واشنطن وحلفاؤها يرصدون الطموح الصيني وخطره على تايوان وحوض المحيط الهادئ

وسط القلق من استنساخ «السيناريو الأوكراني»... آسيوياً

لقطة لبعض المناورات البحرية الصينية في مضيق تايوان
لقطة لبعض المناورات البحرية الصينية في مضيق تايوان
TT

واشنطن وحلفاؤها يرصدون الطموح الصيني وخطره على تايوان وحوض المحيط الهادئ

لقطة لبعض المناورات البحرية الصينية في مضيق تايوان
لقطة لبعض المناورات البحرية الصينية في مضيق تايوان

تعتمد الصين مواقف سياسية وعسكرية متشددة داخل منطقة حوض المحيط الهادئ التي تتميّز بقدر كبير من الأهمية الاستراتيجية. ومن جنوب المحيط الهادئ إلى غربه، تعمل سلطات بكين على تعزيز نفوذها في المنطقة، ولقد شهدت الفترة الأخيرة عدداً من الأحداث التي كشفت بوضوح ملامح الاستراتيجية الصينية الرامية لجعل حوض المحيط الهادئ جزءاً من فنائها الخلفي. وفي إطار هذه الخطة، اختتم وزير الخارجية الصيني وانغ يي، مطلع يونيو (حزيران) المنقضي، جولة استغرقت 10 أيام زار خلالها سبع دول جُزرية في جنوب هذه المنطقة، بجانب تيمور الشرقية. ومن جهة ثانية، ساد قلق صفوف صانعي السياسات في الغرب بعد تسريب مسوّدة كشفت عن ممارسة بكين ضغوطاً لمعاونة دول جنوب المحيط الهادئ في جهود بناء قوات الشرطة والحوكمة الرقمية وأنظمة الأمن السيبراني. ومن شأن مثل هذه الخطوات تعزيز بشكل كبير نفوذ بكين في منطقة غدت ميداناً لحرب نفوذ جيوسياسية واستراتيجية بين الصين من جهة والولايات المتحدة وأستراليا من جهة أخرى خلال السنوات الأخيرة. ومعلوم أنه قبل ذلك بقليل، تحديداً في أبريل (نيسان) الماضي، وقعت بكين اتفاقاً أمنياً مع حكومة جزر سليمان (بجنوب غرب المحيط الهادئ قرب أستراليا) من شأنه السماح بنشر قوات من الشرطة الصينية والجيش وغيرهم من الأفراد المسلحين وفقاً لمسودة مسربة للاتفاقية. كذلك يقدّم الاتفاق رصيفاً للسفن الحربية الصينية في الجزر.
من الملاحظ أن الصين كثفت تدريباتها العسكرية وزادت حدة خطابها تجاه تايوان منذ غزو روسيا لأوكرانيا، ما زاد المخاوف العالمية من أن سلطات بكين قد تشعر بالجرأة لغزو الجزيرة، التي تدّعي السيطرة التاريخية عليها. ويرى خبراء أن جزر المحيط الهادئ تتسم بأهمية محورية لاستراتيجية الصين الدبلوماسية لضم تايوان، ذلك أنه يمكن استخدام قاعدة بحرية صينية المتفق عليها في جزر سليمان لاعتراض التعزيزات العسكرية لتايوان.
في الواقع، على مدار سنوات، حوّلت العديد من دول جزر المحيط الهادئ (بالذات جنوب غربه) دفة تحالفاتها الدبلوماسية إلى الصين، بدلاً من تايوان. ونجحت بكين في إقناع العديد من دول المحيط الهادئ بقطع علاقاتها مع حكومة تايبيه (الحاكمة في تايوان). واستهدفت بكين على وجه الخصوص جزر سليمان وكيريباتي (كيريباس) وساموا وفيجي وتونغا وفانواتو وبابوا غينيا الجديدة وجزر كوك ونيوي وميكرونيزيا، واستبعدت بشكل واضح جزر مارشال وناورو وبالاو وتوفالو، وجميعها تعترف بتايوان كدولة مستقلة. ولكن عام 2019، بدلت جزر سليمان وكيريباتي، اتجاه علاقاتهما الدبلوماسية إلى الصين، بدلاً من تايوان.
تُعرف هذه السياسة على نطاق واسع باسم «التحوّل»، وتعد واحدة من المؤشرات الرئيسة الأولى لتوسع النفوذ الصيني في المنطقة التي لطالما كانت حليفة للولايات المتحدة وأستراليا. وفي هذا الشأن، أعرب آر. راجغوبالان، أستاذ السياسة الدولية في جامعة جواهر لال نهرو بالعاصمة الهندية دلهي، عن اعتقاده بأن «النفوذ الصيني المتزايد في المحيط الهادئ يبدل ميزان القوى ويضع تايوان وحلفاءها في موقف صعب. إنه سيعطي السفن الصينية موطئ قدم استراتيجي في المحيط الهادئ، ومعه تبدو كل من أستراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة محاصرة بشكل خاص، لأن الاتفاق المُبرَم مع جزر سليمان قد يسمح للصين بإنشاء قاعدة عسكرية على بُعد 2000 كيلومتر فقط من ساحل أستراليا الشرقي، ذلك أن الاتفاقية تتيح للصين «زيارات للسفن وتنفيذ التجديد اللوجستي والتوقف والانتقال في جزر سليمان. مع تذكّر أنه على بُعد نحو 3200 كيلومتر شمال جزر سليمان تقع جزر غوام، معقل القوة الأميركية في حوض المحيط الهادئ».
في ضوء ما حدث، أرسلت واشنطن «القلقة» كورت كامبل، منسّقها في منطقتي المحيطين الهندي والهادئ، إلى جزر سليمان لإثارة موضوع الاتفاق المُبرم مع بكين، بالإضافة إلى خطط لإعادة فتح السفارة الأميركية هناك. أما الصين، فأثارت التساؤلات حول دوافع الزيارة، مشيرة إلى أن السفارة الأميركية كانت مغلقة طوال 29 سنة، إلا أن واشنطن أبدت اهتماماً «مفاجئاً».
- نظرة تاريخية
تعد تايوان حقل ألغام جيوسياسياً، مع عزم الصين على إعادة ما تعتبرها منطقة منشقة إلى الوطن الأم. وتاريخياً، كانت جزيرة تايوان (أو فورموزا – وعاصمتها تايبيه) مقاطعة صينية لمدة 10 سنوات فقط، قبل التنازل عنها لليابان كمستعمرة عام 1895، ثم تسليمها لاحقاً إلى جمهورية الصين الوطنية بنهاية الحرب العالمية الثانية. غير تايوان انفصلت مجدداً عن البرّ الصيني عام 1949 عندما نقل رئيس الصين الوطنية (يومذاك) تشيانغ كاي شيك، حكومته إلى الجزيرة بعدما انتصر الشيوعيون بقيادة ماو تسي تونغ في الصراع على السلطة بالصين. ومنذ ذلك الحين أسست تايبيه صلات قوية مع الولايات المتحدة واليابان وحلفاء آخرين، وسعت إلى تعزيز قدرة قواتها المسلحة على مقاومة أي غزو صيني محتمل.
وفي حين، أقام الجانبان علاقات اقتصادية قوية فيما بينهما، تعثرت جهود المصالحة السياسية خلال السنوات الأخيرة، مع تشديد تايوان على هويتها الخاصة، وتأكيد سلطات بكين مطالبها بأن تقبل سلطات الجزيرة شروطها لإعادة توحيد الكيانين. إذ تؤكد بكين أن تايوان مجرّد جزء من أراضيها، وبالتالي، لا يحق لها العمل بشكل مستقل كدولة أو أن يكون لها تمثيل على المسرح العالمي.
ثم أنه، منذ تولت الرئيسة التايوانية تساي إنغ ون منصبها عام 2016، رفضت بكين إجراء أي اتصال مع حكومتها. وتعمد الصين حالياً إلى إرسال طائرات عسكرية داخل نطاق الدفاع الجوي التايواني بشكل منتظم. والملاحظ أن بكين تبنت لغة تهديدية بشكل متزايد، محذرة من أن تساي وحزبها التقدمي الديمقراطي الحاكم وآخرين «سيدفعون ثمناً باهظاً» لرفضهم المطالب الصينية، وأن تايوان ستتعرض لهجوم إذا ما أعلنت استقلالها رسمياً. وفي المقابل، أعلنت تساي أن تايوان ليست بحاجة إلى إصدار مثل هذا الإعلان، لأنها بالفعل مستقلة بحكم الأمر الواقع، ورفضت تلبية مطلب الصين الأساسي بالاعتراف بتايوان كجزء من الأمة الصينية.
- هل تُغزى تايوان؟
أثار الغزو الروسي لأوكرانيا المخاوف من غزو صيني وشيك لتايوان. وهذا ما حذّر منه قادة عسكريون أميركيون في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وتبعاً لما يراه لسوشانت سينغ، أحد كبار الزملاء في «مركز أبحاث السياسة» في الهند، أكد تسجيل صوتي مُسرّب حديثاً وصورة جرى التقاطها سراً بواسطة أحد المنفيين نشرهما «لود ميديا»، أن الصين تعد لغزو تايوان. وتشير مزاعم إلى أن التسجيل عبارة عن مناقشة استراتيجية رفيعة المستوى بين بعض كبار الضباط والمسؤولين في البلاد حول خطط الغزو التي تشمل 140.000 جندي. وفي التسجيل المزعوم للاجتماع، ناقش المسؤولون المدنيون وكبار الضباط خططاً للتعبئة. وثمة أقاويل حول أنه من بين الحاضرين الجنرال زو، قائد منطقة غوانغدونغ العسكرية.
أيضاً، ناقش الاجتماع ما يوصف بالانتقال «الطبيعي إلى الحرب» واستخدام قوة هائلة لمواجهة تايوان. وأنه سيكون هناك أيضاً 953 سفينة من مختلف الأنواع، و1653 قطعة من المعدّات التي تعمل من دون قائد بشري. وتتضمّن الموارد الأخرى المتاحة 20 مطاراً ورصيفاً، ومساحات إصلاح وبناء السفن، و14 مركزاً للنقل في حالات الطوارئ. وذكر المشاركون في الاجتماع أن مستودعات الحبوب والمستشفيات ومحطات الدم ومستودعات النفط ومحطات الوقود يجب أن تكون على أساس الحرب. وقال أحد المتحدثين: «لن نتردد في بدء حرب وسحق استقلال تايوان ومخططات أعدائنا الأقوياء، والدفاع بحزم عن السيادة الوطنية وسلامة أراضينا».
