«خمسون قصيدة» في قبضة حياة صاخبة

مختارات تجسد رحلة حجازي الشعرية لستة وخمسين عاماً

«خمسون قصيدة» في قبضة حياة صاخبة
TT

«خمسون قصيدة» في قبضة حياة صاخبة

«خمسون قصيدة» في قبضة حياة صاخبة

في كتابه «خمسون قصيدة» الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب وهو عبارة عن مختارات تجسد مسيرة الشاعر أحمد عبد المعطي الإبداعية، يقول الناقد دكتور محمد عبد المطلب «من الواضح أن شعرية حجازي محدودة «كميا» لكنها غير محدودة «كيفيا»، لافتا إلى أنه بدأ ينشر شعره منذ عام 1955 وظل يتابع النشر حتى عام 2011 والمسافة الزمنية لهذا النشر تبلغ ستة وخمسين عاما تقريبا، ما يعني أن إصدار شعره سار بمعدل ديوان كل ثماني سنوات تقريبا.
يفسر عبد المطلب ذلك بأن حجازي «لا يمارس الإبداع إلا عندما يدخل الحالة الشعرية التي يحل فيها كما تحل فيه». وهو ما أكسب شعريته خصوصية سكنى القلب والروح والعقل، كما تنطبق عليه مقولة التراث: «أشعر الشعراء من أنت في شعره حتى تفرغ منه» وإن كان القارئ لا يفرغ منه بعد القراءة بل يعيش عالمه الشعري حضورا وغيابا.
ومن ثم يؤكد عبد المطلب على أن المكانة الباذخة التي يحتلها حجازي في مسيرة الشعر العربي جاءته من عدة مصادر منها مكانته الريادية في شعر التفعيلة، فضلا عن معالجته ركائز الشعرية العربية الرئيسية وهى الموسيقى واللغة والخيال والمعنى والتي يشير إليها حجازي ضمنيا في كتابه «الشعر رفيقي»، حيث عرض للموضوع الشعري وضرورة أن يمتزج بالإحساس وتوابعه من الخيال، أو ما تختزنه الذاكرة من الثقافة واللغة، أي أن حجازي يعتمد هذه الرباعية على نحو من الأنحاء وهذا المفهوم يكاد يتوافق مع مفهوم واحد من أعلام التراث هو ابن سلام في مقولته: «الشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات منها ما تثقفه اليد ومنها ما يثقف اللسان» والصناعة في هذه المقولة تعني الفن.
ويتطرق عبد المطلب لديوان حجازي الأول «مدينة بلا قلب» مشيرا إلى أن إنتاج هذا الديوان صحبه موقفان متلازمان أحدهما مادي والآخر معنوي. الأول هو الرحيل من القرية إلى المدينة بكل نواتجه النفسية والعقلية والروحية، والآخر هو الصعود إلى قمة الشعر وهي القمة التي استقر فيها مغالبا مشقة الطريق ومغالبا منافسة الكبار وقد تغلب على كل ذلك لأنه من أصحاب العزم، فقد كان رفاق قريته يصنعون تماثيلهم من الطين أما هو فيصنعها من الحجارة مغالبا المشقة التي يعانيها مقارنة بما يعانيه رفاق طفولته وهو ما عبر عنه في «دفاع عن الكلمة»:
«أنا أصغر فرسان الكلمة
لكني سوف أزاحم من علمني لعب السيف
من علمني تلوين الحرف
سأمر عليه ممتطيا صهوة فرسي
لن أترجل... لن يأخذني الخوف»
وتتردد ذكريات الطفولة والصبا في ثماني قصائد من المختارات هي «العام السادس عشر، الأمير المتسول، رقص، تعليق على منظر طبيعي، خارج الوقت، وأيام أمي، طللية، المراثي». أهمية هذا الملمح تتمثل في أن زمن الطفولة هو الزمن الأثير في مسيرة حجازي فهو زمن البراءة والطهر والفطرة في القرية، زمن السعادة الروحية والقلبية يقول في قصيدة «خارج الوقت»:
«لم أعد أطلب المستحيل
ولم يبقَ لي أن أفكر في بشر سعداء
يعيشون في زمن كالطفولة
لا يهرمون أبدا»
هذه الطفولة الأبدية ظلت محفورة في ذاكرة هذا الشاعر بكل محتوياتها الحياتية والطبيعية أما محتوياتها الحياتية ففي مقدمتها طفولته مع أمه حيث يقول في قصيدة «أيام أمي»:
وأنا أذكر أمي في صباها وصباي
كنت طفلا
لا أرى في المرأة الكاشفة الساقين
