«تمجيد العنف» يصدم الشارع العربي

حملات تعاطف تحركها السوشيال ميديا... وخبراء يعوّلون على «دور الدولة»

الطالبة الجامعية نيرة أشرف
الطالبة الجامعية نيرة أشرف
TT

«تمجيد العنف» يصدم الشارع العربي

الطالبة الجامعية نيرة أشرف
الطالبة الجامعية نيرة أشرف

لا يكاد يمر يوم دون أن نطالع عنواناً في صحيفة، أو على مواقع الإنترنت، يتحدث عن جريمة بشعة هنا أو هناك، لتبدأ المحاكمات الافتراضية على مواقع التواصل الاجتماعي، عبر سلسلة لا نهائية من التغريدات والمنشورات والتقارير الإعلامية، المصحوبة بتعليقات وحملات للتعاطف مع الجاني وتبرير جريمته، وإلقاء اللوم على الضحية، وسط حالة مثيرة للدهشة من «تمجيد العنف»، والاعتياد عليه بصفته جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية، فلم تعد مشاهد الدماء والقتل مستهجنة أو غريبة للكل، بل العكس بات البعض يحاول توثيقها بعدسة هاتفه المحمول، ومشاركتها على مواقع التواصل الاجتماعي؛ وهو ما يثير التساؤلات حول أسباب اعتياد بعض الناس على العنف، وتمجيدهم للجناة.
وتتشابه مشاهد العنف في الشارع العربي من حيث درجة التفاعل والاستهجان والتعاطف، وإن اختلفت تفاصيل الجرائم، فخلال شهر يوليو (تموز) 2022 استيقظ الفلسطينيون على خبر استخراج جثة رجل من تحت الإسمنت في منزله، ببلدة عجة في جنوب جنين، قتله ابنه، ودفنه وصب فوقه الإسمنت.
https://twitter.com/ShehabAgency/status/1546626903775363074?s=20&t=T1dNj8R7yJrv6T9qW8kXQw
تأتي هذه الحادثة بعد أسابيع من جريمة هزت الشارع المصري، راح ضحيتها الطالبة الجامعية نيرة أشرف، التي قتلها زميلها محمد عادل على أبواب جامعة المنصورة؛ لأنها «رفضت الزواج» منه.
لم يمر يومان حتى شهدت الأردن جريمة مماثلة راحت ضحيتها إيمان إرشيد التي قُتلت بالرصاص داخل الحرم الجامعي في جامعة العلوم التطبيقية الخاصة شمال العاصمة عمان، وتمكنت قوات الأمن من تحديد مكان القاتل، ولدى محاصرته من قِبل رجال الأمن العام، أقدم على إطلاق النار على نفسه.
يبدو أن الجاني الأردني اتخذ من القاتل المصري قدوة، حيث تداولت مواقع التواصل الاجتماعي رسلة تهديد قيل إن الجاني أرسلها لإيمان، تقول «بكرا رح اجي احكي معك وإذا ما قبلتي رح اقتلك مثل ما المصري قتل البنت اليوم».
https://twitter.com/WwwDootnoor/status/1539966943540588546?s=20&t=vbStiQoPdhvAkMrNUoEX7Q
وعلى غرار نيرة أشرف المصرية، وإيمان إرشيد الأردنية، شهد أحد الشواطئ التونسية جريمة قتل وصفت بـ«البشعة» أوائل يوليو 2022، حيث طعن شاب من مواليد 1992 صديقته بسكين أمام الناس في وضح النهار، ثم حاول الانتحار بعدها.
الدكتورة ديما دبوس، المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط شمال أفريقيا في مؤسسة «إكواليتي ناو»، ترجع تزايد العنف إلى «الإجراءات الاحترازية خلال جائحة كورونا»، تقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «الإغلاق، والبطالة والضائقة الاقتصادية، كلها أسباب أدت إلى تزايد العنف في المجتمع، دون توفير وسيلة للشكوى».