وفي الوقت ذاته، كشفت صور من الأقمار الصناعية في صحراء تاكلاماكان في إقليم شينجيانغ (سنكيانغ)، بغرب الصين، أن الجيش الصيني يستخدم طائرة بوينغ «إي ـ 767»، مزودة بنظام الإنذار والتحكم المحمولة جواً (أواكس) التي تديرها قوات الدفاع الذاتي الجوية اليابانية كهدف وهمي. وتبدو محاطة بعدد من الطائرات المقاتلة الصينية الأصغر. وجدير بالذكر أن صحراء تاكلاماكان الصينية أرض اختبار صواريخ جيش التحرير الشعبي الصيني، ويجري استغلالها في اختبار دقة مختلف الصواريخ الجديدة وتطويرها.
- الخلاف الصيني الأميركي
في الآونة الأخيرة، يبدو أن التوترات تفاقمت بين الولايات المتحدة والصين. وفي تطور لافت، قدم عضوان في مجلس الشيوخ الأميركي أخيراً «مشروع قانون لتعزيز الدعم لتايوان لعام 2022» بشكل كبير، مع تقديم مليارات الدولارات في شكل مساعدات أمنية وإدخال تغييرات على القانون تدعم العلاقات غير الرسمية لواشنطن مع الجزيرة. ويهدد «القانون» لعام 2022 بفرض عقوبات شديدة على الصين عند شنها أي عدوان على تايوان، كما يخصص مبلغ 4.5 مليار دولار في شكل تمويل عسكري أجنبي على مدى السنوات الأربع المقبلة، بالإضافة إلى تصنيف تايوان «حليفاً رئيساً من خارج الناتو»، وفقاً للنص المقترح.
وذكر تقرير لوكالة «رويترز» نقلاً عن راعيي «مشروع القانون»، وهما السيناتور الديمقراطي بوب مينينديز، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، وزميله الجمهوري ليندسي غراهام، أن «مشروع القانون» سيكون بمثابة إعادة هيكلة شاملة للسياسة الأميركية تجاه الجزيرة منذ تمرير «قانون العلاقات مع تايوان لعام 1979». وفي بيان له، قال مينينديز: «بينما تواصل بكين سعيها لإكراه تايوان وعزلها، يجب ألا يكون هناك شك أو غموض بشأن عمق وقوة عزمنا على الوقوف مع شعب تايوان وديمقراطيته». وأردف أن «مشروع القانون» يبعث «رسالة واضحة مفادها أنه لا ينبغي للصين أن ترتكب الأخطاء التي ارتكبتها روسيا في غزوها لأوكرانيا».
من ناحيتها، تعمد بكين إلى اختبار دفاعات تايوان، وكذلك خطوط واشنطن الحمراء. وفي هذا الإطار، اخترق عدد قياسي من الطائرات الحربية الصينية، بما في ذلك مقاتلات «جيه ـ 16» و12 قاذفة «إتش ـ 6» ذات القدرات النووية، تكراراً منطقة الدفاع الجوي التايوانية. وأقدمت الصين في مايو (أيار) على ثاني أكبر توغل في منطقة الدفاع الجوي التايوانية هذا العام، مع إعلان تايبيه عن دخول 30 طائرة إلى المنطقة، بما في ذلك أكثر من 20 مقاتلة.
في هذه الأثناء، بينما أثار الرئيس الأميركي جو بايدن دهشة وغضب الصين الشهر الماضي بقوله إن بلاده ستتدخل عسكرياً إذا تعرّضت تايوان لهجوم، اتهم وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن بكين بـ«التهديد بتغيير الوضع الراهن في تايوان من خلال زيادة مطردة في النشاطات العسكرية الاستفزازية والمزعزعة للاستقرار» بالقرب من الجزيرة. وفي المقابل، هاجم وزير الدفاع الصيني وي فنغهي واشنطن واتهمها بـ«مواصلة اللعب بورقة تايوان ضد الصين». وأضاف وي أن «تايوان هي تايوان الصينية، واستخدام تايوان لاحتواء الصين لن يفلح أبداً... وإذا تجرأ أي شخص على فصل تايوان عن الصين، لن يتردد الجيش الصيني بالتأكيد في بدء حرب مهما كان الثمن».
- علاقات تايوان الأميركية
ما يستحق الإشارة أن 15 دولة فقط تحتفظ بعلاقات دبلوماسية رسمية مع تايبيه، وليس هناك أي حكومة تقيم علاقات رسمية مع كل من تايبيه وبكين. كذلك، تفتقر تايبيه إلى مقعد في الأمم المتحدة، إذ جرى إبعادها عن عدد من المؤسسات والشراكات الدولية، بناءً على طلب من بكين.
وكانت «حكومة» تايوان قد شغلت مقعد الصين في الأمم المتحدة حتى أكتوبر (تشرين الأول) 1971 قبل التصويت على «طردها» لصالح بكين. ولكن منذ ذلك الحين، سعت تايبيه بانتظام إلى زيادة مشاركتها في المنظمة الدولية والمؤسسات التابعة لها. وعلى الرغم من الافتقار إلى علاقات رسمية بينهما، حافظت واشنطن منذ فترة طويلة على علاقات جيدة مع تايبيه، وهي تتصدّر تاريخياً مزوّدي تايوان بالأسلحة. وأيضاً تنتهج واشنطن سياسة «الغموض الاستراتيجي» إزاء مدى ما يمكنها فعله للدفاع عن تايوان في مواجهة الغزو الصيني.
التوترات بين واشنطن وبكين كانت قد تزايدت منذ أن تبنّى الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب سياسة حازمة لتعزيز العلاقات مع تايوان. واستمر ذلك في عهد الرئيس الحالي بايدن، مع إرسال واشنطن أسلحة ووحدات تدريب عسكرية خاصة ووفوداً من المسؤولين السابقين لدعم الرئيسة تساي إنغ وين، التي تعتبرها بكين مؤيدة للاستقلال على نحو خطير.
ثم، تصاعدت حدة التوتر لأعلى مستوياتها بعد غزو روسيا لأوكرانيا. وأرسلت واشنطن المدمّرة «يو إس إس رالف جونسون» في مسار عبر مضيق تايوان. وأعقب ذلك، إيفاد وفد من المسؤولين العسكريين السابقين في زيارة استغرقت يومين إلى تايبيه. ولاحقاً، وافقت واشنطن على بيع حزمة أسلحة بقيمة 95 مليون دولار إلى تايوان، ثاني صفقة من نوعها خلال سنة، تهدف إلى تحسين مستوى أنظمة الدفاع الجوي فيها. وهنا يعلّق المحلل الأمني المهندس هارش في. بانت قائلاً إن «تايوان تُعد اختباراً مهماً لكل من الولايات المتحدة والصين، وهو اختبار يتعلق بمصداقية واشنطن في منطقة المحيطين الهندي والهادئ في أعقاب الانسحاب العسكري من أفغانستان. ويتعلق الأمر كذلك بطموح الصين القديم لإعادة التوحيد الوطني ومشروع شي جين بينغ لإعادة روح الشباب على المستوى الوطني. وفيما يخص تايبيه، يتعلق الأمر بالحفاظ على قيمها الديمقراطية وأسلوب حياتها». ويضيف: «تشكّل هذه التيارات المتقاطعة للتاريخ والاتجاهات الاستراتيجية المعاصرة... الإجراءات والإجراءات المضادة للفاعلين الرئيسيين في هذه الدراما التي تتكشف فصولها يوماً بعد آخر. ويمكن أن تأتي تداعيات هذا الوضع على درجة كبيرة من الخطورة، ليس فقط على المنطقة، وإنما كذلك على النظام العالمي الآخذ في التشكّل».
- غزو تايوان... وتداعياته على اقتصاد العالم
> من شأن أي هجوم عسكري صيني ضد تايوان ترك تأثير أكبر من تأثير حرب أوكرانيا... على تدفقات التجارة العالمية من الصناعات الرئيسة، خصوصاً رقائق أشباه الموصلات والبرمجيات التي من الممكن أن يحدث نقص شديد بها.
بداية، تايوان تُعَد المنتج الرائد على مستوى العالم لرقائق أشباه الموصلات، وقد يكون لأي غزو تداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمي الذي يعاني بالفعل من نقص في الرقائق. والمؤكد أن ثمة عواقب وخيمة لأي هجوم صيني ضد تايوان يفوق بكثير العواقب الإنسانية فحسب. ويذكر أن هذه الرقائق توجد في معظم الأجهزة الإلكترونية، بدءاً من الهواتف الذكية وصولاً إلى المركبات وأنظمة الأسلحة، كما أن شركات في تايوان مسؤولة عن أكثر من 60 في المائة من الإيرادات المرتبطة بصناعة أشباه الموصلات عام 2020، وتمثل ما يقرب من 90 في المائة من إنتاج الرقائق الصغيرة والمتقدمة.
وتبعاً لتحليل صادر عن مكتب القوات الجوية الأميركية للتحليل التجاري والاقتصادي، فإنه إذا ما غزت الصين تايوان، فإنها ستسيطر بذلك على ما يقرب من 80 في المائة من إنتاج أشباه الموصلات عالمياً (مع الأخذ في الاعتبار قدراتها المحلية الخاصة). ومن شأن هذا الأمر بدوره أن يضع شركات رائدة بمجال التكنولوجيا، مثل «مايكروسوفت» و«أبل»، جنباً إلى جنب مع مقاولي الدفاع العسكري، تحت رحمة بكين.
وفي هذا السياق، حث الرئيس الأميركي جو بايدن الكونغرس على تمرير تشريع من شأنه زيادة إنتاج أشباه الموصلات في الولايات المتحدة. ولكن حتى في حال تحقق أهداف هذا التشريع، فإن الوصول لمستوى الخبرة التايوانية سيبقى أمراً بعيد المنال، وفقاً لما خلصت إليه دراسة أجراها مركز الأمن الأميركي الجديد. بل، كشف التقرير أن الولايات المتحدة تعتمد اليوم على الرقائق الدقيقة الصينية أكثر مما كانت تعتمد على نفط الشرق الأوسط في العقود الماضية.

من قمة «كواد» الأخيرة في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)

- «كواد» و«أوكوس» والتحالفات الأخرى
> عزّزت واشنطن، في الآونة الأخيرة، التحالفات غير الرسمية التي قد تُفعّل في حال إقدام الصين على غزو تايوان. وفي هذا السياق، أعادت إدارة بايدن تنشيط التكتل الذي يجمع بين الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند، المعروف باسم «التكتل الرباعي» (كواد)، بهدف مواجهة نفوذ الصين وردع أي صراع محتمل في المنطقة.
وفي العام الماضي، أطلقت الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا شراكة «أوكوس» الأمنية، التي تركز بشكل أساسي على توفير غواصات تعمل بالطاقة النووية لأستراليا، ويرى محللون عسكريون أنها محاولة للاستفادة من الضعف النسبي للصين في مجال القتال تحت سطح البحر. وأيضاً، تشكل اليابان، التي تستضيف أكبر حضور عسكري أميركي خارج الولايات المتحدة، العمود الفقري لجهود واشنطن لعرض القوة في المحيط الهادئ. ومن المحتمل أن تكون اليابان من الدول المشاركة في أي دفاع محتمل عن تايوان في المستقبل. ومعلوم أنه في حال حصول الصين على موطئ قدم عسكري لها في الدول الجزرية بالمنطقة، ستحتاج الولايات المتحدة إلى مراقبة جنوب المحيط الهادئ عن كثب، ما قد يقوض الردع ضد بكين في بحر الصين الجنوبي والمياه بالقرب من تايوان واليابان.
وبالفعل، حذّر رئيس الوزراء الياباني فوميو كيشيدا، في أثناء زيارته الأخيرة لسنغافورة، من أن «أوكرانيا اليوم قد تكون شرق آسيا غداً». وفي هجوم مبطّن على الصين، قال إن العدوان الروسي غيّر التصوّرات الأمنية لدى العديد من الدول حول العالم، خصوصاً في شرق آسيا.


مقالات ذات صلة

تقرير: القوات البحرية الأوروبية تحجم عن عبور مضيق تايوان

العالم تقرير: القوات البحرية الأوروبية تحجم عن عبور مضيق تايوان

تقرير: القوات البحرية الأوروبية تحجم عن عبور مضيق تايوان

شجّع مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، (الأحد) أساطيل الاتحاد الأوروبي على «القيام بدوريات» في المضيق الذي يفصل تايوان عن الصين. في أوروبا، تغامر فقط البحرية الفرنسية والبحرية الملكية بعبور المضيق بانتظام، بينما تحجم الدول الأوروبية الأخرى عن ذلك، وفق تقرير نشرته أمس (الخميس) صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية. ففي مقال له نُشر في صحيفة «لوجورنال دو ديمانش» الفرنسية، حث رئيس دبلوماسية الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، أوروبا على أن تكون أكثر «حضوراً في هذا الملف الذي يهمنا على الأصعدة الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
العالم لندن تحذّر من عواقب مدمّرة لحرب في مضيق تايوان

لندن تحذّر من عواقب مدمّرة لحرب في مضيق تايوان

دافع وزير الخارجية البريطاني جيمس كليفرلي عن الوضع القائم في تايوان، محذرا من عواقب اقتصادية مدمرة لحرب، في خطاب تبنى فيه أيضًا نبرة أكثر تصالحا حيال بكين. وقال كليفرلي في خطاب ألقاه مساء الثلاثاء «لن تكون حرب عبر المضيق مأساة إنسانية فحسب بل ستدمر 2,6 تريليون دولار في التجارة العالمية حسب مؤشر نيكاي آسيا». وأضاف «لن تنجو أي دولة من التداعيات»، مشيرا إلى أن موقعها البعيد لا يؤمن أي حماية مما سيشكل ضربة «كارثية» للاقتصاد العالمي والصين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم الصين تحقق مع ناشر تايواني في جرائم متعلقة بالأمن القومي

الصين تحقق مع ناشر تايواني في جرائم متعلقة بالأمن القومي

أعلنت السلطات الصينية، الأربعاء، أن ناشراً تايوانياً، أُبلغ عن اختفائه، خلال زيارة قام بها إلى شنغهاي، يخضع لتحقيق في جرائم متعلقة بالأمن القومي. وقالت تشو فنغ ليان، المتحدثة باسم «المكتب الصيني للشؤون التايوانية»، إن لي يانهي، الذي يدير دار النشر «غوسا»، «يخضع للتحقيق من قِبل وكالات الأمن القومي، لشبهات الانخراط بأنشطة تعرِّض الأمن القومي للخطر». وأضافت: «الأطراف المعنية ستقوم بحماية حقوقه المشروعة ومصالحه، وفقاً للقانون». وكان ناشطون وصحافيون في تايوان قد أبلغوا عن اختفاء لي، الذي ذهب لزيارة عائلته في شنغهاي، الشهر الماضي. وكتب الشاعر الصيني المعارض باي لينغ، الأسبوع الماضي، عبر صفحته على «ف

«الشرق الأوسط» (بكين)
العالم رئيس غواتيمالا يبدأ زيارة لتايوان

رئيس غواتيمالا يبدأ زيارة لتايوان

وصل رئيس غواتيمالا أليخاندرو جاماتي الاثنين إلى تايوان في زيارة رسمية تهدف إلى تعزيز العلاقات الدبلوماسية مع هذه الجزيرة التي تعتبر بلاده من الدول القليلة التي تعترف بها دبلوماسياً. وسيلقي جاماتي كلمة أمام البرلمان التايواني خلال الزيارة التي تستمر أربعة أيام.

«الشرق الأوسط» (تايبيه)
العالم بكين تحتج لدى سيول إثر «تصريحات خاطئة» حول تايوان

بكين تحتج لدى سيول إثر «تصريحات خاطئة» حول تايوان

أعلنت الصين أمس (الأحد)، أنها قدمت شكوى لدى سيول على خلفية تصريحات «خاطئة» للرئيس يون سوك يول، حول تايوان، في وقت يشتدّ فيه الخلاف الدبلوماسي بين الجارين الآسيويين. وتبادلت بكين وسيول انتقادات في أعقاب مقابلة أجرتها وكالة «رويترز» مع يون في وقت سابق الشهر الحالي، اعتبر فيها التوتر بين الصين وتايوان «مسألة دولية» على غرار كوريا الشمالية، ملقياً مسؤولية التوتر المتصاعد على «محاولات تغيير الوضع القائم بالقوة».

«الشرق الأوسط» (بكين)

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
TT

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)

معركة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الإعلام، لم تعد خلافاً على سؤال مستفز أو تقرير سلبي. فمع منع الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من دخول البيت الأبيض، وتعليق الشبكات الكبرى التغطية التلفزيونية المشتركة لأنشطته، انتقل النزاع إلى اختبار حدود السلطة على المعلومات، وقدرة الصحافة على الدفاع عن استقلاليتها أمام جمهور تتراجع ثقته بها. وتجمع المواجهة بين أسئلة يصعب فصلها: أين تنتهي صلاحية الإدارة في تنظيم الوصول إلى المؤسّسات الحكومية؟ وأين تبدأ معاقبة التوجه التحريري؟ وهل أضعفت بعض وسائل الإعلام موقعها حين غلَّبت الخصومة السياسية على تفسيرها للوقائع؟ ثم هل يفسر أسلوب ترمب وحده هذا التصعيد، أم أنه يكشف عن أزمة أوسع في العلاقة بين المؤسسات المنتخبة والصحافة والمواطنين؟ وبين رئيس يرى في التغطية «المعادية» تشويهاً لسياساته، ومؤسسات تعد استبعادها اعتداء على حرية الصحافة، يدور صراع يتجاوز الطرفين: من يحدد المعلومات التي تصل للأميركيين عن حكومتهم، وبأي شروط؟

بدأ الفصل الأخير، الأسبوع الماضي، حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب حظر الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو»، متهماً إياها بنشر أخبار كاذبة. وبعد ذلك منع صحافيوها من الدخول وسحبت تصاريحهم. ودخل القضاء على خط المواجهة بعدما لجأت المؤسسات إليه يوم الاثنين. ويوم الأربعاء أمر القاضي تيموثي كيلي، الذي عيّنه ترمب عام 2017، بإعادة اعتمادات صحافيي المؤسسات الثلاث فوراً، ووقف تنفيذ الحظر لمدة 14 يوماً. ورجح القرار مخالفة الحظر للضمانات الدستورية، واعتبر أن مبررات الأمن القومي تفتقر إلى سند واقعي كاف. وهو تدخّل مؤقت يضع إجراءات الإدارة تحت الرقابة القضائية، فيما يستمر النزاع بشأن حدود سلطتها على وصول الصحافة.

جذور في ولاية ترمب الأولى

للخلاف جذور في ولاية ترمب الأولى، حين ألغى اعتماد مراسل الـ«سي إن إن» جيم أكوستا عام 2018، قبل أن يأمر كيلي بإعادته لغياب الضمانات الإجرائية اللازمة. لكن الانتقال من إجراء ضد مراسل إلى استبعاد مؤسسات كاملة يوسع نطاق السؤال: هل ينظم عمل الصحافة وفق قواعد معلنة، أم يصبح استمرار وجودها رهناً بتقييم الرئيس لتغطيتها؟

وامتد النزاع في ولايته الثانية إلى مواقع أخرى. ففي فبراير (شباط) 2025، أخرج البنتاغون مؤسسات من مساحات عملها ضمن برنامج قال إنه يوسع فرص الوصول لمؤسسات أخرى. ثم أثارت شروط الاعتماد اللاحقة نزاعاً قضائياً، وفي مارس (آذار) 2026، حكم قاض بعدم دستورية السياسة المطعون فيها، قبل أن تعلن الوزارة تعديلات ومواصلة الاستئناف.

وتكشف هذه الوقائع عن أن القضية تتصل بقواعد مؤسسية قابلة للاستمرار بعد مغادرة ترمب منصبه. وفي المقابل، فإن اختزال خيارات اليمين، من الهجرة إلى التجارة والسياسة الخارجية، في شخصية الرئيس، يحجب النقاش حول أسباب تأييدها. فالإعلام يستطيع مساءلة الخيارات ونتائجها، لكن تفسير كل منها بوصفه نزوة شخصية قد يضعف قدرته على فهم المجتمع الذي يمنحها التأييد. كما أن «شخصنة» الصراع تؤدي أيضاً خدمة سياسية للرئيس: فحين تتحوّل المناقشة إلى محاكمة طباعه، يسهل تقديم الاعتراض على قراراته، باعتباره خصومة معه ومع ناخبيه. وعندئذ تتراجع الأسئلة القابلة للتحقق، مثل كلفة السياسة ونتائجها والبدائل المتاحة، لمصلحة سجال حول النيات والولاءات. وتلك مشكلة تحريرية حتى حين تكون الانتقادات الأصلية مبرّرة.

الصحافة تحت الاختبار

تمنح أزمة الثقة هذا الخطاب أرضية أوسع؛ ففي استطلاع «غالوب»، نشر في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، قال 28 في المائة من الأميركيين إن لديهم ثقة كبيرة أو معقولة بقدرة الصحف والتلفزيون والإذاعة على تقديم الأخبار بدقة وإنصاف وشمول. وبلغت النسبة 8 في المائة بين الجمهوريين، و27 في المائة بين المستقلين، و51 في المائة بين الديمقراطيين.

وحقاً، لا تثبت هذه الأرقام أن الأخبار خاطئة، لكنها تظهر أن المؤسسات الإعلامية لا تخاطب جمهوراً يتفق على أهليتها للحكم على الوقائع. كما أن ضعف الثقة بين المستقلين، وتراجعها حتى عند الديمقراطيين، يمنعان تفسير المشكلة كنتيجة لخطاب ترمب وحده.

ومع ذلك، يحتاج اتهام الإعلام بالتحول إلى معارضة سياسية إلى أدلة تتجاوز عدد الأخبار السلبية: هل تُمنح المعلومات المخالفة للرواية الغالبة مكانها؟ هل يظهر التصحيح بوضوح؟ وهل يستطيع القارئ تمييز الخبر من التحليل والرأي؟ وهي معايير يمكن تطبيقها على المؤسسات الليبرالية والمحافظة معاً.

في تغطية حرب إيران، على سبيل المثال، يتهم وزير الخارجية ماركو روبيو وسائل الإعلام بأنها بدت وكأنها تدافع عن طهران. هنا يختلف نقد قرار الحرب أو مساءلة الرواية الرسمية عن تفاصيل عملياتية قد تعرّض أفراداً للخطر. كما يختلف التحقيق في خسائر أو إخفاقات عن افتراض سوء نيات الإدارة سلفاً. وحين تصف السلطة النقد بالخيانة أو بتشويه الحقائق، وحين تتعامل التغطية مع كل تفسير رسمي بوصفه تضليلاً محسوماً، تضيع هذه الفروق.

بيد أن مشكلة المصالح تظهر في ملفات أخرى، كالجدل الدائر حول «أخطار» الذكاء الاصطناعي. ففي مقال رأي في الـ«وول ستريت جورنال»، جادل غابرييلي مازيني الذي يشغل منصب زميل في مبادرة «إم آي تي كونيكشن ساينس»، وقاد الفريق الذي صاغ مقترح قانون الذكاء الاصطناعي الخاص بالمفوضية الأوروبية، بأن تضخيم شركات الذكاء الاصطناعي أخطار تقنياتها، قد يخدم مصالح تنظيمية وتجارية واحتكارية. وهذه حجة تستدعي اختبار روايات الشركات ومصادرها، من دون أن تثبت أن الأخطار مختلقة أو أن الصحافة تتبنى أجندة موحدة ضد الرئيس.

والاختبار هنا عملي: هل تُعامل ادعاءات شركة نافذة بالمقدار نفسه من التدقيق الذي يواجه به تصريح سياسي؟ وهل يوضح التقرير ما ثبت بالتجربة وما بقي متوقعاً؟ هذه الأسئلة تصلح أيضاً للتعريفات الجمركية والهجرة والحروب، حيث تتنافس مصادر رسمية وتجارية وحزبية على توجيه التغطية. ومن نافلة القول إن مهنية الصحافة تقاس بقدرتها على كشف هذه المصالح، بما فيها مصالح المصادر التي تتفق معها.

في دفاعها أمام المحكمة،

قالت الإدارة إن دخول البيت الأبيض

«امتياز وليس حقاً»، واتهمت المؤسسات

المستبعدة بمخالفة معايير المهنية

الأمن القومي وحدود السلطة

في دفاعها أمام المحكمة، قالت الإدارة إن دخول البيت الأبيض «امتياز وليس حقاً»، واتهمت المؤسسات المستبعدة بمخالفة معايير المهنية ونشر معلومات حساسة وسرية. وبحسب «نيويورك تايمز»، استشهدت الرسائل الموجهة إليها بتقارير عن منشآت البيت الأبيض وترتيبات أمنية، وأخرى عن تقديرات ترمب للحرب مع إيران.

هذه حجج للسلطة التنفيذية في دعوى جارية، وليست أحكاماً تثبت وقوع مخالفات. وتقول المؤسسات الإعلامية إن العقوبة استهدفت توجهها التحريري ونُفذت من دون إنذار أو فرصة مسبقة للاعتراض، بينما تتمسك الإدارة بأن الإجراءات التي وفرتها بعد المنع كانت كافية. والتمييز القانوني أساسي: ليست الصحافة صاحبة حق مطلق في دخول كل مكان أو حضور كل لقاء رئاسي. لكن سابقة «شيريل ضد نايت» عام 1977 قررت أن إدارة نظام التصاريح الصحافية تخضع لضمانات دستورية، تشمل معايير واضحة وإخطاراً بأسباب الرفض وفرصة الرد.

ومن هنا، لا يكفي وصف الدخول بالامتياز لإعفاء قرارات الاستبعاد من المراجعة. وتزداد حساسية المساءلة عندما يتسع مفهوم الأمن القومي ليشمل نشر تقدير سياسي لا يعجب الرئيس. ونقلت الـ«نيويورك تايمز» عن أستاذة القانون باربرا ماكويد قولها، إن المحاكم تمنح السلطة التنفيذية هامشاً في المسائل الأمنية، لكنها حذرت من أن الاستخدام غير الجدي لهذه الذريعة قد يضعفها حين تكون ضرورية بالفعل.

ويشمل النزاع توقيت تقديم أسباب المنع والضمانات المتاحة للاعتراض عليه. وتقول المؤسسات الثلاث إن الإدارة سحبت اعتمادات صحافييها من دون إخطار مسبق أو فرصة للطعن، بينما يتمسك البيت الأبيض بكفاية الإجراءات التي أتاحها بعد تنفيذ القرار. ونقلت الصحيفة عن غيب روتمان، نائب رئيس السياسات في لجنة المراسلين لحرية الصحافة، اعتراضه على تعليق الاعتماد ثم تقديم مبررات لاحقة. وبذلك، يمتد الخلاف إلى الإجراءات التي اتبعتها الإدارة، إلى جانب النزاع بشأن مضمون التغطية الصحافية.

السوابق ومعيار المقارنة

يدافع نائب الرئيس جي دي فانس عن القرار بعدّه حجباً لوصول مميز عن مؤسسات تمارس، وفق وصفه، الدعاية، ويستشهد بمعاملة وسائل محافظة في عهدي أوباما وبايدن. وتقول الإدارة إن المؤسسات المستبعدة ما زالت قادرة على النشر، بينما ترى تلك المؤسسات أن استمرار البث لا يعوض حرمانها من جمع الأخبار داخل المقر الرئاسي.

وتوجد بالفعل سوابق لضغوط اتخذتها إدارات ديمقراطية، أبرزها تحقيقات التسريبات في عهد أوباما التي شملت سجلات الـ«أسوشييتد برس» ومراسل «فوكس نيوز» جيمس روزن. غير أن هذه السوابق لا تنتج تبريراً تلقائياً للإجراء الحالي، ولا تسمح بنسبة حسابية تختزل المقارنة بين الحزبين.

إذ إن ملاحقة مصدر، والحصول على سجل اتصالات، والاستبعاد من مقابلة، وسحب اعتماد مؤسسة، إجراءات تختلف في طبيعتها وآثارها. وقد يكون إجراء محدود العدد بالغ التأثير إذا أخاف المصادر وعطل التحقيقات. المعيار الأكثر جدية يجمع بين نطاق الإجراء ومدته، وضمانات الاعتراض عليه، ومدى ارتباطه بمخالفة محددة أو بموقف تحريري.

وتعقّد مشاركة «فوكس نيوز»، المحسوبة على الجمهوريين، في موقف الشبكات اختزال المواجهة بأنه صراع مع الإعلام الليبرالي. ففي بيان مشترك نشرته الشبكة مع الـ«إيه بي سي» والـ«سي بي إس» والـ«سي إن إن» والـ«إن بي سي»، أكّدت المؤسسات «مصلحة الجمهور في معلومات مستقلة»، ورفضت تقييد مؤسسة بسبب الاعتراض على تقاريرها. غير أن هذا «التضامن» وإن كان لا يلغي المنافسة أو الانحيازات بين الشبكات، لكنه يوضح وجود مصلحة مهنية مشتركة في منع السلطة من اختيار من يراقبها. وأيضاً يضع سؤالاً أمام الإعلام نفسه عن كيفية الدفاع عن حق الوصول مع استمرار تزويد الجمهور بالمعلومات، حتى في أثناء الاحتجاج على القيود.

الديمقراطية وأزمة الثقة

قابل البيت الأبيض تراجع التغطية المشتركة بإطلاق بث «ترمب تي في»، الذي يقدم محتوى تختاره الإدارة. وبدأ بخطابات الرئيس ومشاهد عسكرية، من دون برامج أصلية. وهو ما يبرز إمكانية تجاوز الوسيط الصحافي والوصول مباشرة إلى الجمهور، مع غياب الأسئلة المستقلة عن الشاشة الرسمية. غير أن أزمة الوساطة ليست أميركية حصراً، فقد وجد تقرير «معهد رويترز لدراسة الصحافة» لعام 2026 أن الثقة بالأخبار انخفضت في 29 من أصل 48 سوقاً شملها، وبلغ متوسطها 37 في المائة. ويربط التقرير هذا التراجع بتحولات استهلاك الأخبار والقلق الأوسع من المؤسسات، مع بقاء الثقة بعلامات إعلامية محددة أكثر تماسكاً من الثقة بالإعلام عموماً.

وتدعم النتائج بحث أزمة أوسع في الديمقراطيات الغربية، لكنها لا تكفي لإعلان انهيار نموذج واحد. فالفروق بين الدول، وأنظمة الإعلام، واستقلال المحاكم، وملكية المؤسسات، تؤثر في قدرة كل مجتمع على مواجهة الضغط. كما أن تراجع الثقة قد يطال الحكومة والصحافة معاً، فلا تستفيد منه السلطة بالضرورة على المدى الطويل.

وفي الولايات المتحدة يختبر اللجوء إلى القضاء والتضامن بين شبكات متنافسة قدرة المؤسسات على فرض حدود للصراع. ومع أن القضاء تدخل لإعادة الاعتمادات مؤقتاً، فإن قراره لا يعالج وحده شكوك جمهور يرى الصحافة خصماً، ولا يعفي غرف الأخبار من مراجعة أخطائها.

والواقع أن المواجهة الجارية بين ترمب ووسائل الإعلام تكشف عن تاريخ أوسع من استخدام السلطة التنفيذية أدواتها للضغط على الصحافة؛ إذ شهد عهد الرئيس الديمقراطي باراك أوباما إجراءات طالت اتصالات الصحافيين ومصادرهم، وأثارت اعتراضات حادة على إدارة تعهدت بالشفافية، ثم وسعت ملاحقة تسريبات المعلومات الحكومية.

في مايو (أيار) 2013، كشفت وكالة الـ«أسوشييتدبرس» أن وزارة العدل حصلت سراً على سجلات 21 خطاً هاتفياً استخدمها صحافيوها ومكاتبها خلال فترة شهرين. واعترض رئيس الوكالة آنذاك، غاري برويت، على اتساع الإجراء وتنفيذه من دون إخطار مسبق يتيح الطعن فيه، محذراً من أثره في قدرة الصحافة على جمع الأخبار.

وطالت التحقيقات جيمس روزن، مراسل «فوكس نيوز»؛ إذ حصل المحققون على سجلات اتصالاته وبريده الإلكتروني في قضية تسريب معلومات عن كوريا الشمالية. ولقد وصفته وثائق التحقيق بأنه شريك محتمل في مخالفة قانون التجسس، بما أثار مخاوف من التعامل مع العمل الصحافي نفسه بوصفه نشاطاً جنائياً. ولم توجّه إليه اتهامات، لكن الإجراء وضع سرية علاقته بمصادره تحت ضغط مباشر.

وبحسب تقرير «لجنة حماية الصحافيين» في أكتوبر 2013، شملت الملاحقات بموجب قانون التجسّس منذ 2009 ستة موظفين حكوميين ومتعاقدَين اثنين، مقارنة بثلاث ملاحقات مماثلة في الإدارات السابقة مجتمعة. وتتعلق هذه الأرقام بقضايا التسريب، لكنها تكشف عن حجم التصعيد الذي رافق خطاب الإدارة عن الانفتاح.

وتبرز هذه الوقائع وجهاً للضغط لا يظهر بالضرورة في منع كاميرا أو سحب اعتماد: حين يخشى المصدر كشف اتصالاته، قد تتوقّف المعلومة قبل وصولها إلى الصحافي. ولذلك، لا يكفي استمرار مؤسسة إعلامية في النشر للقول إن حريتها لم تتأثر. وتمنح هذه السوابق أساساً للاعتراض على انتقائية الدفاع عن الصحافة وفق هوية الرئيس أو المؤسسة المستهدفة. فالمعيار هو ما تفعله السلطة بأدواتها، ومدى خضوعها للمساءلة. ومن مراقبة الاتصالات في عهد أوباما إلى سحب الاعتمادات في عهد ترمب، يبقى السؤال: كيف تُحمىَ قدرة الصحافة على كشف ما تُفضِّل الإدارة حجبه عن الجمهور؟


أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
TT

أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني

عبر مكبر الصوت في أحد التجمعات الانتخابية في ولاية سكسونيا-أنهالت في شرق ألمانيا، يخرج هتاف «زيغ»، الذي في الألمانية يعني «النصر». دلالات الهتاف التاريخية لا تخفى على أحد في ألمانيا ولا خارجها؛ ذلك أن «زيغ هايل»، ومعناه «يعيش النصر»، كان شعار النازيين الذي تردد لسنوات، وأصبح محظوراً في ألمانيا بعد هزيمة النازيين من ضمن مساعي البلاد للابتعاد عن إرثها الداكن. ومع ذلك، يلعب مرشح حزب «البديل من أجل ألمانيا» الفائر بالانتخابات في ولاية سكسونيا-أنهالت، أولريش (أولي) زيغموند، على الكلمات، ويحمّس مؤيديه على الرد لدى سماع كلمة «زيغ» في تجمّعاته، بكلمة «موند»، وهي تعني بالألمانية «فم»، ثم يمازح قائلاً إن اسمه «زيغ موند»، وإن الهتاف هو هتاف لاسمه، ضاحكاً ومتسائلاً: «ما المشكلة في اسمي؟!». لعل هذه القصة تلخّص الكثير عن الرجل الذي تحوّل إلى نجم من دون منافس لدى الحزب اليميني المتطرف، والذي سيصبح قريباً أول رئيس حكومة محلية في ألمانيا ينتمي إلى حزب يميني متطرف منذ هزيمة النازيين. فهو يستخدم خليطاً من الفكاهة و«الكاريزما» ليرى إلى أي مدى يمكنه تخطي الخطوط الحمراء. وكما حول الشعار المحظور إلى دعابة، يسعى الشاب البالغ من العمر 35 سنة إلى فرض واقع جديد في ألمانيا. ويسعى حزبه إلى أن يختبر عبره إلى أي مدى يمكن الذهاب في ولاية صغيرة، على أمل نقل التجربة على الصعيد الوطني قريباً.

