ماكرون يحضّر الفرنسيين لصيف وخريف «شديدَي الوطأة»

ماكرون وبجانبه رئيس الأركان الفرنسي يحيي الحضور في مستهل العرض العسكري بمناسبة العيد الوطني في باريس أمس (إ.ب.أ)
ماكرون وبجانبه رئيس الأركان الفرنسي يحيي الحضور في مستهل العرض العسكري بمناسبة العيد الوطني في باريس أمس (إ.ب.أ)
TT

ماكرون يحضّر الفرنسيين لصيف وخريف «شديدَي الوطأة»

ماكرون وبجانبه رئيس الأركان الفرنسي يحيي الحضور في مستهل العرض العسكري بمناسبة العيد الوطني في باريس أمس (إ.ب.أ)
ماكرون وبجانبه رئيس الأركان الفرنسي يحيي الحضور في مستهل العرض العسكري بمناسبة العيد الوطني في باريس أمس (إ.ب.أ)

على الرغم من غياب مدعوين أجانب من الصف الأول للعرض العسكري الفرنسي الذي جرى أمس في جادة الشانزليزيه، في باريس، فإن فرنسا بيّنت مرة أخرى قدرتها على استخدام هذا النوع من الأنشطة لإبراز أنها ما زالت قوة عسكرية يعتدّ بها وما زالت تلعب دوراً من الطراز الأول على المسرح الدولي. وقد أشار الرئيس إيمانويل ماكرون إلى ذلك في المقابلة الصحافية التي أجرتها مباشرة بعد انتهاء العرض القناتان الأولى والثانية، مستعيداً بذلك تقليداً تم تناسيه لسنوات.
ولأن فرنسا، كما غيرها من البلدان الأوروبية، تعرف مجموعة من الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية (غلاء الأسعار، التضخم، أسعار الطاقة وتراجع القوة الشرائية والتخوف من خريف ساخن يلي الفرصة الصيفية)، ولأنها تعيش وضعاً جديداً عنوانه عودة الحروب إلى القارة الأوروبية، فإن الهدف الذي سعى إليه الرئيس الفرنسي هو طمأنة مواطنيه مع رسم خطة حكومته للأشهر المقبلة لحماية مواطنيه والحد قدر الإمكان من تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا على حياتهم اليومية.
وأهمية ما جاء في كلام ماكرون، أنه تحدث للمرة الأولى، وبشكل مطول، منذ تشكيل حكومته الجديدة وعجز رئيستها إليزابيت بورن عن توفير أكثرية وافرة عن طريق إنشاء تحالف حكومي أو التوافق على برنامج حكم يسهل تمرير مشاريع القوانين الملحة، ومنها مساعدة الشرائح الاجتماعية الأكثر هشاشة.
بداية، حرص ماكرون على تأكيد المؤكد وتذكير الفرنسيين بأن بلادهم تمتلك أكبر جيش في أوروبا وأنها قوة نووية وعضو دائم في مجلس الأمن. وأشار ماكرون إلى أن حكومته بصدد التحضير لخطة عسكرية (قانون البرمجة العسكرية) التي ستغطي الفترة الممتدة من 2024 إلى العام 2030، مؤكداً أن موازنة وزارة الدفاع ستصل العام المقبل إلى 44 مليار يورو، بزيادة 3 مليارات دولار عن موازنة العام الجاري. أما الهدف فهو الوصول إلى 50 مليار يورو في السنوات القريبة.
لكن ماكرون سارع إلى التذكير بأن فرنسا دخلت فيما سماه «اقتصاد الحرب»؛ ما يعني الحاجة إلى التعجيل في إعادة تشكيل المخزون من السلاح والذخيرة والإكثار والإسراع في الإنتاج، خصوصاً التأهب للحرب «عالية الكثافة»، أي الحقيقية والتركيز على الابتكار والتجديد في السلاح والعتاد.

