أوروبا تلك الفكرة الغائمة

تسميتها قارة كانت فكرة سخيفة حسب بعض المؤرخين

جاك بارزون - نول مالكوم
جاك بارزون - نول مالكوم
TT

أوروبا تلك الفكرة الغائمة

جاك بارزون - نول مالكوم
جاك بارزون - نول مالكوم

في كتابه «فرضيات حول أوروبا» (2000) يناقش الفرنسي دنيس غينو، كيف تشكلت فكرة أوروبا، كيف تبلورت نظرتها لنفسها وللعالم، وكيف لعب العالم أو تحديداً الآخر الشرقي دوراً محورياً في تشكيل تلك الفكرة. مفهوم أوروبا بوصفها إمبراطورية أو عالماً مسيحياً أو حتى فكرة الاتحاد الأوروبي تشكل بالتعارض أو التقابل مع عالم شرقي مغاير، كما يقول غينو، وهو فيلسوف وأستاذ أدب فرنسي معروف باهتمامه بالمسرح. منذ اليونانيين والرومان، مروراً بمجيء المسيحية وعهد الإصلاح وصولاً إلى الثورات المتتالية في العصر الحديث، كانت أوروبا، حسب غينو، سلسلة مشاريع تنشأ باسم مجتمع موحد أو متشابه، لكنه كان دائماً بحاجة إلى آخر يتعارض معه لكي تتحدد معالمه. هذا الطرح تؤكده التحديات التي لا تزال تواجه الاتحاد الأوروبي اليوم وهو يصارع الاختلاف اللغوي في أوضح صوره في بروكسل، لكنه يدرك أنه عملاق تنغرس رجلاه في طين التفاوت الاقتصادي والصناعي والاجتماعي إلى غير ذلك مما يميز ما كان يعرف بأوروبا الشرقية عن نظيرتها الغربية، فمن بإمكانه مقارنة بلغاريا أو رومانيا بألمانيا أو فرنسا؟
دور الآخر الشرقي يسترعي الانتباه، على الأقل بالنسبة لنا نحن المنسوبين إلى الشرق، أي الذين نمثل «آخر» أوروبا، مع أن الشرق أوسع من أن يُحصر في الأوسط أو في الأقصى منه. لكن الشرق يظل فيما يبدو مختلفاً بغض النظر عن الجغرافيا. ذلك الاختلاف كان منطلقاً لدراسات أخرى لمؤرخين ومحللين ثقافيين آخرين نظروا إليه من حيث يصل إلى مستوى العداء تأسيساً على الصراع الديني والسياسي، سواء بين عالمي الإسلام والمسيحية، أو بين الخلافات الإسلامية المتتالية، آخرها العثمانية من ناحية، وأوروبا المتعاظمة قوة منذ القرن السادس عشر تقريباً. ولا شك أن كلتا القوتين، الإسلامية والمسيحية، احتاجت «آخر» لتؤسس أو تتبين من خلاله ملامح هويتها أو اختلافها. ذلك ما يتمحور حوله كتاب البريطاني نول مالكوم «أعداء مفيدون: الإسلام والإمبراطورية العثمانية في الفكر السياسي الغربي 1450 - 1750» (2019) حيث يتضح تراوح الخطاب الأوروبي المسيحي تجاه العثمانيين والمسلمين عامة بين إعجاب وكراهية تبعاً للاحتياج السياسي وهوية المتحدث، ففي نهاية المطاف كان ثمة خطاب براغماتي يصطنع العدو وفقاً لظروف سياسية محلية لكنها مبنية دائماً على نحن وهم، أي على هوية أوروبية تتحدد بمقتضى تلك العلاقة بالأخر. الباحث الأميركي جلعاد النجار (غيل أنيجار، كما يكتب اسمه العائد إلى يهود المغرب) في كتابه حول «تاريخ العدو» في أوروبا يناقش المفهوم نفسه لكن من زاوية إثنية تتحدد بمقتضاها هوية أوروبا حسب هوية العدو الذي يكون خارجياً وثقافياً (العربي) أو داخلياً ودينياً (اليهودي). ذلك التحديد يتغلغل إلى الفكر الأوروبي لنجد أصداءه لدى فلاسفة مثل كانط وتنويريي فرنسا وصولاً إلى هيغل ثم فرويد. ومن المثير للاهتمام أن يتناول الموضوع لكن من زاوية مختلفة مؤرخ تركي هو إبراهيم كالين في كتاب بعنوان «مقدمة إلى تاريخنا والآخر». الكتاب صدر عام 2021 مترجماً عن التركية (وهذا مثير بحد ذاته للاهتمام لندرة أو قلة ما يترجم من لغة كالتركية).
فكرة أوروبا أو مفهومها يتحدد، مثل مفهوم أي كيان سياسي/اقتصادي أو ثقافي/اجتماعي من التقابل مع المختلف، وهذا من البدهيات، لكن الحفر وراء البدهيات هو عمل المؤرخين والمفكرين. المؤرخ الأميركي جاك بارزون، وهو فرنسي الأصل، شغل حتى تقاعده منصب «أستاذ الجامعة» في جامعة كولومبيا وتوفي في عامه الرابع بعد المائة بعد أن قورن بكبار مؤرخي القرن العشرين، كان أحد أولئك المنقبين وراء المتعارف عليه أو المستقر. في كتابه «من الفجر إلى الانحلال» (From Dawn to Decadence) الصادر عام 2000 يعرض تاريخاً ثقافياً لخمسة قرون من تاريخ الغرب عامة