بينما يرجع الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، حالة «تمجيد العنف» في الشارع العربي إلى 4 أسباب، وهي كما يقول في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»، أن «وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي التي جعلت الناس تعتاد مشاهد العنف والجدال، إلى جانب غياب الأمن والقانون في الشارع لتقاعس القائمين على تنفيذه عن القيام بدورهم، وبطء الإجراءات القضائية التي تجعل المواطن يتراجع عن اللجوء للقانون، ويقرر الاعتماد على نفسه في الحصول على حقه، وأخيراً حالة الانتقائية في المحاسبة؛ فالغني وصاحب النفوذ يستطيع الهروب من يد العدالة»، مشيراً إلى أن «هناك تشابهاً في العادات والتقاليد في العالم العربي؛ وهو ما يدفع إلى تشابه الجرائم، أو محاولة محاكاتها في بعض الأحيان».
ويضيف صادق «هناك حالة من التعايش في الشارع مع العنف، وخاصة العنف الانتقائي ضد النساء والأقليات، فمن الطبيعي أن يضرب الرجل زوجته أو ابنته أو أخته أمام الناس دون أن يتدخل أحد، ومن يحاول أن يلجأ للقانون لا يجد آذاناً صاغية في هذه الوقائع، وينتهي الأمر بالصلح، وحتى إن تمت معاقبة الجاني، فهناك خوف من الانتقام فيما بعد»، ضارباً المثل بقصة فتاة المول في مصر، «التي تم تشويه وجهها من قِبل متحرش أبلغت عنه».
وتعود قصة فتاة المول إلى عام 2017 عندما تعرضت فتاة لمحاولة قتل أسفرت عن تشويه وجهها، من قِبل شاب سبق أن تحرش بها، وعوقب بالحبس أسبوعين وغرامة 100 جنيه، فعاد لينتقم منها.
لكن خالد القضاة، الصحافي الأردني والمدرب على قضايا السلامة المهنية وأخلاقيات المهنة، يرى أنه «لا يمكن الحديث عن انتشار الجريمة من عدمه لعدم وجود إحصائيات فعلية تقيس ذلك»، يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما يحدث هو زيادة في معدل نشر أخبار الجريمة بمساعدة وسائل التواصل الاجتماعي، والسباق المحموم بينها وبين وسائل الإعلام التقليدية على الجمهور»، مشيراً إلى أن «الناس تعودت على أخبار الجريمة، وأصبحت تتعمق في نشر تفاصيلها وصورها، فأصبحت الجريمة هي الأصل وغير ذلك استثناء».
وأضاف القضاة «نشر تفاصيل الجرائم، يعطي فرصة للشباب الصغير لتعلم كيفية ارتكابها، وبالتالي محاكاتها وتقليدها».
زهور وعمارة، أستاذة في القانون العام وحقوقية تونسية، تشير إلى أن «الجميع أصبح ينظر للعنف من منظور مواقع التواصل الاجتماعي»، تقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «الواقع التونسي شهد مؤخراً تمجيداً لحالات العنف ضد النساء، تحت تأثير مواقع التواصل الاجتماعي»، ضاربة المثل بقضية المشعوذ بلقاسم الذي عُرضت قصته في شهر مايو (أيار) الماضي، ضمن برنامج «الحقائق الأربع»، وهو شخص استدرج أكثر من 900 سيدة واغتصبهن بدعوى علاجهن من الجن العاشق.
حوادث العنف لا تنتهي؛ ففي نهاية مايو الماضي، كشفت وزارة الداخلية المصرية عن تفاصيل واقعة مفجعة حدثت في إحدى محافظات دلتا مصر، بعد أن قتلت أم أطفالها الثلاثة، تاركة رسالة وداع لزوجها الذي يعمل خارج البلاد، قالت فيها «أنا يا محمد وديت ولادك للجنة، أنت أيضاً ستلحقهم للجنة، أنا قصّرت مع أطفالي خصوصاً أحمد، اصبر واحتسبهم عند الله، ويا بختك بالجنة، أما أنا، فادعيلي لأني كنت بتعذب في الدنيا ومش قادرة أعيش».
وشهدت الأردن بداية شهر يوليو 2022 جريمة مشابهة قتل فيها رجل طفلتيه 9 و12 عاماً، ودفنهما بمحيط المنزل.
https://twitter.com/ajelnews24/status/1544318143467819008?s=21&t=z4_8KgYM6AlnNJYrUaZ4-Q
وفي فبراير (شباط) الماضي اعتقلت السلطات المغربية في الدار البيضاء شاباً (36 سنة)، بتهمة قتل والده وزوجة أبيه، طعناً بالسكين، وفي المغرب أيضاً في عيد الأضحى قتل شاب عشريني صديقه إثر نشوب مشادة كلامية بينهما انتهت بطعنه بسكين الأضحية.
وشهدت الجزائر نهاية شهر يونيو (حزيران) الماضي وقائع جريمة قتل قام خلالها شاب يحمل سلاحاً أبيض بشن هجوم على ممرضتين بالقرب من المستشفى، ليقتل الأولى ويصيب الثانية.
وفي الكويت، هزت جريمة الطفل صقر المطيري القلوب خلال شهر يوليو 2022 بعدما ترددت أنباء عن قتل والدته له.
https://twitter.com/goldendose/status/1546169052409827330?s=21&t=z4_8KgYM6AlnNJYrUaZ4-Q
https://twitter.com/moi_kuw/status/1546112468270911490?s=21&t=z4_8KgYM6AlnNJYrUaZ4-Q
وبدأت الناس تطالب بعدم نشر تفاصيل أكثر عن القصة، وهو ما ذكرته دكتورة مريم المنصوري، في تغريدة على حسابها الشخصي على «تويتر»، قالت فيها «أتمنى ما ينشرن تفاصيل أكثر عن قصة الولد المقتول من أمه».
https://twitter.com/dr_m_almansouri/status/1546581033516240899?s=21&t=z4_8KgYM6AlnNJYrUaZ4-Q
وفي واقعة أخرى في الشهر نفسه، تداول رواد مواصل الاجتماعي مقطع فيديو لشخص يعتدي على زوجين بالسكين في شوارع الكويت.
https://twitter.com/sa_almjd/status/1546662603287662592?s=21&t=z4_8KgYM6AlnNJYrUaZ4-Q
وأثارت هذه الجرائم ردود فعل واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، بعضها انتقد عدم تفاعل المارة، وإصرارهم على تصوير الجريمة بدلاً من محاولة منعها، كما تقول مهجة السقا في تغريدة لها على «تويتر» تعليقاً على واقعة نيرة أشرف «إنك تموت بشرف أحسن ما تموت وأنت ماسك موبايلك بتصور جريمة بشعة كأنك مخرج فيلم إدرامي».
https://twitter.com/mouhga22/status/1547054559251648513?s=21&t=z4_8KgYM6AlnNJYrUaZ4-Q
والبعض الآخر عمد إلى لوم الضحية نيرة أشرف، باعتبارها السبب في الجريمة، ومحاولة تبرير سلوك القاتل، لدرجة التعاطف معه، وإنشاء مجموعات لدعمه على مواقع التواصل الاجتماعي، وجمع تبرعات في محاولة لدفع الدية، لتخليصه من عقوبة الإعدام، من بينها مجموعة على «فيسبوك» حملت عنوان «ظلم محمد عادل قاتل نيرة أشرف تخفيف الحكم»، طالب روادها بمحاكمة عادلة لمحمد عادل، واصفين ما يحدث له بالظلم.
https://www.facebook.com/groups/441969830795322
وحول أسباب التعاطف مع المجرمين، يقول الدكتور صادق «السبب يرجع لتدهور أخلاق المجتمع، إضافة إلى أن بعض المتعاطفين يمارسون نفس الجرائم بشكل أو بآخر؛ مما يدفعهم تلقائياً للتعاطف مع أقرانهم»، مؤكداً أهمية دور الإعلام في «فرملة المجتمع، وعدم تشجيع العنف، أو التعاطف مع المجرمين، كما يحدث الآن».
بينما يرى خالد القضاة، أن «الجمهور يستغل هذه الجرائم وسيلة لتوجيه انتقادات سياسية للحكومة، والتعبير عن احتقانه من إجراءاتها، وهو ما يفسر تعاطفه أحيانا مع الجناة انتقادا لتقصير الدولة في أداء دورها، كما حدث مؤخراً في قضية السطو على البنوك في الأردن، حيث تعاطف الجمهور مع اللصوص، وكانوا يتابعون نجاحهم وفشلهم، وخططهم، بتشجيع من الإعلام؛ لأن المؤسسات البنكية رمز لسيطرة الدولة على الناس وتكبيلهم بالقروض».
وهنا تقول وعمارة، إن «قضية بلقاسم على سبيل المثال أثارت بلبلة على وسائل التواصل الاجتماعي وانقسم الرأي العام التونسي بين رافض لما أقدم عليه بلقاسم وبين من يلوم النساء لأنهن خضعن لأكاذيب المشعوذ، ووصل الأمر إلى الحديث عن هشاشة المرأة، وابتعادها عن الدين، مستنكرين قبول النساء بمثل هذه الحلول الجنسية، ومجّد البعض هذا العنف الجنسي الذي سلط على الضحايا كنوع من التشفي والعقاب لما أقدمن عليه».
وتتهم دبوس المجتمع العربي بـ«الذكوري»، وتقول، إن «المجتمع دائماً ما يتعاطف مع الرجل ويلوم المرأة”، ضاربة المثل «بجريمة قتل شهدتها لبنان مؤخرا، قتل فيها رجل زوجته مع سبق الإصرار والترصد، لكن المجتمع تعاطف معه، بما في ذلك القضاء، وتم تخفيف الحكم عليه، تحت دعوى اتهامها بالخيانة».
الاحتفاء بالقتلة والتعاطف معهم ليس ظاهرة جديدة على العالم، وإن بدا أكثر وضوحاً اليوم بسبب مواقع التواصل الاجتماعي، ففي عام 1925 اعتقل غيرالد شابمان في ولاية إنديانا الأميركية، والذي كان يعدّ واحداً من أخطر عشرة مجرمين في أميركا، وخلال 6 أيام من المحاكمة تجمع الناس خارج المحكمة، وفور صدور حكم الإعدام شنقاً «لعن الرجال وبكت النساء»، وقالت صحيفة «ذا هارفارد كريمسون» في تقرير بتاريخ 6 أبريل (نيسان) 1925، إن «الصحف لعبت دوراً في زيادة شعبيته عند الناس، وعندما يعدم سيغطى قبره بالورود»، وهو ما حدث بالفعل، حيث نفذ الحكم عام 1926، ولسنوات بعد دفنه ظلت النساء تزور قبره وتضع حوله الزهور.
ويعد تيد باندي واحداً من أشهر المجرمين في التاريخ الأميركي، حيث قتل واغتصب نحو 100 امرأة، وتم القبض عليه وإعدامه في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، وكان يتلقى رسائل إعجاب أثناء وجوده في السجن، وعندما عرضت نتفليكس حلقات وثائقية تروي قصته، وتتضمن تسجيلات صوتية له، عام 2019 حاز باندي تعاطف المشاهدين؛ وهو ما دفع البعض للمقارنة بين حالته وبين حالة التعاطف مع محمد عادل.
https://www.facebook.com/samar.alzohairy11/posts/pfbid02n9cregwtgawK4fdqhZb9ufCfuAY45Uvnvg7zaCNDuoRLHv7ommAkXwxqetfUpgwml
ويشير صادق إلى أنه «مع تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب الأمن، يزداد العنف، خاصة مع غياب الوازع الأخلاقي»، محملاً الدولة مسؤولية سياسية عن «إعادة ضبط بوصلة المجتمع الأخلاقية»، ويقول «في أحداث العنف الكبرى في العالم عادة ما يكون هناك تحرك من الجهات العليا في الدولة لإدانة العنف، ومواساة الضحايا، كما يحدث في أحداث إطلاق النار المتكررة في الولايات المتحدة، وهو ما يؤكد عدم تسامح الدولة مع العنف، ويساهم في توجيه المجتمع أخلاقياً، لكن للأسف رغم كثرة الحوادث في المنطقة العربية، لم نرَ تحركات مماثلة».


