دعوات طرد السفراء والمبعوثين... «السياسة تُفسد للود قضية» في ليبيا

53 برلمانياً يعتبرون السفيرة البريطانية تلعب «دوراً سلبياً»

الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة في لقاء سابق بالسفيرة البريطانية لدى ليبيا كارولين هولندال (حكومة «الوحدة»)
الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة في لقاء سابق بالسفيرة البريطانية لدى ليبيا كارولين هولندال (حكومة «الوحدة»)
TT

دعوات طرد السفراء والمبعوثين... «السياسة تُفسد للود قضية» في ليبيا

الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة في لقاء سابق بالسفيرة البريطانية لدى ليبيا كارولين هولندال (حكومة «الوحدة»)
الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة في لقاء سابق بالسفيرة البريطانية لدى ليبيا كارولين هولندال (حكومة «الوحدة»)

أنتجت سنوات الأزمة في ليبيا حالة من «التحفز والتشكّك» حيال سفراء ومبعوثين أممين لدى البلاد، إذا ما تعارضت تصريحاتهم السياسية مع أي من الطرفين المتصارعين في ليبيا، للدرجة التي قد يطالب البعض حينها بطردهم من البلاد، واعتبارهم أشخاصاً غير مرغوب فيهم.
وفجّرت تصريحات للسفيرة البريطانية لدى ليبيا كارولين هولندال، حالة من الغضب بين عدد من أعضاء مجلس النواب، مساء أمس، بسبب ما اعتبر تأييداً لحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة.
https://twitter.com/CaroHurndall
وقسّمت الحالة المتأزمة في ليبيا السياسيين والبرلمانيين إلى فريقين، وبات كل منهما يزِن تصريحات المسؤولين الأممية والغربيين بما يتوافق مع صالح جبهته، وحال حدوث العكس فإن الاختلاف في الرأي «قد يفسد للود قضية».
وللمرة الثانية، يعترض نواب برلمانيون على تصريحات للسفيرة البريطانية، بوصفها مؤيدة لحكومة الدبيبة في طرابلس. وكانت السفيرة قالت إن «استمرار عملهم مع حكومة (الوحدة الوطنية) يأتي لكونها أتت في سياق توافقي»، لكن 53 عضواً بمجلس النواب الليبي، اعتبروا هذا التصريح «تجاوزاً لقرارات مجلس النواب؛ وتدخلاً مرفوضاً في شؤون ليبيا الداخلية».
وقال الدكتور محمد العباني، عضو مجلس النواب الليبي، لـ«الشرق الأوسط» إن تصريحات السفيرة البريطانية تعتبر «تجاوزاً لعملها الدبلوماسي»، مشيراً إلى أن أعضاء مجلس النواب يمارسون عملهم التشريعي من خلال مجلسهم، باعتباره السلطة التشريعية العليا، وعلى السلطة تنفيذ ما يتخذ من قرارات»، لكن قال: «عندما يتحدثون خارج مجلسهم فهذا يعتبر رأياً شخصياً لهم».
ورداً على «السياق التوافقي»، الذي تحدثت عنه السفيرة البريطانية، قال النواب إن السيدة كارولين، قد تناسب أن هذا السياق لم تكن له شرعية إلا باعتماد مجلس النواب، وأن هذا الإعلام من جانبها «يعبر عن انحيازها لطرف يحاول فرض أمر واقع بالقوة»، كما «يعكس رفضها احترام قرارات الشرعية الوطنية ويأتي ضمن إطار تدخلها المتزايد في الشأن الداخلي».
ودلل النواب الموقعون على البيان بتواصل واجتماعات السفير، التي وصفوها بـ«غير القانونية» التي تجريها مع أطراف محلية «لم تأخذ الإذن بشأنها، بالإضافة لمحاولة التدخل في المسار الأمني ومحاولة التشويش على عمل اللجنة العسكرية (5+5) وجهود توحيد المؤسسة العسكرية»، وقالوا: «ليبيا ليست تابعة للمملكة المتحدة، أو غيرها».
وكرر النواب المؤيدون لحكومة باشاغا، أنه «لا شرعية لأي حكومة أو طرف إلا باعتماد البرلمان والإطار التوافقي الذي ورد بالاتفاق السياسي المعترف به محلياً ودولياً، وهو الذي تم من خلاله استبدال حكومة الدبيبة بأخرى برئاسة باشاغا».