ويشير إلى فكرة أوروبا في سياق سعيه لتحديد مفهوم الغرب الذي يؤرخ له. يستوقف القارئ في ذلك السياق ما يقوله بارزون في التمهيد حين يعلل السبب الذي جعله يختار خمسة قرون من التاريخ الغربي تبدأ بالقرن السادس عشر. ففي تلك الفترة، حسب بارزون، أخذت فكرة أوروبا بالتشكل، أي أنها لم تكن قد تبلورت بعد، الأمر الذي يجعل الحديث عن الغرب أكثر دقة من الحديث عن أوروبا: «على المرء أن يتحدث عن (الغرب) بوصفه منقسماً في القرن السادس عشر، لأن (أوروبا) لم تتضح بعد. إن أوروبا هي شبه الجزيرة التي تشكل نتوءاً من كتلة آسيا الهائلة دونما حاجز وتسمى قارة على ما في التسمية من سخف. ثورة القرن السادس عشر لم يتأثر بها سوى الجزء الغربي الأقصى: من ألمانيا وبولندا والنمسا وإيطاليا حتى المحيط الأطلسي. كان البلقان ينتمي للأتراك المسلمين وكانت روسيا مسيحية أرثوذوكسية، ليست كاثوليكية» (الثورة المقصودة هي مجموع النقلات العميقة سواء الدينية متمثلة بعهد الإصلاح البروتستانتي والعلمية والفكرية في عصر النهضة على يد أمثال كوبرنيكوس وغاليليو وإيراسموس).
تسمية أوروبا قارة تسمية سخيفة إذن، حسب بارزون، وأسباب ذلك جغرافية بصفة عامة لكنها تكتسب بعداً ثقافياً وسياسياً إذا ما نظرنا إلى البعد التاريخي. ذلك البعد لم ينته حقيقة بعد القرن السادس عشر رغم تراجع العثمانيين وانضمام ما كانوا يحتلونه من شرق أوروبا ووسطه إلى بقية المناطق المعروفة بالأوروبية. ذلك أن الكيان الذي عرف بأوروبا فيما بعد ظل يحدد هويته باستمرار قياساً إلى الآخر الشرقي الإسلامي بصفة خاصة. وجاءت دراسات لعدد من الباحثين الغربيين، أميركيين وأوروبيين، لتؤكد هذه الحقيقة مرة تلو الأخرى. المؤرخ الفرنسي ريمون شفاب، مثلاً، يتحدث عن عصر نهضة شرقي في أوروبا (أورينتال رينيسانس) ما بين عامي 1680 و1880 في كتاب بذلك العنوان صدر عام 1984 بمقدمة مهمة لإدوارد سعيد. ثم جاء المؤرخ الأميركي بيفيلاكوا ليتحدث عما سمّاه «جماعة الأدب العربي» التي جادل فيها بأن عصر الأنوار الفرنسي/الأوروبي لم يكن ليتبلور لولا عصور تنوير أوروبي عربي عملت فيه جماعة من الأوروبيين على مدى قرن كامل على ترجمة الكثير من الثقافة العربية إلى اللغات الأوروبية، لتفتح بذلك آفاقاً للفكر الأوروبي لم تكن متاحة من قبل. تلك الآفاق لم تقلل من الفجوة بين أوروبا المسيحية أو العقلانية والعالم الإسلامي باختلافه الثقافي والإثني.
لكن ذلك الاختلاف كان مهماً لكي تحدد أوروبا هويتها مرة أخرى، الهوية التي تظل موضع مساءلة حتى اليوم: بأي معنى يكون الألماني والروماني منتمين لهوية واحدة؟ بعد تراجع المسيحية، ما مكونات الهوية الأوروبية فلا اللغة واحدة ولا الأعراق متشابهة. في الاتحاد الأوروبي 24 لغة تجري الترجمة منها وإليها في كل اجتماع لمجالس الاتحاد، وهو موضوع غريب على المستوى العالمي، لأن من الصعب العثور على كيان سياسي أو ثقافي بهذه التعددية اللغوية، أقول التعددية وهي إحدى زوايا النظر إلى ما يعرف بأوروبا. زاوية أخرى هي أن نقول الشتات أو التفرق اللغوي، واختلاف اللغة يحمل معه اختلافات ثقافية عميقة دون شك، يحاول الأوروبيون حالياً تجاوزها على مستويات الأنظمة الديمقراطية والقوانين العلمانية فينجحون مع بعض الكيانات ويفشلون مع بعضها الآخر (حقوق الأقليات، حقوق المرأة، مستوى الالتزام الديني، الفساد السياسي والاقتصادي... إلخ).
هل يؤدي هذا الاختلاف إلى إعادة تشكيل الاتحاد الأوروبي ومعه مفهوم أوروبا، لينفصل المتجانسون عن غير المتجانسين؟ وما أثر الضغط الروسي على ذلك الكيان الذي يحاول تجميع نفسه والاحتماء بهوية تكاد تتفلت؟ إن وجود روسيا المسيحية في نهاية المطاف وتركيا المسلمة بالجزء الأوروبي لكل منهما، جغرافياً على الأقل، يعيد إلى الذهن رؤية جاك بارزون حول الجانب المثير للسخرية، بتعبيره، حين نتحدث عن أوروبا بدلاً من الغرب، لكن مع إحلال القرن الحادي والعشرين محل القرن السادس عشر.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
TT

