«تمجيد العنف» يصدم الشارع العربي

حملات تعاطف تحركها السوشيال ميديا... وخبراء يعوّلون على «دور الدولة»

الطالبة الجامعية نيرة أشرف
الطالبة الجامعية نيرة أشرف
TT

«تمجيد العنف» يصدم الشارع العربي

الطالبة الجامعية نيرة أشرف
الطالبة الجامعية نيرة أشرف

لا يكاد يمر يوم دون أن نطالع عنواناً في صحيفة، أو على مواقع الإنترنت، يتحدث عن جريمة بشعة هنا أو هناك، لتبدأ المحاكمات الافتراضية على مواقع التواصل الاجتماعي، عبر سلسلة لا نهائية من التغريدات والمنشورات والتقارير الإعلامية، المصحوبة بتعليقات وحملات للتعاطف مع الجاني وتبرير جريمته، وإلقاء اللوم على الضحية، وسط حالة مثيرة للدهشة من «تمجيد العنف»، والاعتياد عليه بصفته جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية، فلم تعد مشاهد الدماء والقتل مستهجنة أو غريبة للكل، بل العكس بات البعض يحاول توثيقها بعدسة هاتفه المحمول، ومشاركتها على مواقع التواصل الاجتماعي؛ وهو ما يثير التساؤلات حول أسباب اعتياد بعض الناس على العنف، وتمجيدهم للجناة.
وتتشابه مشاهد العنف في الشارع العربي من حيث درجة التفاعل والاستهجان والتعاطف، وإن اختلفت تفاصيل الجرائم، فخلال شهر يوليو (تموز) 2022 استيقظ الفلسطينيون على خبر استخراج جثة رجل من تحت الإسمنت في منزله، ببلدة عجة في جنوب جنين، قتله ابنه، ودفنه وصب فوقه الإسمنت.
https://twitter.com/ShehabAgency/status/1546626903775363074?s=20&t=T1dNj8R7yJrv6T9qW8kXQw
تأتي هذه الحادثة بعد أسابيع من جريمة هزت الشارع المصري، راح ضحيتها الطالبة الجامعية نيرة أشرف، التي قتلها زميلها محمد عادل على أبواب جامعة المنصورة؛ لأنها «رفضت الزواج» منه.
لم يمر يومان حتى شهدت الأردن جريمة مماثلة راحت ضحيتها إيمان إرشيد التي قُتلت بالرصاص داخل الحرم الجامعي في جامعة العلوم التطبيقية الخاصة شمال العاصمة عمان، وتمكنت قوات الأمن من تحديد مكان القاتل، ولدى محاصرته من قِبل رجال الأمن العام، أقدم على إطلاق النار على نفسه.
يبدو أن الجاني الأردني اتخذ من القاتل المصري قدوة، حيث تداولت مواقع التواصل الاجتماعي رسلة تهديد قيل إن الجاني أرسلها لإيمان، تقول «بكرا رح اجي احكي معك وإذا ما قبلتي رح اقتلك مثل ما المصري قتل البنت اليوم».
https://twitter.com/WwwDootnoor/status/1539966943540588546?s=20&t=vbStiQoPdhvAkMrNUoEX7Q
وعلى غرار نيرة أشرف المصرية، وإيمان إرشيد الأردنية، شهد أحد الشواطئ التونسية جريمة قتل وصفت بـ«البشعة» أوائل يوليو 2022، حيث طعن شاب من مواليد 1992 صديقته بسكين أمام الناس في وضح النهار، ثم حاول الانتحار بعدها.
الدكتورة ديما دبوس، المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط شمال أفريقيا في مؤسسة «إكواليتي ناو»، ترجع تزايد العنف إلى «الإجراءات الاحترازية خلال جائحة كورونا»، تقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «الإغلاق، والبطالة والضائقة الاقتصادية، كلها أسباب أدت إلى تزايد العنف في المجتمع، دون توفير وسيلة للشكوى».
بينما يرجع الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، حالة «تمجيد العنف» في الشارع العربي إلى 4 أسباب، وهي كما يقول في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»، أن «وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي التي جعلت الناس تعتاد مشاهد العنف والجدال، إلى جانب غياب الأمن والقانون في الشارع لتقاعس القائمين على تنفيذه عن القيام بدورهم، وبطء الإجراءات القضائية التي تجعل المواطن يتراجع عن اللجوء للقانون، ويقرر الاعتماد على نفسه في الحصول على حقه، وأخيراً حالة الانتقائية في المحاسبة؛ فالغني وصاحب النفوذ يستطيع الهروب من يد العدالة»، مشيراً إلى أن «هناك تشابهاً في العادات والتقاليد في العالم العربي؛ وهو ما يدفع إلى تشابه الجرائم، أو محاولة محاكاتها في بعض الأحيان».
ويضيف صادق «هناك حالة من التعايش في الشارع مع العنف، وخاصة العنف الانتقائي ضد النساء والأقليات، فمن الطبيعي أن يضرب الرجل زوجته أو ابنته أو أخته أمام الناس دون أن يتدخل أحد، ومن يحاول أن يلجأ للقانون لا يجد آذاناً صاغية في هذه الوقائع، وينتهي الأمر بالصلح، وحتى إن تمت معاقبة الجاني، فهناك خوف من الانتقام فيما بعد»، ضارباً المثل بقصة فتاة المول في مصر، «التي تم تشويه وجهها من قِبل متحرش أبلغت عنه».
