ماكرون يحضّر الفرنسيين لصيف وخريف «شديدَي الوطأة»

ماكرون وبجانبه رئيس الأركان الفرنسي يحيي الحضور في مستهل العرض العسكري بمناسبة العيد الوطني في باريس أمس (إ.ب.أ)
ماكرون وبجانبه رئيس الأركان الفرنسي يحيي الحضور في مستهل العرض العسكري بمناسبة العيد الوطني في باريس أمس (إ.ب.أ)
TT

ماكرون يحضّر الفرنسيين لصيف وخريف «شديدَي الوطأة»

ماكرون وبجانبه رئيس الأركان الفرنسي يحيي الحضور في مستهل العرض العسكري بمناسبة العيد الوطني في باريس أمس (إ.ب.أ)
ماكرون وبجانبه رئيس الأركان الفرنسي يحيي الحضور في مستهل العرض العسكري بمناسبة العيد الوطني في باريس أمس (إ.ب.أ)

على الرغم من غياب مدعوين أجانب من الصف الأول للعرض العسكري الفرنسي الذي جرى أمس في جادة الشانزليزيه، في باريس، فإن فرنسا بيّنت مرة أخرى قدرتها على استخدام هذا النوع من الأنشطة لإبراز أنها ما زالت قوة عسكرية يعتدّ بها وما زالت تلعب دوراً من الطراز الأول على المسرح الدولي. وقد أشار الرئيس إيمانويل ماكرون إلى ذلك في المقابلة الصحافية التي أجرتها مباشرة بعد انتهاء العرض القناتان الأولى والثانية، مستعيداً بذلك تقليداً تم تناسيه لسنوات.
ولأن فرنسا، كما غيرها من البلدان الأوروبية، تعرف مجموعة من الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية (غلاء الأسعار، التضخم، أسعار الطاقة وتراجع القوة الشرائية والتخوف من خريف ساخن يلي الفرصة الصيفية)، ولأنها تعيش وضعاً جديداً عنوانه عودة الحروب إلى القارة الأوروبية، فإن الهدف الذي سعى إليه الرئيس الفرنسي هو طمأنة مواطنيه مع رسم خطة حكومته للأشهر المقبلة لحماية مواطنيه والحد قدر الإمكان من تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا على حياتهم اليومية.
وأهمية ما جاء في كلام ماكرون، أنه تحدث للمرة الأولى، وبشكل مطول، منذ تشكيل حكومته الجديدة وعجز رئيستها إليزابيت بورن عن توفير أكثرية وافرة عن طريق إنشاء تحالف حكومي أو التوافق على برنامج حكم يسهل تمرير مشاريع القوانين الملحة، ومنها مساعدة الشرائح الاجتماعية الأكثر هشاشة.
بداية، حرص ماكرون على تأكيد المؤكد وتذكير الفرنسيين بأن بلادهم تمتلك أكبر جيش في أوروبا وأنها قوة نووية وعضو دائم في مجلس الأمن. وأشار ماكرون إلى أن حكومته بصدد التحضير لخطة عسكرية (قانون البرمجة العسكرية) التي ستغطي الفترة الممتدة من 2024 إلى العام 2030، مؤكداً أن موازنة وزارة الدفاع ستصل العام المقبل إلى 44 مليار يورو، بزيادة 3 مليارات دولار عن موازنة العام الجاري. أما الهدف فهو الوصول إلى 50 مليار يورو في السنوات القريبة.
لكن ماكرون سارع إلى التذكير بأن فرنسا دخلت فيما سماه «اقتصاد الحرب»؛ ما يعني الحاجة إلى التعجيل في إعادة تشكيل المخزون من السلاح والذخيرة والإكثار والإسراع في الإنتاج، خصوصاً التأهب للحرب «عالية الكثافة»، أي الحقيقية والتركيز على الابتكار والتجديد في السلاح والعتاد.

تهديدات
وحدّد ماكرون أربعة أشكال من التهديدات، التي أولها ظهور مناطق نزاع (مثلاً في أوروبا) جديدة، وثانيها الحرب السيبرانية، وثالثها الحرب البحرية التي يمكن أن تنشب في مساحات مائية كانت بعيدة عنها سابقاً، وآخرها الإرهاب وتحولاته أكان ذلك في منطقة الساحل الأفريقي أو الشرق الأوسط. وخلاصة ماكرون، أن التهديدات الجديدة تبرر اللجوء إلى «اقتصاد الحرب».
ولأن فرنسا عضو رئيسي في الاتحاد الأوروبي، وأنه كان من أشد المدافعين عن «الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبي والقوة الدفاعية الأوروبية»؛ فقد حرص الرئيس الفرنسي على الإشارة إلى أن «أوروبا الدفاعية» قد قوي عودها بالتكامل مع الحلف الأطلسي.
وكان واضحاً أن باريس أرادت في العرض العسكري إبراز البعد الأوروبي من خلال رفع أعلام ومشاركة وحدات رمزية من سبع بلدان من أوروبا الشرقية وجمهوريات البلطيق، إضافة إلى مشاركة رمزية أخرى من ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وأخرى من اليونان بطائرتي «رافال» فرنسية الصنع.
واستفادت باريس من المناسبة لإبراز أسلحتها الجديدة كالمدرعة «جاغوار» ومدرعة الجيل الجديد «غريفون» وإظهار استخدامها المتجدد للمسيرات. ولذا؛ ظهر في العرض الجوي المسيرة «ريبير» التي يستخدمها الجيش الفرنسي في الساحل في عمليات محاربة الإرهاب.