إلا أنها أمي التي تجلس للمرآة
تفشي عطرها الفواح
أو ترسم فيها كحلها
ثم تمشي في ظلال الصيف كالطيف»
ومن الملامح الأخرى التي تجسدها مسيرة حجازي «الصدام بين القرية والمدينة». وهذا الملمح هو امتداد للملمح السابق، ذلك أن القرية هي التي شهدت مولد الشاعر وشهدت مرحلة الطفولة والصبا بكل ما فيهما من براءة وفطرية ولم يكن الشاعر بدعا في دخول هذه المرحلة فقد سبقه كثير من المبدعين من الشعراء والكتاب في دخولها والتعبير عنها فيما أبدعوه. ذلك أن الحنين إلى البدايات أمر تفرضه الفطرة الإنسانية بل يمكن القول إن دخول هذه المرحلة نسق ثقافي مغرق في القدم وليس الوقوف على الطلل في التراث إلا نوعا من الحنين إلى الماضي بكب محتوياته. ويتردد هذا المحور ترددا لافتا في ديوان حجازي بل إن ديوانه الأول حمل عنوانا دالا على هذا الصدام وربما كانت أقسى صور المدينة ما جاء في قصيدة «رسالة إلى مدينة مجهولة» يقول فيها:
«وكان أن عبرت في الصبا البحور
رسوت في مدينة من الزجاج والحجر
الصيف فيها خالد ما بعده فصول
بحثت فيها عن حديقة فلم أجد لها أثر
وأهلها تحت اللهيب والغبار صامتون
ودائما على سفر
لو كلموك يسألون.. كم تكون ساعتك»
يعد الفقد ملمحا آخر في هذه المختارات الشعرية التي يضمها الكتاب، ويمثل نتيجة للملمحين السابقين ومن ثم يضم في سياقه فكرة الموت أيضا. وهذا الفقد يتراجع للوراء بخاصة فقد الشاعر لطفولته في القرية وما يرتبط بها من الوالدين والإخوة ثم تفاقم الفقد في عالم المدينة للشخوص والأماكن والذكريات. ويتنامى الفقد مع التقدم في العمر. ومن تبعاته قصائد الرثاء في مدونة الشاعر، وتكاد تكون قصيدة «العودة من المنفى» خالصة لهذا الفقد الذي يسكن ذاكرة وقلب حجازي. يقول في مطلعها:
«لما تحررت المدينة عدت من منفاي
أبحث في وجوه الناس عن صحبي
فلم أعثر على أحد وأدركني الكِلال
فسألت عن أهلي وعن دار لنا
فاستغرب الناس السؤال»
ويتسع محور الفقد لنسق الموت بوصفة ركيزة الفقد التي لا مفر منها وإن كانت بداياته ذلك الموت الاعتباري الذي عبر عنه في قصيدة «الموت فجأة»:
«حملت رقم هاتفي
واسمي وعنواني
حتى إذا سقطت فجأة تعرفتم عليّ
وجاء إخواني
تصوروا لو أنكم لم تحضروا
ماذا يكون
أظل في ثلاجة الموتى طوال ليلتين»
ثم من الموت «الاعتباري» إلى الموت «الإسقاطي» الذي يواجه به عالم المدينة في قصيدة «مقتل صبي»:
«الموت في الميدان طن
الصمت حط كالكفن
وأقبلت ذبابة خضراء
جاءت من المقابر الريفية الحزينة
ولولبت جناحها على صبي مات في المدينة»
ويتجلى ملمح الزمن في قصيدته «المراثي» التي وضع لها عنوانا موازيا «محطات الزمن الآخر» وفيها يقول:
«زمن واقف
يتعامد فوق مدى الزمن الأفقي
وينأى عن المعدن المتدفق في الطرقات المضيئة
كيف يحسب وقت الرحيل
بعيدا عن الشمس واللحظات الدفينة»
ويرى دكتور عبد المطلب، أنه كان لشعرية حجازي بعض الاعتبارات في نظرها لما حولها بوصفها منبهات زمنية وربما كانت ساعة الميدان أهم تلك المنبهات يقول في «العام السادس عشر»:
«أصدقائي
نحن قد نغفو قليلا
بينما الساعة في الميدان تمضي
ثم نصحو فإذا الركب يمر»
أما عن الحضور الأنثوي، فيؤكد دكتور عبد المطلب أن الأنثى تعد آخر الملامح التي تتجلى عبر المختارات، فهي تكاد تكون حاضرة في معظم القصائد سواء أكان حضورها مباشرا ومجسدا أم كان حضورا رمزيا غير مباشر؛ وربما دخل حضورها منطقة الأساطير.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«الغريب» لفرنسوا أوزون... اختبار سينمائي لفلسفة العبث