وسبق لرئيس الهيئة العليا لـ«تحالف القوى الوطنية»، توفيق الشهيبي، اعتبار تصريحات مشابهة للسفيرة البريطانية، جاءت مؤيدة لحكومة «الوحدة» والتي تزامنت مع الاحتفال بيوم استقلال ليبيا، «تمثل بالضرورة موقف بلادها»، مما اعتبرها «تدخلاً سافراً ينم عن عدم الاحترام، وأدنى درجات التعامل الدبلوماسي بين الدول».
حالة التشكك والاعتراض على تصرفات المسؤولين الذين يتوافدون على ليبيا، عديدة من بينها دعوة سابقة للصادق الغرياني المفتي الليبي، المقال من منصبه، للمواطنين قبل قرابة ثلاثة أعوام بالتظاهر ضد الدكتور غسان سلامة، المبعوث الأممي الأسبق، على خلفية إحاطة تقدم بها أمام مجلس الأمن الدولي، تحدث فيها عن «وجود مرتزقة أجانب وجماعات متطرفة، يشاركون في القتال إلى جانب قوات حكومة (الوفاق الوطني)»، الأمر الذي أغضب جميع الكيانات السياسية والعسكرية والاجتماعية والدينية في الغرب الليبي.
ووجه الغرياني، أكثر من مرة هجوماً عنيفاً لسلامة، داعياً الليبيين للخروج في الشوارع للتنديد بما وصفه «أكاذيب سلامة»، الذي قال إنه «ارتكب جناية في حق المواطنين».
ومنذ توليه مهمته في يونيو (حزيران) 2017. إلى أن غادر ليبيا لم يحظ سلامة برضا طرفي النزاع في شرق وغرب ليبيا، إذ دأب كل منهما أن يحسبه على الطرف الآخر، مع كل تغير سياسي تشهده البلاد.
ولم يتوقف انتقاد سلامة، على جهة ما، فقد طالبت لجنة الدفاع بمجلس النواب الليبي، عقب الحرب على العاصمة طرابلس عام 2019 بطرد سلامة من البلاد، بعدما استهجنت ما وصفته بـ«التصرفات غير الحيادية» التي يقوم بها «لغض الطرف عن ميليشيات الإرهاب والمال العام في طرابلس، ومحاولة إهمال دور القوات المسلحة في حربها على الإرهاب».
وطالبت اللجنة رئاسة المجلس المستشار عقيلة صالح، حينها بمخاطبة الأمين العام للأمم المتحدة بأن سلامة «غير مرغوب فيه».
كما تعرض جوزيبي بيروني السفير الإيطالي السابق لدى ليبيا، لموقف مشابه، عندما دخل على خط المطالبة بتأجيل الانتخابات الرئاسية والنيابية في ليبيا في أغسطس (آب) 2018. في تصريحات استفزت غالبية الليبيين، فخرجت الدعوات المطالبة للسلطات في البلاد بطرده.
وكان بيروني قال إن «بلاده ستتصدى بكل ما لها من جهد لإجراء الانتخابات (وفقاً لتاريخها المحدد في مؤتمر باريس)، إلى حين توّفر ظروف ملائمة»، وهو ما أثار غضباً رسمياً وشعبياً في ليبيا، غير أن الخارجية الليبية بالحكومة المؤقتة شرق ليبيا، اعتبرته «تدخلاً سافراً وغير مسؤول من السفير الإيطالي في الشؤون الليبية، دون مراعاة لأبسط قواعد وأعراف العلاقات الدبلوماسية بين الدول».


مقالات ذات صلة

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

شمال افريقيا المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

بحثت نجلاء المنقوش مع نظيرها وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها أمس إلى الجزائر، فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الأشخاص، بعد سنين طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والأمنية في ليبيا. وذكرت الخارجية الجزائرية في بيان أن الوزيرين بحثا قضايا جارية في الساحتين المغاربية والعربية، منها تطورات ملف الصحراء، والمساعي العربية والدولية لوقف الاقتتال وحقن الدماء في السودان. وأكد البيان أن عطاف تلقى من المنقوش «عرضا حول آخر مستجدات العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، لإنهاء الأزمة في ليبيا».

