أحمد المديني: الرواية العربية لا تزال في طور التأسيس والتكوين

الكاتب المغربي يرى القصة القصيرة امتحاناً له

أحمد المديني
أحمد المديني
TT

أحمد المديني: الرواية العربية لا تزال في طور التأسيس والتكوين

أحمد المديني
أحمد المديني

عرف الكاتب المغربي أحمد المديني بغزارة الإنتاج وتنوعه بشكل لافت، ما بين القصة القصيرة والرواية النقد الأدبي والشعر وأدب الرحلات والمقال. في كل هذا يبدو مهموما بـ«الدقة الفنية والتناغم بين معياري الكم والكيف».
نال المديني درجة دكتوراه الدولة من جامعة السوربون في باريس حيث يقيم منذ عقود، وحصل على عدد من الجوائز منها جائزة المغرب الكبرى للكتاب، فرع النقد والدراسات الأدبية 2003، ثم الجائزة نفسها، فرع السرديات 2009...
هنا حوار معه:
> تشكل المدينة ملمحا أساسياً في عالمك الإبداعي كما في روايتك الأخيرة «رجال الدار البيضاء» وقبلها «مدينة براقش»، «فاس لو عادت إليه» و«رجال ظهر المهراز»، ماذا عن هذا الملمح؟
ـ لا رواية إطلاقا دون حلولها وحدوثها في مكان، وإلا فهي ميتافيزيقا وفنّ آخر. المكان شرط مؤسِّس لها، لذلك هي ليست ملمحا عندي بل عمادَ بناء، و حين نقول إن الرواية معمار نَصِف هندسةَ صَرح، مع التمييز بأن المكان الذي يُنشئه الروائي هو من تصميمه داخل الفضاء العام، ليلائم شخصياته وأحداثَه ورؤيتَه. لذا، جميع رواياتي ما ذكرتِ وانتهاءً بـ«رجال الدار البيضاء» (2021) «سوسيو مكانية». حين طُرد آدم من الجنة أُلقِيَ به، حسب المعتقد أو الميثولوجيا، إلى الأرض بسبب أكله تلك «الفاكهة». ولكي توجد الرواية تحتاج إلى أرض مختلفة بأبطال مطرودين من نعيم الجنة واليقين.
> تعكس معظم رواياتك انشغالاً فكرياً يتجاوز مجرد الموهبة أو الصنعة، هل لديك مفهوم محدد عن كتابة الرواية؟
- الموهبة استعداد فطري، فقط، إن لم يتغذّ بالثقافة والتجربة أنتج نصا فقيرا، وهذا ما يفرق بين الروائي العلَم، وآلاف يكتبون الرواية. الأول معلم صانع يحكك ويشحذ أدواته وينتقي مفرداته ويصوغ أسلوبه، وعوالمه شأن تيمات اشتغاله من صلب فهم يتكون عن الإنسان والحياة، ليس معطى من البداية وإنما يتبلور تدريجيا، ومن قلب انتماء وعلائق اجتماعية ومدارك ثقافية وفهم للوجود والإشكاليات الإنسانية، من أين؟ ولماذا؟ وإلى أين؟ من هنا تتولد عنده رؤية العالم وفلسفة كتابه، بأسلوب ينبغي أن يخصّه.

