أوروبا تلك الفكرة الغائمة

تسميتها قارة كانت فكرة سخيفة حسب بعض المؤرخين

جاك بارزون - نول مالكوم
جاك بارزون - نول مالكوم
TT

أوروبا تلك الفكرة الغائمة

جاك بارزون - نول مالكوم
جاك بارزون - نول مالكوم

في كتابه «فرضيات حول أوروبا» (2000) يناقش الفرنسي دنيس غينو، كيف تشكلت فكرة أوروبا، كيف تبلورت نظرتها لنفسها وللعالم، وكيف لعب العالم أو تحديداً الآخر الشرقي دوراً محورياً في تشكيل تلك الفكرة. مفهوم أوروبا بوصفها إمبراطورية أو عالماً مسيحياً أو حتى فكرة الاتحاد الأوروبي تشكل بالتعارض أو التقابل مع عالم شرقي مغاير، كما يقول غينو، وهو فيلسوف وأستاذ أدب فرنسي معروف باهتمامه بالمسرح. منذ اليونانيين والرومان، مروراً بمجيء المسيحية وعهد الإصلاح وصولاً إلى الثورات المتتالية في العصر الحديث، كانت أوروبا، حسب غينو، سلسلة مشاريع تنشأ باسم مجتمع موحد أو متشابه، لكنه كان دائماً بحاجة إلى آخر يتعارض معه لكي تتحدد معالمه. هذا الطرح تؤكده التحديات التي لا تزال تواجه الاتحاد الأوروبي اليوم وهو يصارع الاختلاف اللغوي في أوضح صوره في بروكسل، لكنه يدرك أنه عملاق تنغرس رجلاه في طين التفاوت الاقتصادي والصناعي والاجتماعي إلى غير ذلك مما يميز ما كان يعرف بأوروبا الشرقية عن نظيرتها الغربية، فمن بإمكانه مقارنة بلغاريا أو رومانيا بألمانيا أو فرنسا؟
دور الآخر الشرقي يسترعي الانتباه، على الأقل بالنسبة لنا نحن المنسوبين إلى الشرق، أي الذين نمثل «آخر» أوروبا، مع أن الشرق أوسع من أن يُحصر في الأوسط أو في الأقصى منه. لكن الشرق يظل فيما يبدو مختلفاً بغض النظر عن الجغرافيا. ذلك الاختلاف كان منطلقاً لدراسات أخرى لمؤرخين ومحللين ثقافيين آخرين نظروا إليه من حيث يصل إلى مستوى العداء تأسيساً على الصراع الديني والسياسي، سواء بين عالمي الإسلام والمسيحية، أو بين الخلافات الإسلامية المتتالية، آخرها العثمانية من ناحية، وأوروبا المتعاظمة قوة منذ القرن السادس عشر تقريباً. ولا شك أن كلتا القوتين، الإسلامية والمسيحية، احتاجت «آخر» لتؤسس أو تتبين من خلاله ملامح هويتها أو اختلافها. ذلك ما يتمحور حوله كتاب البريطاني نول مالكوم «أعداء مفيدون: الإسلام والإمبراطورية العثمانية في الفكر السياسي الغربي 1450 - 1750» (2019) حيث يتضح تراوح الخطاب الأوروبي المسيحي تجاه العثمانيين والمسلمين عامة بين إعجاب وكراهية تبعاً للاحتياج السياسي وهوية المتحدث، ففي نهاية المطاف كان ثمة خطاب براغماتي يصطنع العدو وفقاً لظروف سياسية محلية لكنها مبنية دائماً على نحن وهم، أي على هوية أوروبية تتحدد بمقتضى تلك العلاقة بالأخر. الباحث الأميركي جلعاد النجار (غيل أنيجار، كما يكتب اسمه العائد إلى يهود المغرب) في كتابه حول «تاريخ العدو» في أوروبا يناقش المفهوم نفسه لكن من زاوية إثنية تتحدد بمقتضاها هوية أوروبا حسب هوية العدو الذي يكون خارجياً وثقافياً (العربي) أو داخلياً ودينياً (اليهودي). ذلك التحديد يتغلغل إلى الفكر الأوروبي لنجد أصداءه لدى فلاسفة مثل كانط وتنويريي فرنسا وصولاً إلى هيغل ثم فرويد. ومن المثير للاهتمام أن يتناول الموضوع لكن من زاوية مختلفة مؤرخ تركي هو إبراهيم كالين في كتاب بعنوان «مقدمة إلى تاريخنا والآخر». الكتاب صدر عام 2021 مترجماً عن التركية (وهذا مثير بحد ذاته للاهتمام لندرة أو قلة ما يترجم من لغة كالتركية).
فكرة أوروبا أو مفهومها يتحدد، مثل مفهوم أي كيان سياسي/اقتصادي أو ثقافي/اجتماعي من التقابل مع المختلف، وهذا من البدهيات، لكن الحفر وراء البدهيات هو عمل المؤرخين والمفكرين. المؤرخ الأميركي جاك بارزون، وهو فرنسي الأصل، شغل حتى تقاعده منصب «أستاذ الجامعة» في جامعة كولومبيا وتوفي في عامه الرابع بعد المائة بعد أن قورن بكبار مؤرخي القرن العشرين، كان أحد أولئك المنقبين وراء المتعارف عليه أو المستقر. في كتابه «من الفجر إلى الانحلال» (From Dawn to Decadence) الصادر عام 2000 يعرض تاريخاً ثقافياً لخمسة قرون من تاريخ الغرب عامة ويشير إلى فكرة أوروبا في سياق سعيه لتحديد مفهوم الغرب الذي يؤرخ له. يستوقف القارئ في ذلك السياق ما يقوله بارزون في التمهيد حين يعلل السبب الذي جعله يختار خمسة قرون من التاريخ الغربي تبدأ بالقرن السادس عشر. ففي تلك الفترة، حسب بارزون، أخذت فكرة أوروبا بالتشكل، أي أنها لم تكن قد تبلورت بعد، الأمر الذي يجعل الحديث عن الغرب أكثر دقة من الحديث عن أوروبا: «على المرء أن يتحدث عن (الغرب) بوصفه منقسماً في القرن السادس عشر، لأن (أوروبا) لم تتضح بعد. إن أوروبا هي شبه الجزيرة التي تشكل نتوءاً من كتلة آسيا الهائلة دونما حاجز وتسمى قارة على ما في التسمية من سخف. ثورة القرن السادس عشر لم يتأثر بها سوى الجزء الغربي الأقصى: من ألمانيا وبولندا والنمسا وإيطاليا حتى المحيط الأطلسي. كان البلقان ينتمي للأتراك المسلمين وكانت روسيا مسيحية أرثوذوكسية، ليست كاثوليكية» (الثورة المقصودة هي مجموع النقلات العميقة سواء الدينية متمثلة بعهد الإصلاح البروتستانتي والعلمية والفكرية في عصر النهضة على يد أمثال كوبرنيكوس وغاليليو وإيراسموس).