وتعود قصة فتاة المول إلى عام 2017 عندما تعرضت فتاة لمحاولة قتل أسفرت عن تشويه وجهها، من قِبل شاب سبق أن تحرش بها، وعوقب بالحبس أسبوعين وغرامة 100 جنيه، فعاد لينتقم منها.
لكن خالد القضاة، الصحافي الأردني والمدرب على قضايا السلامة المهنية وأخلاقيات المهنة، يرى أنه «لا يمكن الحديث عن انتشار الجريمة من عدمه لعدم وجود إحصائيات فعلية تقيس ذلك»، يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما يحدث هو زيادة في معدل نشر أخبار الجريمة بمساعدة وسائل التواصل الاجتماعي، والسباق المحموم بينها وبين وسائل الإعلام التقليدية على الجمهور»، مشيراً إلى أن «الناس تعودت على أخبار الجريمة، وأصبحت تتعمق في نشر تفاصيلها وصورها، فأصبحت الجريمة هي الأصل وغير ذلك استثناء».
وأضاف القضاة «نشر تفاصيل الجرائم، يعطي فرصة للشباب الصغير لتعلم كيفية ارتكابها، وبالتالي محاكاتها وتقليدها».
زهور وعمارة، أستاذة في القانون العام وحقوقية تونسية، تشير إلى أن «الجميع أصبح ينظر للعنف من منظور مواقع التواصل الاجتماعي»، تقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «الواقع التونسي شهد مؤخراً تمجيداً لحالات العنف ضد النساء، تحت تأثير مواقع التواصل الاجتماعي»، ضاربة المثل بقضية المشعوذ بلقاسم الذي عُرضت قصته في شهر مايو (أيار) الماضي، ضمن برنامج «الحقائق الأربع»، وهو شخص استدرج أكثر من 900 سيدة واغتصبهن بدعوى علاجهن من الجن العاشق.
حوادث العنف لا تنتهي؛ ففي نهاية مايو الماضي، كشفت وزارة الداخلية المصرية عن تفاصيل واقعة مفجعة حدثت في إحدى محافظات دلتا مصر، بعد أن قتلت أم أطفالها الثلاثة، تاركة رسالة وداع لزوجها الذي يعمل خارج البلاد، قالت فيها «أنا يا محمد وديت ولادك للجنة، أنت أيضاً ستلحقهم للجنة، أنا قصّرت مع أطفالي خصوصاً أحمد، اصبر واحتسبهم عند الله، ويا بختك بالجنة، أما أنا، فادعيلي لأني كنت بتعذب في الدنيا ومش قادرة أعيش».
وشهدت الأردن بداية شهر يوليو 2022 جريمة مشابهة قتل فيها رجل طفلتيه 9 و12 عاماً، ودفنهما بمحيط المنزل.
https://twitter.com/ajelnews24/status/1544318143467819008?s=21&t=z4_8KgYM6AlnNJYrUaZ4-Q
وفي فبراير (شباط) الماضي اعتقلت السلطات المغربية في الدار البيضاء شاباً (36 سنة)، بتهمة قتل والده وزوجة أبيه، طعناً بالسكين، وفي المغرب أيضاً في عيد الأضحى قتل شاب عشريني صديقه إثر نشوب مشادة كلامية بينهما انتهت بطعنه بسكين الأضحية.
وشهدت الجزائر نهاية شهر يونيو (حزيران) الماضي وقائع جريمة قتل قام خلالها شاب يحمل سلاحاً أبيض بشن هجوم على ممرضتين بالقرب من المستشفى، ليقتل الأولى ويصيب الثانية.
وفي الكويت، هزت جريمة الطفل صقر المطيري القلوب خلال شهر يوليو 2022 بعدما ترددت أنباء عن قتل والدته له.
https://twitter.com/goldendose/status/1546169052409827330?s=21&t=z4_8KgYM6AlnNJYrUaZ4-Q
https://twitter.com/moi_kuw/status/1546112468270911490?s=21&t=z4_8KgYM6AlnNJYrUaZ4-Q
وبدأت الناس تطالب بعدم نشر تفاصيل أكثر عن القصة، وهو ما ذكرته دكتورة مريم المنصوري، في تغريدة على حسابها الشخصي على «تويتر»، قالت فيها «أتمنى ما ينشرن تفاصيل أكثر عن قصة الولد المقتول من أمه».
https://twitter.com/dr_m_almansouri/status/1546581033516240899?s=21&t=z4_8KgYM6AlnNJYrUaZ4-Q
وفي واقعة أخرى في الشهر نفسه، تداول رواد مواصل الاجتماعي مقطع فيديو لشخص يعتدي على زوجين بالسكين في شوارع الكويت.
https://twitter.com/sa_almjd/status/1546662603287662592?s=21&t=z4_8KgYM6AlnNJYrUaZ4-Q
وأثارت هذه الجرائم ردود فعل واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، بعضها انتقد عدم تفاعل المارة، وإصرارهم على تصوير الجريمة بدلاً من محاولة منعها، كما تقول مهجة السقا في تغريدة لها على «تويتر» تعليقاً على واقعة نيرة أشرف «إنك تموت بشرف أحسن ما تموت وأنت ماسك موبايلك بتصور جريمة بشعة كأنك مخرج فيلم إدرامي».