في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، وقف أولريش زيغموند أمام قرابة 20 شخصاً، بينهم نازيون جدد ومتطرفون يمينيون، داخل فندق فخم ناءٍ في مدينة بوتسدام القريبة من برلين، يتكلم أمام مشاركين في اجتماع سرّي دُعي إليه برسائل ورقية.

كان حينذاك رئيس الكتلة النيابية لحزبه «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت. ووقف داعياً المشاركين إلى تقديم تبرعات لحملته الانتخابية التي كان بدأ يعد لها منذ ذلك الوقت، وعارضاً أفكاره لـ«تغيير صورة الشوارع في ألمانيا».

في ذلك التجمع قال إنه في حال فوزه، فإن «المطاعم الأجنبية» في ولايته «ستصبح تحت ضغوط كبيرة»، وإنه سيجعل العيش في سكسونيا-أنهالت «غير جذاب بأكبر قدر ممكن لهذه الفئة»، قاصداً بذلك المهاجرين ومَن هم من أصول مهاجرة، الذين كانوا حقاً موضوع نقاش الاجتماع السرّي. وتابع يقول إن تحقيق ذلك «سيكون سهلاً جداً جداً».

فضح الاجتماع السرّي

الاجتماع السرّي فضحه لاحقاً صحافيون ألمان من موقع «كوريكتيف» الاستقصائي الذي كشف أن إحدى الرسائل سُربت إليه، وأنه أرسل صحافياً إلى الفندق لكي يراقب الاجتماع ويكتب عنه.

وكان هدف الاجتماع الذي دعا إليه اثنان من كبار رجال الأعمال والمموّلين الألمان، مناقشة خطة لترحيل ملايين المهاجرين والألمان من أصول مهاجرة، بحسب الموقع الاستقصائي.

أثار الكشف عن الاجتماع آنذاك غضباً كبيراً في ألمانيا وإدانات سياسية واسعة؛ خاصة لأنه حمل أصداء تاريخية، مذكّراً باجتماع النازيين لمناقشة وإقرار «الحل النهائي» الذي شكّل بداية المحرقة (الهولوكوست). وللعلم، أيضاً عُقد اجتماع النازيين في مدينة بوتسدام في مكان قريب من موقع الاجتماع الحديث الذي شارك فيه زيغموند.

اللافت أن زيغموند كان واحداً من 3 سياسيين في حزب «البديل من أجل ألمانيا» شاركوا في الاجتماع، والثلاثة يعتبرون من المتطرفين داخل الحزب؛ ولذا حاول الحزب إبعاد نفسه عنهم، مدّعياً أنهم حضروا «بصفة شخصية»، وأن ما نوقش ليس سياسة يتبناها الحزب. غير أن الحزب لم يتمكن من إنكار ما نوقش بسبب وجود تسجيلات تثبت ذلك.

لا ذكر للاجتماع في الإعلام

أيضاً، كان لافتاً أنه رغم الصدمة والنقمة التي تسبب فيها الكشف عن الاجتماع في ذلك الحين، لم تُذكر القصة في الإعلام الألماني خلال حملة زيغموند الانتخابية وتغطية الانتخابات التي سبقت فوزه، وكأن الجميع نسي أنه شارك في ذاك الاجتماع، علماً بأنه في ذاك الوقت لم يكن معروفاً خارج ولايته، على عكس الوضع اليوم؛ فهو الآن بات معروفاً ليس فقط في كامل ألمانيا، بل في العالم بأسره؛ ذلك أن فوزه جذب الإعلام العالمي وترددت أصداء فوزه في كل مكان. وقد تكون مجلة «دير شبيغل» قد ساهمت عن غير قصد في تحويله إلى «نجم» بعدما وضعته على غلافها قبل الانتخابات، في صورة تثني عليه مع عنوان «أخطر رجل في ألمانيا»، ولكن من دون مضمون يعكس العنوان. زيغموند، نفسه، استغل ذلك لينشر صوراً له مع المجلة مبتسماً، والحزب اشترى كل الأعداد ليوزّعها على مؤيديه الذين بدأوا يصطفون في تجمّعاته حاملين المجلة للحصول على توقيعه.

وعندما سئل زيغموند أخيراً عن مشاركته في اللقاء قبل سنتين في سؤال عابر ضمن مقابلة مع مجلة «بوليتيكو» أخيراً، قلّل القيادي اليميني المتطرف من أهمية اللقاء، منتقداً في المقابل الصحافة التي زعم أنها «ضخّمت القصة!». أيضاً رفض زيغموند وصفه بـ«رجل متطرّف خطير»، مدّعياً أنه «شخص عادي يقلق على بلده، ويريد بلداً أفضل له ولعائلته وأولاده». وأردف: «ببساطة لا أستطيع أن أقف على الحياد في حين أشاهد بلدي يتطوّر بهذا الشكل السلبي وبسرعة». ولكن رغم إنكار الحزب تبنّي السياسات التي ناقشها الاجتماع السرّي، فإن الحملة الانتخابية في سكسونيا-أنهالت، التي قادها زيغموند وأوصلته إلى الفوز، أثبتت أن «البديل من أجل ألمانيا» تبنّى الكثير منها، ثم إن تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني؛ فزعيمته أليس فايدل، التي تحظى بإعجاب «أغنى رجل في العالم» إيلون ماسك، تكرّر أنه يجب إعادة كل السوريين إلى بلدهم. والحزب أيضاً استخدم التعبير مراراً في بيانه الانتخابي في ولاية سكسونيا-أنهالت الذي امتد على أكثر من 140 صفحة. وفيه يتعهد الحزب بإلغاء المشاريع المموّلة من الحكومة والمخصّصة لدمج المهاجرين، وإلغاء مسؤولي ومفوّضي الدمج وإبدال «مفوضي إعادة الهجرة» بهم.

نشأة زيغموند وتدرّجه

وُلد أولريش زيغموند عام 1990 في بلدة هافلبرغ بولاية سكسونيا-أنهالت لعائلة كاثوليكية. وهو متزوّج من يوليا، التي تعمل مدرّسة، ولديهما ابنة، ويعيشان في بلدة تانغرمونده القريبة من مكان ولادته في هافلبرغ.

في بدايات حياته المهنية، تلقى زيغموند تدريباً في تجارة الجملة والتجارة الخارجية، وأسّس شركة عطور عام 2014. وتخرّج لاحقاً عام 2016 في جامعة هامبورغ ببكالوريوس في العلوم الإدارية وعلم النفس الاقتصادي.