تهديدات
وحدّد ماكرون أربعة أشكال من التهديدات، التي أولها ظهور مناطق نزاع (مثلاً في أوروبا) جديدة، وثانيها الحرب السيبرانية، وثالثها الحرب البحرية التي يمكن أن تنشب في مساحات مائية كانت بعيدة عنها سابقاً، وآخرها الإرهاب وتحولاته أكان ذلك في منطقة الساحل الأفريقي أو الشرق الأوسط. وخلاصة ماكرون، أن التهديدات الجديدة تبرر اللجوء إلى «اقتصاد الحرب».
ولأن فرنسا عضو رئيسي في الاتحاد الأوروبي، وأنه كان من أشد المدافعين عن «الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبي والقوة الدفاعية الأوروبية»؛ فقد حرص الرئيس الفرنسي على الإشارة إلى أن «أوروبا الدفاعية» قد قوي عودها بالتكامل مع الحلف الأطلسي.
وكان واضحاً أن باريس أرادت في العرض العسكري إبراز البعد الأوروبي من خلال رفع أعلام ومشاركة وحدات رمزية من سبع بلدان من أوروبا الشرقية وجمهوريات البلطيق، إضافة إلى مشاركة رمزية أخرى من ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وأخرى من اليونان بطائرتي «رافال» فرنسية الصنع.
واستفادت باريس من المناسبة لإبراز أسلحتها الجديدة كالمدرعة «جاغوار» ومدرعة الجيل الجديد «غريفون» وإظهار استخدامها المتجدد للمسيرات. ولذا؛ ظهر في العرض الجوي المسيرة «ريبير» التي يستخدمها الجيش الفرنسي في الساحل في عمليات محاربة الإرهاب.

صعوبات مقبلة
بيد أن الرئيس الفرنسي، على الرغم من اللهجة المتفائلة التي سعى غلى بثها بين مواطنيه، لم يكتم الصعوبات التي سيواجهونها في الأسابيع والأشهر المقبلة بسبب تواصل الحرب في أوكرانيا واستخدام روسيا للغاز المصدر إلى أوروبا كـ«سلاح حربي» شأنها في ذلك شأن استخدام صادرات الحبوب من أوكرانيا سلاحاً مماثلاً.
وقال ماكرون «الحرب ستتواصل وعلينا أن نتحضر لذلك. الصيف وبداية الخريف سيكونان شديدَي الوطأة» على المواطنين. وأشار إلى أن بلاده التي تستورد 20 في المائة من احتياجاتها من الغاز الروسي، بصدد التهيؤ لصرف النظر عن استيراده وهي تبحث عن بدائل، ذاكراً مصادر أخرى مثل النرويج وقطر والجزائر والولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، أكد ماكرون، أن الحكومة تعمل على بلورة خطة لخفض استهلاك الطاقة، وأنها ستبدأ مع الإنارة العامة والمؤسسات، ولكن أيضاً بمساعدة من المواطنين، وذلك بالتوازي مع الإسراع في إطلاق مشاريع للطاقة المستدامة البديلة (الشمسية، البحرية...).
وسابقاً، أكد ماكرون وجود خطط لبناء مفاعلات نووية جديدة لإنتاج الطاقة الكهربائية؛ ما يخفف الاعتماد على الغاز المستورد. لكن مشكلة لفرنسا، في الوقت الراهن، أنها مضطرة إلى شراء الكهرباء من بلدان الجوار بسبب توقف العديد من المفاعلات لإجراءات الصيانة.
وقد ارتفعت أسعار الكهرباء والغاز والمشتقات النفطية في فرنسا بشكل لم تعرفه من عقود. من هنا، التخوف من حركات اجتماعية بداية الخريف المقبل. ومن هنا أيضاً مسارعة الحكومة لإيصال مشروع قانون مستعجل لدعم القطاعات الهشة عن توفير مساعدات متعددة الأشكال. ويفترض أن يبدأ البرلمان مناقشة مشروع القانون بدءاً من الاثنين المقبل.
يبقى أن ماكرون استفاد من المناسبة ليهاجم المعارضة بأشكالها المختلفة يميناً ويساراً، وليؤكد مجدداً أن ما سُمي «فضيحة دولة»، أي تواصله مع شركة النقل الأميركية «أوبر» ومساعدته لها على التجذر في السوق الفرنسية ليست فضيحة بأي شكل من الأشكال، لا، بل إنه مستعد لمعاودة ذلك. وحجته الرئيسية، أنها وفّرت آلاف الوظائف لشباب كانت سوق العمل مغلقة تماماً في وجههم لأنهم يأتون من الضواحي أو هم متحدرون من عائلات مهاجرة.