فيلم يضع الإنسان أمام صمت العالم من دون موسيقى تعزية (الشرق الأوسط)
فيلم يضع الإنسان أمام صمت العالم من دون موسيقى تعزية (الشرق الأوسط)
TT

«الغريب» لفرنسوا أوزون... اختبار سينمائي لفلسفة العبث

فيلم يضع الإنسان أمام صمت العالم من دون موسيقى تعزية (الشرق الأوسط)
فيلم يضع الإنسان أمام صمت العالم من دون موسيقى تعزية (الشرق الأوسط)

يُقدّم فيلم «الغريب» للمخرج الفرنسي فرنسوا أوزون قراءة سينمائية متأنّية لرواية ألبير كامو الشهيرة، من دون أن يُحوّلها إلى إعادة تمثيل حرفية للنصّ الأدبي. ينطلق الفيلم، الذي يُعرض في بعض الصالات اللبنانية، من الرواية بوصفها مادّة أولى، لكنه يضع الصورة في الواجهة ويجعل من السينما وسيلة لطرح أسئلة الوجود والعدالة والمعنى في عالم يعجز عن تقديم إجابات شافية.

تدور الحكاية عن «مورسو» (بنجامين فوازان)، الرجل الذي يعيش على هامش الإيقاع الاجتماعي السائد... لا يُظهر مشاعره بالطريقة المُتوقّعة، ولا يُجيد التعبير عنها بلغة مقبولة اجتماعياً. في جنازة والدته، لا يبكي. بعد أيام، يعود إلى حياته اليومية من دون مظاهر حداد واضحة. هذه التفاصيل، التي تبدو عابرة في ظاهرها، تتحوّل تدريجاً عناصر إدانة، لكشفها عن اتّساع المسافة بين الفرد والمجتمع.

موت الأم يُقاس بثقل المشاعر قبل فيضها (الشرق الأوسط)

يعتمد أوزون الأبيضَ والأسودَ خياراً بصرياً أساسياً، في خطوة تُبعد الفيلم عن الإغراءات الجمالية وتضع التركيز على البنية السردية والأداء. الصورة المُجرَّدة تُسهم في تكثيف الإحساس بالبرودة والعزلة، وتُبرز وجوه الشخصيات كأنها مُحاصَرة داخل فضاء اجتماعي ضيّق. الكاميرا لا تلاحق الانفعالات ولا تُقرّب المسافات؛ لتترك الشخصية الرئيسية في مواجهة العالم من دون وساطة.

في منتصف الفيلم، يصل السرد إلى مشهد الشاطئ، وهو المشهد المفصلي الذي تنقلب عنده الحكاية. الجريمة التي يرتكبها «مورسو» تخرج من تقديمها ضمن إطار درامي تقليدي. لا صراع واضحاً، ولا دافع نفسياً مُعلَناً. ما يظهر على الشاشة هو تراكم حسّي تُجسّده حرارة الشمس وتعب الجسد وضغط الضوء. والفعل الإجرامي يأتي فجأة من دون تمهيد عاطفي، كأنه نتيجة خلل مؤقّت في العلاقة بين الإنسان ومحيطه.