https://twitter.com/mouhga22/status/1547054559251648513?s=21&t=z4_8KgYM6AlnNJYrUaZ4-Q
والبعض الآخر عمد إلى لوم الضحية نيرة أشرف، باعتبارها السبب في الجريمة، ومحاولة تبرير سلوك القاتل، لدرجة التعاطف معه، وإنشاء مجموعات لدعمه على مواقع التواصل الاجتماعي، وجمع تبرعات في محاولة لدفع الدية، لتخليصه من عقوبة الإعدام، من بينها مجموعة على «فيسبوك» حملت عنوان «ظلم محمد عادل قاتل نيرة أشرف تخفيف الحكم»، طالب روادها بمحاكمة عادلة لمحمد عادل، واصفين ما يحدث له بالظلم.
https://www.facebook.com/groups/441969830795322
وحول أسباب التعاطف مع المجرمين، يقول الدكتور صادق «السبب يرجع لتدهور أخلاق المجتمع، إضافة إلى أن بعض المتعاطفين يمارسون نفس الجرائم بشكل أو بآخر؛ مما يدفعهم تلقائياً للتعاطف مع أقرانهم»، مؤكداً أهمية دور الإعلام في «فرملة المجتمع، وعدم تشجيع العنف، أو التعاطف مع المجرمين، كما يحدث الآن».
بينما يرى خالد القضاة، أن «الجمهور يستغل هذه الجرائم وسيلة لتوجيه انتقادات سياسية للحكومة، والتعبير عن احتقانه من إجراءاتها، وهو ما يفسر تعاطفه أحيانا مع الجناة انتقادا لتقصير الدولة في أداء دورها، كما حدث مؤخراً في قضية السطو على البنوك في الأردن، حيث تعاطف الجمهور مع اللصوص، وكانوا يتابعون نجاحهم وفشلهم، وخططهم، بتشجيع من الإعلام؛ لأن المؤسسات البنكية رمز لسيطرة الدولة على الناس وتكبيلهم بالقروض».
وهنا تقول وعمارة، إن «قضية بلقاسم على سبيل المثال أثارت بلبلة على وسائل التواصل الاجتماعي وانقسم الرأي العام التونسي بين رافض لما أقدم عليه بلقاسم وبين من يلوم النساء لأنهن خضعن لأكاذيب المشعوذ، ووصل الأمر إلى الحديث عن هشاشة المرأة، وابتعادها عن الدين، مستنكرين قبول النساء بمثل هذه الحلول الجنسية، ومجّد البعض هذا العنف الجنسي الذي سلط على الضحايا كنوع من التشفي والعقاب لما أقدمن عليه».
وتتهم دبوس المجتمع العربي بـ«الذكوري»، وتقول، إن «المجتمع دائماً ما يتعاطف مع الرجل ويلوم المرأة”، ضاربة المثل «بجريمة قتل شهدتها لبنان مؤخرا، قتل فيها رجل زوجته مع سبق الإصرار والترصد، لكن المجتمع تعاطف معه، بما في ذلك القضاء، وتم تخفيف الحكم عليه، تحت دعوى اتهامها بالخيانة».
الاحتفاء بالقتلة والتعاطف معهم ليس ظاهرة جديدة على العالم، وإن بدا أكثر وضوحاً اليوم بسبب مواقع التواصل الاجتماعي، ففي عام 1925 اعتقل غيرالد شابمان في ولاية إنديانا الأميركية، والذي كان يعدّ واحداً من أخطر عشرة مجرمين في أميركا، وخلال 6 أيام من المحاكمة تجمع الناس خارج المحكمة، وفور صدور حكم الإعدام شنقاً «لعن الرجال وبكت النساء»، وقالت صحيفة «ذا هارفارد كريمسون» في تقرير بتاريخ 6 أبريل (نيسان) 1925، إن «الصحف لعبت دوراً في زيادة شعبيته عند الناس، وعندما يعدم سيغطى قبره بالورود»، وهو ما حدث بالفعل، حيث نفذ الحكم عام 1926، ولسنوات بعد دفنه ظلت النساء تزور قبره وتضع حوله الزهور.
ويعد تيد باندي واحداً من أشهر المجرمين في التاريخ الأميركي، حيث قتل واغتصب نحو 100 امرأة، وتم القبض عليه وإعدامه في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، وكان يتلقى رسائل إعجاب أثناء وجوده في السجن، وعندما عرضت نتفليكس حلقات وثائقية تروي قصته، وتتضمن تسجيلات صوتية له، عام 2019 حاز باندي تعاطف المشاهدين؛ وهو ما دفع البعض للمقارنة بين حالته وبين حالة التعاطف مع محمد عادل.
https://www.facebook.com/samar.alzohairy11/posts/pfbid02n9cregwtgawK4fdqhZb9ufCfuAY45Uvnvg7zaCNDuoRLHv7ommAkXwxqetfUpgwml
ويشير صادق إلى أنه «مع تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب الأمن، يزداد العنف، خاصة مع غياب الوازع الأخلاقي»، محملاً الدولة مسؤولية سياسية عن «إعادة ضبط بوصلة المجتمع الأخلاقية»، ويقول «في أحداث العنف الكبرى في العالم عادة ما يكون هناك تحرك من الجهات العليا في الدولة لإدانة العنف، ومواساة الضحايا، كما يحدث في أحداث إطلاق النار المتكررة في الولايات المتحدة، وهو ما يؤكد عدم تسامح الدولة مع العنف، ويساهم في توجيه المجتمع أخلاقياً، لكن للأسف رغم كثرة الحوادث في المنطقة العربية، لم نرَ تحركات مماثلة».