> بدايتك كانت من خلال القصة القصيرة عبر مجموعة «العنف في الدماغ». كيف تنظر لهذا الفن الجميل الذي يكاد يختفي؟
ـ نعم، القصة القصيرة مثّلت بداية تعبيري الأدبي، باكورتها «العنف في الدماغ» (1971) مجموعة أنشأتها على غير المنوال الواقعي المهيمن بزعم تجريبي فادح، وشقت في أدبنا المغربي والعربي طريقا لم يُسلك أصبح فيما بعد نهج التجديد والتحديث الأطول والأوسع. منذئذ أزاوج بين القصّ القصير والرواية بانتظام، لي فيها ثلاث عشرة مجموعة ويناهزها روايات، ولا تنافر بين التعبيرين. لكل مقام مقال. مع حرصي على أن أطور كتابتي لتأتي منسجمة مع إيقاع العصر وهمّ الإنسان ومكابدات الذات، ومستشرفة، بلورة صيغ جمالية. وأرى أن القصة القصيرة امتحان لي ساردا ولاعبا وصانعا كما تُعّلم التقشّفَ في العبارة وإصابةَ القصد والإضمار والتلميح، وشحذَ ذكاء الكاتب والقارئ معا.
> إلى جانب ذلك يتنوع إنتاجك ليشمل الشعر... ما مبررات ذلك؟ هل جاء على حساب تجربتك الروائية والقصصية أم أثراها؟
ـ لا يخطط حامل القلم الأدبي، أو المبدع كما يسمونه شططا اليوم، دائما هو سباق لما سيكتب، بالأحرى هو ينشغل بالأقرب همًّا وفكرة وغورَ شعور، ويُدبّرها بالتي هي أنسب، يصبها على نحو ما في قالب يجيده. هناك من يبرَع في فنون شتى وآخرون لِما تيسّر. وقد واتتني القصيدة زمنا سكبت فيها ذوب روحي والمناورة على الواقع الحرفي بأساليب البلاغة. بعد ثلاثة دواوين متباعدة نوعا ما خلالها صارت العبارة الشعرية لونا من أسلوبي عُرفت به وقيل إنيّ مشدود إلى الطلاوة، وما هي إلا الحرص على صفاء العبارة، ثم بعد أن لاحظت بتتبع دراسي منتظم أن الشعر أصبح كما يقول الإخوة المصريون «وكالة من غير بواب» حتى إنه فقد جمهوره وخسر شعراءه ولم يعد يجد دار نشر واحدة تغامر بنشره، وبالطبع ستسمع من يقول «الحق عالطِّليان [الحملان]» عزفت عن كتابته مباشرة ودمجته في نثري بصيغ شتى وأضحى قطعة من بنيته، وحين يحلو لي يجرفني هواه، لذلك أقول إن الشعر لا يستشيرك وهو باقٍ ما بقي الإنسان، والشعراء هم القابضون على جمر الحب والجمال وقلق الكائن بافتتان.
> لك رأي سلبي في «الكتابات الجديدة» التي تندرج تحت تصنيف «الرواية »؟
- لي رأي حازم، لا سلبي، في كل ما يُطرق باستسهال. أعزو ذلك إلى التعليم الصارم الذي تلقاه جيلنا، وامتهاني حرفة التعليم في السلكين الثانوي ثم الجامعي مديدَ أعوام مما حصنني دون الخفة والتفاوت. ثانيا، تسمية (الكتابات الجديدة) توصيف فضفاض، إذ كل ما اختلف بشكل خلاق عن سابقه جديد، وهذا إيجابي ودليل إبداع وقد كنت وأعدّ نفسي ما أزال أغرّد في هذا السرب. لا أحب الدخول في المهاترات، خاصة مع اهتزاز القيم واختلال المعايير، لا يرى بعض ضرورتها، بما فيها قواعد اللغة، ويلغون أهلها باستخفاف شاهرين أنهم بلا آباء، بينما الفن منذ نشأته - وسيستمر - ميراث ونظام باختراقات تستقر وتتقعد بدورها نظاما، وهذا الحقل المسمّى إبداعا سوقٌ حرةٌ مفتوحة من شاء القفز على الحواجز والجري وراء الأضواء فليفعل، ومن شاء التأنّي وإنضاج نصه على نار هادئة فهذا أراه أجدر، لست جمركياً للأدب، ولله في خلقه شؤون.
> لماذا وصفت الرواية المغربية بأنها لا تزال في «طور التكوين» رغم ما يراه الآخرون من أنها خطت خطوات واسعة على درب النضج والتميز؟
