قصة قصيرة: لماذا تبكي كلما رأيت زهرة الأقحوان؟

قصة قصيرة: لماذا تبكي كلما رأيت زهرة الأقحوان؟
TT

قصة قصيرة: لماذا تبكي كلما رأيت زهرة الأقحوان؟

قصة قصيرة: لماذا تبكي كلما رأيت زهرة الأقحوان؟

كان يسير مع صديق له في حديقة عامة، استوقفه رصيف زهور الأقحوان، متفتحاً رياناً بألوانه البهيجة المشعة تحت الشمس، طال وقوفه بعض الشيء فاستحثه الصديق للسير، كانت عيناه قد اغرورقتا بالدمع كما في كل مرة، وكان صديقه الذي يلازمه كظله أو كنفسه ذاتها يرقبه ويلحظ ارتباكه وندى عينيه كلما مر برصيف ورد الأقحوان المنتشرة صفوفه كالسجاد في هذه البلدة السويدية البحرية، سأله مبتسماً كأنه يداعبه:
ــ لماذا تبكي كلما رأيت زهرة الأقحوان؟
لكنه وجد السؤال جدياً، بل أكثر ثقلاً، أحسه يسقط في أحشائه شفرة حادة. ندت عنه همهمة خافتة، وهزة رأس خفيفة، أظهر ابتسامة خفيفة، قال مرتبكاً وكأنه يعتذر:
ــ حقاً، أعرف، ولا أعرف!
ومع أن كلماته كانت قليلة لكنه ندم عليها، كيف أطلقها وكان دائماً يكتمها؟ وغص بآلامه. فوجئ الصديق بدموعه وما غشى وجهه من حزن؛ فلم ينتظر إجابة. جذبه إلى تجمع لناس كثر في الحديقة، ملتفين حول مسرح رخامي يقدمون فيه عروضاً هزلية يتعالى حولها ضحك أطفال وصبيان وأمهات وجدات!
ظل هو غائباً عما يتعالى حوله من ضحك وصيحات الممثلين والمهرجين والمعجبين ومستحثي الاستعادة، وشغله سؤال صديقه، أمر غريب حقاً، رجل تجاوز السبعين يبكي عند رؤيته زهرة الأقحوان؟ ربما ظن صديقي أنها زهرة حب قديم محطم، حسناً هي كذلك ولكنها لحب آخر أيضاً! ربما هو الأعظم! وتعالت حوله الضحكات والصيحات المرحة!
وكأنه طار من هذه الحديقة الكبيرة في المدينة التي يسكنها منذ عقود من السنين، إلى تلك الشقة الصغيرة قبل أكثر من عشرين عاماً، قرب نافذة تطل على عتمة مساء، ودنيا في ذبولها أو أفولها! من حقك يا صديقي أن تستغرب ذلك! سأحاول أن أهبط الوادي أمامك، لأجمع ذكرياتي المبعثرة هناك، أعني أحاول جذب قلبي من تحت الصخرة التي سقطت عليه منذ زمن بعيد! ومع ذلك القصة بسيطة يا صديقي، ليست كبيرة، ولا هامة، ولا معقدة، بقدر ما هي أليمة، هل حدثتك عن أمي؟ كنت أنا قد غادرت البلاد قبل سنوات مضطراً محملاً بهم سياسي كبير، تركتها وحيدة، يومها قلت لها بصفاقة وقسوة: «سألحق بقضيتي فهي عندي أهم من كل شيء!» طبعاً هي بقلب الأم لم تتصور أنني يمكن أن أقول إن قضيتي السياسية أهم منها وهي الأم التي ضحت كثيراً من أجلي وسأتركها وحيدة، لا معيل لها غيري! كان والدي قد توفي منذ زمن بعيد.
