 130 ألف ليرة لعبوة البنزين التي يقول البائعون إنها تتسع لعشرة لترات.

بسطة بيع البنزين اللبناني وسط ساحة الأمويين وسط دمشق (الشرق الأوسط)

في المقابل، يقول مسؤول في محطة المجتهد لتوزيع المحروقات التي تبيع لتر البنزين بـ14 ألف ليرة لـ«الشرق الأوسط»: «عبوات البنزين التي تباع على الأرصفة سعتها أقل بلتر ونصف عما يقوله أصحاب البسطات، ونوعية المادة لدينا أفضل بكثير من الموجود في العبوات».

ومع الاقتراب من مشارف منطقة الفحامة وسط دمشق، يفضل ركاب حافلات النقل النزول منها ومتابعة طريقهم سيراً على الأقدام، لأن سير الحافلة يكون أبطأ من سير السلحفاة بسبب الازدحام الشديد للسيارات، ليواجهوا مشقة أخرى لتجاوز المنطقة نتيجة كثرة المارة، وبسطات البالة (الملابس المستعملة).

مارة يعاينون ألبسة في بسطة بالة أتت من تركيا وسط دمشق (الشرق الأوسط)

يوضح رجل أربعيني، حوّل سيارته البيك أب لبسطة لبيع البالة، أن أغلبية البضائع المعروضة تأتي من تركيا. وبعد أن يؤكد الرجل أن ربحه في «القطعة الجيدة لا يتعدى الـ5 آلاف ليرة»، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «هناك إقبال على الشراء بسبب رخص الأسعار»، بينما يصف صاحب بسطة مجاورة الإقبال بأنه «وسط»، وأن معظم من يشترون يجادلون في الأسعار. ويباع سعر الجاكيت الرجالي بجلد طبيعي وصنف جيد، ما بين 25 و30 ألف ليرة سورية، في حين كان قبل سقوط الأسد يباع بنحو 150 ألف ليرة.

في السوق نفسها تنتشر بكثافة بسطات بيع المواد الغذائية ذات المصدر التركي، التي تعرض زيت دوار الشمس وعلب السردين والتونا وقوالب الزبدة. كما باتت تنتشر في أسواق وشوارع دمشق بكثافة بسطات بيع علب البسكويت والكاتو الذي يفضله الأطفال، ويعلو صوت أصحابها بالإعلان عن سعرها (خمس قطع بـ10 آلاف) لجذب المتسوقين، بعد أن كان سعر القطعة الواحدة 10 آلاف.

بسطات البالة (الملابس المستعملة) تأتي من تركيا عبر إدلب وحلب في منطقة الفحامة وسط دمشق (الشرق الأوسط)

وشهد سعر صرف الليرة السورية تحسناً ملحوظاً منذ سقوط نظام الأسد؛ إذ سجّل 13000 مقابل الدولار للشراء، و13130 للبيع في «مصرف سوريا المركزي»، في حين وصلت الليرة في السوق الموازية إلى 11600 لكل دولار للشراء، و11800 للبيع، وفق عدد من التطبيقات.


مقالات ذات صلة

السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

خاص نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)

السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

تسود أجواء من الحذر والقلق في قرية نبع الطيب بسهل الغاب بريف حماة الغربي، عقب القبض على والد أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة التضامن في دمشق.

سعاد جروس (دمشق)
العالم العربي السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)

هل يعزز حديث السيسي والشرع «الودي» في قبرص تقارب البلدين؟

أفادت وسائل إعلام بالقاهرة ودمشق بأن «حديثاً ودياً» جرى بين الرئيس المصري ونظيره السوري، في «قمة قبرص»، الجمعة، لبحث تطورات المنطقة

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي متظاهرون وأقارب ضحايا مجزرة التضامن يتجمّعون في دمشق للمطالبة بإعدام أمجد يوسف الضابط المرتبط بالمجزرة (أ.ب) p-circle

سوريا تبدأ الأحد محاكمة شخصيات بارزة من عهد الأسد

تستهلّ السلطات السورية، الأحد، محاكمة شخصيات بارزة من حقبة الحكم السابق بعد توقيفهم خلال الأشهر الماضية، بدءاً بالمسؤول الأمني السابق عاطف نجيب.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا الجمعة (رويترز)

الشرع: سوريا «شريان آمن» لربط آسيا الوسطى والخليج بأوروبا

قال الرئيس السوري أحمد الشرع، في اجتماع قادة الاتحاد الأوروبي والشركاء الإقليميين في نيقوسيا، إن «أوروبا تحتاج إلى سوريا بقدر ما تحتاج سوريا إلى أوروبا».