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي

تنطلق «قمة الإبداع» (Creative Summit)، المهرجان الرائد للإبداع في السعودية، من 3 إلى 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في حي جاكس بالعاصمة الرياض، للعام الثاني، ضمن شراكة استراتيجية بين الجانبين، في واحدة من أبرز الوجهات الثقافية والإبداعية في المملكة.

وتُقام نسخة العام الحالي تحت شعار «وراء كل ذكاء... إنسان»، لمناقشة إحدى أبرز القضايا التي تشغل الصناعات الإبداعية اليوم، وهي العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، في ظل التطور التقني المتسارع وتأثيره المتزايد في أساليب العمل والإنتاج.

وتؤكد القمة من خلال شعارها أن التقنية، مهما تطورت، تظل أداة قوية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الروح الإنسانية والحدس والإبداع والتجارب التي تصوغ أفكار الإنسان وقصصه.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، تقدم القمة مسارات تتجاوز النقاشات العامة، وتركز على الأدوات العملية والحوارات المعمقة بشأن دمج الذكاء الاصطناعي في الصناعات الإبداعية، وتعزيز استدامتها، وابتكار حلول قابلة للتطبيق في قطاع الأعمال.

ويعكس اختيار حي جاكس مقراً للقمة لمكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي، ودوره بوصفه وجهة تجمع القادة والمبدعين والممارسين والمؤسسات الناشطة في مختلف المجالات الإبداعية.

كما تسهم الشراكة بين القمة وحي جاكس في ربط مجتمع الاقتصاد الإبداعي السعودي بالوكالات الإقليمية وقادة الأسواق العالمية، وتوفير مساحة تجمع المبدعين وصنّاع القرار والخبراء لتبادل المعرفة والتعاون وبناء علاقات مهنية فاعلة.