مقالات ذات صلة

تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

العالم العربي تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

أعلن النائب التونسي ثابت العابد، اليوم (الثلاثاء) تشكيل «الكتلة الوطنية من أجل الإصلاح والبناء»، لتصبح بذلك أول كتلة تضم أكثر من 30 نائباً في البرلمان من مجموع 151 نائباً، وهو ما يمثل نحو 19.8 في المائة من النواب. ويأتي هذا الإعلان، بعد المصادقة على النظام الداخلي للبرلمان المنبثق عمن انتخابات 2022 وما رافقها من جدل وقضايا خلافية، أبرزها اتهام أعضاء البرلمان بصياغة فصول قانونية تعزز مصالحهم الشخصية، وسعي برلمانيين لامتلاك الحصانة البرلمانية، لما تؤمِّنه لهم من صلاحيات، إضافة إلى الاستحواذ على صلاحيات مجلس الجهات والأقاليم (الغرفة النيابية الثانية)، وإسقاط صلاحية مراقبة العمل الحكومي. ومن المنت

المنجي السعيداني (تونس)
العالم العربي مصر تبدأ تحريكاً «تدريجياً» لأسعار سلع تموينية

مصر تبدأ تحريكاً «تدريجياً» لأسعار سلع تموينية

بدأت مصر في مايو (أيار) الحالي، تحريكا «تدريجيا» لأسعار سلع تموينية، وهي سلع غذائية تدعمها الحكومة، وذلك بهدف توفير السلع وإتاحتها في السوق، والقضاء على الخلل السعري، في ظل ارتفاعات كبيرة في معدلات التضخم. وتُصرف هذه السلع ضمن مقررات شهرية للمستحقين من أصحاب البطاقات التموينية، بما يعادل القيمة المخصصة لهم من الدعم، وتبلغ قيمتها 50 جنيهاً شهرياً لكل فرد مقيد بالبطاقة التموينية.

محمد عجم (القاهرة)
العالم العربي «الوطنية للنفط» في ليبيا تنفي «بشكل قاطع» دعمها أطراف الحرب السودانية

«الوطنية للنفط» في ليبيا تنفي «بشكل قاطع» دعمها أطراف الحرب السودانية

نفت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا «بشكل قاطع»، دعمها أياً من طرفي الحرب الدائرة في السودان، متوعدة بتحريك دعاوى قضائية محلياً ودولياً ضد من يروجون «أخباراً كاذبة»، وذلك بهدف «صون سمعتها». وأوضحت المؤسسة في بيان اليوم (الاثنين)، أنها «اطلعت على خبر نشره أحد النشطاء مفاده أن المؤسسة قد تتعرض لعقوبات دولية بسبب دعم أحد أطراف الصراع في دولة السودان الشقيقة عن طريق مصفاة السرير»، وقالت: إن هذا الخبر «عارٍ من الصحة». ونوهت المؤسسة بأن قدرة مصفاة «السرير» التكريرية «محدودة، ولا تتجاوز 10 آلاف برميل يومياً، ولا تكفي حتى الواحات المجاورة»، مؤكدة التزامها بـ«المعايير المهنية» في أداء عملها، وأن جُل ترك

جمال جوهر (القاهرة)
العالم العربي طرفا الصراع في السودان يوافقان على تمديد الهدنة

طرفا الصراع في السودان يوافقان على تمديد الهدنة

أعلن كلّ من الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» تمديد أجل الهدنة الإنسانية في السودان لمدة 72 ساعة إضافية اعتباراً من منتصف هذه الليلة، وذلك بهدف فتح ممرات إنسانية وتسهيل حركة المواطنين والمقيمين. ولفت الجيش السوداني في بيان نشره على «فيسبوك» إلى أنه بناء على مساعي طلب الوساطة، «وافقت القوات المسلحة على تمديد الهدنة لمدة 72 ساعة، على أن تبدأ اعتباراً من انتهاء مدة الهدنة الحالية». وأضاف أن قوات الجيش «رصدت نوايا المتمردين بمحاولة الهجوم على بعض المواقع، إلا أننا نأمل أن يلتزم المتمردون بمتطلبات تنفيذ الهدنة، مع جاهزيتنا التامة للتعامل مع أي خروقات». من جهتها، أعلنت قوات «الدعم السريع» بقيادة م

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
العالم العربي «السفر عكس التيار»... سودانيون يعودون إلى الخرطوم رغم القتال

«السفر عكس التيار»... سودانيون يعودون إلى الخرطوم رغم القتال

في وقت يسارع سودانيون لمغادرة بلادهم في اتجاه مصر وغيرها من الدول، وذلك بسبب الظروف الأمنية والمعيشية المتردية بالخرطوم مع استمرار الاشتباكات بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»، يغادر عدد من السودانيين مصر، عائدين إلى الخرطوم. ورغم تباين أسباب الرجوع بين أبناء السودان العائدين، فإنهم لم يظهروا أي قلق أو خوف من العودة في أجواء الحرب السودانية الدائرة حالياً. ومن هؤلاء أحمد التيجاني، صاحب الـ45 عاماً، والذي غادر القاهرة مساء السبت، ووصل إلى أسوان في تمام التاسعة صباحاً. جلس طويلاً على أحد المقاهي في موقف حافلات وادي كركر بأسوان (جنوب مصر)، منتظراً عودة بعض الحافلات المتوقفة إلى الخرطوم.


حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.