مقالات ذات صلة

تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

العالم العربي تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

أعلن النائب التونسي ثابت العابد، اليوم (الثلاثاء) تشكيل «الكتلة الوطنية من أجل الإصلاح والبناء»، لتصبح بذلك أول كتلة تضم أكثر من 30 نائباً في البرلمان من مجموع 151 نائباً، وهو ما يمثل نحو 19.8 في المائة من النواب. ويأتي هذا الإعلان، بعد المصادقة على النظام الداخلي للبرلمان المنبثق عمن انتخابات 2022 وما رافقها من جدل وقضايا خلافية، أبرزها اتهام أعضاء البرلمان بصياغة فصول قانونية تعزز مصالحهم الشخصية، وسعي برلمانيين لامتلاك الحصانة البرلمانية، لما تؤمِّنه لهم من صلاحيات، إضافة إلى الاستحواذ على صلاحيات مجلس الجهات والأقاليم (الغرفة النيابية الثانية)، وإسقاط صلاحية مراقبة العمل الحكومي. ومن المنت

المنجي السعيداني (تونس)
العالم العربي مصر تبدأ تحريكاً «تدريجياً» لأسعار سلع تموينية

مصر تبدأ تحريكاً «تدريجياً» لأسعار سلع تموينية

بدأت مصر في مايو (أيار) الحالي، تحريكا «تدريجيا» لأسعار سلع تموينية، وهي سلع غذائية تدعمها الحكومة، وذلك بهدف توفير السلع وإتاحتها في السوق، والقضاء على الخلل السعري، في ظل ارتفاعات كبيرة في معدلات التضخم. وتُصرف هذه السلع ضمن مقررات شهرية للمستحقين من أصحاب البطاقات التموينية، بما يعادل القيمة المخصصة لهم من الدعم، وتبلغ قيمتها 50 جنيهاً شهرياً لكل فرد مقيد بالبطاقة التموينية.

محمد عجم (القاهرة)
العالم العربي «الوطنية للنفط» في ليبيا تنفي «بشكل قاطع» دعمها أطراف الحرب السودانية

«الوطنية للنفط» في ليبيا تنفي «بشكل قاطع» دعمها أطراف الحرب السودانية

نفت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا «بشكل قاطع»، دعمها أياً من طرفي الحرب الدائرة في السودان، متوعدة بتحريك دعاوى قضائية محلياً ودولياً ضد من يروجون «أخباراً كاذبة»، وذلك بهدف «صون سمعتها». وأوضحت المؤسسة في بيان اليوم (الاثنين)، أنها «اطلعت على خبر نشره أحد النشطاء مفاده أن المؤسسة قد تتعرض لعقوبات دولية بسبب دعم أحد أطراف الصراع في دولة السودان الشقيقة عن طريق مصفاة السرير»، وقالت: إن هذا الخبر «عارٍ من الصحة». ونوهت المؤسسة بأن قدرة مصفاة «السرير» التكريرية «محدودة، ولا تتجاوز 10 آلاف برميل يومياً، ولا تكفي حتى الواحات المجاورة»، مؤكدة التزامها بـ«المعايير المهنية» في أداء عملها، وأن جُل ترك

جمال جوهر (القاهرة)
العالم العربي طرفا الصراع في السودان يوافقان على تمديد الهدنة

طرفا الصراع في السودان يوافقان على تمديد الهدنة

أعلن كلّ من الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» تمديد أجل الهدنة الإنسانية في السودان لمدة 72 ساعة إضافية اعتباراً من منتصف هذه الليلة، وذلك بهدف فتح ممرات إنسانية وتسهيل حركة المواطنين والمقيمين. ولفت الجيش السوداني في بيان نشره على «فيسبوك» إلى أنه بناء على مساعي طلب الوساطة، «وافقت القوات المسلحة على تمديد الهدنة لمدة 72 ساعة، على أن تبدأ اعتباراً من انتهاء مدة الهدنة الحالية». وأضاف أن قوات الجيش «رصدت نوايا المتمردين بمحاولة الهجوم على بعض المواقع، إلا أننا نأمل أن يلتزم المتمردون بمتطلبات تنفيذ الهدنة، مع جاهزيتنا التامة للتعامل مع أي خروقات». من جهتها، أعلنت قوات «الدعم السريع» بقيادة م

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
العالم العربي «السفر عكس التيار»... سودانيون يعودون إلى الخرطوم رغم القتال

«السفر عكس التيار»... سودانيون يعودون إلى الخرطوم رغم القتال

في وقت يسارع سودانيون لمغادرة بلادهم في اتجاه مصر وغيرها من الدول، وذلك بسبب الظروف الأمنية والمعيشية المتردية بالخرطوم مع استمرار الاشتباكات بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»، يغادر عدد من السودانيين مصر، عائدين إلى الخرطوم. ورغم تباين أسباب الرجوع بين أبناء السودان العائدين، فإنهم لم يظهروا أي قلق أو خوف من العودة في أجواء الحرب السودانية الدائرة حالياً. ومن هؤلاء أحمد التيجاني، صاحب الـ45 عاماً، والذي غادر القاهرة مساء السبت، ووصل إلى أسوان في تمام التاسعة صباحاً. جلس طويلاً على أحد المقاهي في موقف حافلات وادي كركر بأسوان (جنوب مصر)، منتظراً عودة بعض الحافلات المتوقفة إلى الخرطوم.