تسمية أوروبا قارة تسمية سخيفة إذن، حسب بارزون، وأسباب ذلك جغرافية بصفة عامة لكنها تكتسب بعداً ثقافياً وسياسياً إذا ما نظرنا إلى البعد التاريخي. ذلك البعد لم ينته حقيقة بعد القرن السادس عشر رغم تراجع العثمانيين وانضمام ما كانوا يحتلونه من شرق أوروبا ووسطه إلى بقية المناطق المعروفة بالأوروبية. ذلك أن الكيان الذي عرف بأوروبا فيما بعد ظل يحدد هويته باستمرار قياساً إلى الآخر الشرقي الإسلامي بصفة خاصة. وجاءت دراسات لعدد من الباحثين الغربيين، أميركيين وأوروبيين، لتؤكد هذه الحقيقة مرة تلو الأخرى. المؤرخ الفرنسي ريمون شفاب، مثلاً، يتحدث عن عصر نهضة شرقي في أوروبا (أورينتال رينيسانس) ما بين عامي 1680 و1880 في كتاب بذلك العنوان صدر عام 1984 بمقدمة مهمة لإدوارد سعيد. ثم جاء المؤرخ الأميركي بيفيلاكوا ليتحدث عما سمّاه «جماعة الأدب العربي» التي جادل فيها بأن عصر الأنوار الفرنسي/الأوروبي لم يكن ليتبلور لولا عصور تنوير أوروبي عربي عملت فيه جماعة من الأوروبيين على مدى قرن كامل على ترجمة الكثير من الثقافة العربية إلى اللغات الأوروبية، لتفتح بذلك آفاقاً للفكر الأوروبي لم تكن متاحة من قبل. تلك الآفاق لم تقلل من الفجوة بين أوروبا المسيحية أو العقلانية والعالم الإسلامي باختلافه الثقافي والإثني.
لكن ذلك الاختلاف كان مهماً لكي تحدد أوروبا هويتها مرة أخرى، الهوية التي تظل موضع مساءلة حتى اليوم: بأي معنى يكون الألماني والروماني منتمين لهوية واحدة؟ بعد تراجع المسيحية، ما مكونات الهوية الأوروبية فلا اللغة واحدة ولا الأعراق متشابهة. في الاتحاد الأوروبي 24 لغة تجري الترجمة منها وإليها في كل اجتماع لمجالس الاتحاد، وهو موضوع غريب على المستوى العالمي، لأن من الصعب العثور على كيان سياسي أو ثقافي بهذه التعددية اللغوية، أقول التعددية وهي إحدى زوايا النظر إلى ما يعرف بأوروبا. زاوية أخرى هي أن نقول الشتات أو التفرق اللغوي، واختلاف اللغة يحمل معه اختلافات ثقافية عميقة دون شك، يحاول الأوروبيون حالياً تجاوزها على مستويات الأنظمة الديمقراطية والقوانين العلمانية فينجحون مع بعض الكيانات ويفشلون مع بعضها الآخر (حقوق الأقليات، حقوق المرأة، مستوى الالتزام الديني، الفساد السياسي والاقتصادي... إلخ).
هل يؤدي هذا الاختلاف إلى إعادة تشكيل الاتحاد الأوروبي ومعه مفهوم أوروبا، لينفصل المتجانسون عن غير المتجانسين؟ وما أثر الضغط الروسي على ذلك الكيان الذي يحاول تجميع نفسه والاحتماء بهوية تكاد تتفلت؟ إن وجود روسيا المسيحية في نهاية المطاف وتركيا المسلمة بالجزء الأوروبي لكل منهما، جغرافياً على الأقل، يعيد إلى الذهن رؤية جاك بارزون حول الجانب المثير للسخرية، بتعبيره، حين نتحدث عن أوروبا بدلاً من الغرب، لكن مع إحلال القرن الحادي والعشرين محل القرن السادس عشر.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.


تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

يناقش عدد من الأعمال الدرامية المصرية المقرر عرضها في شهر رمضان المقبل على الشاشات والمنصات المختلفة تداعيات الطلاق على الأسر وتضرر الأبناء والخلافات التي تحدث بين المنفصلين في قضية تشكل جزءاً محورياً من تفاصيل عدد من الأعمال الاجتماعية.

من بين هذه الأعمال مسلسل «بابا وماما جيران»، الذي يتقاسم بطولته أحمد داود وميرنا جميل، وتدور أحداثه حول العلاقة بين الثنائي بعد الانفصال، وإقامة كل منهما في شقة مستقلة، بينما يتشاركان في البحث عن حلول للتعامل مع أطفالهما بين شد وجذب.

كما يتطرق مسلسل «وننسى اللي كان»، الذي تقوم ببطولته ياسمين عبد العزيز للموضوع ذاته بوصفه جزءاً رئيسياً من أحداثه، من خلال شخصية الفنانة الشهيرة «جليلة»، التي تدخل في صراع مع طليقها بسبب ابنتها، مما يدخلها في مشكلات عدة تتفاقم على مدار الأحداث.

أما مسلسل «أب ولكن» الذي يقوم ببطولته محمد فراج وركين سعد مع هاجر أحمد، فتدور أحداثه حول أب يخوض معارك قانونية من أجل رؤية ابنته التي تحاول زوجته السابقة إبعادها عنه، وسط تصاعد للأحداث مع تقديمه كل ما يثبت من التزاماته كونه أباً تجاه ابنته.

ويتطرق مسلسل «كان يا مكان»، الذي يتقاسم بطولته ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، إلى العلاقة بين الزوجين في أول عام بعد الطلاق، والسجالات التي تحدث، بالإضافة إلى طريقة تعاملهما سوياً، والمشكلات التي تحدث بسبب الخلاف حول آلية التعامل مع الأبناء والمسؤوليات التي يجري تقاسمها بينهما.

الملصق الترويجي لمسلسل «بابا وماما جيران» (الشركة المنتجة)

في السياق نفسه، تعد الخلافات الزوجية هي المحور الرئيسي لمسلسل «المتر سمير»، الذي يقوم ببطولته كريم محمود عبد العزيز مع ناهد السباعي، حيث يظهر في دور محام معني بمحاكم الأسرة وقضايا الطلاق.

وعَدّ الناقد المصري طارق الشناوي تكرار تناول مشاكل الطلاق والخلافات التي تحدث بين المنفصلين وما يتبعه من مشكلات بشأن رؤية الأبناء وطريقة التعامل معهم بـ«الطبيعية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الدراما تأتي بوصفها انعكاساً طبيعياً لما يشهده المجتمع، وهناك زيادة واضحة في عدد حالات الانفصال التي تحدث كل عام، وتزايد للقضايا الموجودة أمام المحاكم، أو حتى المشكلات التي نسمع عنها بسبب الخلاف بين الأب والأم بعد الانفصال.

وأضاف أن هذه القضية من القضايا الاجتماعية الشائعة، وكل عمل بالتأكيد سيتناول جانباً منها، وهناك أعمال تناولتها في السابق، وأخرى ستقوم بتناولها مستقبلاً، ولا يمكن اعتبار أن أياً من الكُتاب هو صاحب الفكرة الأصلية لتقديمها على سبيل المثال، مؤكداً أن الحكم على العمل وتقييمه يكون بعد المشاهدة.

محمد فراج (حسابه على فيسبوك)

رأي دعمه الناقد المصري محمد عبد الرحمن، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن تكرار الثيمات الدرامية التي تتناول الخلافات الأسرية بعد الانفصال أمر متوقع، وربما لعبت الصدفة دوراً في وجوده بأكثر من عمل درامي، مشيراً إلى أن الدراما الاجتماعية بشكل عام تركز على الموضوعات التي تشغل المواطنين بحياتهم اليومية، ولا يوجد تقريباً اليوم شخص لا يوجد بدائرة معارفه زوجان منفصلان، سواء كان بينهما خلافات أو لا.

الملصق الترويجي لمسلسل «أب ولكن» (حساب فراج على فيسبوك)

وأشار إلى أنه رغم كون نجاح بعض الأعمال التي تناولت الأمر في السابق، فإن ما عُرض من بروموهات دعائية حتى الآن يشير لوجود جوانب مختلفة في المعالجات الدرامية، من بينها تجربة محمد فراج في مسلسل «أب ولكن»، الذي ظهر في دور أب يحاول الحفاظ على التواصل مع نجله رغم رفض زوجته السابقة، مؤكداً أن كل عمل سيتناول من منظور مختلف القضية، وفي إطار درامي يمكن على أساسه تقييم التجربة.