شمال افريقيا وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

بحث وفدان عسكريان، أميركي وفرنسي، في ليبيا سبل إعادة بناء وتطوير المؤسسة العسكرية المُنقسمة، بين شرق البلاد وغربها، منذ إسقاط النظام السابق، في وقت زار فيه المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» روما، والتقى برئيسة الوزراء بالحكومة الإيطالية جورجا ميلوني، وعدد من وزراء حكومتها. وفي لقاءين منفصلين في طرابلس (غرباً) وبنغازي (شرقاً)، التقى الوفدان الأميركي والفرنسي قيادات عسكرية للتأكيد على ضرورة توحيد الجيش الليبي.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا «حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

«حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

لم يكن من قبيل الصدفة أن تقذف أمواج البحر المتوسط كميات متنوعة من المخدرات إلى السواحل الليبية، أو أن تتلقف شِباك الصيادين قرب الشاطئ «حزماً» من «الحشيش والكوكايين وحبوب الهلوسة»، فالبلاد تحوّلت -وفق تقرير أممي- إلى «معبر مهم» لهذه التجارة المجرّمة. وتعلن السلطات الأمنية في عموم ليبيا من وقت لآخر عن ضبط «كميات كبيرة» من المخدرات قبل دخولها البلاد عبر الموانئ البحري والبرية، أو القبض على مواطنين ووافدين وهو يروّجون هذه الأصناف التي يُنظر إليها على أنها تستهدف «عقول الشباب الليبي». غير أنه بات لافتاً من واقع عمليات الضبط التي تعلن عنها السلطات المحلية تزايُد تهريب المخدرات وتعاطيها، خصوصاً «حبوب

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا «النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

«النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

استهلّت اللجنة المُشتركة لممثلي مجلسي «النواب» و«الدولة» (6+6) المكلفة بإعداد قوانين الانتخابات الليبية، اجتماعاتها في العاصمة طرابلس بـ«الاتفاق على آلية عملها». وطبقاً لما أعلنه عبد الله بليحق، المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب، فقد شهد الاجتماع ما وصفه بتقارب في وجهات النظر بين أعضاء اللجنة حول القوانين الانتخابية، مشيراً، في بيان مقتضب مساء أول من أمس، إلى أنه «تم أيضاً الاتفاق على التواصل مع الجهات والمؤسسات ذات العلاقة بالعملية الانتخابية».

خالد محمود (القاهرة)

ليبيا: «الأعلى للقضاء» يرفع تصعيده ضد قرارات «الدستورية»

اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
TT

ليبيا: «الأعلى للقضاء» يرفع تصعيده ضد قرارات «الدستورية»

اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)

رفع «المجلس الأعلى للقضاء» في ليبيا سقف التصعيد ضد قرارات الدائرة الدستورية في «المحكمة العليا» في طرابلس، بتحذير صارم من «محاولات تسييس الجهاز القضائي»، و«العبث به في هذه المرحلة حساسة»، في بلد يعاني انقساماً سياسياً وعسكرياً مزمناً يكاد يقترب من ساحة القضاء.

جاء موقف «المجلس الأعلى للقضاء» على خلفية قرار الدائرة الدستورية إبطال قانونين أصدرهما مجلس النواب، وتضمنا تعديلات على قانون نظام القضاء، ما يعني سقوط الأساس الدستوري، الذي قام عليه تشكيل المجلس الأعلى للقضاء الحالي، وفقدانه صفته المستمدة من هذا القانون، بما يوجب إعادة تشكيله وفق النصوص السابقة.

ودون حديث مباشر عن «الدائرة الدستورية»، أعرب المجلس، في بيان، مساء الجمعة، عن أسفه لما يحدث على الساحة القضائية، وبخاصة «محاولات البعض للنيل من وحدة واستقلال السلطة القضائية، عبر استخدام أدوات تحسب نفسها على الشأن الدستوري للحلول محل المجلس بمجلس ضرار»، عادّاً أن هدفها «تحقيق غايات لا يمكن القول إلا أنها سياسية وشخصية ضيقة، على نحو يصادر كل ما عداها من سلطات».

وأضاف المجلس موضحاً أنه «حفاظاً على وحدة السلطة القضائية، والتحلي بالمسؤولية ولمصلحة الوطن الكبرى، مارس المجلس أعلى درجات الانضباط فترة من الزمن أمام تعنت مستمر ممن حملوا هذه الغايات لفرض أمر واقع لا نتيجة له»، مشيراً إلى محاولات «العبث بالجهاز في مرحلة حساسة وخطيرة من تاريخ الوطن، في الوقت الذي هو أحوج فيه ما يكون للوحدة دون غيرها».

من جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (المجلس)

وينظر إلى هذا التصعيد على أنه حلقة من صراع قانوني وسياسي بين مجلسي النواب والدولة، انتقل من أروقة السياسة إلى قلب السلطة القضائية، وبينما سعى مجلس النواب عبر حزمة تعديلات قانونية إلى إعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، بما يضمن له نفوذاً أكبر على الهيئة القضائية، اعتبر مجلس الدولة أن هذه الخطوة «تسييس» للقضاء.

وأكد «المجلس الأعلى للقضاء» أنه «سيظل الممثل الشرعي الوحيد للهيئات القضائية، ولن يتخلى عن التزامه بوحدة الجهاز وأعضائه تحت أي ضغوط، مع الالتفات عن أي قرارات تصدر عن غيره، وعدم الانصياع لمن عقدوا العزم على التفريط في وحدته بقرارات معدومة».

على صعيد آخر، اختتم مسار الحوكمة في الحوار المُهيكل، الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة، بمناقشة سبل استكمال مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتجاوز الجمود المتعلق بالإطار الانتخاب.

وبحث أعضاء المسار في ثاني جولة مداولات مباشرة، على مدى الخمسة أيام، القضايا المتعلقة بتأزم الطريق نحو الانتخابات، بما في ذلك استكمال مجلس المفوضية العليا للانتخابات، والجمود المتعلق بالإطار الانتخابي، مع تقديم توصيات عملية للعمل مع مجلسي النواب والدولة، أو خارجهما لضمان المضي قدماً في العملية السياسية.

وشهدت الجولة تأكيداً من الممثلة الخاصة للأمين العام، هانا تيتيه، على أن هذا الحوار يمثل عملية «ليبية - ليبية»، تهدف لوضع حلول عملية صاغها الليبيون بأنفسهم لمستقبل بلادهم، بعيداً عن كونه هيئة لاختيار حكومة جديدة. كما استندت المداولات بشأن الإطار الانتخابي إلى قوانين لجنة «6+6»، وتوصيات اللجنة الاستشارية، مع التركيز على فهم الضمانات، والمخاوف السياسية الكامنة وراء الخلافات الحالية.

من جانبهم، أشار الأعضاء المشاركون إلى أن الجولة انتقلت من المبادئ العامة إلى التفاصيل الإجرائية، مؤكدين أن حل أزمة الشواغر في مجلس إدارة المفوضية يعد ركيزة أساسية لتعزيز الثقة في أي انتخابات مستقبلية، ومنع تعرضها للطعن أو التعطيل.

من حملة الانتخابات البلدية السابقة (المفوضية)

وفي ختام الجولة، عرض الأعضاء توصياتهم الرئيسية على سفراء وممثلي مجموعة العمل السياسية لعملية برلين، الذين أكدوا دعمهم لخريطة الطريق التي تيسرها البعثة الأممية، على أن يستأنف المسار أعماله في مارس (آذار) المقبل، لمواصلة بناء التوافق حول رؤية وطنية تحقق الاستقرار طويل الأمد.

وجددت البعثة الأممية التأكيد على أن الحوار المُهيكل ليس هيئةً لاتخاذ القرار بشأن اختيار حكومة جديدة، مشيرة إلى أنه يُعنى فقط ببحث توصيات عملية لخلق بيئة مواتية للانتخابات، ومعالجة التحديات الأكثر إلحاحاً في مجالات الحوكمة والاقتصاد والأمن، بهدف تعزيز مؤسسات الدولة. وذلك من خلال دراسة وتطوير مقترحات السياسات والتشريعات لمعالجة محركات الصراع طويلة الأمد، كما أشارت إلى أن عمل الحوار المُهيكل سيهدف إلى بناء توافق في الآراء حول رؤية وطنية، من شأنها أن تعبد الطريق نحو الاستقرار.

وتزامن هذا التطور مع انطلاق عملية الاقتراع، السبت، لانتخابات المجالس البلدية في بلديات تاجوراء، صياد، والحشان، إضافة إلى مركز اقتراع في طبرق، وسط أجواء منظمة وهادئة. وقالت غرفة العمليات الرئيسية بالمفوضية إن عملية الاقتراع تسير وفق الخطة المعتمدة، ودون تسجيل أي عراقيل تُذكر، وفي أجواء تتسم بالانضباط والتنظيم.