اختيار حي جاكس مقراً للقمة يعكس مكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي

وقالت مي سلامة، الشريكة المؤسسة لـ«قمة الإبداع»: «نسعد كثيراً بإقامة المهرجان في الرياض، ولا يوجد مكان نفضل استضافته فيه أكثر من حي جاكس، فهو ليس مجرد موقع للفعاليات، بل القلب النابض للنهضة الثقافية والفنية التي تشهدها المملكة».

وأضافت: «من خلال جمع مجتمع الاقتصاد الإبداعي في المنطقة تحت مظلة المهرجان، نبني مساحة للحوار والتواصل وتبادل المعرفة. وتحمل نسخة العام الحالي أهمية خاصة بالنسبة إلينا؛ لأن شعار (وراء كل ذكاء... إنسان) يذكّرنا بوضوح بأن إنسانيتنا ستظل أهم ما نملكه في عالم يزداد اعتماداً على الخوارزميات والأتمتة».

وتابعت: «نجتمع هذا العام للاحتفاء بالقادة والمبدعين والمستثمرين ورواد الأعمال وصنّاع الأفلام والعاملين في الصناعات الإبداعية».

من جانبها، قالت آية البكري، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة بينالي الدرعية: «يحتضن حي جاكس مجتمعاً متنامياً من القادة والمبدعين العاملين في مجالات الفنون والتصميم والإعلام والحرف. وتجمع قمة الإبداع العاملين في الصناعات الإبداعية، وتتيح لهم حواراً مباشراً داخل المنظومة التي تدعم أعمالهم على مدار العام».

وأضافت: «يسعدنا استقبال قمة الإبداع في حي جاكس للعام الثاني، ونتطلع إلى ما ستنتجه أيامها الثلاثة من أفكار وفرص جديدة للتواصل».

وعلى مدى 13 عاماً من حضورها في المشهد الإبداعي بالمنطقة، أسهمت القمة في تمكين الأفراد وتطوير الأعمال ودعم نمو الاقتصاد الإبداعي، وتركت أثراً واضحاً في صناعات عدة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وحققت نسخ القمة السابقة أكثر من 280 مليون ظهور رقمي، وأسهمت في بناء مجتمع إبداعي إقليمي واسع يضم آلاف المتحدثين ومئات الآلاف من الحضور، فيما سجلت النسخة الماضية وحدها حضوراً قياسياً بلغ 21 ألف زائر خلال 3 أيام.


حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
TT

حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)

تسبَّب اللحن التراثي المصري «زوروني كل سنة مرة»، لـ«فنان الشعب» الموسيقار المصري الراحل سيد درويش، في إثارة جدل حول حقوق الأغنية وأصلها، خصوصاً بعد تقديم الفنانة السورية أصالة نصري أغنية «على روض الحبيب»، خلال إحيائها حفلاً في بلدها سوريا بعد سنوات من الغياب. وأكدت أصالة أمام الحضور أن اللحن من تراث اللاذقية، رغم تشابهه مع لحن «زوروني كل سنة مرة»، وفقاً لنقاد ومتابعين.

ورفض الجمهور والنقاد، في تعليقات ومشاركات كثيفة على مواقع التواصل الاجتماعي، ما قالته أصالة في المقطع الذي جرى تداوله على نطاق واسع خلال اليومين الماضيين، معبّرين عن استيائهم مما حدث. وأكدوا أن اللحن من التراث المصري، وموثَّق باسم سيد درويش الذي رحل منذ أكثر من قرن، مطالبين الفنانة السورية بإثبات حديثها بوثائق رسمية، بدلاً من الكلام المرسل.

وبدورها، أصدرت جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية، السبت، بياناً أكدت فيه متابعتها ما أُثير حول أغنية «على روض الحبيب»، التي أدَّتها أصالة، وما أُعلن بشأن نسبة لحنها إلى التراث السوري، وتحديداً إلى تراث اللاذقية.

وأكدت الجمعية أن تناولها هذا الموضوع لا يستهدف أصالة، لكن إعلانها أن اللحن من التراث السوري يحمّلها مسؤولية مهنية في تحرّي الدقة والتثبّت من صحة هذه النسبة، والأساس الذي استندت إليه في الجزم بأنه من التراث السوري، وما إذا كان ذلك يستند إلى دليل موثوق به.