ردود فعل منددة
لم تتأخر ردود الفعل المنددة بما جاء به ماكرون من اليمين واليسار على السواء. فقد اتهمه رئيس مجموعة حزب «الجمهوريون» اليميني الكلاسيكي في البرلمان بأنه لا يحترم المعارضة، ومعتبراً أن توافرها «شرط أساسي» لنجاح فرنسا. في حين اعتبر نظيره في مجلس الشيوخ برونو روتايو، أن ماكرون «سعى لإخفاء فشله عن طريق تحريف الحقيقة»، وداعياً إياه لاعتبار أن عهده الأول انتهى وعليه أن يأخذ في الاعتبار أن الأمور تغيرت في البرلمان، حيث خسر الأكثرية المطلقة.
أما يساراً، فقد تساءل بوريس فالو «أين أصبحت وعود ماكرون؟» واصفاً المقابلة الصحافية بأنها «أسطوانة مشروخة».
وفي السياق نفسه، رأى النائب عن الخضر جوليان بايو، أن رئيس الجمهورية تحدث طويلاً عن العمل والوظائف، ولم يأتِ بكلمة واحدة عن ظروف العمل وزيادة الرواتب.
وذهب النائب عن «التجمع الوطني» اليميني المتطرف إلى اتهام ماكرون بـ«البلادة والعناد»، وأن من اعتقدوا أن ماكرون يمكن أن يتغير «أخطأوا تماماً».


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


السيطرة على النفط الفنزويلي نقلة استراتيجية لقطع الطريق على الصين

سيارات كهربائية صينية من طراز BYD معدّة للشحن إلى البرازيل من مرفأ سوجو في مقاطعة جيانغسو (أ.ف.ب)
سيارات كهربائية صينية من طراز BYD معدّة للشحن إلى البرازيل من مرفأ سوجو في مقاطعة جيانغسو (أ.ف.ب)
TT

السيطرة على النفط الفنزويلي نقلة استراتيجية لقطع الطريق على الصين

سيارات كهربائية صينية من طراز BYD معدّة للشحن إلى البرازيل من مرفأ سوجو في مقاطعة جيانغسو (أ.ف.ب)
سيارات كهربائية صينية من طراز BYD معدّة للشحن إلى البرازيل من مرفأ سوجو في مقاطعة جيانغسو (أ.ف.ب)

أثارت العملية العسكرية الأميركية الخاطفة في فنزويلا التي حملت اسم «العزم المطلق» واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته تساؤلات حول جدوى الضوابط التي يفرضها القانون الدولي ومعايير السيادة وشروط استخدام القوة.

سقط كل شيء أمام أولوية المصالح ومتطلبات بسط النفوذ. وهذا ما يجعل مسألة غرينلاند، وربما لاحقاً كندا، وغيرها، جدية وملحّة. والحال أن ما حصل هو بمثابة جرس إنذار يوقظ العالم على واقع أن الاستقرار هو الاستثناء والاضطراب هو القاعدة. وبالتالي لا يمكن إلا التسليم بفشل الأمم المتحدة في تحقيق السلام الدائم وإرساء أسس التعاون بين الدول.

والحقيقة أن العالم لم يعرف السلام الشامل منذ الحرب العالمية الثانية التي أمل البشر أن تكون آخر الحروب، فمن الحرب الباردة إلى الحرب الكورية والحرب الفيتنامية، مروراً بحروب الشرق الأوسط وصراع البوسنة وليس انتهاءً بالحرب الروسية الأوكرانية وسوى ذلك، تواصلت النزاعات ولعبة الشطرنج التي تقودها وتخوضها القوى الكبرى مباشرة أو بالواسطة، لتقتطع المزيد من «كعكة» الثروات وتوسّع رقعة النفوذ.

من منظار الواقع المرّ هذا، قيل الكثير عن مطامع نفطية تقف وراء كل المشكلات التي شهدتها فنزويلا، مالكة أكبر احتياط نفطي في العالم (303 مليارات برميل وفق تقديرات صدرت عام 2023، تبلغ قيمتها 17 تريليون دولار على الأقل). وهذا صحيح طبعاً، لأن الولايات المتحدة التي تعود بقوة إلى «مبدأ مونرو» بصيغة «دونرو» التي ابتكرها الرئيس دونالد ترمب، لن تقبل أن يكون في «حديقتها الخلفية» دولة تملك هذه الثروة الهائلة، فيما الاحتياط النفطي الأميركي يقل بنحو 6 مرات عن نظيره الفنزويلي.