وعام 2017 هجر زيغموند الكنيسة الكاثوليكية بسبب «دورها السياسي المشين» بحسب زعمه. وللعلم، تدافع الكنيسة الكاثوليكية عن اللاجئين بشكل مستمر، وتفتح أبوابها للذين تصدر بحقهم طلبات ترحيل.

وقبل الانتخابات التي فاز بها حزب «البديل من أجل ألمانيا» في سكسونيا-أنهالت، حذّرت الكنيسة الكاثوليكية في ماغدبورغ، عاصمة الولاية، من التصويت للحزب. وعلّقت لافتات ضخمة على الكاتدرائية وسط المدينة تذكّر فيها بالأخلاق المسيحية، وتدعو إلى التصويت «بضمير»، ومما كتبت: «أَحِب جارك، الحوار، الكرامة الإنسانية، التضامن، صوّت بضمير!». وبعد فوز الحزب المتطرف، أعرب مطران الكاتدرائية، إلى جانب الكنيسة البروتستانتية، عن صدمته وقلقه الكبير من زيادة الانقسام في المجتمع.

العداء للهجرة واللاجئين

من ناحية أخرى، مع أن زيغموند وُلد وكبر في ريف سكسونيا-أنهالت، حيث أعداد اللاجئين ضئيلة، فهو بنى شعبيته في الولاية على مهاجمة اللاجئين وسياسات الحكومة الفيدرالية «وسخائها» في المعونات المقدّمة لهم، مدّعياً أنه يعبر عن مشاعر أبناء الولاية. وهو دائماً يكرّر في مقابلاته أن الشوارع في ألمانيا «لم تعُد آمنة»، ويزعم أن طفولته في المقابل كانت «مليئة بالحرية... وكان بإمكانك اللعب بأمان في الشوارع ليلاً». ومن ثم، يقول إن هذه ألمانيا التي يريد إعادتها. بالطبع، هو يلمِّح إلى مسؤولية اللاجئين والمهاجرين عن جعل الشوارع أقل أماناً.

في المقابل، رغم تسخيف حزب «البديل من أجل ألمانيا» التهم الموجّهة إليه بأن بعض أفكاره تحمل صدى النازية، فإن زيغموند نفسه تكلّم عن «استخدام القوة» لتنفيذ خطط «إعادة المهاجرين».

وعندما سئل عن موقفه من خطط فتح مصنع سلاح في الولاية، قال إنه لا يعارض الفكرة، مضيفاً: «سنحتاج بطبيعة الحال إلى الموارد اللازمة لحملة إعادة الهجرة والترحيل اللاحقة، وهذا يصب في مصلحة الأمن الداخلي واستقرارنا الذاتي والدفاع الوطني»، ثم عاد ليوضح لاحقاً أن «المصنع سيصنع أيضاً المعدات والآليات ووسائل تكنولوجية وغيرها لتستخدمها القوات المسلحة الألمانية والشرطة والسلطات الأمنية». ولكن الشركة التي يتكلم عنها شركة تصنيع أسلحة إسرائيلية متخصصة فقط في تصنيع تكنولوجيا عسكرية وأنظمة دفاع وآليات مدرعة، ولا علاقة لها بتصنيع معدات للشرطة.

على خطى أبيه

في الحقيقة، لا يحمل «أولي» زيغموند أفكاراً بعيدة عن أفكار عائلته؛ فوالده يعمل لدى أحد نواب حزب «البديل من أجل ألمانيا»، وهو ما دفع كثيرين لاتهامه وأعضاء في الحزب بالمحسوبية. ومثل معظم المنتمين إلى اليمين المتطرف، يتشكك زيغموند من الإعلام، ويتكلم عن خطط لـ«إصلاحه»، وإقفال القناة الرسمية المموّلة من أموال دافعي الضرائب في الولاية. وعوضاً عن ذلك، يترافق بشكل شبه عام مع «مؤثرين» على «يوتيوب» يحملون أفكاراً يمينية متطرفة، يروّجون له وينتقدون الإعلام المهني.

ويدعو برنامج الحزب إلى وقف توظيف الأجانب حتى في الوظائف المتخصصة، في مقابل إعداد خطط لإعادة جذب الألمان الذين هاجروا لملء تلك الوظائف.

وعن طلاب المدارس من أبناء المهاجرين أو المتحدّرين من أصول مهاجرة، يقول إنه يريد فصلهم في صفوف خاصة، والإحجام عن دمجهم مع الطلاب الألمان، وبدلاً من ذلك تعليمهم بمناهج بلدهم الأصلي، وبواسطة أساتذة مهاجرين، إذا أمكن، وذلك «تمهيداً لترحيلهم إلى بلدانهم» عندما تسمح الظروف بذلك.


ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
TT

ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)

يدخل أولريش زيغموند زعيم التنظيم المحلي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت الألمانية مفاوضات مع حزب «تحالف زارا فاغنكنيشت» الشعبوي اليساري المتطرف لتشكيل حكومة جديدة للولاية، وذلك بعدما تبين أن هذا الحزب كان الوحيد الذي وافق على التفاوض مع الحزب اليميني لتشكيل حكومة.

تلاقى الحزبان المتطرفان - يميناً ويساراً - بأفكارهما حول تشديد الهجرة وإعادة العلاقات مع روسيا. وبالتالي، يأمل زيغموند أن يصبح قريباً أول رئيس حكومة ولاية ينتمي لحزب متطرف في ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

خطط الحزب تمتد إلى المناهج التعليمية التي يريد تعديلها لكي تخفّف التركيز على الشعور بالذنب الذي يلاحق الألمان بسبب ما ارتكبوه أيام النازيين، وإعادة توجيهها بحيث تركز على «الوطنية والجوانب الإيجابية».

ولا يتردد زيغموند نفسه في الكلام عن ذلك؛ إذ ينتقد فكرة أن النازيين ارتكبوا «أعظم جريمة ضد الإنسانية في التاريخ»، ويقول إن ما يبدو إنكاراً للمحرقة النازية، وهي جريمة يعاقب عليها القانون الألماني، «لا أدعي القدرة على الحكم على ذلك؛ لأنني لا أستطيع تقييم البشرية جمعاء». ويضيف: «أرى أن هذا التفسير مبالغ فيه للغاية ومنفصل تماماً عن الواقع، فبالنسبة لي من المهم التطلع إلى المستقبل لا النظر إلى الماضي. وبالطبع يجب علينا دائماً أن نتعلم من التاريخ، ليس فقط من جوانب محددة منه، بل من التاريخ ككل».

أفكار زيغموند هذه نجح في إيصالها إلى أعداد كبيرة من مؤيديه من خلال متابعيه على شبكات التواصل الاجتماعي التي ينشط عليها بشكل كبير، خاصة على منصتَي «تيك توك» و«إنستغرام» اللتين يتابعه عليهما أكثر من 600 ألف شخص، ما يجعله من ثم السياسي الألماني الأكبر شعبية على المنصتين، ثم إنه غالباً ما ينشر صوراً له تظهره «واحداً من الشعب»، في نقيض للسياسيين المنتمين للأحزاب الأخرى.

بداية مشوار زيغموند مع التطرف غير واضحة، ولكن على الأرجح أنه كان دائماً يحمل أفكاراً متطرفة تطوّرت مع الوقت لتطول اللاجئين والمهاجرين. بداياته السياسية تظهر أنه بدأ مشواره عندما كان يبلغ 19 سنة مع أكثر الأحزاب محافظةً آنذاك، وهو حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، الذي يتزعمه اليوم المستشار الألماني فريدريش ميرتس.

في حينه، لم يكن حزب «البديل من أجل ألمانيا» قد أُسس بعد، ولم تكن هناك أحزاب على يمين الديمقراطيين المسيحيين، ولكن بعد تأسيس «البديل من أجل ألمانيا» عام 2013، انضم زيغموند للحزب عام 2015.