حاولت التواصل معها من حيث حللت في هجراتي. ولم أستطع إعانتها إلا بالقليل، ليت الأمر اقتصر على ذلك، فقد صادر الحاكمون بيتي بسبب نشاطي ضدهم! وجدت أمي العجوز نفسها شريدة دون بيت، تتقاذفها بيوت الأقارب! بعد سنوات طويلة من استقراري في السويد وجدت أنني أستطيع أن آتي بها لتقضي بقية حياتها بيننا أنا وعائلتي! بعد جهود كثيرة أفلحت في ذلك، جاءت الأم إلى السويد وأضحت لاجئة مثلي! منحتها البلدية شقة صغيرة، وحرصت أن تكون في العمارة التي أعيش فيها مع زوجتي وأطفالي الثلاثة، سكنت شقة صغيرة في الطابق ما قبل الأخير من العمارة، والمصعد جاهز دائماً يسهل تنقلنا ولقاءاتنا! قضت نحو ثلاث سنوات معنا، حاولت فيها أن أعوضها عن عقوقي لها وأنا مستغرق في قضيتي السياسية التي فشلت بها، أو فشلت معي أيضاً! أحس بالذنب دائماً، أتيت بها من أرض وأناس آلفتهم وكانت تحبهم، جعلتها تسكن أرض البرد والظلام والصمت، أأنا من سبب لها كل ذلك؟ كان بالكاد يسمع أعماقه فقد كانت أصوات المهرجين والأطفال والصبيان يتعالى تصفيقهم الحاد؟ كأنهم يصفقون ساخرين مما حدث له!
آخر أيامها معنا، أتذكر ذلك تماماً، أتيتها بسندان فيه نبتة بلاستيكية لزهرة أقحوان حمراء فاتحة. وضعتها على قاعدة نافذة حجرة الجلوس، ونسيت أن أحدثها حولها، لكنني لاحظت بعد أيام أنها أخذت تسقيها ووضعت قارورة ماء بجانبها! لا أدري لماذا تركتها في وهمها؛ ربما لأنني رأيته وهماً جميلاً، قد يخفف رتابة منفى أقحمتها فيه!
بدت لي فرحة تعتقد، أن أوراقها لم تتساقط بفضل رعايتها لها! لكن ذلك المساء المشئوم جاءتني ابنتي التي في التاسعة تقريباً لتقول لي ضاحكة:
ـــ بابا، رأيت جدتي تسقي الزهرة البلاستيكية!
خفق قلبي متوجساً، أضافت:
ــــ قلت لها لماذا تسقينها؟ فأخذت تبكي
من قال إن براءة الأطفال دائماً حسنة؟
وصعدت إلى شقتها الصغيرة، وجدتها تبكي، كعادتها أحنت رأسها قائلة كأنها تعتذر عن ذنب:
ـ لم أكن أعرف!
طبعاً لم أسألها لماذا لم تلمسينها، أعرف أنها تخشى أن تلمس وردة.
وظلت صامتة برهة، رفعت رأسها محبطة حزينة؛ وراحت كما في كل مرة تردد:
ـــ ليتني أموت قبل العمى!
كانت تشعر أن السكري وقد تفاقم لديها مذ فارقناها، سيصيبها بالعمى لا محالة، عبثاً حاولت طمأنتها، كانت تبكي بصمت،
ـ لا أريد أن أكون عالة عليكم!
كانت حزينة محطمة وكأن آلام وأحزان عمرها قد هاجمتها دفعة واحدة. قررت أن أبقى بجانبها! في منتصف الليل استيقظت هلعاً على صراخها وهي تمسك رأسها بكلتا يديها، أصيبت بجلطة دماغية، نقلناها إلى المستشفى وبعد أيام من الغيبوبة، توفيت!
بقيت كلما رأيت زهرة أقحوان تعتريني رجفة، أفكر، لو كنت أعلمتها أنها اصطناعية، لو كانت الأقحوانة طبيعية وفي ترابها ما كان موتها يحدث هكذا. هل لي يد بذلك؟ طبعاً! ولكن لا الآن ولا فيما بعد أستطيع أن أجيب صديقي على سؤاله مازحاً أو جاداً بتفاصيل ما حدث فهي ليست هامة له أو خطيرة، وربما لا تقنع أحداً غيري!
عاد لصمته الطويل، اقترب من صديقه الذي وجده مندمجاً بأجواء الغناء والموسيقى الصاخبة والضحك والمرح وصار يرقص مثلهم ويحاول رغم تجاوزه السبعين مغازلة أو مداعبة العجائز، وقد التفت نحوه قائلاً:
ــ ما لك يا رجل؟ هيا معنا! ارقص! ارقص!