هذا صحيح، لكن وراء الأكمة ما وراءها، فالرؤية الاستراتيجية أبعد من وضع اليد على ما أمكن من نصف الكرة الأرضية الغربي.

الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبلاً نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو في بكين يوم 13 سبتمبر 2023 (رويترز)

طموحات ومخططات

لم يكن الرئيس دونالد ترمب موارباً أو دبلوماسياً عندما اجتمع في البيت الأبيض مع أركان الصناعة النفطية الأميركية، فتحدث بصراحة عن إدارة فنزويلا والاستثمار في نفطها ليعيد إلى أميركا «ما سُلب منها»، وتوظيف 100 مليار دولار في الذهب الأسود الفنزويلي ليزدهر قطاع الطاقة مجدداً بعد إزاحة مادورو ونقل فنزويلا من لجج البحر الهائج إلى شاطئ الأمان، وفق تعابيره.

إلا أن الأهم فيما قاله يوم الجمعة في التاسع من يناير (كانون الثاني) 2026 هو إفصاحه عن إبلاغ الصين وروسيا بـ«أننا لا نريدكم في فنزويلا»، أي لا تقتربوا من دائرة نفوذنا ومجالنا الحيوي.

ولنتذكر هنا ما حصل في 1961 و1962 في كوبا، وما أعقب عملية خليج الخنازير الأميركية الفاشلة من تقرب هافانا أكثر من الاتحاد السوفياتي وأزمة الصواريخ التي كادت تشعل حرباً عالمية نووية.

قبل سنوات من ذلك، أطاح انقلاب عسكري في غواتيمالا في عام 1954 حكم الرئيس المنتخب ديمقراطياً جاكوبو أربينز الذي أجرى إصلاحات زراعية هددت مصالح شركة «يونايتد فروت» (UFCO) الزراعية الأميركية.

في أيام الرئيس ريتشارد نيكسون، مارست واشنطن ضغوطاً اقتصادية هائلة على الرئيس المنتخب ديمقراطياً سلفادور أليندي، وصولاً إلى انقلاب عسكري ضده (1973) انتهى بمحاصرته في القصر الرئاسي حيث آثر الانتحار على الاستسلام. وقبعت البلاد بعد ذلك 17 سنة تحت حكم الجنرال أوغستينو بينوشيه.

يوم 25 أكتوبر (تشرين الأول) 1983، تدخلت القوات العسكرية الأميركية، بمساعدة عدد من الحلفاء في منطقة البحر الكاريبي، في جزيرة غرينادا. وقد أُطلقت عملية «الغضب العاجل» لحماية أرواح الطلاب الأميركيين هناك، وإعادة الحكم الديمقراطي، والقضاء على النفوذ الكوبي في الجزيرة.

ليس الهدف من تعداد هذا الوقائع إصدار أحكام، بل التأكيد أن القوى الكبرى دأبت على التصرف بهذه الطريقة لإزالة أي تهديد لأمنها ومصالحها. وكتب التاريخ، قديمه وحديثه، مليئة بالشواهد على ذلك.

لذلك لم يكن وارداً بعد كل الضغط الذي مورس منذ عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز أن تترك أميركا فنزويلا وشأنها، خصوصاً أن الدولة اللاتينية كانت توثق علاقاتها أكثر فأكثر مع الصين وروسيا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه مع مسؤولين في شركات نفط أميركية يوم الجمعة 9 يناير 2026 (د.ب.أ)

الخسائر الصينية

بيت القصيد هنا.

روسيا متضرر «جانبي». ويبدو أن بين فلاديمير بوتين ودونالد ترمب تفاهمات عدة تبدّت في سوريا وأوكرانيا وحتماً في بقاع أخرى من العالم.

أما الصين فمسألة أخرى.

بلغة الأرقام، وهي الأصدق في قاموس الحسابات الجيوسياسية والجيواقتصادية، تُعد الصين أكبر مشترٍ للنفط الخام الفنزويلي، باستيراد نحو 82 في المائة من صادراتها النفطية (ما يعادل 778 ألف برميل يومياً) حتى أواخر عام 2025. وبالتالي تهدد السيطرة الأميركية سلاسل التوريد لمصافي التكرير الصينية التي تمدّ الصناعة بما تحتاج إليه من طاقة.