هذا المشهد هو المدخل الأساسي لفهم فلسفة العبث عند كامو كما يعكسها الفيلم. فالعبث ليس الفوضى أو اللامعقول؛ إنه إشارة إلى التناقض بين توق الإنسان إلى المعنى وصمت العالم أمام هذا التوق. جريمة «مورسو» تكتسب معناها من غياب التفسير قبل انتفاء الدافع. فالعالم لا يشرح نفسه، والحدث يقع من دون أن يُقدّم مبرّرات أخلاقية.

الشمس في «الغريب» ضغطٌ بصريّ يُربك الجسد والعقل (الشرق الأوسط)

مع انتقال السرد إلى قاعة المحكمة، تتغيَّر طبيعة الصراع. المحاكمة تنشغل بشخصية «مورسو» وسلوكه العام بدل أن تتركّز على الفعل وحده... طريقة حزنه، علاقته بأمّه، ردود الفعل منه بعد الجنازة، تتحوّل إلى أسئلة مركزية. العدالة، كما يصوّرها الفيلم، لا تكتفي بمحاكمة الجريمة، فتسعى إلى محاكمة أسلوب الحياة.

هنا تتقاطع السينما مع فلسفة كامو بشكل مباشر... «مورسو» لا يُدان لأنه قاتل؛ يُدان لأنه لم يلتزم المعايير العاطفية والاجتماعية المُتوقّعة. في هذا السياق، يحتاج المجتمع إلى سردية أخلاقية متماسكة تُبرّر أحكامه. وحين يرفض الفرد المشاركة في إنتاج هذه السردية، يتحوّل إلى عنصر مُزعج يجب إقصاؤه.

أداء بنجامين فوازان شخصية «مورسو» يختزل اللااكتراث البارد... لا انفعالات زائدة ولا محاولات لاستدرار التعاطف. هذا الخيار يتماشى مع رؤية الفيلم التي ترفض تحويل الشخصية بطلاً أو ضحية. «مورسو» يمثّل إنساناً يواجه العالم كما هو، من دون أن يُضفي عليه معاني إضافية، ومن دون أن يبحث عن تبرير لسلوكه.

في خلفية هذا كلّه، تبرز فلسفة العبث بوصفها موقفاً وجودياً لا يدعو إلى العدمية. كامو لا ينفي قيمة الحياة؛ هو يرفض الأوهام التي تُفرَض عليها. الاعتراف بعبث العالم يعني العيش بوعي وحدود واضحة. يُساء فهمه بتفسيره دعوةً للاستسلام. «مورسو» في لحظاته الأخيرة لا يصل إلى خلاص ولا يكتشف حقيقة كبرى. ما يبلغه هو قبول هادئ بفكرة الموت بصفتها جزءاً من نظام كوني لا يَعِد بالعدل ولا بالمعنى.

وجهٌ محايد في عالم يُطالب بالمشاعر دليلَ إدانة (الشرق الأوسط)

ينجح فرنسوا أوزون في تقديم فيلم يحافظ على جوهر رواية «الغريب» ويُعيد طرح أسئلتها بلغة سينمائية معاصرة. عمله يضع المُشاهد أمام تجربة توقظ أسئلة مُلحَّة عن العدالة والاختلاف والحاجة الإنسانية الدائمة إلى المعنى. لا يسعى إلى تفسير كامو ولا إلى تحديثه قسراً، وفي ذلك، يظلّ وفياً لفكرة أساسية، هي أنّ أخطر ما في العبث محاولة إنكاره وليس الاعتراف به.