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

السعودية تنشئ مركزاً ثقافياً في باريس

من مراسم توقيع اتفاقية سعودية - فرنسية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس (واس)
من مراسم توقيع اتفاقية سعودية - فرنسية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس (واس)
TT

السعودية تنشئ مركزاً ثقافياً في باريس

من مراسم توقيع اتفاقية سعودية - فرنسية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس (واس)
من مراسم توقيع اتفاقية سعودية - فرنسية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس (واس)

أعلنت السعودية، الاثنين، إنشاء مركز ثقافي في باريس، وذلك على هامش زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء إلى فرنسا.

وذكرت وزارة الثقافة السعودية أن المركز سيشكّل منصة للتعريف بالثقافة السعودية، وإبراز عمقها التاريخي وتنوعها الإبداعي، من خلال تنظيم البرامج الثقافية النوعية، وإشراك الممارسين والمؤسسات والجمهور الفرنسي في مبادراته.

وسيعمل المركز على دعم حضور الممارسين الثقافيين السعوديين دولياً، وتعزيز التواصل بين المثقفين والمبدعين في البلدين، وبناء شراكات استراتيجية بين المؤسسات الثقافية السعودية والفرنسية، بما يتيح تبادل الخبرات، وتنفيذ المبادرات المشتركة.

ويجسّد إنشاء المركز ما تشهده علاقات البلدين من تطور مستمر، ويؤكّد حرص السعودية على تعزيز حضورها الثقافي الدولي، وتقديم صورة ثقافية أصيلة تعرّف العالم بإرثها الحضاري، وإنتاجها الإبداعي المعاصر.


اجتماع سعودي - فرنسي يناقش مسارات التعاون المستقبلية بشأن العلا

المشاركون في اجتماع اللجنة الوزارية السعودية الفرنسية بشأن العلا (واس)
المشاركون في اجتماع اللجنة الوزارية السعودية الفرنسية بشأن العلا (واس)
TT

اجتماع سعودي - فرنسي يناقش مسارات التعاون المستقبلية بشأن العلا

المشاركون في اجتماع اللجنة الوزارية السعودية الفرنسية بشأن العلا (واس)
المشاركون في اجتماع اللجنة الوزارية السعودية الفرنسية بشأن العلا (واس)

ناقشت «اللجنة الوزارية السعودية - الفرنسية المشتركة بشأن العلا»، الاثنين، مسارات التعاون المستقبلية، بما يعكس متانة العلاقات بين البلدين، ويؤكد مكانة العلا بصفتها ملتقى حضارات ووجهة عالمية للثقافة والإبداع والتنمية المستدامة.

واستعرضت اللجنة منجزات الشراكة بين البلدين، خلال اجتماعها في باريس، برئاسة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة محافظ الهيئة الملكية لمحافظة العلا، ووزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي جان نويل بارو.

الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي لدى ترؤسه اجتماع اللجنة في باريس (واس)

ورحَّب الجانبان في بداية الاجتماع بتوقيع اتفاقية تمديد وتعديل الاتفاق المبرم بين حكومتي البلدين حول التنمية الثقافية والبيئية والسياحية والبشرية والاقتصادية والتراثية لمحافظة العلا، خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، لفرنسا.

وأكد البلدان التزامهما بالمضي قدماً في تعميق الشراكة التي أصبحت نموذجاً عالمياً للتعاون الدولي القائم على تبادل المنافع والمعرفة، بما يحقق مستهدفات التنمية الشاملة المستدامة، كما شهد الاجتماع استعراض حجم الاستثمارات المشتركة، ومجالات التعاون القائمة في قطاعات الآثار والفنون والثقافة والرياضة والضيافة وتنمية القدرات البشرية.

مراسم توقيع اتفاقية حول التنمية الثقافية والبيئية والسياحية والبشرية والاقتصادية والتراثية للعلا (واس)

وتعكس الشراكة التزاماً مشتركاً بالتنمية المستدامة من خلال مشروعات استراتيجية مثل «ترام العلا»، ومنتجع «شرعان» من تصميم جان نوفيل، إلى جانب استثمارات في مجالات الطاقة المتجددة والمياه والتنقل، بما يدعم تحقيق مستهدفات «رؤية السعودية 2030» في استقطاب مليون زائر، وجذب الاستثمارات العالمية، مع الحفاظ على تراثها الثقافي والطبيعي.