ولئن طمأن ترمب الصين بقوله بعد الاجتماع النفطي في البيت الأبيض أن في استطاعتها شراء النفط مباشرة من بلاده أو من فنزويلا، أي من الشركات الأميركية التي ستعمل هناك، فإن الصين ستفقد حتماً المعاملة التفضيلية التي كانت تخصها بها كراكاس من حيث خفض سعر البرميل، بالإضافة إلى أن بذمة الأخيرة نحو 19 مليار دولار من القروض الصينية التي كانت تُسددها عبر برامج «النفط مقابل الائتمان». ومع سيطرة الولايات المتحدة فعلياً على تدفقات النفط الفنزويلي، تواجه الصين احتمال عدم الوفاء بهذه الديون.

إضافة إلى ذلك، استثمرت الصين في فنزويلا مليارات الدولارات على مدى ربع قرن، وتملكت عبر شركاتها الحكومية حصصاً كبيرة في حقول النفط الفنزويلية، فماذا سيكون مصير الاستثمارات الآن؟

أبعد من ذلك، تملك الصين مصالح في عدد من دول أميركا اللاتينية، فهي تستورد الليثيوم من الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي، وهو المعدن الضروري بل الحيوي لصناعة السيارات الكهربائية التي يسيطر عليها العملاق الأصفر على مستوى العالم.

وستقلق بكين حتماً من السياسة الهجومية للإدارة الأميركية التي لن تنظر بعين الرضا إلى وجود الصين في البيرو، أيضاً على سبيل المثال لا الحصر، بعد افتتاح ميناء شانكاي الضخم عام 2024، ليكون محوراً تجارياً يربط آسيا بأميركا اللاتينية، ويعزز نفوذ الصين في المنطقة، ويدعم اقتصاد البيرو خصوصاً في تصدير المعادن والمنتوجات الزراعية.

ما الرد الصيني المحتمل؟

كيف سيرد الرئيس الصيني شي جينبينغ الذي كان قد رفع أخيراً مستوى العلاقات مع مادورو إلى «شراكة استراتيجية شاملة»؟ وماذا إذا حوصرت الصناعة الصينية أكثر بفقدانها النفط الإيراني الذي تستورده بسعر أدنى من سعر السوق؟ وماذا سيحصل إذا قررت الإدارة الأميركية شطب الـ 800 مليار دولار التي تدين بها للصين في شكل سندات خزينة؟

وكيف ستتعامل بكين مع التحديات التي تواجهها في محيطها المباشر (مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي) والأبعد (المحيط الهادئ وطرق التجارة البحرية الحيوية)؟

سيارات كهربائية صينية من طراز BYD معدّة للشحن إلى البرازيل من مرفأ سوجو في مقاطعة جيانغسو (أ.ف.ب)

قال شي جينبينغ في 6 يناير خلال اجتماع مع رئيس الوزراء الآيرلندي، مايكل مارتن: «الأعمال الأحادية والتنمر يلحقان ضربة خطيرة بالنظام الدولي».

لا يستبعد بعض الخبراء والمحللين أن تبادر الصين بالرد عبر تأمين محيطها المباشر بإنهاء مسألة تايوان. ومعلوم أن بكين تُظهر على نحوٍ متزايد أنها لم تعد راضية بالحفاظ على الوضع القائم. فقد حوّلت تركيز سياستها تجاه تايوان من الاكتفاء بمعارضة الاستقلال إلى السعي الحثيث لتحقيق الوحدة. والصين لا ترى أن الخيار العسكري لـ«استعادة» تايوان هو انتهاك للقانون الدولي، بما أنها تعتبر تايوان شأناً داخلياً. وقد تقنع العملية الأميركية في فنزويلا القيادة الصينية بأن أي تحرك عسكري ضد تايوان سيكون أكثر قابلية للتبرير مما حصل في كراكاس.

خلاصة القول، إن ما حصل في فنزويلا لا ينحصر في الاستحواذ على نفطها، فالهدف الاستراتيجي الأكبر هو قطع الطريق على الصين، تماماً مثل الغاية من مشروع ضم غرينلاند إلى نجوم العلم الأميركي (باللين أو الشدة)، فهنا المقصود إقفال «المدخل الغربي» إلى القطب الشمالي ذي الأهمية الحيوية قطعاً للطريق على الصين وروسيا.