ـ عندي أن الرواية العربية جملةً، لا المغربية الفتية وحدها، لا تزال في طور التأسيس والتكوين المنتظم والمتقطّع، بما أنها بنتُ تقليد جنس أدبي غربي وانقطعت عن تراث سردي تليد لتتنزل في شكل مختلف جذرياً عنه، وتحتفي بأبطال جدُد وتبني عوالمَ بقوالب وعتاد زمنها، ويحدُث فيها بصفة خاصة انقلابٌ جذريّ لمفهوم الأدب. ترجع الرواية الحديثة وهي غربية بلا منازع لأكثر من قرنين، التاسع عشر متنها الكلاسيكي بامتياز، ومنه تبلورت التيارات والطرائق الفنية وتمظهر حضور الفرد وتشخيص الفردية وضعا سوسيو ثقافيا وإطارا قانونيا فضلا عن حق مطلق في التعبير والوجود. وفي القرن العشرين ثقبت السقف وانطلقت مع التغير الحضاري الإنساني نحو حداثة بلا حدود هي التي يتمسّح ديَكة بأعتابها دائما بلا فهم لجذورها ووعي بتاريخ أفكارها؛ يتصايحون بالتجديد والتجاوز كأنهم في مزاد، يكفي أن نقرأ تقارير لجان تحكيم بعض الجوائز العربية لنرى كم المصطلحات والكلمات المقعرة بلا نسق وخارج سياق النصوص الأصلية. سأوجز ، اضطراراً، وأقول إن الرواية العربية التي لم يمض على ظهور أول نص منها زعما وهو «زينب» (1913) والمستعار حرفا من روسو (1712ـ 1778) في روايته التراسلية «جولي أو هلويز الجديدة»(1761)؛ هي تجاربُ مختلفة تبحث عن الشكل وسط الأشكال الحديثة لهذا الجنس ولن تتمأسس وتستقر إلاعندما تصبح مجتمعاتنا ودولنا حديثة حقا.
> يصف البعض مجمل إنتاجك بـ«الغزارة». ألا تخشى أن يأتي الكم على حساب الكيف؟
- هذا عملي، أي حِرفتي، فأنا لست بهاوٍ. حياتي التي عشت هي التدريس والكتابة، وقليل لأسرتي فلعلها تسامحني، ولبعض نزواتي وضربي في الأرض، وبالطبع أخشى دوما على موهبتي لذا أمتحنها باستمرار، إن خلفي خمسين عاما من الكتابة إبداعا وبحثا وتاريخ الأدب سيحكم عليها، وإيماني أن مستقبلها أمامها إلى أن يوقفني قاهر اللذات.
> وصلت روايتك «ممر الصفصاف» إلى القائمة القصيرة لجائزة «البوكر العربية»، كيف ترى الجدل الذي تثيره بين الحين والآخر تلك الجائزة تحديدا؟
- هذه قصة قديمة أضحت ورائي، ولم أدخل في أي جدل بشأنها. هنأت الفائز بحرارة وهو صديقي، وأترحم على رئيس اللجنة، سيّان أنصف أو ظلم، ولي رأي لا أتنازل عنه بخصوص لجان الجوائز كلها بأن يُعطى القوس باريها، وأن ترشح دور النشر ما يستحق بمسؤولية ولا مساومة. ثم دعيني أقل لك الفصل، الجائزة لا تصنع كاتبا وقد تقتله، وقد حدث، ومن لا يفز بها فلن يموت.
> يبدو شغفك بأدب الرحلة عميقا. ما هى بدايات وأبرز تجليات ذلك الشغف؟
- منذ شبابي الأول وأنا جوّال. غادرت المغرب في العنفوان لأُدرِّس في الجزائر وطلابي فيها من رعيل الكبار. مُنعت من السفر عامين في سنوات الرصاص وبقيت بلا جواز فنظمت رحلات «جولفيرينية» نسبة إلى جولفر بطل رواية رحلات جولفر لجوناثان سويفت، مذهلة في الكتب وكواكب خيالي، وحين استرجعت بعض حريتي انطلقت أقوى من ابن بطوطة، ولا مبالغة، جلت أهم بقاع العالم. لم تكن الكتابة همي فهي تأتي لاحقا إذا وافق المكان والإنسان الذوقَ والمزاج، لذلك كتابتي الرِّحلية خارجَ النمط الكلاسيكي، وصفية حفرية واستبطان. ثم إني لا أفصل هذا النوع من التعبير عن كتابتي الروائية إذ نهجي فيه السرد والتشخيص والاستيهام أيضا، في ما كتبت عن المشرق العربي وأميركا الجنوبية وباريس حيث يقيم الإنسان بحرية وكرامة، ولي فيها آخر كتاب «باريس أبداً» عن منشورات المتوسط.
> من إصداراتك في ذلك السياق كتاب «مغربي في فلسطين». كيف رأيت ذلك البلد بعيدا عن الصورة النمطية في نشرات الأخبار؟
ـ فلسطين، اسمٌ أكبرُ وأجلّ من أن تجمعه حروف وينطق به لسان. زرتها أخيرا والقدس في قلبها للمرة الرابعة، وسأظل حريصاً على حق شعبها إلى أن يزهق الباطل. كتابي هذا عربون محبة ووفاء من المغاربة لهم في باب القدس، وبداخل قلوبهم يقيم ويعبر الفلسطينيون من كل الأبواب. كتابي يقدم فلسطين كأيّ مكان في الأرض بشعب يكدح ويحب ويحيا يومه ويحلم وتخترق صدره جدران الاحتلال ولا ييأس بل يواصل العرس ونساؤه يشيِّعن الشهيد تلو الشهيد بالزغاريد وفي الغداة يكفكفن الدمع ويعجن الرغيف بالزعتر ويحملن السلال إلى الابن والزوج الأسير.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