«القدية» تنقل صناعة الوجهات السعودية إلى فرنسا

مذكرة تفاهم لاستكشاف تطوير وجهة عالمية جديدة متعددة الاستخدامات ترتكز على الترفيه في فرنسا (واس)
مذكرة تفاهم لاستكشاف تطوير وجهة عالمية جديدة متعددة الاستخدامات ترتكز على الترفيه في فرنسا (واس)
TT

«القدية» تنقل صناعة الوجهات السعودية إلى فرنسا

مذكرة تفاهم لاستكشاف تطوير وجهة عالمية جديدة متعددة الاستخدامات ترتكز على الترفيه في فرنسا (واس)
مذكرة تفاهم لاستكشاف تطوير وجهة عالمية جديدة متعددة الاستخدامات ترتكز على الترفيه في فرنسا (واس)

فتحت «القدية» السعودية باباً جديداً أمام انتقال خبرتها في صناعة الوجهات الترفيهية إلى خارج البلاد، بعدما انتقل مشروع كانت باريس والرياض تستكشفانه منذ العام الماضي إلى استثمار معلن بقيمة 6 مليارات يورو لإنشاء ثلاثة متنزهات قرب العاصمة الفرنسية، في خطوة تضع الشركة أمام تجربة مختلفة عن مهمتها الأساسية في تطوير واحدة من أكبر الوجهات الترفيهية والرياضية والثقافية في المملكة.

وجاء الإعلان بالتزامن مع زيارة الدولة التي يقوم بها الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، إلى فرنسا، حيث كشف الرئيس إيمانويل ماكرون عن مشروع لإنشاء ثلاثة متنزهات ترفيهية في منطقة سيرجي-بونتواز شمال غربي باريس، باستثمارات تبلغ 6 مليارات يورو، مع توقعات بتوفير نحو 22 ألف وظيفة.

ووضع ماكرون المشروع في سياق استثنائي بالنسبة إلى سوق الترفيه الفرنسية، منوهاً بأن البلاد لم تشهد استثماراً بهذا الحجم في القطاع منذ «ديزني لاند باريس»، في إشارة إلى الوزن الاقتصادي الذي تراهن عليه باريس من المشروع.

لكن أهمية الخطوة بالنسبة إلى الجانب السعودي تتجاوز قيمة الاستثمار وعدد المتنزهات؛ إذ تفتح للمرة الأولى خلال هذا المشروع سؤالاً حول مدى قابلية الخبرة التي تبنيها «القدية» في السعودية للانتقال إلى أسواق دولية، في وقت تشهد فيه المملكة توسعاً كبيراً في صناعة الترفيه والسياحة ضمن برامج التنويع الاقتصادي.

من فكرة إلى مشروع بـ6 مليارات يورو

بدأت قصة المشروع في مايو (أيار) 2025، حيث ظهر أول إعلان رسمي عن المسار عندما كشفت الرئاسة الفرنسية، ضمن نتائج قمة «Choose France»، عن مذكرة تفاهم بين الحكومة الفرنسية وشركة القدية للاستثمار، بهدف استكشاف تطوير مشروع كبير في قطاعي السياحة والترفيه داخل فرنسا.

ولم تكشف الوثيقة الفرنسية حينها عن موقع المشروع أو قيمته أو تفاصيل مكوناته، واكتفت بالإشارة إلى أن المذكرة تمثل خطوة لتعزيز التعاون بين فرنسا والسعودية واستكشاف الفرصة الاستثمارية.

وبعد نحو عام، يكشف إعلان باريس الجديد حجم التطور الذي مر به المشروع؛ إذ انتقل من مجرد استكشاف فرصة استثمارية إلى مشروع بثلاثة متنزهات واستثمارات بمليارات اليورو وآلاف الوظائف المتوقعة.