نقل الأحجار على رقعة الشطرنج العالمية يتسارع وخلط الأوراق لم يعد يميّز بين حليف وصديق وخصم، والمنطق المؤسف يقول إن ثمة صداماً سيحصل في نهاية المطاف.


إعلان حالة «الكارثة» في جنوب شرق أستراليا بعد حرائق غابات

منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

إعلان حالة «الكارثة» في جنوب شرق أستراليا بعد حرائق غابات

منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)

أعلنت استراليا، اليوم السبت، حالة الكارثة في جنوب شرق البلاد بسبب حرائق حرجية أتت على منازل ومساحات شاسعة من الغابات في مناطق ريفية.

وشهدت ولاية فيكتوريا (عاصمتها ملبورن) موجة حر شديدة، وتجاوزت الحرارة 40 درجة مئوية، وساهمت رياح في إيجاد ظروف مؤاتية لاندلاع حرائق غابات كما حدث خلال "الصيف الأسود" أواخر العام 2019 ومطلع العام 2020 في المنطقة نفسها.

وأتى أحد أشد حرائق الغابات فتكا على نحو 150 ألف هكتار قرب بلدة لونغوود، وهي منطقة تغطيها غابات أصلية.

وتمنح حالة الكارثة التي أعلنتها رئيسة وزراء ولاية فيكتوريا جاسينتا آلن السبت، فرق الإطفاء صلاحيات تنفيذ عمليات إجلاء طارئة.

ولفتت آلن إلى أن الهدف هو «حماية أرواح سكان فيكتوريا... هذا يبعث برسالة واضحة: إذا طُلبت منكم المغادرة، فغادروا!».

مروحية تلقي الماء على غابة تلتهمها النيران في هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)

وأعلنت آلن العثور على ثلاثة أشخاص، بينهم طفل، كانوا مفقودين جراء أحد أعنف حرائق الولاية.

وقال مدير حالات الطوارئ في ولاية فيكتوريا تيم ويبوش إن 130 منشأة على الأقل بينها منازل وأكواخ ومبان أخرى دمرت في الولاية. وأفاد بأن 10 حرائق كبيرة ما زالت مشتعلة، والعديد منها قد يستمر "أياماً، أو حتى أسابيع".

وانحصرت أسوأ الحرائق حتى الآن في مناطق ريفية قليلة السكان، لا يتجاوز عدد المقيمين فيها بضع مئات. وتم حشد مئات من عناصر الإطفاء من مختلف أنحاء البلاد لمكافحة الحرائق.

وأفاد باحثون بأن الاحترار المناخي في أستراليا ارتفع بمعدل 1,51 درجة مئوية منذ عام 1910، الأمر الذس يُؤجج أنماط الطقس المتطرفة التي تزداد تواترا على اليابسة وفي البحر.


تقرير: تأجيل قمة «جي 7» بسبب إقامة مباريات فنون قتالية احتفالاً بعيد ميلاد ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

تقرير: تأجيل قمة «جي 7» بسبب إقامة مباريات فنون قتالية احتفالاً بعيد ميلاد ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أعلنت فرنسا تأجيل قمة مجموعة السبع «جي 7»، هذا العام؛ لتجنب تعارضها مع المباراة النهائية للفنون القتالية المختلطة «يو إف سي»، المقرر إقامتها في البيت الأبيض في 14 يونيو (حزيران) المقبل، للاحتفال بعيد ميلاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الثمانين، وفقاً لتقرير مجلة «بوليتيكو» الإخبارية، اليوم الجمعة.

ونقلت «بوليتيكو» تقريرها عن مسؤولين مطّلعين ببرنامج قمة «جي 7»، مضيفة أن مكتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قال إن التأجيل الذي سيكون ليوم واحد جاء بعد «مشاورات مع الشركاء في مجموعة السبع».

يشار إلى أن الرابع عشر من يونيو هو أيضاً يوم العلم في الولايات المتحدة.

ووفق «وكالة الأنباء الألمانية»، كانت باريس قد أعلنت سابقاً أن اجتماع قادة الاقتصادات الديمقراطية الرائدة، هذا العام، سيُعقد في الفترة من 14 إلى 16 يونيو، في إيفيان-ليه-بان، على الضفة الفرنسية الجنوبية لبحيرة جنيف.