نازحو عدن ينتقلون من التلقي إلى المشاركة المجتمعية

اللجان المجتمعية في عدن تعزز التواصل بين النازحين والجهات المعنية (إعلام محلي)
اللجان المجتمعية في عدن تعزز التواصل بين النازحين والجهات المعنية (إعلام محلي)
TT

نازحو عدن ينتقلون من التلقي إلى المشاركة المجتمعية

اللجان المجتمعية في عدن تعزز التواصل بين النازحين والجهات المعنية (إعلام محلي)
اللجان المجتمعية في عدن تعزز التواصل بين النازحين والجهات المعنية (إعلام محلي)

في أحد مواقع النزوح بمدينة عدن حيث العاصمة اليمنية المؤقتة، لم يعد دور السكان يقتصر على انتظار المساعدات أو تلقي الخدمات؛ إذ بات بعضهم يشارك بصورة مباشرة في تحديد احتياجات مجتمعه ونقلها إلى السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية، في تجربة تسعى إلى تحويل النازحين «من متلقين للاستجابة» إلى «شركاء في تنظيمها».

ومن داخل مخيم «الشروق»، يقود سميح، الذي نزح من منزله عام 2015، لجنة مجتمعية تمثل السكان وتعمل حلقة وصل بينهم وبين إدارة الموقع والجهات الإنسانية والسلطات المحلية.

ويقول سميح إن نقص الخدمات يمثل التحدي الأكبر أمام سكان المخيم، مشيراً إلى أن وجود لجنة منتخبة من المجتمع يساعد على إيصال الاحتياجات بصورة أعلى تنظيماً إلى الجهات المعنية.

ويضيف: «أنسق مع مختلف الشركاء ومدير المخيم، وأساعد في تيسير تنفيذ الأنشطة».

وتأتي تجربة سميح ضمن نموذج أوسع لتشكيل لجان مجتمعية في مواقع النزوح؛ بهدف إشراك السكان في تحديد أولوياتهم والإسهام في القرارات المرتبطة بالخدمات التي يحتاجون إليها.

نازحون يعيشون في مواقع تفتقر إلى الخدمات الأساسية في عدن (إعلام محلي)

وتُختار اللجان من داخل المجتمعات النازحة في عدن؛ إذ يرشح السكان أشخاصاً يثقون بهم ويعرفون طبيعة المشكلات التي تواجههم، قبل اختيار ممثليهم في عملية تهدف إلى نقل مطالب السكان إلى مقدمي الخدمات والسلطات.

وترى الجهات الإنسانية العاملة في إدارة وتنسيق مواقع النزوح أن إشراك السكان في هذه العملية يساعد على تحسين التواصل، وفهم الاحتياجات بصورة أدق، وتعزيز المساءلة تجاه الخدمات المقدمة.

وتعكس مسيرة سميح هذا التحول؛ فقد بدأ بالمشاركة في الأنشطة المجتمعية، قبل أن يختاره سكان منطقته رئيساً لـ«اللجنة».

ويقول عن دوافعه لتولي هذه المسؤولية: «لأنني أحب خدمة مجتمعي ودعم النازحين. وبصفتي شخصاً عانى من النزوح، فأنا أتفهم معاناتهم».

ولا تقتصر مهمة «اللجنة» على نقل الاحتياجات، بل تشمل أيضاً العمل على ضمان مشاركة النساء والأشخاص ذوي الإعاقة والفئات الأضعف في النقاشات المتعلقة بالخدمات والقرارات التي تمس بحياتهم اليومية.

ويقول سميح: «نشركهم في اجتماعات دورية، ونضمن مشاركتهم الفعالة في تحديد احتياجات المنطقة».

ويرى أن هذا النهج جعل سكان الموقع أكبر حضوراً في القرارات المتعلقة بحياتهم اليومية، بدلاً من أن تقتصر «الاستجابة الإنسانية» على قرارات تتخذها جهات خارج المجتمع.

التدريب يعزز المهارات

وتتصل تجربة اللجان المجتمعية بجهود أوسع لتحسين إدارة مواقع النزوح في عدن، من خلال تعزيز التواصل بين النازحين والمجتمع المضيف والسلطات والمنظمات الإنسانية.

وفي مايو (أيار) الماضي، شارك سميح، إلى جانب ممثلين آخرين عن المجتمعات المحلية، في تدريب بشأن إدارة وتنسيق المخيمات، تناول مبادئ التواصل والتنسيق والمشاركة المجتمعية وحل المشكلات.

ويقول إن التدريب منحه مهارات جديدة وفهماً أوسع لطبيعة العمل الإنساني، مضيفاً: «تلقيت تدريباً على بناء القدرات واكتسبت معرفة واسعة في مجال العمل الإنساني».

تجربة اللجان المجتمعية في عدن ساعدت على تحديد احتياجات السكان (إعلام محلي)

وتعمل منظمة «أكتد»، من خلال مشروع ممول من «الاتحاد الأوروبي»، على تعزيز مشاركة المجتمعات المحلية في مواقع النزوح، وإنشاء لجان تمثل السكان، وتحسين قنوات التواصل معهم بهدف نقل احتياجاتهم إلى مقدمي الخدمات والسلطات.