ورأت الجمعية المصرية أن الأمر لا يقتصر على تشابه عابر، بل إن «البنية اللحنية» الأساسية تتطابق بصورة واضحة مع لحن «زوروني كل سنة مرة» لسيد درويش، مع بعض «التحويرات والتنويعات» في الصياغة؛ إذ تظل الملامح الأساسية للحن حاضرة من حيث البناء، والمسار النغمي، والتفعيلات الزمنية والإيقاعية، والإطار المقامي، والعلاقات بين الجمل الموسيقية.

إلا أن محمد حسن سيد درويش، حفيد «فنان الشعب»، دخل على خط الأزمة بموقف مغاير، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن ما صدر عن جمعية المؤلفين والملحنين كان يهدف إلى الدفاع عن الحقوق بوجه عام. وأضاف: «بصفتي حفيداً لسيد درويش، والحارس القضائي على تراثه الفني، واستناداً إلى دراستي الموسيقية، أوضح أنه، بمقارنة ما تغنَّت به أصالة في لحن (على روض الحبيب) بلحن (زوروني كل سنة مرة)، يتبيّن أنه لا يمت إليه بأي صلة».

وأضاف حفيد «فنان الشعب»: «يتفق اللحن الأول مع الثاني من حيث المقام الموسيقي والإيقاع، لكنه لا يرتبط بالنوتة الموسيقية الخاصة به». وأشار إلى أن أصالة أوضحت على المسرح أن اللحن يحمل روح التراث وعبقه، ويعود إلى أجواء الموسيقى القديمة، مثل موسيقى سيد درويش.

أصالة قدمت حفلاً في سوريا بعد فترة غياب طويلة (حسابها على «فيسبوك»)

وأكدت «ساسيرو» في بيانها أن موقفها «لا يأتي لمجرد أن سيد درويش أحد أعضائها، وإنما ينطلق من مسؤوليتها عن حماية التأليف الموسيقي المصري، وصون تراثه، والدفاع عن حقوق مبدعيه».

ورداً على أنباء اعتزامه اتخاذ إجراءات قانونية ضد الفنانة السورية، أوضح حفيد سيد درويش أنه لم يقصد أصالة، التي يكنّ لها كل تقدير واحترام، بهذا التصريح، بل كان يتحدث بصورة عامة، قبل أن يوضع حديثه في سياق مختلف. وأضاف أن «استخدام أي لحن لسيد درويش من دون الرجوع إليه، بصفته الحارس القضائي على تراثه، والحصول على موافقة كتابية موثَّقة في الشهر العقاري، حفاظاً على حقوق الورثة، سيدفعه إلى اتخاذ إجراءات قانونية ضد المخالفين».

بدوره، كشف الدكتور مدحت العدل، رئيس جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين»، لـ«الشرق الأوسط»، أن اتخاذ الجمعية إجراءات قانونية لا بد أن يكون بناءً على طلب العضو، وهو ما لم يحدث، مؤكداً اكتفاء الجمعية بإصدار البيان الرسمي.

وعن أصل أغنية «زوروني كل سنة مرة»، أوضح الناقد الفني المصري أحمد السماحي، لـ«الشرق الأوسط»، أن الأغنية أثارت جدلاً كبيراً منذ سنوات طويلة، رغم شهرتها بألحان سيد درويش وكلمات محمد يونس القاضي. وكان حامد مرسي أول من قدَّمها عام 1917، ثم أصبحت لاحقاً واحدة من أشهر كلاسيكيات الغناء العربي، وغنّاها محمد عبد الوهاب، ورياض السنباطي، وفيروز، وفرق الموسيقى العربية في مصر والعالم العربي.

ونوَّه السماحي إلى أن بعض الباحثين قالوا إن الأغنية تعود إلى الموسيقار والمنشد العراقي الملا عثمان الموصلي، وإنها كانت تُؤدَّى في سياق ديني بكلمات مختلفة، أبرزها «زُرْ قبر الحبيب». لكنه أشار إلى أن لحن الموصلي ظهر عام 1925، ومن ثمَّ لا علاقة له بلحن سيد درويش، خلافاً لما يردّده البعض، مؤكداً أن «زوروني كل سنة مرة» تعود إلى التراث المصري دون سواه.


نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
TT

نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)

أظهرت دراسة دولية أن نوافذ ذكية تستجيب تلقائياً لتغير درجات الحرارة يمكن أن تساعد في خفض استهلاك المباني للطاقة وتحسين الراحة الحرارية، من دون الحاجة إلى مصدر كهرباء خارجي أو أجهزة استشعار وأنظمة تحكم معقدة.