وكشفت «القدية للاستثمار»، الاثنين، عن مذكرة تفاهم مع الحكومة الفرنسية لاستكشاف تطوير وجهة جديدة متعددة الاستخدامات ترتكز على الترفيه، وذلك ضمن الاتفاقيات والمذكرات الموقعة بالتزامن مع الزيارة، حيث تمثل هذه المذكرة بداية مرحلة من العمل المشترك لتحديد نطاق المشروع ونموذجه التطويري وإطاره التعاقدي، وفق الإجراءات والموافقات المعمول بها في فرنسا.

ويستند المشروع إلى القدرات والخبرات والشراكات التي تطورها انطلاقاً من المملكة، ويجسد تطور الشركة بوصفها علامة وطنية سعودية تسهم في ابتكار وتطوير تجارب ترفيهية تنافسية متعددة الاستخدامات، وتوسيع حضورها على المستوى العالمي، بما يعكس انتقال المملكة من الاستفادة من الخبرات العالمية إلى المساهمة في صناعة مستقبل الترفيه دولياً.

كان التعاون السياحي بين البلدين قد شهد بالتوازي توسعاً مؤسسياً، إذ وقّعت السعودية وفرنسا في يونيو (حزيران) الماضي برنامج عمل مشتركاً لتعزيز التعاون في مجالات تشمل الاستثمار السياحي والضيافة وتنمية القدرات والتدريب، وهو ما يعكس اتساع الشراكة في القطاع بعيداً عن المشروعات المنفردة.

تجربة بدأت داخل السعودية

تمنح هوية المستثمر المشروع الفرنسي دلالة إضافية؛ فشركة «القدية للاستثمار» تقود تطوير «مدينة القدية» قرب الرياض، التي تجمع تحت مظلتها مشروعات في الترفيه والرياضة والثقافة والضيافة.

ومن أبرز تلك المشروعات متنزه «Dragon Ball»، الذي أعلنت عنه الشركة رسمياً في 2024، ليقام على مساحة تتجاوز 500 ألف متر مربع، ويضم أكثر من 30 لعبة وتجربة موزعة على 7 مناطق مستوحاة من سلسلة «Dragon Ball»، إلى جانب 5 ألعاب رئيسية ومعلم «Shenron» الذي يصل ارتفاعه إلى نحو 70 متراً.

ومن هنا يختلف المشروع الفرنسي عن استثمار مالي سعودي تقليدي في أصل أوروبي؛ إذ تدخل «القدية» فرنسا من القطاع نفسه الذي تعمل على تطوير منظومته داخل السعودية.

وهذه النقطة تمنح المشروع بُعداً يرتبط بتطور صناعة الترفيه السعودية نفسها؛ فبعد سنوات تركز خلالها العمل على استقطاب العلامات والخبرات العالمية وبناء وجهات ضخمة داخل المملكة، تظهر الآن إمكانية انتقال شركة سعودية مرتبطة بهذه الصناعة إلى الاستثمار في تطوير وجهة كبرى خارج البلاد.

من بناء قطاع جديد إلى حضور يتجاوز الحدود

يحمل المشروع الفرنسي دلالة تتجاوز حركة الاستثمار بين الرياض وباريس؛ إذ يأتي بعد أقل من عقد على إطلاق السعودية «القدية» ضمن مسار «رؤية 2030» لبناء قطاعات اقتصادية جديدة في السياحة والترفيه والرياضة والثقافة.

وتستهدف «مدينة القدية» عند اكتمالها توفير أكثر من 325 ألف فرصة عمل والمساهمة بنحو 135 مليار ريال سنوياً في الناتج المحلي، واستقبال 48 مليون زيارة سنوياً.

واليوم تبدو نتيجة هذا التحول في اتجاه جديد؛ فالسعودية التي استقطبت الخبرات والعلامات العالمية لبناء صناعة ترفيه حديثة، تظهر عبر «القدية» مستثمراً في الصناعة نفسها داخل واحدة من أكبر الأسواق السياحية عالمياً.

ولا تزال «القدية» لم تعلن أن فرنسا بداية استراتيجية للتوسع الدولي، لكن المشروع يقدم مؤشراً لافتاً على نضج التجربة السعودية؛ فبعد أن كان الهدف وضع المملكة على خريطة السياحة والترفيه العالمية، تبدأ الخبرة والاستثمارات التي صنعتها «رؤية 2030» اليوم في إيجاد حضور لها خارج الحدود.