ووفق بيانات المنظمة، فقد استفاد أكثر من 89 ألف شخص في 101 موقع نزوح من أنشطة المشروع، التي شملت تنسيق المواقع، وإشراك المجتمعات المحلية، والإحالة، وتحسين البنية التحتية وأعمال الصيانة.

كما تضمنت الأنشطة تدريب 434 من أصحاب المصلحة في إدارة وتنسيق مراكز الإيواء، والتعامل مع أكثر من 6700 شكوى وحالة تقييم، في مسعى لتعزيز المساءلة وتحسين وصول النازحين إلى الخدمات.

من متلقين إلى شركاء

تكتسب هذه الجهود أهمية في ظل استمرار أزمة النزوح بوصفها من أكبر التحديات الإنسانية في اليمن، حيث يعيش ملايين الأشخاص بعيداً عن منازلهم، فيما تفتقر مواقع نزوح كثيرة إلى الخدمات الأساسية.

وكان سميح واحداً من هؤلاء الذين أجبرهم النزاع على ترك منازلهم عام 2015، قبل أن يصل إلى عدن برفقة أسرته المؤلفة من 8 أفراد ويبدأ حياة جديدة في ظروف النزوح.

عائلة يمنية شردها الحوثيون تعيش تحت إحدى الصخور الضخمة (إعلام محلي)

لكن السنوات التي قضاها في موقع النزوح دفعته إلى الانتقال من البحث عن الخدمات لنفسه وأسرته إلى تمثيل سكان الموقع والتواصل نيابة عنهم مع الجهات الإنسانية والسلطات المحلية.

ويقول إن التدريب والخبرة اللذين اكتسبهما ساعداه، إلى جانب أعضاء «اللجنة»، على التعامل مع المشكلات الداخلية وإدارة جانب من شؤون المخيم.

ويأمل استمرار التنسيق بين اللجان المجتمعية والسلطات والمنظمات الإنسانية، بما يضمن وصول الخدمات إلى الأسر النازحة ويمنح السكان دوراً أكبر في تحديد أولوياتهم والتعامل مع المشكلات التي تواجههم.


حصيلة دامية لانتهاكات الحوثيين بحق اليمنيين

أم يمنية في مستشفى رفقة طفلتها المصابة جراء هجوم حوثي (أ.ف.ب)
أم يمنية في مستشفى رفقة طفلتها المصابة جراء هجوم حوثي (أ.ف.ب)
TT

حصيلة دامية لانتهاكات الحوثيين بحق اليمنيين

أم يمنية في مستشفى رفقة طفلتها المصابة جراء هجوم حوثي (أ.ف.ب)
أم يمنية في مستشفى رفقة طفلتها المصابة جراء هجوم حوثي (أ.ف.ب)

وثقت تقارير حقوقية يمنية مقتل وإصابة عشرات الآلاف من المدنيين منذ انقلاب الحوثيين على مؤسسات الدولة، إلى جانب آلاف الانتهاكات المرتبطة بالمساجد والأوقاف وحرية المعتقد، في حصيلة تعكس اتساع نطاق الانتهاكات التي تقول منظمات حقوقية إنها طالت المدنيين والمنشآت الدينية خلال أكثر من عقد من الحرب.

وقالت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» إنها وثقت نحو 58 ألفاً و904 جرائم قتل وإصابة ارتكبتها الجماعة الحوثية خلال الفترة الممتدة من يناير (كانون الثاني) 2015 وحتى النصف الأول من عام 2026.

وبحسب الشبكة، أسفرت الانتهاكات عن مقتل 15 ألفاً و478 مدنياً، بينهم 1216 امرأة و943 طفلاً، وإصابة 35 ألفاً و654 مدنياً، بينهم 6348 امرأة و4283 طفلاً.

حشد حوثي في صنعاء دعا له زعيم الجماعة لتأييد التصعيد العسكري (أ.ف.ب)

وتكشف الحصيلة، وفقاً للتقرير، جانباً من الخسائر البشرية التي تكبدها المدنيون خلال سنوات الحرب، فيما لا تزال الألغام التي زرعتها الجماعة في مناطق سكنية وزراعية وطرق رئيسية تشكل خطراً مستمراً على السكان، خصوصاً في المناطق التي شهدت مواجهات عسكرية.

ووثقت الشبكة 1637 حالة وفاة جراء الألغام، بينهم 213 طفلاً و198 امرأة، إضافة إلى إصابة 6135 مدنياً، بينهم 741 طفلاً و362 امرأة.

مخاطر ممتدة

أشارت الشبكة الحقوقية إلى أن أكثر من 798 شخصاً، بينهم نحو 397 طفلاً، تعرضوا لإعاقات دائمة نتيجة هذه الألغام، الأمر الذي يضاعف الأعباء الاجتماعية والاقتصادية على الأسر ويعقد عودة السكان إلى مناطقهم وممارسة حياتهم بصورة طبيعية.

عنصر من فرق نزع الألغام التي زرعها الحوثيون في اليمن (الشرق الأوسط)

وتقول الشبكة إن انتشار الألغام في القرى والمزارع والمناطق السكنية والطرق يجعل آثار الحرب ممتدة إلى ما بعد توقف العمليات العسكرية، إذ يظل المدنيون معرضين للخطر حتى في المناطق التي لم تعد تشهد مواجهات مباشرة.

ودعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة والدول الفاعلة إلى اتخاذ إجراءات «عاجلة وملموسة»، وعدم الاكتفاء بالإدانة أو التعبير عن القلق، والضغط على الحوثيين للالتزام بالقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وضمان حماية المدنيين وعدم استخدام المناطق السكنية والمنشآت المدنية لأغراض عسكرية.

المساجد تحت قبضة الجماعة

في تقرير حقوقي آخر، وثقت «مؤسسة تمكين المرأة اليمنية» 4651 جريمة وانتهاكاً قالت إنها ارتكبتها الجماعة الحوثية في 14 محافظة، خلال الفترة من يناير 2014 حتى 21 أغسطس (آب) 2026.

وتركز التقرير، الذي صدر بالتزامن مع اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا أعمال العنف القائمة على أساس الدين أو المعتقد، على ما وصفه بانتهاكات طالت الأئمة وخطباء المساجد والأقليات الدينية، وقال إنها تعكس سياسة منظمة للسيطرة على المساجد والمنابر والأوقاف وإقصاء المخالفين وفرض خطاب مذهبي يتضمن التحريض والتعبئة العسكرية.

ووفق المؤسسة، شملت الحصيلة مقتل 311 شخصاً وإصابة 231 آخرين، فضلاً عن اختطاف واحتجاز 679 شخصاً، بينهم 143 تعرضوا للتعذيب، توفي 13 منهم.

من آثار الهجمات الحوثية على مدينة المخا اليمنية (أ.ف.ب)

كما وثقت فرض 938 إماماً وخطيباً موالياً للجماعة بالقوة، وتحويل 491 مسجداً إلى ثكنات عسكرية، واستخدام 114 مسجداً غرفاً للعمليات، إلى جانب 902 واقعة اعتداء وتدنيس وتحويل مذهبي.

وشملت الانتهاكات، بحسب التقرير، مصادرة 832 مكتبة مسجد والاستيلاء على 151 مرفقاً وسكناً ووقفاً دينياً، فضلاً عن حالتي سب وتشهير مباشرتين، مع استمرار التضييق على البهائيين.

وتتهم المؤسسة الحقوقية الحوثيين بتحويل المساجد، التي يفترض أن تكون أماكن للعبادة، إلى أدوات للسيطرة الاجتماعية والتعبئة والتحريض والعسكرة، في سياق أوسع من إعادة تشكيل المجال الديني في المناطق الخاضعة للجماعة.

وحذرت مؤسسة تمكين المرأة اليمنية من أن بعض هذه الانتهاكات قد ترقى، بحسب ظروف كل واقعة، إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مطالبة بالإفراج الفوري عن المختطفين والكشف عن مصير المخفيين ووقف عسكرة المساجد وفرض الخطباء.

كما دعت إلى إعادة الأوقاف والمكتبات التي قالت إنها صودرت، وإنشاء آلية دولية لجمع الأدلة ومحاسبة المسؤولين، بما يمنع الإفلات من العقاب.


الحوثيون يوظفون احتفالاتهم بالمولد النبوي للتعبئة العسكرية

بالتزامن مع إعلان الجماعة الحوثية التصعيد العسكري بدأت احتفالاتها بالمولد النبوي (أ.ب)
بالتزامن مع إعلان الجماعة الحوثية التصعيد العسكري بدأت احتفالاتها بالمولد النبوي (أ.ب)
TT

الحوثيون يوظفون احتفالاتهم بالمولد النبوي للتعبئة العسكرية

بالتزامن مع إعلان الجماعة الحوثية التصعيد العسكري بدأت احتفالاتها بالمولد النبوي (أ.ب)
بالتزامن مع إعلان الجماعة الحوثية التصعيد العسكري بدأت احتفالاتها بالمولد النبوي (أ.ب)

يغطي العاصمة اليمنية صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية اللون الأخضر للاحتفال بذكرى المولد النبوي، وهي المناسبة التي دأبت الجماعة على استغلالها لتعزيز نفوذها الاجتماعي والسياسي والعقائدي، إلا أن مظاهرها تكتسب هذا العام أبعاداً عسكرية مضاعفة، في سياق تعبئة شاملة تستهدف حشد السكان للتصعيد الداخلي والخارجي.

فوراء الستار البصري المتمثل في طلاء الشوارع والمباني باللون الأخضر، وتكثيف الزينات الضوئية ليلاً، مع إلزام المحال التجارية ومحطات الكهرباء الخاصة بالمشاركة في تجهيزها وتمويلها، تتحرك آلة حشد واسعة تستثمر الفعاليات الاحتفالية في الدعوة إلى المشاركة في التصعيد العسكري، وتجنيد المقاتلين، وسط رفض ومخاوف شعبية متزايدة.

وفي مطلع الشهر الحالي، دشنت الجماعة خطة إعلامية خاصة باحتفالات المولد، لتدخل الفعاليات مرحلة مبكرة من التنظيم والترويج، بالتزامن مع تكثيف الخطاب التعبوي في المؤسسات والمناطق والمديريات.

ويقول مراقبون محليون إن هذا التزامن يعكس توجهاً لتحويل المناسبة، هذا العام، إلى منصة للحشد العسكري، إلى جانب أهدافها المعتادة في تعزيز النفوذ الاجتماعي والسياسي، وتحصيل الموارد.