وأوضح باحثون من جامعة ساوث إيست الصينية وجامعة كونكورديا الكندية، أن هذه النوافذ يمكن أن تصبح عنصراً نشطاً في التحكم بدرجة حرارة المباني، بما يفتح المجال أمام تقليل الطاقة اللازمة للتبريد والتدفئة، مع الحفاظ على الاستفادة من الضوء الطبيعي. ونشرت نتائج المراجعة، الجمعة، في دورية «Science Bulletin».

وتمثل النوافذ جزءاً مهماً من المباني، إذ تسمح بدخول الضوء الطبيعي، وتوفر إطلالات على الخارج، لكنها في الوقت نفسه تعد من نقاط الضعف في غلاف المبنى، ويمكن أن تتسبب في فقدان الحرارة أو اكتسابها بصورة غير مرغوبة، ما يزيد الحاجة إلى أنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء.

وأجرى الفريق مراجعة لرصد التطورات الرئيسية في تقنية تعرف باسم «النوافذ المتغيرة حرارياً»، إلى جانب التحديات التي لا تزال تعوق استخدامها على نطاق واسع.

وتعتمد هذه النوافذ على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة؛ ففي الظروف الباردة، تصبح أكثر شفافية، بما يسمح بدخول مزيد من الضوء الطبيعي والاستفادة من الحرارة الآتية من أشعة الشمس، بينما تقلل في الأجواء الحارة من نفاذ الطاقة الشمسية إلى داخل المبنى، خصوصاً الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء. ويمكن لهذه الخاصية أن تحد من اكتساب المبنى للحرارة خلال الفترات الحارة، وبالتالي تخفف الحمل الواقع على أنظمة التبريد، من دون الحاجة إلى تشغيل النافذة بالكهرباء بصورة مستمرة. وتتغير الخصائص البصرية لهذه النوافذ عند بلوغ درجة حرارة معينة، فتتبدل قدرتها على السماح بمرور الضوء والطاقة الشمسية، وتختلف آلية عملها حسب المواد المستخدمة.

وشملت المواد التي تناولتها المراجعة «ثاني أكسيد الفاناديوم»، و«بيروفسكايت الهاليد»، والمواد الهلامية المائية، والبلورات السائلة، والسوائل الأيونية.

ووفقا للباحثين، تتمتع هذه المواد بخصائص مختلفة؛ فبعضها يمتلك قدرة جيدة على التحكم في الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء، بينما يوفر بعضها الآخر تغيراً قوياً في الخصائص البصرية، أو يسمح بضبط درجة الحرارة التي تبدأ عندها عملية التحول.

لكنّ الباحثين أوضحوا أن نقل هذه التقنية من المختبر إلى المباني يواجه تحديات عدة، من بينها ارتفاع درجة حرارة التحول في بعض المواد، وتغير لون الزجاج، والضبابية، والحساسية للرطوبة، والإجهاد الميكانيكي، وعدم الاستقرار على المدى الطويل.

كما تعتمد فاعلية النوافذ المتغيرة حرارياً بدرجة كبيرة على المناخ، واتجاه واجهة المبنى، ونوعه، وتصميم الزجاج. وقد تكون أكثر فائدة في المناطق التي تسود فيها الحاجة إلى التبريد، بينما يمكن لتصميم غير مناسب أن يحجب الحرارة الشمسية المفيدة في المناطق التي تحتاج إلى التدفئة.

ويرى الباحثون أن تطوير هذه التقنية يجب ألا يركز على تحسين المواد وحدها، بل ينبغي أن يتجه أيضاً إلى دمج النوافذ في أنظمة المباني، بما يشمل التدفئة والتهوية وتكييف الهواء والإضاءة ووسائل التظليل.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج لا تعني أن النوافذ المتغيرة حرارياً يمكن أن تحل محل أجهزة التكييف، وإنما تشير إلى إمكانية استخدامها لتقليل كمية الحرارة التي تدخل المبنى، وبالتالي خفض الطاقة التي تحتاج إليها أنظمة التبريد، مع اختلاف الفائدة المتوقعة وفقاً للظروف المناخية وتصميم المبنى.