وأكدت المفوضية فتح جميع المراكز، وعددها 43 مركزاً تضم 93 مكتب اقتراع، وتميزت هذه الجولة باستخدام تقنية التحقق الإلكتروني (البصمة) في بلدية تاجوراء، في خطوة تستهدف تعزيز الشفافية، ومنع أي محاولات للتزوير.

خوري خلال تفقدها مركزاً للاقتراع في الانتخابات البلدية السبت (البعثة الأممية)

ودعت بعثة الأمم المتحدة جميع الناخبين المسجلين للإدلاء بأصواتهم بهدف المساهمة في بناء حوكمة محلية مسؤولة، فيما زارت نائبة رئيسة البعثة، ستيفاني خوري، مراكز الاقتراع في تاجوراء للاطلاع على عملية التصويت، واستخدام نظام التحقق الإلكتروني من الناخبين.

وتستكمل هذه الانتخابات خطة المفوضية لانتخاب المجالس البلدية على مستوى البلاد، بعد تجاوز بعض العوائق الفنية والقانونية، التي أخرت الاقتراع فيها، كامتداد لنجاح المراحل السابقة، التي نُفذت خلال العامين الماضيين، وأسفرت عن اعتماد نتائج نهائية وتشكيل مجالس منتخبة.


مصر تؤكد أهمية «مفاوضات عُمان» بين إيران وأميركا لاستقرار المنطقة

عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)
عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)
TT

مصر تؤكد أهمية «مفاوضات عُمان» بين إيران وأميركا لاستقرار المنطقة

عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)
عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)

أعربت مصر عن تقديرها للدور المهم والبنّاء الذي تضطلع به سلطنة عُمان، واستضافتها المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، مشددة على أنها «سوف تواصل بذل جهودها الحثيثة لخفض التصعيد، ودعم التوصل إلى تسويات تعزّز منظومة الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي».

جاءت التأكيدات المصرية خلال اتصالَين هاتفيين لوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، السبت، مع كل من وزير خارجية سلطنة عُمان بدر البوسعيدي، والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في العاصمة العُمانية مسقط، وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إن المحادثات «شهدت أجواء إيجابية للغاية»، مضيفاً أن الجانبين «اتفقا على مواصلة المفاوضات».

وأطلع وزير الخارجية العماني، نظيره المصري، السبت، على مجريات المفاوضات التي تمت في عمان بين الولايات المتحدة وإيران، مثمناً الجهود المصرية الدؤوبة والاتصالات المكثفة التي أجرتها مصر بين الأطراف المعنية على مدار الأسابيع الأخيرة، والتي أسهمت في تقريب وجهات النظر والتمهيد للمفاوضات، مشيداً بـ«التحركات الدبلوماسية المصرية الرامية إلى نزع فتيل الأزمات في المنطقة».

وقال عبد العاطي، خلال الاتصال مع البوسعيدي، إن مصر «ستواصل دعمها الجهود كافّة الرامية إلى خفض التصعيد، والتوصل إلى تسوية توافقية للملف النووي الإيراني تراعي شواغل جميع الأطراف»، مشدداً على «أهمية البناء على ما تحقق في هذه المفاوضات، بغية تحقيق الأمن والاستقرار الإقليميين، وتجنّب المنطقة مخاطر الانزلاق إلى موجات جديدة من عدم الاستقرار».

وزيرا خارجية مصر وإيران خلال لقاء غروسي بالقاهرة في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

وأكدت مصر، الجمعة، دعمها الكامل لاستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، «بوساطة الأشقاء في سلطنة عمان». وشددت على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، والسبيل الوحيد للتعامل معه يتمثّل في الحوار والتفاوض، بما يراعي مصالح الأطراف المعنية كافّة».

كما ثمّنت الجهود البنّاءة التي بذلتها كل من المملكة العربية السعودية، وقطر، وتركيا، وسلطنة عمان، وباكستان في هذا الإطار، معربة عن أملها في أن «تُفضي هذه المساعي الصادقة إلى تحقيق اختراق إيجابي، يُسهم في تعزيز فرص الاستقرار والسلام في المنطقة».

كما أشار وزير الخارجية المصري، خلال اتصاله الهاتفي مع غروسي، السبت، إلى استمرار الجهود المصرية الرامية إلى خفض التصعيد في المنطقة، مشدداً على «أهمية مواصلة بذل الجهود الإقليمية والدولية، لخفض حدة التوتر والتصعيد بالمنطقة، والدفع بالحلول الدبلوماسية».

وقادت مصر العام الماضي وساطة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، انتهت بتوقيع وزير الخارجية الإيراني، ومدير عام الوكالة الدولية، على اتفاق بالقاهرة في التاسع من سبتمبر (أيلول) الماضي، يقضي بـ«استئناف التعاون بين الجانبَين، بما يشمل إعادة إطلاق عمليات التفتيش على المنشآت النووية الإيرانية»، قبل أن تعلن طهران تجميد الاتفاق في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وكان عبد العاطي قد أكد، خلال حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» في العاصمة السلوفينية ليوبليانا، مساء الجمعة، «أهمية خفض التصعيد في الإقليم، وتجنّب توسيع دائرة الصراع، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لمعالجة الملفات الخلافية، بما يُسهم في الحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها، ومنع انزلاقها إلى مواجهات أوسع».


الليبي «الزبير البكوش»... من حبال الكشافة إلى العنف المسلح

الزبير البكوش مرتدياً ملابس الكشافة (صورة متداولة على صفحات ليبية)
الزبير البكوش مرتدياً ملابس الكشافة (صورة متداولة على صفحات ليبية)
TT

الليبي «الزبير البكوش»... من حبال الكشافة إلى العنف المسلح

الزبير البكوش مرتدياً ملابس الكشافة (صورة متداولة على صفحات ليبية)
الزبير البكوش مرتدياً ملابس الكشافة (صورة متداولة على صفحات ليبية)

تُمثل حياة المتهم الليبي الزبير البكوش، الموقوف في الولايات المتحدة للاشتباه بتورطه في الهجوم على القنصلية الأميركية في مدينة بنغازي عام 2012، نموذجاً حياً للتناقضات التي وسمت مرحلة ما بعد ثورة 17 فبراير (شباط) 2011؛ حيث تتداخل رمزية النشاط المدني الكشفي بالعنف المسلح في صناديق الذخيرة، وسط أجواء الفوضى التي اجتاحت البلاد.

ولد الزبير حسن عمر البكوش عام 1970 في بنغازي، بمنطقة السلماني، ولم يكن له حضور معلن أو لافت قبل ثورة فبراير، التي أطاحت بنظام العقيد معمر القذافي، إذ شأنه شأن كل المسلحين وقادة الميليشيات، الذين ظهروا فجأة في المشهد بعد انهيار النظام السابق.

على درب الاغتيالات

ومع اندلاع الثورة، التحق البكوش بـ«ميليشيات ليبيا الحرة»، بقيادة القيادي وسام بن حميد، أحد أبرز قادة المجموعات المسلحة في المدينة، وخلال تلك الفترة، التي وثقها الناشط المدني الليبي خالد درنة، ارتبط اسم البكوش بعدة اغتيالات مهمة، أبرزها اغتيال اللواء عبد الفتاح يونس، رئيس أركان الجيش الليبي السابق، إلى جانب العقيد محمد العبيدي، والمقدم ناصر الشريف، وهو ما أكده شقيق العبيدي في مقابلة إعلامية قبل أكثر من عامين.

آثار دماء إحدى الضحايا خلال الهجوم الذي استهدف القنصلية الأميركية في بنغازي (أ.ب)

هذه الأحداث أسهمت في ترسيخ صورة البكوش بوصفه من أبرز الشخصيات المتشددة في بنغازي، خصوصاً مع تصاعد نشاط الميليشيات بعد سقوط النظام. لكن المفارقة هو أن البكوش برز مبكراً ضمن «الحركة العامة للكشافة والمرشدات»، وهو ما أكسبه قدرة على التأثير في جيل الشباب والصبيان. وفق ما أكده الباحث العسكري محمد الترهوني لـ«الشرق الأوسط»؛ حيث استغل البكوش هذا الدور الكشفي لتجنيد عناصر شبابية لصالح التنظيمات المسلحة، التي انخرط فيها لاحقاً، مستفيداً من الثقة التي منحتها له صفته المدنية.

وهكذا شكّل النشاط المدني غطاءً غير مباشر لأنشطته المسلحة، ما أتاح له التنقل بسلاسة بين عالم التعليم المدني والفعل العسكري، حسب متابعين.

قائد عمليات التصفية الجسدية

في عام 2012، انضم البكوش إلى تنظيم «أنصار الشريعة» في بنغازي، وشارك في المؤتمر الأول للتنظيم المعروف باسم «ملتقى نصرة الشريعة»، الذي أقيم في 7 يونيو (حزيران) 2012 بميدان المحكمة، وقد مثل هذا المؤتمر أول ظهور علني للتنظيم بعد تأسيسه على يد القيادي محمد الزهاوي، وكان بمثابة الإعلان الرسمي عن جاهزية التنظيم لممارسة نفوذه في المدينة.

مع مرور الوقت، أصبح البكوش أحد قادة عمليات التصفية الجسدية وتهديد ضباط الشرطة والجيش، وفق الترهوني، وهو ما عزز مكانته في الهياكل غير الرسمية للسلطة، التي سيطرت على بنغازي خلال تلك الفترة.

كانت ليلة 11 سبتمبر (أيلول) 2012 محطة فارقة في تاريخ ليبيا ومسار البكوش مع العمل المسلح، حين اقتحم مسلحون القنصلية الأميركية في بنغازي، وأضرموا النار في المباني، ما أسفر عن مقتل السفير كريستوفر ستيفنز، و3 مواطنين أميركيين آخرين.

ولاحقاً، ربطت التحقيقات الأميركية اسم البكوش بقائمة المتورطين في الهجوم، ما وضعه على قائمة المطلوبين دولياً، وعزّز سمعته بوصفه عنصراً محورياً في النشاطات المسلحة التي استهدفت الدبلوماسيين الأجانب.

الزبير البكوش مرتدياً زي الكشافة خلال إحدى الفعاليات في ليبيا (متداولة على صفحات ليبية)

وبعد مواجهات مسلحة فيما يُعرف بـ«عملية الكرامة» التي أطلقها «الجيش الوطني الليبي»، بقيادة المشير خليفة حفتر ضد «المجموعات الإرهابية» بين عامي 2015 و2016، غادر البكوش بنغازي، متجهاً إلى مصراتة وطرابلس؛ حيث واصل قيادة أنشطة كشفية تحت غطاء «نازح». وخلال تلك الفترة، استمر البكوش في تجنيد عناصر جديدة ضمن التنظيمات المسلحة، محافظاً على شبكاته القديمة، وموسعاً نفوذه على مناطق النشاط المدني بوصفه واجهة لهيمنته العسكرية، وفق الباحث العسكري محمد الترهوني.

في نوفمبر (تشرين الأول) الماضي، تم توقيف البكوش من قبل جهاز الأمن الداخلي في طرابلس، لكن أُفرج عنه لاحقاً لأسباب صحية، تشمل أمراضاً مزمنة مثل الضغط والسكر وضعف عضلة القلب.

غير أن التطور المفصلي، الذي سيضع فيما يبدو كلمة النهاية لعلاقته بالعالم، كان إعلان السلطات الأميركية اعتقاله بموجب مذكرة دولية، ليواجه تهماً تشمل القتل والحرق العمد والإرهاب، في حين لم تصدر حكومة «الوحدة الوطنية» أي تصريحات رسمية بشأن اعتقاله أو تسليمه.

وزيرة العدل الأميركية بام بوندي خلال الإعلان عن اعتقال البكوش (أ.ف.ب)

ورغم التهم الجسيمة، هناك من الليبيين من لا يزال يعدّه بريئاً، من بينهم تميم الغرياني، رئيس لجنة الأزمة سابقاً، وأحد أعيان مهجري بنغازي، الذي استند إلى تحقيق أميركي سابق أُجري نهاية 2020، انتهى بالإفراج عنه منتصف 2021، دون أي إدانات، وفق ما ذكره سابقاً لوسائل إعلان محلية.

واليوم، يشارك البكوش مصيره مع مواطنه أحمد أبو ختالة، المحكوم عليه بالسجن في الولايات المتحدة منذ 12 عاماً للتهم نفسها، في رحلة تأخرت سنوات، لكنها تُثير تساؤلات حول احتمال أن يسلك ليبيون آخرون مسارات مماثلة قريباً.