صعوبات مقبلة
بيد أن الرئيس الفرنسي، على الرغم من اللهجة المتفائلة التي سعى غلى بثها بين مواطنيه، لم يكتم الصعوبات التي سيواجهونها في الأسابيع والأشهر المقبلة بسبب تواصل الحرب في أوكرانيا واستخدام روسيا للغاز المصدر إلى أوروبا كـ«سلاح حربي» شأنها في ذلك شأن استخدام صادرات الحبوب من أوكرانيا سلاحاً مماثلاً.
وقال ماكرون «الحرب ستتواصل وعلينا أن نتحضر لذلك. الصيف وبداية الخريف سيكونان شديدَي الوطأة» على المواطنين. وأشار إلى أن بلاده التي تستورد 20 في المائة من احتياجاتها من الغاز الروسي، بصدد التهيؤ لصرف النظر عن استيراده وهي تبحث عن بدائل، ذاكراً مصادر أخرى مثل النرويج وقطر والجزائر والولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، أكد ماكرون، أن الحكومة تعمل على بلورة خطة لخفض استهلاك الطاقة، وأنها ستبدأ مع الإنارة العامة والمؤسسات، ولكن أيضاً بمساعدة من المواطنين، وذلك بالتوازي مع الإسراع في إطلاق مشاريع للطاقة المستدامة البديلة (الشمسية، البحرية...).
وسابقاً، أكد ماكرون وجود خطط لبناء مفاعلات نووية جديدة لإنتاج الطاقة الكهربائية؛ ما يخفف الاعتماد على الغاز المستورد. لكن مشكلة لفرنسا، في الوقت الراهن، أنها مضطرة إلى شراء الكهرباء من بلدان الجوار بسبب توقف العديد من المفاعلات لإجراءات الصيانة.
وقد ارتفعت أسعار الكهرباء والغاز والمشتقات النفطية في فرنسا بشكل لم تعرفه من عقود. من هنا، التخوف من حركات اجتماعية بداية الخريف المقبل. ومن هنا أيضاً مسارعة الحكومة لإيصال مشروع قانون مستعجل لدعم القطاعات الهشة عن توفير مساعدات متعددة الأشكال. ويفترض أن يبدأ البرلمان مناقشة مشروع القانون بدءاً من الاثنين المقبل.
يبقى أن ماكرون استفاد من المناسبة ليهاجم المعارضة بأشكالها المختلفة يميناً ويساراً، وليؤكد مجدداً أن ما سُمي «فضيحة دولة»، أي تواصله مع شركة النقل الأميركية «أوبر» ومساعدته لها على التجذر في السوق الفرنسية ليست فضيحة بأي شكل من الأشكال، لا، بل إنه مستعد لمعاودة ذلك. وحجته الرئيسية، أنها وفّرت آلاف الوظائف لشباب كانت سوق العمل مغلقة تماماً في وجههم لأنهم يأتون من الضواحي أو هم متحدرون من عائلات مهاجرة.

ردود فعل منددة
لم تتأخر ردود الفعل المنددة بما جاء به ماكرون من اليمين واليسار على السواء. فقد اتهمه رئيس مجموعة حزب «الجمهوريون» اليميني الكلاسيكي في البرلمان بأنه لا يحترم المعارضة، ومعتبراً أن توافرها «شرط أساسي» لنجاح فرنسا. في حين اعتبر نظيره في مجلس الشيوخ برونو روتايو، أن ماكرون «سعى لإخفاء فشله عن طريق تحريف الحقيقة»، وداعياً إياه لاعتبار أن عهده الأول انتهى وعليه أن يأخذ في الاعتبار أن الأمور تغيرت في البرلمان، حيث خسر الأكثرية المطلقة.
أما يساراً، فقد تساءل بوريس فالو «أين أصبحت وعود ماكرون؟» واصفاً المقابلة الصحافية بأنها «أسطوانة مشروخة».
وفي السياق نفسه، رأى النائب عن الخضر جوليان بايو، أن رئيس الجمهورية تحدث طويلاً عن العمل والوظائف، ولم يأتِ بكلمة واحدة عن ظروف العمل وزيادة الرواتب.
وذهب النائب عن «التجمع الوطني» اليميني المتطرف إلى اتهام ماكرون بـ«البلادة والعناد»، وأن من اعتقدوا أن ماكرون يمكن أن يتغير «أخطأوا تماماً».


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