اكتشاف سر صعوبة تعلم الرياضيات لدى الأطفال

قد يعاني بعض الأطفال من صعوبة في تعلُّم الرياضيات (جامعة ستانفورد)
قد يعاني بعض الأطفال من صعوبة في تعلُّم الرياضيات (جامعة ستانفورد)
TT

اكتشاف سر صعوبة تعلم الرياضيات لدى الأطفال

قد يعاني بعض الأطفال من صعوبة في تعلُّم الرياضيات (جامعة ستانفورد)
قد يعاني بعض الأطفال من صعوبة في تعلُّم الرياضيات (جامعة ستانفورد)

كشف باحثون في جامعة ستانفورد الأميركية عن سبب جديد يُفسِّر صعوبة تعلُّم الرياضيات لدى بعض الأطفال في الصغر.

وأوضح الفريق البحثي أن المشكلة لا تقتصر على فهم الأرقام ومعالجتها فحسب، بل تشمل أيضاً صعوبة تحديث طرق التفكير والتكيُّف مع الأخطاء أثناء حلِّ المسائل. ونُشرت النتائج، يوم الاثنين، في دورية «JNeurosci».

ويعاني بعض الأطفال من صعوبة في تعلُّم الرياضيات، وقد تظهر هذه الصعوبات في فهم العمليات الحسابية الأساسية، أو في التعامل مع الأعداد، أو حتى في بطء حلِّ المسائل مقارنة بأقرانهم. وتؤثر هذه التحديات على ثقة الطفل بنفسه، وتزيد من شعوره بالإحباط والقلق أثناء الحصص الرياضية، مما يجعل متابعة التعلُّم أكثر صعوبة.

وشملت الدراسة 87 طفلاً من الصفين الثاني والثالث، منهم 34 طفلاً يعانون من صعوبات تعلُّم الرياضيات وفق نتائج اختبار الطلاقة الرياضية، و53 طفلاً يمتلكون قدرة رياضية طبيعية.

وطُلب من الأطفال تحديد أيّ الأرقام أكبر في مجموعات من التجارب، سواء كانت الأعداد مرمَّزة برموز رقمية أو ممثَّلة بمجموعات من النقاط. وأظهرت النتائج أن الأطفال الذين يعانون من صعوبات تعلُّم الرياضيات كانوا أقل قدرة على تعديل استراتيجياتهم بعد ارتكاب خطأ، خصوصاً عند التعامل مع الرموز العددية، مقارنة بأقرانهم ذوي القدرة الرياضية الطبيعية.

وأظهرت صور الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) اختلافاً واضحاً في نشاط الدماغ بين المجموعتين، إذ كان لدى الأطفال الذين يعانون من صعوبات في الرياضيات نشاط أضعف في مناطق الدماغ المسؤولة عن الوظائف التنفيذية، مثل الجزء الأوسط من الجبهة الأمامية والقشرة الحزامية الأمامية، وهي مناطق أساسية لمراقبة الأداء، واكتشاف الأخطاء، واتخاذ القرارات.

ووفقاً للنتائج، فإن حتى الأطفال الذين ينجزون المهام الرياضية بشكل صحيح قد يستخدمون قدرات عصبية دماغية أقل من اللازم، مما يجعل حلّ المسائل أقل كفاءة. وأوضح الباحثون أن هذه الصعوبات قد تمتد لتشمل مهارات معرفية أوسع، مثل قدرة الطفل على مراقبة أدائه والتكيُّف مع الأخطاء، وليس فقط القدرات العددية.

وأشار الفريق إلى أن نتائج الدراسة تسلط الضوء على أهمية التركيز في التدخلات التعليمية على العمليات الميتامعرفية، مثل التعرُّف على الأخطاء وتعديل الاستراتيجيات أثناء حلِّ المشكلات، وليس فقط على تعزيز الفهم العددي الأساسي.

وأضافوا أن «تقديم تغذية راجعة مناسبة، وتدريب الأطفال على هذه المهارات، يمكن أن يساعدهم على تحسين أدائهم، ليس في الرياضيات فحسب، بل في حلِّ المشكلات بشكل عام».

وشدَّد الباحثون على أن الكشف المبكر عن صعوبات تعلُّم الرياضيات، وتقديم الدعم الفعَّال للأطفال في المراحل الدراسية المبكرة، أمرٌ حيوي للحفاظ على تحصيلهم الأكاديمي، وتحفيز اهتمامهم بالرياضيات، وتجنُّب تراكم المشكلات التعليمية والنفسية المرتبطة بالإحباط وفقدان الثقة بالنفس.


هل أفقدت عملية التجميل الممثلة ليتيسيا كاستا جاذبيتها؟

صورتها بعد شد الوجه (إنستغرام)
صورتها بعد شد الوجه (إنستغرام)
TT

هل أفقدت عملية التجميل الممثلة ليتيسيا كاستا جاذبيتها؟

صورتها بعد شد الوجه (إنستغرام)
صورتها بعد شد الوجه (إنستغرام)

تناقل رواد مواقع التواصل صورة جديدة للممثلة ليتيسيا كاستا وهي تحضر حفلاً بمناسبة موسم باريس للموضة. ورغم الأناقة الباذخة للحسناء الفرنسية، فإن المعجبين بها لاحظوا لجوءها إلى جراحة تجميلية لشد الوجه. وأجمع مئات المعلقين على أن العملية محت السحر الطبيعي لابنة مقاطعة النورماندي التي اشتهرت بملامحها البريئة الخالية من الزينة، وبقوامها الذي لا يتبع شروط النحافة السائدة بين النجمات.

كانت كاستا قد تألقت على السجادة الحمراء عندما حضرت عرض أزياء «ديور» لربيع وصيف 2026 في باريس الأسبوع الماضي. وشوهدت في تسجيل نشرته مجلة «غالا» وهي تحضر بصحبة الممثلة الأميركية كيت هدسون حفل عشاء في فندق فخم في ساحة فاندوم، تلبية لدعوة دار المجوهرات «غاراتي» باعتبارها ضيفة الشرف. وطبعاً فقد تزينت بعقد وقرطين من تصميم الدار الإيطالية. وحال نشر صور الحفل توالت تعليقات الجمهور التي انتقدت الوجه الجديد للممثلة البالغة من العمر 47 عاماً. فقد كتب أحد المعلقين: «لم نعد نعرفها». كما أبدى آخرون استياءهم من الفستان المكشوف الذي ارتدته.

سبق لليتيسيا كاستا أن أدلت بحديث لإذاعة «آر تي إل» الباريسية في الشتاء الماضي، تطرقت فيه إلى علاقتها بالعمر، وعدم خوفها من الشيخوخة. وقالت: «طوال حياتي المهنية كنت أتقدم في العمر. فقد بدأت عرض الأزياء وعمري 14 عاماً ونصف العام، ومن المؤكد أنني كبرت. فقد أدركت أن هناك أموراً نفقدها، وأموراً نكسبها. وما نكسبه يشكل قوتنا. لذلك لست أخشى الشيخوخة».

 

 


نواف الظفيري... أداء سعودي يلفت المهرجانات الدولية

نواف الظفيري في أحد مشاهده بفيلم «هجرة» (منصة «إكس»)
نواف الظفيري في أحد مشاهده بفيلم «هجرة» (منصة «إكس»)
TT

نواف الظفيري... أداء سعودي يلفت المهرجانات الدولية

نواف الظفيري في أحد مشاهده بفيلم «هجرة» (منصة «إكس»)
نواف الظفيري في أحد مشاهده بفيلم «هجرة» (منصة «إكس»)

في السنوات الأخيرة، أُضيف إلى المشهد السينمائي العربي حضور متنامٍ لممثلين سعوديين باتوا يحصدون تقديراً فعلياً في مهرجانات دولية، مع الالتفات إلى أدوارهم بوصفها تعبيراً عن تحولات فنية أعمق، لا مجرد مشاركات عابرة. ومن بين هذه الأسماء، يبرز الممثل السعودي نواف الظفيري، الذي سجّل حضوراً لافتاً بحصوله على جائزة أفضل ممثل في مهرجان قرطاج السينمائي، ضمن مسار تراكمي يعكس تحوّل التمثيل السعودي من هامش المشاركة إلى دائرة التنافس الفني.

جاء هذا التقدير في سياق أوسع تزامن مع جوائز فردية نالها ممثلون سعوديون في محافل عربية ودولية، من بينها فوز فيصل الدوخي بجائزة أفضل أداء تمثيلي في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وحصول يعقوب الفرحان على جائزة أفضل ممثل في مهرجان «مالمو» للسينما العربية، وفوز خالد يسلم بجائزة أفضل ممثل عن فيلم «مدائن» في مهرجان أفلام الرعب بلوس أنجليس، في مؤشرات تعكس نضج التجربة التمثيلية السعودية وحضورها المتنامي على خريطة المهرجانات.

وضمن هذا السياق، يبرز مسار الممثل السعودي نواف الظفيري، الذي لا يَعدّ السينما منعزلة عن الدراما التلفزيونية، بل امتداداً طبيعياً لرحلة فنية بدأت بالمسرح، مروراً بالإذاعة، ثم الشاشة الصغيرة التي منحته حضوراً جماهيرياً واسعاً. وبالنسبة إليه، جاء الانتقال إلى السينما بدافع داخلي للبحث عن مساحات أعمق للأداء، حيث التركيز على التفاصيل النفسية واللغة البصرية، لا يعد انتقالاً مفاجئاً أو خياراً منفصلاً عن الجذور.

هذا الوعي بالمسار انعكس على اختياراته الفنية الأخيرة، التي اتجهت نحو أدوار أكثر هدوءاً وتعقيداً من حيث البناء النفسي، بعد سنوات من تقديم شخصيات مباشرة وديناميكية. ويصف الظفيري لـ«الشرق الأوسط» هذه المرحلة بأنها محاولة واعية للابتعاد عن منطقة الراحة، واستكشاف الصمت والانكسارات غير المعلنة كونها أدوات تمثيلية قادرة على إثراء التجربة الفنية ومنحها عمقاً إنسانياً.

وشكّل فيلم هجرة محطة مختلفة في هذا المسار، يقيّمها اليوم كواحدة من أصدق وأعمق تجاربه. فالشخصية، كما يوضح، كانت مرآة لواقع شخصي ومجتمعي في آن واحد، وأسهمت في إعادة تعريف علاقته بالأداء السينمائي، خصوصاً ما يتعلق بقوة الإيماءة والصمت، وقدرة التفاصيل الصغيرة على حمل المعنى دون الحاجة إلى حوار كثيف. وتجربة عززت لديه القناعة بأن السينما فعل جماعي يتطلب توازناً دقيقاً بين الممثل والمخرج والنص.

ويصف تعاونه مع المخرجة شهد أمين بأنه تعاون قائم على رؤية إخراجية واضحة منحت الممثل مساحة حرية داخل إطار فني منضبط، ساعده على التركيز على جوهر الشخصية وتقديم أداء أكثر صدقاً ودقة، بعيداً عن السطحيات.

ويأتي تكريمه بحصوله على جائزة أفضل ممثل في مهرجان قرطاج السينمائي كإحدى محطات هذا المسار، لا كذروته. فهو يقرأ الجائزة اليوم بوصفها تأكيداً على أن الجهد الصادق والعمل المتواصل يجدان طريقهما إلى التقدير، كما يعدّها إنجازاً يُسجَّل للسينما السعودية الفتية أكثر من كونها لحظة احتفال شخصية، في انسجام مع قناعته بأن القيمة الفنية تُقاس بالأثر طويل الأمد.

وفي قراءته للمشهد العام، يرى الظفيري أن نظرة المهرجانات العربية إلى الممثل السعودي شهدت تحولاً إيجابياً في السنوات الأخيرة، مدفوعةً بتنامي الإنتاج السينمائي النوعي، ودعم المؤسسات الثقافية، ومشاركة الأفلام السعودية في مهرجانات إقليمية ودولية بارزة. أما في المرحلة المقبلة، فيضع مسؤولية كبيرة على عاتق الممثل، بوصفه شريكاً في صياغة هوية سينمائية سعودية حديثة، تحكمها معايير واضحة، في مقدمتها قوة النص، وعمقه الإنساني، ورؤية المخرج، والقدرة على تقديم تجربة مختلفة تستحق المخاطرة.

وعن أعماله المقبلة، يكتفي بالإشارة إلى أن حضوره الجديد سيكون بعد موسم رمضان، ضمن مسار يفضّل فيه الاستمرارية وتراكم الأثر، على حساب الظهور.