كشف أسرار الآثار الحجرية الغامضة في السعودية

باحثو «كاوست» يوظفون نظم الذكاء الصناعي في دراستها

الهياكل الحجرية الضخمة التي تعرف بالمستطيلات تعد من أقدم الآثار بالعالم
الهياكل الحجرية الضخمة التي تعرف بالمستطيلات تعد من أقدم الآثار بالعالم
TT

كشف أسرار الآثار الحجرية الغامضة في السعودية

الهياكل الحجرية الضخمة التي تعرف بالمستطيلات تعد من أقدم الآثار بالعالم
الهياكل الحجرية الضخمة التي تعرف بالمستطيلات تعد من أقدم الآثار بالعالم

وظف العلماء خوارزميات التعلم الآلي العميق لتسريع اكتشاف مستطيلات الصحراء السعودية العملاقة التي يعود تاريخها إلى آلاف ماضية من السنين. وكان وزير الثقافة السعودي، الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، أشار في تغريدة له عبر تويتر عام 2021، أن دراسة دولية أوضحت أن الهياكل الحجرية الضخمة والغامضة التي تعرف بالـ«مستطيلات» في شمال غربي المملكة، تعدّ من أقدم الآثار في العالم. ويعود تاريخ هذه المواقع الأثرية إلى حوالي 7000 عام، وشكلت لغزا كبيرا للباحثين والعلماء حول العالم لمعرفة طبيعتها وأسباب بنائها. وكانت دراسة من جامعة كمبريدج البريطانية قد أشارت إلى أن هذه الهياكل الضخمة أكثر تعقيداً مما كان يُفترض سابقاً، وتضم غرفاً ومداخل ومقاعد.

مسح أثري «ذكي»
في هذا الاتجاه، ولتسريع وتيرة الاكتشافات استخدم علماء من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، نظم الذكاء الصناعي لتوفير مسح أرضي مفصل عن هذه المنطقة التي لم تحظ بدراسة كافية من قبل، وللإسهام في بناء معارف جديدة تعزز من الإرث الثقافي، ما يعود بالنفع على بقية قطاعات الاقتصاد بالمملكة.
ويتكون الفريق العلمي من فيرجيل بلوا، طالب زائر في مختبر إدراك الصورة والفيديو التابع لـ«كاوست» (IVUL)، ود. سيلفيو جيانكولا، عالم الأبحاث العلمية ومبادرة الذكاء الصناعي بالمختبر ذاته، ود. لورانس هابيوت زميلة «كاوست» للبحوث الأثرية والتواصل الثقافي، والبروفسيور برنارد غانم، الباحث الرئيس بمختبر إدراك الصورة والفيديو، ونائب مدير مبادرة الذكاء الصناعي، والذي حدد نطاق التعاون متعدد التخصصات. ويمول المشروع من قِبل مكتب الرئيس، ومكتب عميد الجامعة، ومختبر إدراك الصورة والفيديو (IVUL).
وتعد تقنيات الذكاء الصناعي أحد أفضل الطرق لقياس الآثار من خلال استكشاف طرق لتمثيل المعلومات الأثرية العامة والهياكل، خاصة عند تطبيقها على التحليلات المكانية مثل تحليل مجال الرؤية وتحليل المسار الأقل تكلفة والتي يصعب تنفيذها دون الاستعانة بمقدرات الحاسوب بسبب تعقيدها.

مستطيلات الصحراء
في عام 2020 أعلنت هيئة التراث في السعودية عن عثور فريق علمي على منشآت حجرية في صحراء النفود في المملكة عبارة عن مصائد للحيوانات تُعد من أقدم المصائد الحجرية في العالم حيث يعود تاريخها إلى أكثر من 7000 عام.
وأوضحت الهيئة أن نتائج أعمال الفريق أكدت أن مناطق شمالي المملكة شهدت تطوراً حضارياً قبل حوالي 5000 سنة ق.م. بدليل تشييد أمكنة ضخمة ضمت مئات المنشآت الحجرية الكبيرة وهو تغيّر ثقافي مهم ونقلة حضارية في المنطقة.
وتناول العمل العلمي الميداني الذي قام به الفريق بدايات تطور المنشآت الحجرية ضمن سياقها الأثري والبيئي وخاصة المستطيلات منها التي وصفت بأنها مصائد للحيوانات. فلقد أدت تلك المستطيلات دوراً مشابهاً وعكست تطور سلوك التوجهات الإقليمية عند الإنسان من خلال المنافسة على المراعي في بيئات صعبة غير مستقرة في الجزيرة العربية حتى في الأزمنة الرطبة في عصر الهولوسين، حيث كانت البيئة تمر بفترات جفاف.

مجال بحثي جديد
وتعتبر المبادرة جزءاً من مجال بحثي جديد يُعرف باسم علم «الآثار الحسابي»، حيث أنشأ الفريق برنامجاً لنمذجة الكشف عن الهياكل الحجرية، باستخدام الصور الملتقطة بواسطة صور الأقمار الصناعية.
ويهتم علم «الآثار الحسابي» بتوظيف طرق معالجة حاسوبية عالية الدقّة لكمية كبيرة من البيانات لدراسة السلوك البشري والتطور السلوكي على المدى الطويل، والذي يتضمن استخدام نظم المعلومات الجغرافية (GIS). وعلى مدار أكثر من عقد، استخدم علماء الآثار المصادر المتاحة لصور الأقمار الصناعية يدويّاً، والبحث عن برنامج مثل خرائط غوغل؛ للحصول على أدلة عن المواقع الأثرية المحتملة، ثم بعد ذلك القيام بإجراء زيارات ميدانية لهذه المواقع.
في هذا المشروع استخدم فريق «كاوست» عملية آلية لإجراء مسح الأحجار العملاقة الغريبة المصطفة على شكل مستطيلات في صحراء النفود السعودية، وكذلك بقايا الأماكن الأثرية ذات الأشكال الدائرية والمثلثة. ويستخدم المنهج خوارزميات التعلم الآلي العميق المُدرّبة على مجموعة من البيانات التي تم تعريفها يدويّاً بواسطة د. هابيوت. وفي اللحظة التي تم تدريب الخوارزميات عليها، أصبح من الممكن عزل مئات الخصائص المتشابهة المماثلة على نطاقٍ واسعٍ. وبمجردِ اكتشاف هيكل جديد؛ فإنَّ الأداة المستخدمة يمكنها تحويل وحدات البكسل (نقطة الصورة) المتشابهة إلى إحداثيات جيوديسية (أقصر خط طول بين نقطتين)، عبر استخدام نظام الإحداثيات العالمي (جي بي إس) (GPS)، ودمج تلك النتائج في خريطة إلكترونية وقاعدة بيانات لتحليلها. ويمكن استخدام تلك التقنية لإجراء تمارين مسح أخرى لاكتشاف أي عنصر ضخم في منطقة مفتوحة.
تقول د. هابيوت: «هذا المشروع يوضّح أنَّ جامعة «كاوست» صرح فريد للبحوث متعددة التخصصات؛ إذ يمكن لبيئات قليلة جداً تعزيز التكامل السريع لمفاهيم تقنية عميقة؛ كالذكاء الصناعي بالتعاون مع علماء الآثار، والذي ينتج عنه فهم فريد للوجود العالمي لتلك الهياكل الحجرية».
وتتميز المساحة الشاسعة الخاضعة للدراسة في المملكة بوجود آلاف الهياكل الحجرية الضخمة، ونظراً لأنَّ مساحة السعودية تغطي تقريباً مليوني كيلومتر مربع؛ فإنَّ عمليات البحث التقليدية وطرق الاكتشاف قد تستغرق أشهرا وربما سنوات للانتهاء منها، مقارنة بالخمس ساعات التي تستغرقها منهجية الفريق الذي يستعين بالذكاء الصناعي.
وحول التقنيات الجديدة المستخدمة في هذا المجال، يقول الدكتور جاسر سليمان الحربش، الرئيس التنفيذي لهيئة التراث السعودية: «يحلل الذكاء الصناعي، والتعلُّم الآلي قدرا هائلا من البيانات للمواقع الأثرية السعودية بسرعة مذهلة، لذلك ترحّب هيئة التراث السعودي بجهود «كاوست» لاستخدام أحدث التقنيات لدراسة تلك الهياكل الحجرية القديمة، وهو ما يساعدنا في معرفة المزيد عن وظيفتها وتوزيعها، وكذلك عن السكان القدامى الذين بنوها».
ولن تساعد التقنية في تسريع عملية الاستكشاف فقط، لكنها تقدم إجابة عن الأسئلة المطروحة عن الحجم، والمساحة، وأماكن توزيع بقايا الآثار القديمة، وأيضاً تسهم في معرفة إذا ما كان اكتشاف موقع وجود هيكل قديم في منطقةٍ ما، يعني احتمالية العثور على هيكل مشابه أو مرتبط به في منطقة مجاورة.

منافع أخرى
كما لا تتوقف المنافع التي تحققها تقنية التعلم الآلي العميق المستخدمة من قبل «كاوست» عند اكتشاف المناطق الأثرية فحسب، لكنها تساعد أيضا في تحقيق أهداف رؤية المملكة 2030، من خلال الحفاظ على الإرث الفريد للدولة السعودية، بتوثيقه وتسليط الضوء عليه، فضلاً عن دعم قطاع السياحة. فهذه المنطقة المفتوحة في المملكة تمثل نموذجاً مثالياً لهذا النوع من التقنية، والذي يصلح للاستخدام في أماكن أخرى في المنطقة، لها ذات الخصائص المشابهة لسطح الأرض، التي تعرف بـ«الطوبوغرافيا» أو علم التضاريس. وفي هذا الصدد يمكن إطلاق مبادرة في هذا الشأن، تعزز استفادة علم الآثار من الذكاء الصناعي، ويصبح بإمكان علماء الآثار، وعلماء البيانات تبادل المعرفة في تخصصاتهم، لتحقيق نتائج واعدة على المستوى التطبيقي.
ويعني علم الآثار بدراسة كل النشاط الإنساني الذي قام به أسلافنا في مكان ما، خلال حقبة ما من الزمن. وقد يشمل هذا النشاط الأدوات التي صنعها الإنسان لمواجهة متطلبات الحياة، والأبنية التي أشادها، والنشاط الاجتماعي والاقتصادي الذي قام به، والنصوص المكتوبة وكل الأعمال الفنية والمعمارية والعلمية. كما اهتم علم الآثار كذلك بدراسة أصل الإنسان والحضارة مستعيناً بأحدث التقنيات التي تدرس أدق التفاصيل المتعلقة بحياة أسلافنا القدماء. وفي النصف الثاني من القرن العشرين برز مصطلح «علم الآثار الجديد» الذي يعنى بدراسة تنظيم الجماعات البشرية في داخل مناطقها ومعرفة بنيتها الاجتماعية بهدف ربط ذلك كله بنظام عام للسلوك الإنساني.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
TT

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)

أعلنت شركة «سبيس بايونير»، المتخصصة في تطوير الصواريخ ومقرُّها بكين، اليوم الجمعة، أن الرحلة التجريبية الأولى لصاروخها القابل لإعادة الاستخدام «تيانلونغ-3» باءت بالفشل، مما يسلّط الضوء على التحديات التي يواجهها مطوّرو الصواريخ الصينيون في محاولتهم اللحاق بشركة «سبيس إكس» الأميركية، التابعة لإيلون ماسك.

ولم تقدم «سبيس بايونير»، المعروفة أيضاً باسم «بكين تيانبينغ تكنولوجي»، سوى قليل من التفاصيل حول سبب الفشل، واكتفت بإعلان الفشل، في بيان موجَز نشرته على حسابها الرسمي على تطبيق «وي تشات».

والشركة بين مجموعة صغيرة من شركات تطوير الصواريخ في القطاع الخاص، التي تشهد نمواً سريعاً مدفوعاً بجهود بكين لتحويل الصين إلى قوة فضائية كبرى، فضلاً عن الدعم المتعلق بالسياسات الذي يسهّل على هذه الشركات جمع رأس المال وطرح أسهمها للاكتتاب العام، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتتنافس هذه الشركات، الآن، على مَن يصبح المطوّر الصيني الرائد للصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، وهي تقنية لم تتقنها، حتى الآن، سوى شركة «سبيس إكس».

والقدرة على إطلاق المرحلة الرئيسية لصاروخ مَداري واستعادتها وإعادة استخدامها هي عامل أساسي لخفض تكاليف الإطلاق وتسهيل وضع الأقمار الصناعية في المدار حول الأرض لأغراض تتراوح من الاتصالات إلى المراقبة العسكرية.


علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
TT

علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)

عندما يحدث الانفجار الهائل لنجم في نهاية حياته، فيما يعرف بظاهرة المستعر الأعظم أو (السوبرنوفا)، فإنه يقذف المادة في الفضاء ويترك عادة بقايا نجمية شديدة الكثافة، مثل الثقب الأسود أو النجم النيتروني.

لكن بعض هذه الانفجارات عندما تحدث لأكبر النجوم في الكون قد تكون قوية للغاية لدرجة أنها لا تترك أي شيء على الإطلاق، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويطرح العلماء منذ ستينات القرن الماضي نظرية حدوث هذه الانفجارات النجمية فائقة القوة، وتوصلوا الآن إلى أدلة على وجودها، وإن كانت غير مباشرة.

ظهرت هذه الأدلة في أبحاث تتعلق بالثقوب السوداء وموجات الجاذبية في نسيج الكون، التي تعرف بتموجات (الزمكان).

وقال هوي تونغ، وهو طالب دكتوراه في الفيزياء الفلكية بجامعة موناش في أستراليا والمعد الرئيسي للدراسة التي نُشرت، الأربعاء، في دورية «نيتشر»، إن التوقعات تشير إلى أن مثل هذه الانفجارات النجمية العظمى تحدث في أضخم النجوم؛ أي تلك التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بما يتراوح بين 140 و260 مرة.

وأضاف تونغ: «على الرغم من كتلتها الهائلة، فإن عمرها قصير نسبياً، نحو بضعة ملايين سنة. وللمقارنة، ستعيش الشمس نحو 10 مليارات سنة، لذا فإن هذه النجوم تحترق أسرع بألف مرة تقريباً، مثل الألعاب النارية الكبيرة التي تشتعل بشدة ولفترة قصيرة قبل أن تنفجر».

«المدى المحظور»

يترك انفجار نجوم كبيرة ذات كتلة معينة وراءه نجماً نيوترونياً، وهو نواة النجم المنهارة والمضغوطة. وعندما تنفجر بعض النجوم الأكبر من ذلك، تترك وراءها ثقباً أسود، وهو جسم شديد الكثافة وله جاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع الهرب منها. ويحتفظ الثقب الأسود بجزء من كتلة النجم الأصلي، بينما يُقذف الباقي في الفضاء.

وفي هذه الدراسة، فحص الباحثون بدقة البيانات المجمعة عن 153 زوجاً من الثقوب السوداء، مع معرفة كتلتها بناء على موجات الجاذبية التي أطلقتها، ثم فصلوا الثقوب السوداء التي تشكلت عبر اندماجات سابقة بين ثقبين أسودين أصغر حجماً.

واكتشف الباحثون حينها غياب الثقوب السوداء التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بواقع 44 إلى 116 مرة، وهو ما أطلقوا عليه وصف «المدى المحظور».

وقالوا إن غيابها يمكن تفسيره على أفضل وجه بأنه اندثار النجوم الأكبر، ولكن بدلاً من أن تترك وراءها ثقوباً سوداء في هذا النطاق من الكتلة كما هو متوقع، فإنها تنفجر دون أن تترك أي أثر في نوع نادر من الانفجارات يطلق عليه «سوبرنوفا عدم الاستقرار الزوجي».

أفضل مؤشر حتى الآن

ووصفت عالمة الفيزياء الفلكية المشاركة في إعداد الدراسة مايا فيشباك من المعهد الكندي للفيزياء الفلكية النظرية بجامعة تورونتو هذه الظاهرة بأنها «من أعنف أنواع انفجارات موت النجوم».

وأضافت: «في الغالب، تشكل النجوم الضخمة ثقوباً سوداء. وكلما زادت كتلة النجم، زاد ثقل الثقب الأسود»، إلى أن تصل النجوم إلى عتبة كتلة معينة، تفرض بعدها القواعد الفيزيائية لانفجارها عدم تركها أي بقايا نجمية.

وقال تونغ: «تصبح النواة غير مستقرة، مما يؤدي إلى انهيار جامح ثم انفجار حراري نووي عنيف ينسف النجم».

وفي الوقت الحالي، قد تكون الأدلة المقدمة في هذه الدراسة أفضل مؤشر حتى الآن على حدوث انفجارات عدم الاستقرار الزوجي.

وقال تونغ: «إننا نستخدم في الأساس شيئاً غير مرئي، وهو الثقوب السوداء، باعتباره سجلاً لبعض من أكثر الانفجارات سطوعاً في الكون».


حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
TT

حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم

لم يكن الاجتماع الذي عقدته «منظمة الصحة العالمية» في الأول من أبريل (نيسان) 2026، مجرد لقاء تقني لمناقشة مستقبل الصحة الرقمية، بل بدا أقرب إلى لحظة مراجعة عالمية لسؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها: مَن يملك القرار عندما تدخل الخوارزميات إلى قلب الطب؟

مشهد عالمي... وسؤال واحد

في تلك المشاورات التي جمعت حكومات، وشركات، وخبراء، وممثلين عن المجتمع المدني، لم يكن النقاش حول أدوات أو منصات، بل حول شيء أعمق بكثير: كيف يمكن تحويل الأخلاق من مبادئ تُكتب إلى شروط تُبرمج داخل الأنظمة؟

وللمرة الأولى، لم تعد الأخلاقيات هامشاً مكمّلاً للتقنية، بل أصبحت في صلبها.

لكن خلف هذا المشهد التوافقي الهادئ، يظل سؤال أكثر إرباكاً يفرض نفسه: هل يمكن فعلاً الاتفاق على أخلاقيات عالمية... في عالم لا يتفق حتى على معنى القرار الطبي نفسه؟

من التقنية إلى الأخلاق: تحوّل في مركز الثقل

ما يلفت الانتباه في هذه الاستراتيجية ليس ما تقوله عن التكنولوجيا، بل ما تكشفه من تحوّل في طريقة التفكير؛ فبعد سنوات كان التركيز فيها منصبّاً على توسيع استخدام الأنظمة الرقمية، تتحول البوصلة اليوم نحو مفاهيم أكثر عمقاً: العدالة، والثقة، والشمول، وحوكمة البيانات. لم يعد السؤال كيف نستخدم التقنية؟ بل: كيف نضبطها؟

الوثيقة تدعو إلى نموذج «متعدد الأطراف»، لا يقتصر فيه القرار على الحكومات، بل يمتد ليشمل القطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، في محاولة لبناء نظام صحي رقمي يعكس تعقيد الواقع العالمي، لا في صورته النظرية المبسطة. لكن هذا الطموح، رغم وجاهته، يكشف مفارقة دقيقة: فإذا شارك الجميع في القرار... فمن يتحمل نتيجته؟

حين يتوقف القراروتبدأ الأسئلة

وهم الإجماع: عندما يصبح الجميع مسؤولاً... ولا أحد مسؤول

في الظاهر، يبدو النموذج التشاركي مثالياً؛ فهو يعزز الشفافية، ويحدّ من الانحياز، ويمنح القرار طابعاً جماعياً مطمئناً. لكن في العمق، يحمل هذا النموذج مفارقة دقيقة؛ حين تتوزع المسؤولية على الجميع... قد تختفي. فالقرار الطبي، بطبيعته، لا يحتمل الغموض. في لحظة التشخيص أو التدخل العلاجي، لا يمكن للطبيب أن يستند إلى «إجماع خوارزمي»، ولا إلى رأي موزّع بين أنظمة متعددة. هناك دائماً لحظة حاسمة يتحمل فيها إنسان واحد مسؤولية الاختيار.

وهنا يظهر التوتر بين عالمين لا يلتقيان بسهولة: عالم الخوارزميات الذي يميل إلى توزيع القرار، وعالم الطب الذي يقوم (في جوهره) على تحمّل مسؤوليته.

حين تتقدم القدرة... ويتأخر الفهم

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل البيانات الطبية بدقة غير مسبوقة، واقتراح قرارات قد تتفوق في بعض الحالات على التقدير البشري، خصوصاً في قراءة الصور الطبية أو ربط المؤشرات المعقدة في السجلات الصحية.

لكن هذه القدرة التقنية، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة فهماً كاملاً لما يحدث في الواقع السريري. فالأنظمة الذكية لا تعيش نتائج قراراتها، ولا تتعامل مع المريض بوصفه تجربة إنسانية متكاملة، بل كبيانات قابلة للتحليل. إنها قادرة على الحساب، لكنها لا تدرك السياق. وتستطيع التنبؤ، لكنها لا تتحمل تبعات الخطأ.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي في الطب الحديث: أن نمتلك أدوات قادرة على دعم القرار بدرجة عالية من الدقة، دون أن نخلط بين القدرة الحسابية... والفهم السريري الكامل لنتائج هذا القرار.

القرار... وما الذي لا تقوله الوثيقة؟

رغم شمول هذه الاستراتيجية، فإنها تترك عدداً من الأسئلة الجوهرية دون إجابة واضحة، وهي أسئلة تمسّ جوهر القرار الطبي نفسه.

- من يتحمل المسؤولية عند الخطأ؟

- ومن يملك صلاحية إيقاف النظام عندما تنحرف الخوارزمية عن المسار الصحيح؟

- ومتى يجب أن يمتنع الذكاء الاصطناعي عن تقديم التوصية، بدلاً من الاستمرار في إعطاء إجابة قد تكون مضللة؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالتقنية بقدر ما تتعلق بحدودها.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه أحد أهم التحديات المقبلة، وهو اللحظة التي يجب فيها على النظام الذكي أن يتراجع، لأن القرار يتجاوز نطاق البيانات التي بُني عليها، أو لأن درجة عدم اليقين أصبحت أعلى من أن تُترجم إلى توصية موثوقة.

الذكاء الاصطناعي لا يصل إلى الجميع

* نحو 30 في المائة من سكان العالم فقط يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات

التقنية التي تسمح بتطبيق التقنيات الذكية في الممارسة الطبية بشكل فعلي

وهم الشمول: هل العالم متساوٍ رقمياً؟

رغم أن هذه الاستراتيجية تدعو إلى شمول عالمي في تبني الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فإن الواقع يكشف مفارقة واضحة؛ فالتقديرات تشير إلى أن نحو 30 في المائة فقط من سكان العالم يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات التقنية التي تسمح بتطبيق هذه التقنيات في الممارسة الطبية بشكل فعلي.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الأخلاقيات نفسها: كيف يمكن تحقيق «عدالة رقمية» في عالم غير متكافئ رقمياً من الأساس؟ فالدعوة إلى الشمول، رغم عدالتها النظرية، قد تحمل نتيجة معاكسة؛ إذ قد تؤدي عملياً إلى توسيع الفجوة بين أنظمة صحية متقدمة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الرعاية، وأخرى لا تزال تكافح لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الطبية.

وفي هذا السياق، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للتطوير، بل قد يتحول (من حيث لا يُقصد) إلى عامل جديد يعيد رسم خريطة العدالة الصحية على مستوى العالم.

بين العدالة... والحياة

من أكثر التحديات تعقيداً في الطب أن القرار «الأخلاقي» لا يكون دائماً «عادلاً» بالمعنى النظري أو الإحصائي؛ ففي الممارسة السريرية، قد يضطر الطبيب إلى اتخاذ قرار لا يحقق التوازن بين جميع الخيارات، بل يركّز على إنقاذ حالة محددة في لحظة حرجة، حتى لو جاء ذلك على حساب اعتبارات أخرى. وهذا النوع من القرارات يعتمد على السياق، وعلى تقدير المخاطر، وعلى فهم الحالة الفردية للمريض.

في المقابل، تميل الخوارزميات بطبيعتها إلى البحث عن التوازن، وإلى تقديم توصيات تستند إلى الأنماط العامة والنتائج الأكثر ترجيحاً على مستوى المجموعات. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: الفارق بين قرار يُبنى على حساب الاحتمالات... وقرار يُتخذ في مواجهة حالة إنسانية فردية.

الخاتمة: من يعرّف الأخلاق؟

قد تضع الاجتماعات العالمية أطراً عامة، وقد ترسم الاستراتيجيات مسارات للتطوير، لكن القرار الطبي سيبقى (في جوهره) لحظة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في نموذج حسابي. فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم القرار وتحسين دقته، لكنه لا يستطيع أن يحدد بمفرده ما هو القرار الصحيح في كل سياق سريري.

وفي الوقت الذي تدخل فيه الأخلاقيات إلى تصميم الخوارزميات، لا يعود التحدي تقنياً فقط، بل يصبح سؤالاً أعمق يتعلق بالمرجعية ذاتها: من يملك حق تعريف الأخلاق... عندما تتحول إلى جزء من الرموز الكومبيوترية؟