«الشرق الأوسط» (نيقوسيا)
المشرق العربي سورية تقبل الأرض خلال الاحتفال بالقبض على المتهم بارتكاب «مجزرة التضامن» في حي التضامن بدمشق الجمعة (إ.ب.أ)

سوريا: «عيد شعبي» بعد القبض على المتهم الأول بـ«مجزرة التضامن»

احتفل سوريون لدى إعلان السلطات توقيف «المجرم أمجد يوسف، المتهم الأول بارتكاب مجزرة التضامن».

موفق محمد (دمشق)

نتنياهو يأمر الجيش الإسرائيلي بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
TT

نتنياهو يأمر الجيش الإسرائيلي بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)

قال رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، السبت، إنه أصدر تعليمات للجيش بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله» في لبنان، وذلك بعد إعلان الجيش أن الحزب انتهك وقف إطلاق النار.

وجاء في بيان أصدره مكتب رئيس الوزراء أن نتنياهو أمر الجيش «بمهاجمة أهداف لـ(حزب الله) بقوة في لبنان»، بعد يومين من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع.

وعقب البيان، استهدفت سلسلة غارات إسرائيلية جنوب لبنان وفق ما أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية اللبنانية. وأفادت الوكالة بشن إسرائيل غارات على بلدات حداثا وزبقين وخربة سلم والسلطانية في جنوب البلاد، في حين أعلن الجيش الإسرائيلي أنه «يهاجم» مبانٍ عسكرية يسخدمها «حزب الله».

وقتل ستّة أشخاص في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان، السبت، وفق وزارة الصحة، بينما قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف عناصر في «حزب الله».

وأوردت الوزارة، في بيان أول، أن «غارتَي العدو الإسرائيلي على شاحنة ودراجة نارية في بلدة يحمر الشقيف قضاء النبطية أدتا إلى استشهاد 4 مواطنين».

وأضافت، في بيان ثان، أن «غارة العدو الإسرائيلي على بلدة صفد البطيخ قضاء بنت جبيل أدت إلى شهيدين و17 جريحاً»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرفع ذلك عدد الذين قتلوا في غارات إسرائيلية على أنحاء مختلفة من جنوب لبنان، منذ الجمعة، إلى 12 قتيلاً.

من جانبه، قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف ثلاثة عناصر من «حزب الله» كانوا يستقلون «مركبة تندر (بيك أب) محمّلة بوسائل قتالية»، وعنصر آخر كان يستقل دراجة نارية في جنوب لبنان.

يأتي ذلك رغم إعلان ترمب، الخميس، تمديداً مدته ثلاثة أسابيع لوقف إطلاق النار الذي بدأ في 17 أبريل (نيسان)، وذلك عقب جولة جديدة من المحادثات في البيت الأبيض بين سفيرَي لبنان وإسرائيل.

واندلعت الحرب الأخيرة في الثاني من مارس (آذار) بعد إطلاق «حزب الله» صواريخ على إسرائيل ردّاً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في اليوم الأول من الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، في 28 فبراير (شباط).

وشنّت إسرائيل حملة من القصف الجوي الواسع على لبنان، واجتاحت قواته مناطق في جنوبه، وأبقت قواتها فيها بعد سريان الهدنة، في 17 أبريل (نيسان).

وقُتل 2496 شخصاً وأصيب أكثر من 7700 في لبنان جراء الهجمات الإسرائيلية منذ الثاني من مارس (آذار)، بحسب أحدث حصيلة نشرتها وزارة الصحة، السبت.


السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
TT

السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)
نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)

في وقت تترقب فيه دمشق مثول رئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا عاطف نجيب أمام محكمة الجنايات الرابعة في القصر العدلي بالحميدية وسط العاصمة السورية، قالت مصادر في هيئة العدالة الانتقالية لـ«الشرق الأوسط» إن المحاكمة ستجري علناً، مؤكدة أن مسار العدالة يسير بخطوات سليمة وسيحقق نتائج خلال الفترة المقبلة.

ويأتي ذلك في وقت تسود فيه أجواء من الحذر والقلق في قرية نبع الطيب بسهل الغاب في ريف حماة الغربي، وسط انتشار أمني كثيف عقب القبض على والد أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة التضامن في دمشق، وعدة أشخاص آخرين بتهمة التورط في إخفائه. وقال مصدر أمني سوري إنه تم اعتقال والد أمجد يوسف وأشخاص آخرين مشتبه بتورطهم في إخفائه، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء الرسمية «سانا»، فيما قالت مصادر محلية في حماة إن حالة من الغضب والاحتقان تعم القرى المجاورة في ريف المحافظة، بعد انتشار أنباء تفيد بوجود المطلوب في جرائم قتل جماعي في قريته منذ عام ونصف العام، والتستر عليه هناك.

وأعلنت وزارة الداخلية السورية، الجمعة، إلقاء القبض على أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بتنفيذ مجزرة حي التضامن في دمشق عام 2013، في عملية أمنية وصفتها بـ«المُحكمة». وحسب تقرير مصور بثته «الداخلية»، تم القبض على المتهم في سريره، وسط ذهول أفراد عائلته، فيما عمّت موجة فرح ممزوج بالفجيعة أحياء جنوب دمشق التي شهدت مجازر مروعة في سياق الحملة الأمنية التي شنّها النظام السابق ضد المناطق التي خرجت عن سيطرته عام 2011.

وعبّرت السيدة خلود عبد الله التي فقدت ثمانية أفراد من عائلتها في مجزرة التضامن، عن فرحها بتوقيف أمجد يوسف. خسرت خلود والدها وأمها وثلاث أخوات وابن أختها (طفل في عمر أربع سنوات) في التضامن عام 2013، كما فقدت اثنين من أشقائها في المعتقل، أحدهما في سجن صيدنايا، والآخر بفرع فلسطين، حسبما قالت لـ«الشرق الأوسط». وتحدثت عن شعورها لحظة سماع نبأ القبض على أمجد يوسف، فقالت: «شعور لا يُوصف. فرحت وبكيت وتذكرت أهلي». وتمنت خلود أن تلتقي المتهم وجهاً لوجه، وقد طلبت ذلك من وزير الداخلية، لكنها لم تتلق رداً بعد. وأكدت أن «لا شيء يبرّد قلوب أهالي الضحايا، لأن المصاب جلل، لكن الله يصبّرنا»، مضيفة أن عقاب الله للمجرمين «يشفي غلنا».

صورة وزعتها وزارة الداخلية السورية للمتهم أمجد يوسف بعد إلقاء القبض عليه الجمعة (إ.ب.أ)

وبينما يطالب أهالي الضحايا والمفقودين بعلنية التحقيقات والمحاكمة للوصول إلى الحقيقة كاملة، وكشف مصير المفقودين، أكد مسؤول ملف التحقق والتوثيق في الهيئة الوطنية للمفقودين، عمار العيسى، لـ«الشرق الأوسط» أن دور الهيئة في التحقيقات هو «دور فني داعم للتحقيقات القضائية، يتمثل في ربط المعطيات الواردة من التحقيق مع ما لدينا من بيانات وبلاغات، والتحقق منها ميدانياً وعلمياً». والهيئة لا تقوم بالاستجواب، وليست لديها ولاية تحقيقية وإنما «توفّر البنية التي تحوّل المعلومات إلى أدلة قابلة للاستخدام القضائي: توثيق، وتحقق، وحماية مواقع، وإدارة أدلة وسلاسل حيازة، وتحليل جنائي، وصولاً إلى إعداد تقارير يمكن أن تدعم مسار الادعاء». وقال العيسى إن «ما يمكن تقديمه للتحقيق هو قوائم مُتحقَّق منها ومرتبطة بسياقات محددة (مثل المكان، والزمان، ونمط الاختفاء)، وليس مجرد أرقام أو أسماء عامة، وذلك لضمان القيمة القانونية لهذه القوائم وربطها بالأدلة».

ولفت العيسى إلى أن الأرقام الموجودة لدى الهيئة هي على «مستوى البلاغات الوطنية»، وأن الأهم في سياق التحقيقات الجارية، ليس الرقم الإجمالي، بل الربط الدقيق بين الحالات والموقع والواقعة المحددة. ولذلك تتحفظ الهيئة عن «طرح أرقام غير مُدقّقة أو غير مرتبطة بسياق قضائي واضح، لأن ذلك قد يضر بالتحقيق أكثر مما يفيده».

ونظّمت «خيام الحقيقة»، وهي مجموعات أهلية من ذوي الضحايا والمفقودين في مناطق سليمة ومخيم اليرموك وجرمانا والغوطة الشرقية -القطاع الجنوبي وداريا- قرب دمشق، وقفة للأهالي بمناسبة القبض على أمجد يوسف مساء السبت. وقال الناشط واصل حميدة، من عائلات «خيام الحقيقة» في مخيم اليرموك، لـ«الشرق الأوسط»، إن الوقفة هي للتأكيد على مطالب أهالي الضحايا الذين يعتبرون القبض على أحد مرتكبي مجازر حي التضامن «تطوراً إيجابياً» طال انتظاره، ويعيد إشعال بصيص أمل في قلوب الأهالي المثقلة بالألم. وأكد أن توقيفه «تطور إيجابي في السعي المستمر لتحقيق العدالة في سوريا». وأشار واصل حميدة الذي فقد شقيقه في حي الزاهرة خلال سبتمبر (أيلول) من عام 2013، إلى أن عائلات «خيام الحقيقة» اعتبروا، في بيان مشترك، القبض على أمجد يوسف خطوة مهمة، لكنها «غير مكتملة»، مطالبين بمحاكمات علنية وبشفافية كاملة في إجراءات التحقيق، ومحاسبة جميع المسؤولين دون استثناء من المنفذين وكتبة التقارير إلى أعلى المستويات القيادية، ورفض محاولات إطلاق سراح مرتكبي جرائم الحرب أو المتورطين في الجرائم ضد الإنسانية تحت أي ذريعة، بما في ذلك ذريعة «السلم الأهلي» أو المصالحات.

مواطنون يحتفلون بتوقيف المتهم أمجد يوسف في حي التضامن يوم الجمعة (رويترز)

وشدد البيان على أن تحقيق الاستقرار الحقيقي لا يكون إلا عبر المساءلة والعدالة وعدم الإفلات من العقاب. كما طالبت عائلات «خيام الحقيقة» باستمرار الضغط والعمل الدبلوماسي الدولي، لتسليم كبار المسؤولين عن الجرائم، وصولاً لرأس النظام المخلوع بشار الأسد.

وبرز اسم أمجد يوسف بوصفه أحد أخطر مرتكبي المجازر وأعمال القتل الجماعي في سوريا بعد نشر صحيفة «الغارديان» تحقيقاً في 27 أبريل (نيسان) عام 2022، استناداً إلى تحقيق أكاديمي للباحثين أنصار شحّود وأوغور أوميت أونغور، حول مجزرة «حي التضامن» في 16 أبريل 2013، أسفرت عن مقتل نحو 41 شخصاً ودفنهم في مقبرة جماعية.

وعلّقت الباحثة في مركز الهولوكوست والإبادة الجماعية بجامعة ‌أمستردام، أنصار شحود، على إلقاء القبض على أمجد يوسف بالقول إنها «تشعر الآن بالأمان»، مضيفة في تصريح لوكالة «رويترز» أن «الطريق إلى العدالة في سوريا غير واضح ولا يشمل جميع الجناة». وقالت: «حاسة (أشعر) بنوع ما من الأمان رغم بعد المسافة»، مشيرة إلى أنها كانت تشعر بأن يوسف يسعى وراءها لقتلها.

وتبدأ الأحد في دمشق أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب قريب الرئيس المخلوع بشار الأسد، وهو كان قد تولى سابقاً رئاسة فرع الأمن السياسي في محافظة درعا (جنوب)، حيث اندلعت شرارة الاحتجاجات الشعبية عام 2011، ويُعد المسؤول عن حملة قمع واعتقالات واسعة هناك.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


قطع طرق في بيروت على خلفية مداهمة أمنية

عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)
عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)
TT

قطع طرق في بيروت على خلفية مداهمة أمنية

عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)
عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)

شهدت بيروت توتراً أمنياً، بعد ظهر السبت، على خلفية إشكال في منطقة ساقية الجنزير مرتبط بتسعيرة المولدات الكهربائية، تخلله إطلاق نار ووقوع إصابات؛ ما أدى إلى تحركات احتجاجية، وقطع عدد من الطرق في العاصمة، وسط تباين في الروايات بين الجهات الرسمية وقوى أمن الدولة التي قامت بمداهمة أحد أصحاب المولدات.

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بقطع الطريق في ساحة فردان مقابل دار الطائفة الدرزية بمستوعبات النفايات، احتجاجاً على إشكال ساقية الجنزير على خلفية تسعيرة مولدات، أعقبه إطلاق نار ووقوع إصابات. وقد تم قطع طريق كورنيش المزرعة - إغلاق نزلة الملا - قطع طريق الملا كركول الدروز رفضاً للذي حصل في ساقية الجنزير.

سلام يحمل المسؤولية لأحد عناصر الأجهزة

وفي السياق نفسه، أشار رئيس الحكومة نواف سلام إلى تحميل أحد الأجهزة الأمنية مسؤولية ما جرى، وكتب عبر منصة «إكس» قائلاً: «ما شاهدته ساحة ساقية الجنزير بعد ظهر اليوم من أعمال عنف من قبل عناصر أحد الأجهزة الأمنية ضد المدنيين، وإطلاق النار، وإرعاب المواطنين تصرفات غير مقبولة أياً كانت الأسباب أو الذرائع»، مضيفاً: «أعطيت الأوامر الصارمة للقيام بالتحقيقات الفورية لجلاء ملابسات ما جرى، واتخاذ التدابير اللازمة المسلكية والقضائية بحق المرتكبين. أدعو إخوتي المواطنين في بيروت إلى التحلي بأعلى درجات ضبط النفس؛ حفاظاً على أمن عاصمتنا الغالية، وسلامة أهلنا فيها».

كما كتب النائب وضاح الصادق عبر منصة «إكس» موضحاً ما حصل : «اقتحم جهازُ أمنِ الدولةِ منطقةَ ساقيةِ الجنزير في بيروت، وكأنّ أبو علي عيتاني (صاحب مولدات في المنطقة) رئيسُ مجموعةٍ إرهابية، فأشبعوه ضرباً، وأطلقوا النار إرهاباً لأهل المنطقة الذين تجمّعوا لحمايته. الحُجّة أنّه رفع تعرفة المولّد، فتخطّوا القانون، وتجاوزوا مسؤولية المحافظ ووزارة الاقتصاد، وقرّروا تطبيق قرار أحد الضباط ومن ورائه بالقوّة»، مضيفاً: «هذا أمرٌ لن يمرّ، ولم نشاهده في أيّ منطقةٍ أخرى، حيث يتجاوز أصحاب المولّدات كلّ الأعراف والقوانين يومياً. نحن نعرف كيف حمى أبو علي منطقته، ونعرف لماذا يتمّ التعامل معه بهذه الطريقة. سأكتفي بهذا، مع الثقة بأنّ اللواء لاوندس (مدير عام أمن الدولة اللواء إدغار لاوندس)، الذي لم أنجح في التواصل معه، سيأخذ الخطوات الآيلة إلى ضبط بعض الضباط في جهازه، ولكن هذا الأمر لن يمرّ مرور الكرام. سنكرّرها للمرة الأخيرة: بيروت ليست مكسَرَ عصاً لأحد».

رواية أمن الدولة

في المقابل، صدر عن المديرية العامة لأمن الدولة بيان قالت فيه إنه «متابعةً لجهودها المستمرة في قمع المخالفات التي تمسّ الأمن الاقتصادي، وبعد تخلّف أحد أصحاب المولدات الكهربائية المخالفة ضمن نطاق مدينة بيروت عن الحضور إلى مبنى مديرية الاستعلام والعمليات الخاصة لاستكمال الإجراءات القضائية بحقه، وبناءً على إشارة النيابة العامة المالية القاضية بإحضاره، قامت دورية من هذه المديرية العامة بتنفيذ الإشارة القضائية، فاعترضها عدد من المواطنين، ومُنعت من تنفيذ مهمتها؛ ما اضطر بعض العناصر إلى إطلاق النار في الهواء لتفريقهم، ولم يُصَبْ أحد بأذى. يتم إجراء التحقيق بإشراف النيابة العامة العسكرية».