بيع سمكة تونة زرقاء مقابل 3.27 مليون دولار في اليابان

كيوشي كيومورا الذي يُلقّب نفسه بـ«ملك التونة» والذي فازت سلسلة مطاعمه «سوشي زانماي» بالمزاد (رويترز)
كيوشي كيومورا الذي يُلقّب نفسه بـ«ملك التونة» والذي فازت سلسلة مطاعمه «سوشي زانماي» بالمزاد (رويترز)
TT

بيع سمكة تونة زرقاء مقابل 3.27 مليون دولار في اليابان

كيوشي كيومورا الذي يُلقّب نفسه بـ«ملك التونة» والذي فازت سلسلة مطاعمه «سوشي زانماي» بالمزاد (رويترز)
كيوشي كيومورا الذي يُلقّب نفسه بـ«ملك التونة» والذي فازت سلسلة مطاعمه «سوشي زانماي» بالمزاد (رويترز)

دفع مالك سلسلة مطاعم سوشي مبلغاً قياسياً قدره 3.27 مليون دولار (510.3 مليون ين) مقابل سمكة تونة زرقاء عملاقة طُرحت في مزاد رأس السنة المرموق الذي أقيم الاثنين في سوق السمك الرئيسية بطوكيو.

ودفع كيوشي كيمورا، الذي يُلقّب نفسه بـ«ملك التونة»، والذي فازت سلسلة مطاعمه «سوشي زانماي» بالمزاد، هذا المبلغ مقابل السمكة التي يبلغ وزنها 243 كيلوغراماً وجرى اصطيادها قبالة الساحل الشمالي الشرقي لليابان.

كيوشي كيمورا يعرض سمكة تونة زرقاء الزعانف تزن 243 كيلوغراماً بيعت بـ3.3 مليون دولار أميركي في مطعمه الرئيسي بطوكيو (أ.ف.ب)

وقال كيمورا، بعد المزاد الذي أُقيم في سوق تويوسو للسمك: «كنت أعتقد أننا نستطيع الحصول عليها بسعرٍ أقل، لكنّ السعر ارتفع بسرعة كبيرة».

يستعد كيوشي كيمورا رئيس شركة كيومورا الذي يدير سلسلة مطاعم سوشي زانماي لتقطيع سمكة تونة زرقاء الزعانف تزن 243 كيلوغراماً (رويترز)

ويُعَدُّ مبلغ 510.3 مليون ين الذي بِيعت به السمكة هو الأعلى منذ بدء جمع البيانات المقارنة عام 1999.

تجمّع الناس لمشاهدة سمكة تونة زرقاء الزعانف تزن 243 كيلوغراماً في مطعم السوشي «سوشي زانماي» بطوكيو (أ.ف.ب)

ويعود الرقم القياسي السابق لسمكة تونة زرقاء تزن 278 كيلوغراماً بِيعت لقاء 333.6 مليون ين (2.12 مليون دولار) في عام 2019، بعد انتقال السوق من موقعها التقليدي في تسوكيجي وسط طوكيو، إلى مرافق أكثر حداثة.

ينظر المشاركون إلى أسماك التونة بينما يحضر تجار الجملة والمشترون أول مزاد للتونة في العام الجديد بسوق تويوسو للأسماك في طوكيو (أ.ف.ب)

وفي العام الفائت، دفع مُزايد 207 ملايين ين ياباني (1.32 مليون دولار) مقابل سمكة تونة زرقاء تزن 276 كيلوغراماً.


ماريا الدويهي... سعيدة بتسلُّق «القرنة البيضا» مع يحيى جابر

الممثلة ماريا الدويهي والكاتب والمخرج المسرحي يحيى جابر (صور الدويهي)
الممثلة ماريا الدويهي والكاتب والمخرج المسرحي يحيى جابر (صور الدويهي)
TT

ماريا الدويهي... سعيدة بتسلُّق «القرنة البيضا» مع يحيى جابر

الممثلة ماريا الدويهي والكاتب والمخرج المسرحي يحيى جابر (صور الدويهي)
الممثلة ماريا الدويهي والكاتب والمخرج المسرحي يحيى جابر (صور الدويهي)

الصعود إلى خشبة يحيى جابر ليس كما النزول عنها، فما بين أسفل المسرح وأعلاه رحلةٌ طويلة من التشريح النفسي، والإنساني، والفني يخضع لها الممثل على يد كاتبٍ ومُخرجٍ مسرحيّ يعتمد «مقاربةً فرويديَّة» في التعامل مع ممثّليه ونصوصه وجمهوره.

12 شهراً أمضتها ماريا الدويهي وهي تعيد اكتشاف ذاتها كممثلة وكإنسانة تحت إشراف جابر، هو الذي يُنظَر إليه منذ سنوات على أنه القلب النابض للنهضة المسرحية في بيروت. سنةٌ انقضت وهما يستعدَّان لتقديم مسرحية «القرنة البيضا»، وها قد حان موعد اللقاء مع الجمهور.

عشيَّة العرض الأول، تتحدّث ماريا الدويهي لـ«الشرق الأوسط». هي الآتية من خبرة أكاديمية طويلة حصلت بموجبها على الدكتوراه في المسرح ودرّست جيلاً من الطلّاب في معهد الفنون في «الجامعة اللبنانية»، تقول إن العمل مع جابر كان بمثابة «دخولٍ جديد إلى الجامعة». وهي التي تأخَّرت سنواتٍ في خوض التمثيل على الخشبة وأمام الكاميرا، تُدرك أن تعاونها معه قرَّبها أكثر من «القمة التي طمحت إليها وثابرت من أجلها على مدى 20 عاماً».

مسرحية «القرنة البيضا» ليحيى جابر مونودراما من بطولة ماريا الدويهي (صور الدويهي)

للمفارقة فإنَّ عنوان المسرحية يتلاقى وتطلُّعاتِ ماريا الدويهي، فـ«القرنة البيضا» تعبيرٌ مقتبس من القرنة السوداء، وهي أعلى قمَّة في لبنان، تطلّ على مدنِ الشمال اللبناني وقُراه.

قبل سنتَين، وقفت ماريا الدويهي على الخشبة ضمن مسرحيةٍ كتبتها وحملت عنوان «آخر بروفا». كما لو أنَّ قلبها وقلمَها أنبآها بأنَّ ذاك سيكون التمرين الأخير قبل اللقاء مع يحيى جابر. في «القرنة البيضا»، تكرّر تجربة «المونودراما» فتَشغل المسرح وحيدةً لأكثر من 100 دقيقة. لكن هذه المرة، تختلف المقاييس كلها؛ هي مجموعة نساء في امرأةٍ واحدة. هي أصواتٌ صارخة وخافتة، وحكاياتٌ مُبكية ومضحكة لفَرط السواد، وهي انكساراتٌ تَناقلتها أجيالٌ من النساء.

ليست ماريا الدويهي غريبةً عن الشمال اللبناني. هي ابنةُ زغرتا ومَصيَفِها إهدن. هي ابنةُ أمّها، وجدّتها، وعمّتها، وجاراتها، وكلِ امرأةٍ شماليةٍ عرفتها فانسكبت فيها حكايتُها من دون أن تدرك. كان على يحيى جابر أن يحفر عميقاً في تلك الذاكرة، حتى يُخرجَ «طريزا»، و«يوسفيّة»، و«روزانا»، و«كاميليا»، و«فايزة» و«لبيبة»، وغيرهنّ ممّن يسكنَّ المسرحية. شخصياتٌ طالعة من بنات أفكاره، أما حكاياتهنّ فطالعةٌ من الواقع.

استغرق التحضير للمسرحية عاماً من البحث والكتابة والإعداد (صور الدويهي)

يهجس جابر بالبيئات اللبنانية المتنوّعة. عندما يعدّ مسرحية، ينقّب في المجتمعات كما يفعل عالِم أنثروبولوجيا وتاريخ. خلال العقد الأخير، ندهته بيروت مع الممثل زياد عيتاني في «بيروت الطريق الجديدة»، وبعلبك مع عباس جعفر في «هيكالو»، والجنوب مع أنجو ريحان في «مجدّرة حمرا» و«شو منلبس»، والضاحية الجنوبية لبيروت مع حسين قاووق في «شو ها»، وبيئة جبل لبنان المسيحية مع ناتالي نعّوم في «من كفرشيما للمدفون». أما اليوم فتتّجه الرحلة شمالاً وتحديداً إلى قضاء زغرتا في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي.