وتنظم الجماعة منذ أكثر من 3 أسابيع سلسلة طويلة من الأمسيات والأنشطة في المساجد والمدارس والمؤسسات والمناطق الخاضعة لسيطرتها، بينما يتجاوز الخطاب المصاحب لها الحديث عن المناسبة الدينية إلى الدعوة للانضمام إلى مقاتليها في الجبهات، وتقديم وعود بالحصول على مكافآت مالية ووظائف ومزايا أخرى.

وذكرت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة لجأت خلال الأسابيع الماضية إلى التجنيد المباشر من داخل بعض أنشطتها الاحتفالية، مع تطوير أساليب الاستقطاب بحيث ينتقل من يقتنع بالانضمام إلى صفوفها مباشرة من ساحات أو قاعات الفعاليات إلى معسكرات التعبئة والتدريب.

صعوبات وحلول

تأتي هذه المحاولات في وقت تواجه فيه الجماعة الحوثية صعوبات متزايدة في استقطاب مقاتلين جدد، بعدما أفضت سنوات الحرب إلى مقتل وإصابة آلاف من عناصرها دون تحقيق كثير من المكاسب التي وعدت بها، وفي مقدمتها السيطرة على مناطق جديدة مثل محافظة مأرب.

فعالية ليلية في صنعاء ألزم الحوثيون السكان بالمشاركة فيها ضمن الاحتفالات بالمولد النبوي (إعلام حوثي)

وأسهم تدهور الأوضاع المعيشية وإهمال عائلات قتلى الجماعة وجرحاها في إضعاف قدرتها على التجنيد، بينما شكلت الحرب في غزة استثناءً مؤقتاً؛ إذ تمكنت الجماعة خلالها من استغلال الخطاب المرتبط بالحرب لاستقطاب آلاف اليمنيين إلى صفوفها. ومع توقف الحرب، عادت صعوبات الاستقطاب إلى الواجهة.

وتواجه الجماعة الحوثية، إلى جانب ذلك، مشكلة أكثر مباشرة تتمثل في توقف رواتب مقاتلين في الجبهات، وتراجع قدرتها على توفير الإمدادات الغذائية، في وقت تزداد فيه مخاوف السكان من إرسال أبنائهم إلى القتال.

وتؤكد المصادر أن المشاهد التي يبثها الجيش اليمني لعمليات الطيران المسيّر التي تستهدف مواقع الحوثيين، ضاعفت من هذه المخاوف.

وفي مواجهة ذلك، تلجأ الجماعة إلى مزيج من الإغراءات والوعود، بينها وظائف في المؤسسات التابعة لها أو في الجهاز الإداري للدولة، وتسهيل الدراسة والحصول على الشهادات بعد انتهاء المعارك، إلى جانب رواتب ووجبات يومية وسلال غذائية لعائلات المقاتلين.

فعالية حوثية ليلية للاحتفال بالمولد النبوي في الحديدة (إعلام حوثي)

وتبين المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن خطابات القادة الدينيين للجماعة خلال الفعاليات الاحتفالية تتجاوز الحديث عن المناسبة نفسها، وما تمثله بالنسبة لها من فرصة سنوية لتعزيز نفوذها الاجتماعي والعقائدي، وادعاء أحقيتها في احتكار تمثيل المجتمع، إلى الدعوة للانضمام للجبهات، وتقديم وعود بالحصول على مكافآت.

عنف واستخفاف بالتكلفة

تواصل الجماعة الحوثية استخدام نفوذها الإداري والاقتصادي للضغط على السكان، ففي عدد من المديريات والمناطق، ربطت صرف أنصاف الرواتب للموظفين الحكوميين، أو تسيير بعض المعاملات الحكومية، وتقديم الخدمات العامة بضرورة الحضور والمشاركة في الساحات المركزية المخصصة للاحتفال.

وفي محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، اتخذت الضغوط المرتبطة بتمويل الاحتفالات طابعاً أكثر عنفاً؛ إذ أطلقت عناصر حوثية النار، واعتقلت عدداً من الباعة في سوق مفرق حبيش بمديرية المخادر، بعد رفضهم دفع جبايات تفرضها الجماعة بمناسبة الاحتفال بالمولد النبوي، وفق مصادر محلية.

مسيرة ليلية بالأضواء الخضراء ألزم الحوثيون بها موظفين عموميين في صنعاء (إعلام حوثي)

وفي محاولة لتخفيف الانتقادات المرتبطة بالمظاهر الاحتفالية، زعم القيادي الحوثي أحمد حامد أن الزينات الخضراء غير مكلفة، ولا تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، بل يمكن تشغيلها باستخدام بطاريات الدراجات النارية، في وقت يشكو فيه السكان من تكلفة كبيرة يضطرون لتحملها جراء إلزامهم بشراء وإضاءة الزينات.

وتتميز احتفالات الجماعة الحوثية بالمولد النبوي، هذا العام، بجهود حثيثة للجمع بين الدعاية والتعبئة والتجنيد والجباية، ووضعها في خدمة أهداف التصعيد العسكري، في وقت يزداد فيه العبء الذي تفرضه مظاهر الاحتفالات على السكان الذين يعيشون أصلاً تحت وطأة أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة.