ماكرون يسعى لإنقاذ عهده بالبحث عن شركاء من «اليمين المعتدل» و«اليسار الاشتراكي»

رئيسا الجمهورية والحكومة يفتشان عن مخارج للانسداد السياسي بعد فشل الحصول على الأكثرية المطلقة

مارين لوبن في الإليزيه للقاء الرئيس ايمانويل ماكرون أمس (رويترز)
مارين لوبن في الإليزيه للقاء الرئيس ايمانويل ماكرون أمس (رويترز)
TT

ماكرون يسعى لإنقاذ عهده بالبحث عن شركاء من «اليمين المعتدل» و«اليسار الاشتراكي»

مارين لوبن في الإليزيه للقاء الرئيس ايمانويل ماكرون أمس (رويترز)
مارين لوبن في الإليزيه للقاء الرئيس ايمانويل ماكرون أمس (رويترز)

أطلق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أمس، سلسلة لقاءات مع قادة الأحزاب السياسية بعد يوم واحد على ظهور النتائج الكارثية التي حصدها حزبه في الانتخابات التشريعية التي حرمته من التمتع بأكثرية مطلقة في البرلمان كانت ستمكّنه من وضع مشاريع القوانين والإصلاحات والوعود التي التزم بها موضع التنفيذ.
وبعكس ذلك، لم يحصل تكتله السياسي المسمى «معاً» إلا على أكثرية نسبية، ما عُدّ بمثابة هزيمة سياسية له وبداية متعثرة لعهده. علماً بأنه أُعيد انتخابه لولاية ثانية من خمس سنوات في 24 أبريل (نيسان) الماضي. ونادراً ما حُرم رئيس للجمهورية، انتُخب حديثاً، من التمتع بأكثرية مطلقة في البرلمان. والمثال الوحيد المعروف يعود لعام 1988 عندما حصل الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران في عهده الثاني على أكثرية نسبية. بيد أن الفارق بين الحالتين أن ميتران كان بحاجة لبضعة أصوات لا تزيد على العشرة بينما ماكرون يحتاج إلى 45 صوتاً ليصل إلى عتبة الـ289 صوتاً التي تشكل الأكثرية المطلقة.
ثمة إشكالية يتعين على إيمانويل ماكرون حلها تكمن في السؤال التالي: ما الوسيلة المثلى لتعويض الخسارة السياسية التي مني بها وإنقاذ عهده الجديد والعثور على العدد الضروري من النواب حتى تكون حكومته قادرة على إدارة شؤون البلاد والتمكن من تقديم مشاريع القوانين إلى المجلس النيابي والحصول على تصويت إيجابي عليها؟ أما السؤال الرديف فيتناول مصير رئيسة الحكومة أليزابيت بورن التي قدمت استقالتها صباح أمس إلى ماكرون جرياً على العادة المعمول بها في فرنسا بعد حصول الانتخابات التشريعية. بيد أن ماكرون رفض قبولها وطلب منها البقاء في منصبها «لتتمكن الحكومة من متابعة مهامها والتحرك هذه الأيام» لمواجهة المسائل الملحّة. علماً بأنه سيكون مأخوذاً في الأيام القادمة بالملفات الدولية وأبرزها ثلاث قمم (الاتحاد الأوروبي، ومجموعة السبع، والحلف الأطلسي). لكن الرأي السائد أن بقاءها مؤقت وأن مسألة رحيلها ستُطرح بقوة في الأيام القليلة القادمة.
لا توفر الخريطة السياسية الجديدة الكثير من الحلول للرئيس الفرنسي الذي يجد في مواجهته كتلتين نيابيتين غير راغبتين في مساعدته: فعلى يسار الخريطة السياسية يتمترس الاتحاد الشعبي اليساري الذي حصل على 150 مقعداً في البرلمان الجديد. وعلى الجهة المقابلة ترابط كتلة اليمين المتطرف التي حققت اختراقاً غير متوقع بحصولها على 98 مقعداً فيما حصتها من البرلمان السابق لم تتعد المقاعد الثمانية. وما بين الكتلتين ولكن على يمين كتلة ماكرون، ترتع كتلة اليمين الكلاسيكي (حزب الجمهوريون واتحاد الديمقراطيين والمستقلين) التي تتشكل من 64 نائباً.

احتمالان لا ثالث لهما
وأمام ماكرون احتمالان لا ثالث لهما: إما أن ينجح في إقناع المجموعة الأخيرة بالدخول مع تكتله في ائتلاف حكومي يتم التفاوض على شروطه بين الطرفين على غرار ما هو حاصل في ألمانيا مثلاً بحيث يكون الرابط بين المجموعتين الالتزام بمضمون الاتفاق، أي السياسات التي ستنفّذها الحكومة للسنوات الخمس القادمة -والتوصل إلى اتفاق كهذا له ثمن يتعين على ماكرون دفعه إن عن طريق توزير شخصيات من «الجمهورويون»- أو عن طريق قبول التعديلات التي يطرحها شريكه على السياسات الحكومية. أما الحل الآخر فيقوم على السعي لإيجاد أكثرية متحركة أو متغيرة، إن لدى اليمين أو اليسار وحسب مشاريع القوانين المعروضة.
وتجدر الإشارة إلى أن ماكرون الذي جاء إلى السلطة في عام 2017 رافعاً راية تجاوز الأحزاب والآيديولوجيات، استعار لرئاسة حكومات عهده الأول شخصيتين يمينيتين هما إدوار فيليب وجان كاستيكس. كذلك، فإن أبرز وزيرين في حكومته الراهنة يأتيان من صفوف اليمين وهما برونو لومير، وزير الاقتصاد، وجيرالد درامانان، وزير الداخلية. يضاف إليهما داميان أباد، وزير المعاقين ورئيس مجموعة نواب «الجمهوريون» في البرلمان السابق. وإذا نجح رئيس الجمهورية في اجتذاب «الجمهوريون» ككل، يكون قد وجد حلاً لمعضلته لأن عددهم يفوق الستين.
إلا أن مشكلته تكمن في وجود انقسامات عميقة داخل صفوف الحزب لجهة كيفية التعاطي مع عهده. وأمس، قال رئيسه كريستيان جاكوب الذي كان أول من التقاهم ماكرون، إن حزبه «يرفض الدخول في منطق (السير) بائتلاف» وإنه لن يلعب دور سترة النجاة لماكرون. إلا أنه، في المقابل أردف مؤكدا ًأنه «لن يكون أبداً سبباً في شلل المؤسسات»، داعياً رئيس الجمهورية إلى «كشف مقترحاته». لكنّ موقف جاكوب لا يلاقي إجماعاً داخل الحزب. والدليل على ذلك أن شخصية بارزة فيه هو النائب والوزير السابق جان فرنسوا كوبيه، دعا إلى الانخراط في ائتلاف حكومي مع ماكرون.
ويدفع الرئيس اليميني الأسبق نيكولا ساركوزي في هذا الاتجاه أيضاً وسبق له أن دعا مرشحين للانتخابات للانضواء تحت راية الحزب الرئاسي «النهضة» أو تحت راية تكتله «معاً».
وما يشجع ماكرون على العمل في هذا الاتجاه وجود تقارب سياسي وآيديولوجي وبرنامجي بين الطرفين بعكس ما هي الحال مع المجموعات السياسية الأخرى.

الحزب الاشتراكي
أمس، كان أوليفيه فور، أمين عام الحزب الاشتراكي ثاني الشخصيات التي التقت ماكرون. والحزب المذكور الذي هو جزء من «الاتحاد الشعبي الجديد» يتمتع بـ22 مقعداً في البرلمان الجديد وهم يجاورون 20 نائباً اشتراكياً ويسارياً من المنشقين.
وكان لافتاً قول المسؤول الاشتراكي إن حزبه «مستعد للتقدم» أي للتعاون مع الحكومة إذا عمدت إلى اتخاذ تدابير لدعم القوة الشرائية للشرائح الأكثر هشاشة أو لرفع قيمة الحد الأدنى للأجور وغيرها من التدابير التي يطالب بها الحزب أساساً والتي هي جزء من البرنامج الجماعي لتكتل «الاتحاد الشعبي الجديد». وكما هو الحال مع اليمين الكلاسيكي، فإن ماكرون نجح في السنوات الماضية في اجتذاب شخصيات من اليسار الاشتراكي لا بل إن رئيسة حكومته شخصياً وفي الأساس، ذات توجهات اشتراكية إضافةً إلى أن ماكرون كان وزيراً في عهد الرئيس الاشتراكي السابق فرنسوا هولاند.
تبدو هاتان المجموعتان اليوم الأكثر استعداداً ربما للتصويت لصالح مشاريع قوانين تراعي طروحاتهما مع الرفض المسبق للدخول في منطق أحلاف من شأنها أن تُفقدهما هويتهما السياسية.

لوبن وميلونشون
أما الأطراف الأخرى الفاعلة وعلى رأسها مارين لوبن، زعيمة اليمين المتطرف وحزب «فرنسا المتمردة» الذي يرأسه المرشح الرئاسي السابق جان لوك ميلونشون، فإنهما أكثر جذرية في التعاطي مع مقترحات ماكرون. والدليل على ذلك أنهما، منذ أن عُرفت نتائج الانتخابات، يطالبان باستقالة رئيسة الحكومة. وأكد نواب من حزب الأخير أن «فرنسا المتمردة» سوف يقدم اقتراحاً للتصويت من أجل سحب الثقة من إليزابيت بورن في اجتماع البرلمان يوم الخامس من يوليو (تموز) القادم.
ومن جانبهما، أعلن فور ونظيره أمين عام الحزب الشيوعي فابيان روسيل، أنهما «لا يستبعدان» العمل من أجل إسقاط الحكومة، وهو ما لمحت إليه مارين لوبن أو مسؤولون من حزبها والتي رأت أن بورن أصبحت ضعيفة لا بل إنها فقدت شرعية ترؤس الحكومة.
وتفيد مصادر واسعة الاطلاع بأن مسألة بقاء بورن أو رحيلها مطروحة داخل الدائرة الرئاسية. لكن حسمها مؤجل لما بعد اتضاح صورة التحالفات القادمة. ولأن بورن تريد إثبات أنها ما زالت في موقعها، فقد دعت أمس إلى اجتماع حكومي حضره الوزراء كافة، بمن فيهم ثلاث وزيرات منين بالهزيمة انتخابياً ويفترض خروجهن من الحكومة وفق التقليد المعمول به. كذلك، ستبدأ منذ اليوم استقبال رؤساء المجموعات النيابية المتشكلة في البرلمان الجديد، بالتوازي مع ما يقوم به الرئيس الفرنسي الذي يُنهي اليوم لقاءاته معهم.
ليس سراً لأحد أن مرحلة من انعدام الاستقرار السياسي قد بدأت في فرنسا وربما ستدوم حتى نهاية عهد ماكرون الثاني، إلا إذا تبين لرئيس الجمهورية صعوبة التغلب على شلل المؤسسات وأن المَخرج يكون في حل المجلس النيابي والدعوة إلى انتخابات جديدة.
لكنّ الجهود الرئاسية وأيضاً تحرك بورن يصبّ في خانة إيجاد توافقات تمنع الشلل وتمكّن الأحزاب السياسية من العمل معاً في إطار صيغة سياسية مرنة تسعى إلى توفير توافق حول ملفات أساسية واستبعاد المسائل الخلافية الكثيرة التي أبرزها خطة ماكرون لرفع سن التقاعد إلى 65 عاماً، وهو ما يلقَى رفضاً واسعاً باستثناء حزب «الجمهوريون».


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