وكما يهجس بالثقافات والعادات المحلّيّة للمجتمعات اللبنانية، فإنّ جابر مسكونٌ كذلك بقضايا المرأة. وكأنّه يريد تحويل مسرحه إلى ساحةٍ شاسعة تركض فيها حرّةً، تنفض عليها مآسيها، وتفضح من خلالها كل من طعنها، واستصغرها، وصيّرَها ضحية.

في «القرنة البيضا»، وأكثر من أي وقت، تهتزّ الخشبة على وقع حكايات نساءٍ سحقتهنّ الموروثات الذكوريّة القاتلة. توظّف ماريا الدويهي كل خلّيةٍ في جسدها، وكل نفسٍ من أنفاسها لسَرد القصص. تتنقّل بين الشخصيات بطواعيةٍ ملفتة. لا تخلع رداء الحزن الأسود لكنها تبدّل جِلدَها بلمح البصر، فتطير من أقصى التراجيديا إلى أقصى الكوميديا. يكفي أن تغيّر منديلاً أو قبّعة لتقنعك بأنّ «فايزة» صارت «لبيبة»، أو بأنّ «يوسفية» تحوّلت إلى «كاميليا». يزهد يحيى جابر بالديكورات والإكسسوارات، على قاعدة أنّ فرويد اكتفى بكنَبة ليُخرج من البشَر أعمق الندوب والتعقيدات النفسية.

ماريا الدويهي هي ابنة البيئة التي تتحدث عنها المسرحية (صور الدويهي)

تضع الممثلة التي نشأت بين زغرتا وإهدن لهجتها الشمالية في خدمة المسرحية؛ بها تبثّ الروح في الشخصيات. «هي ليست قصتي، لكنها قصة أجيال من النساء الشماليات اللواتي كنّ يستأهلن السعادة والنجاح»، تقول. وقد أدركت ماريا الدويهي من خلال المسرحية، وهذا ما سيدركه الجمهور كذلك، أن انسحاق المرأة ما كان سببُه الذكورية الطافحة، والحروب، والأخذ بالثأر فحسب، بل «لأن المرأة كانت عدوَّة المرأة الأخرى وعدوَّة نفسها أيضاً».

أبعد من اللهجة تذهب ماريا الدويهي في تلوين «القرنة البيضا». كقَوسِ قزحٍ يربط صوتها بداية المسرحية بنهايتها. من الحِداء إلى الدلعونا مروراً بالابتهالات وليس انتهاءً بالطرب العربي وكلاسيكيات الغرب، تغنّي بصوتٍ جميل وأداءٍ مرهف. وإذا كان محتوى مسرحية جابر سيشكّل مفاجأة للجمهور، فإنّ المفاجأة الكبرى سوف تتجسّد في بطلة العمل.

ماريا الدويهي بإطلالتها التلفزيونية الأخيرة في مسلسل «مش مهم الاسم» (صور الدويهي)

لم تكن مسيرة ماريا الدويهي التمثيلية اعتيادية. عشقت الفن طفلةً لكنها خجلت من أن تُفرج عن مواهبها. في حياةٍ موازية، كادت أن تتحوَّل إلى امرأةٍ شبيهة بشخصيات «القرنة البيضا»، غير أنّ الزواج والإنجاب وتربية الأولاد لم يكونوا نهاية الطريق. هي التي تخصصت في المسرح ونالت الدكتوراه فيه، توقفت عن التمثيل 20 عاماً. «في 2018 كانت العودة من خلال مشاركاتٍ صغيرة ومجانية في مشروعات تخرّج للطلّاب بدايةً»، تخبر الفنانة. «لم أعترض ولم أخجل. تعمَّدت أن أصعد السلّم ببطء، ويبدو أن الزرعَ أتى بثماره بما أنني لفتتُ نظرَ يحيى جابر».

قبل فترة وجيزة تعرّف عليها الجمهور العربي في مسلسل «مش مهم الاسم» بشخصية «مي». وبما أنّ الوقت لا يأتي متأخراً، فإنّ ماريا الدويهي تريد التفرّغ لمتابعة الرحلة بين الخشبة والشاشة.

* تٌعرَض «القرنة البيضا» في مسرح «المونو» في بيروت في 6، 8، 11، 14، 16، 27 يناير (كانون الثاني) الحالي.