«غربال» ميخائيل نعيمة: سيموت الأدب العربي إذا ما استمعنا إلى «نقيق الضفادع»

أصدره قبل 100 عام وكأنه يتحدث عن واقعنا الراهن

ميخائيل نعيمة
ميخائيل نعيمة
TT

«غربال» ميخائيل نعيمة: سيموت الأدب العربي إذا ما استمعنا إلى «نقيق الضفادع»

ميخائيل نعيمة
ميخائيل نعيمة

هل شاخ كتاب «الغربال» يا ترى؟ هل انتهى مفعوله؟ هل أكل عليه الدهر وشرب؟ ربما في بعض صياغاته الشكلية ولكن ليس في جوهره. روح الكتاب لا تزال منعشة ومنتعشة حتى الآن. لا تزال تنطبق على واقعنا الراهن وبشكل ملح. باختصار شديد: عندما نقرأ الكتاب نشعر أن ميخائيل نعيمة لا يزال معاصرنا، لا يزال حياً بيننا. وهذا أكبر دليل على مدى أهميته وعظمته كمفكر نهضوي عربي رائد. سوف أضرب على ذلك مثلاً محسوساً لكيلا يظل كلامي تجريدياً في الفراغ. هناك فصل كبير في الكتاب بعنوان: «نقيق الضفادع. مكانة اللغة في الأدب». هذا الفصل يكفي لتخليد الكتاب وتخليد ميخائيل نعيمة ذاته.
ماذا يعني ذلك؟ أنه يعني أن ضفادع الأدب تشلنا شلاً بنقيقها ومستنقعها وركودها. إنها تشل تطور اللغة العربية بل والحياة العربية ذاتها. هؤلاء الأشخاص ما ينفكون يصححونك لغوياً، ويقولون لك: قل ولا تقل! هذا حلال وهذا حرام لغوياً. هذا يجوز في نظر الثعالبي أو الأصمعي وذاك لا يجوز. حذار! ثم حذار! إياك أن تنتهك قداسات اللغة الموروثة أو تخرج عليها قيد شعرة. اللغة العربية ينبغي أن تظل ثابتة، جامدة، كما هي منذ مئات السنين.
لماذا لا تكتب بلغة قاموسية سليمة يا أخي؟ وإلا فأنت خارج نطاق الأدب. نضرب مثالاً على ذلك بيت جبران خليل جبران من قصيدة «المواكب» الشهيرة التي تغنيها فيروز:
هل تحممت بعطر
وتنشفت بنور
بيت ولا أروع. بيت يذكرك بجبال لبنان وسواقي لبنان ووديان بشري.. إلخ. من منا لم يتحمم يوماً ما في أحضان الطبيعة حتى دون أن يتحمم؟ يكفي أن تمشي في تلك الوديان لكي تشعر بعطر الوجود. فما بالك إذا سقط عليك شلال من بين الصخور؟ أتحدث هنا عن أبناء الأرياف والجبال. ولكن المشكلة هي أن هذا البيت «السماوي» خاطئ لغوياً! ضفادع الأدب أو بالأحرى ضفادع اللغة العربية تعده خاطئاً من الناحية اللغوية. إنها تستهجنه وتلوم الكاتب عليه لوماً شديداً. لقد ارتكب جبران خليل جبران جريمة نكراء في حق اللغة العربية. ما هي؟ أين هي؟ بالله عليكم قولوا لي ما هي؟ لا أرى شيئاً. لماذا استخدم الشاعر كلمة «تحمم» بدلاً من كلمة «استحم» الفصيحة لغوياً والشرعية قاموسياً؟ يا لهول الفظاعة! ما أغبى جبران خليل جبران! ما أشد جهله باللغة العربية! ولكن هل يمكن لكاتب عبقري خلاق أن يتقيد بلغة الأصمعي والشنفري؟ ألن يقضي ذلك على إبداعه وعبقريته. الشاعر يتفجر، الشاعر يحق له أن يشتق الكلمات الجديدة، أن يفجر اللغة، أن يأخذ حريته.
وإلا فلا إبداع ولا تطور لغوي ولا من يحزنون. سوف يموت الأدب العربي إذا ما استمعنا إلى نقيق الضفادع. لنستمع إلى ميخائيل نعيمة يقول حرفياً: «لو تبصر ضفادع اللغة العربية يوماً ما تاريخ لغتهم لوجدوا فيه أصدق شاهد على هذا القول. ألا يرون أن اللغة التي نتفاهم بها اليوم في مجلاتنا وجرائدنا ومن على منابرنا غير لغة مضر وتميم وحمير وقريش؟ ألا يرون أنه لو أتيح لأسلافهم تقييدنا منذ ألفي سنة لما كان لنا حتى اليوم لغة سوى لغة الحيزبون والدردبيس والطخا والنقاخ والعلطبيس؟».
هنا تكمن أهمية هذا الكتاب الرائد. إنه من شدة حرصه على اللغة العربية يريد تطويرها، يريد إنقاذها؟ كيف؟ عن طريق جعلها تستمد مفرداتها من نسغ الحياة. ولكن المتزمتين لغوياً يريدون تقميطها وخنقها. أحياناً يتفاصحون ويتقعرون إلى درجة أنهم يقولون: النائب سميرة صالح مثلاً! يا أخي لماذا لا تقولون: النائبة سميرة صالح؟ فهي امرأة سيدة وليست رجلاً. شيء عجيب غريب. شيء يجعلني أخرج عن طوري. الفرنسيون يحسدوننا لأنه لا يوجد في لغتهم مؤنث طبيب مثلاً، ولذلك يضطرون للقول: امرأة طبيبة. ولا يوجد في لغتهم مؤنث كاتب. أما نحن فتوجد في لغتنا كلمة طبيبة وكلمة كاتبة، ولا نعاني من أي مشكلة. مؤخراً اخترعوا أو اشتقوا مؤنث كاتب في اللغة الفرنسية، ولكنها كلمة بشعة على عكسنا نحن. وأحياناً يخرج عليك بعض الكتاب العرب ببدعة جديدة. فيقولون للمزيد من التقعر والتفاصح في العام كذا وليس في عام كذا. لماذا يا أخي؟ كنا معتادين دائماً على القول في عام 1960 مثلاً حصل كذا وكذا وليس في العام 1960، لماذا هذا الإثقال والتثقيل؟ اتركوا اللغة العربية تتنفس، اتركوها تتحلحل. اتركوها تقترب من لغة الحياة اليومية. أتذكر أن المتقعرين عابوا عليّ عنوان كتابي الصادر عن «دار الساقي» عام 2013 بعنوان: «الانتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ». لماذا لم أقل «في ضوء فلسفة التاريخ» فهي أصح لغوياً على ما يبدو؟ متى ستنتهي هذه الملاحقات البوليسية؟ كنت قد كرست فقرة غاضبة مشتعلة لهذا الموضوع في كتابي الأخير الصادر عن «دار المدى» بعنوان: «العرب بين الأنوار والظلمات. محطات وإضاءات». الفصل الثاني بعنوان: «هل يمكن إنقاذ الثقافة العربية؟»، وبالتالي فأنا أمشي دون أن أدري على خطى أستاذنا الكبير: ميخائيل نعيمة. الخلاصة: لا تخافوا من التجديد اللغوي، لا تخافوا من الاشتقاقات والاختراعات الضرورية لمسايرة تطور الحياة. أكاد أقول لا تخافوا من انتهاك قوالب اللغة التقليدية والخروج عليها إذا كان ذلك ضرورياً ويلبي حاجة ماسة، إذا كان ذلك يغني اللغة العربية ويضيف إلى الأدب العربي مساحة جديدة من الإبداع والحرية. وهذا ما فعله الكاتب العبقري جبران خليل جبران في قصيدة خارقة من أجمل ما كتب في اللغة العربية.
في الكتاب فصول عديدة تمشي في ذات الاتجاه التجديدي المنعش. إنها فصول متمردة على التقليد والجمود والخمود الذي كان سائداً في عصر ميخائيل نعيمة عندما ألف هذا الكتاب الرائد. ينبغي ألا ننسى أنه ألفه والعالم العربي لما يكد يخرج من نير السلطنة العثمانية وظلماتها. وفي الكتاب دعوة إلى تحطيم الأوزان والقوافي والخروج عليها لأنها تقيد حرية الشاعر المبدع. فهو يفرق بين النظَامين والشعراء الحقيقيين. ولكن دعوته هذه لم تتحقق عملياً إلا بعد ظهور الشعر الحديث في الخمسينات والستينات أي بعد تأليف الكتاب بثلاثين أو أربعين سنة. نقول ذلك وإن كانت بعض نصوص جبران ونعيمة ذاته استبقت على ظاهرة الشعر الحديث وتحررت من الأوزان والقوافي والزحافات والعلل. وقد أعجبني تعريفه للشعر وأدهشني. يقول مثلاً: «الشعر هو غلبة النور على الظلمة، والحق على الباطل»! لم أسمع بهذا التعريف من قبل على الأقل في نطاق الثقافة العربية. من الواضح أن ميخائيل نعيمة عندما ألف هذا الكتاب كان قد سافر في البلدان ودرس في روسيا وأميركا واطلع على الآداب الأجنبية. ولهذا السبب يحث العرب على توسيع مداركهم وعقولهم. كيف؟ عن طريق الترجمة. ولذلك يخصص صفحة كاملة في الكتاب بعنوان حماسي قاطع: فلنترجم! هنا أيضاً نجد أنفسنا متفقين معه، ونجد أن دعوته لا تزال راهنة وملحة تماماً. يقول بالحرف الواحد:
«نحن في دور من رقينا الأدبي والاجتماعي قد تنبهت فيه (أي استيقظت فيه) حاجات روحية كثيرة لم نكن نشعر بها من قبل احتكاكنا الحديث بالغرب.
وليس عندنا من الأقلام والأدمغة ما يفي بسد هذه الحاجات. فلنترجم! ولنجل مقام المترجم لأنه واسطة تعارف بيننا وبين العائلة البشرية العظمى».
كل من مارس الترجمة يعرف معنى كلام ميخائيل نعيمة هذا ومغزاه. ولكن لكي تنجح عملية الترجمة ينبغي توافر ثلاثة شروط: الأول حسن اختيار الكتب التي تستحق الترجمة. والثاني عدم التقيد بالترجمة الحرفية. الخيانة مكروهة في كافة المجالات (لاحظوا هنا ارتكبت خطأ لغوياً قاتلاً: كان ينبغي أن أقول في المجالات كافة وليس في كافة المجالات! أستغفر الله). قلت إذن بأن الخيانة شيء بشع ما عدا في مجال الترجمة. ولكنها خيانة محسوبة: بمعنى أنها تخون الحرف لكي تخلص للجوهر. والشرط الثالث هو توافر مترجمين حقيقيين في العالم العربي. فالترجمات الرديئة تملأ الشوارع... وهي تؤدي إلى تشويه أجيال بأسرها من الناحية الثقافية. من هنا خطورة الترجمة والمسؤولية الجسيمة التي تترتب على المترجمين.
وأخيراً ما هو النقص الوحيد الذي يعتري كتاب «الغربال» هذا؟ أنه في رأيي يكمن فيما يلي: لقد تحدث عن التجديد اللغوي والأدبي والاجتماعي وكل شيء تقريباً، ولكنه تحاشى عملياً التحدث عن التجديد في مجال الفكر الديني. ولكن هل كان بإمكانه طرق هذا الموضوع الخطير في ذلك الوقت العصيب من ظروف سوريا ولبنان والمشرق العربي عموماً؟ كان ذلك سابقاً لأوانه.
كان ذلك خارجاً عن إرادته وإن كان قد فكر فيه في خفايا نفسه دون أن يستطيع الخوض فيه. بل حتى في وقتنا الراهن نحن نعد على العشرة قبل أن نكتب حرفاً واحداً!


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

الحكومة المصرية تلجأ لمؤثري «السوشيال ميديا» للترويج لأنشطتها وحل الأزمات

قطاع السياحة المصري يروّج لمقاصده (المتحف المصري بالتحرير على «فيسبوك»)
قطاع السياحة المصري يروّج لمقاصده (المتحف المصري بالتحرير على «فيسبوك»)
TT

الحكومة المصرية تلجأ لمؤثري «السوشيال ميديا» للترويج لأنشطتها وحل الأزمات

قطاع السياحة المصري يروّج لمقاصده (المتحف المصري بالتحرير على «فيسبوك»)
قطاع السياحة المصري يروّج لمقاصده (المتحف المصري بالتحرير على «فيسبوك»)

مع تكرار لجوء وزارات وهيئات في الحكومة المصرية للاستعانة بمؤثري «السوشيال ميديا» للترويج لأنشطتها، أو للمساعدة في إدارة الأزمات التي تواجهها، أو للتعريف بقيمة التسهيلات والخطط الحكومية في بعض المجالات، مثل الضرائب والسياحة، إلى جانب اعتماد قطاع الخدمات الصحية على منظومة رقمية متطورة لتنشيط السياحة العلاجية، يثور تساؤل حول ما إذا كانت هناك ضوابط تحكم حضور ودور مؤثري «السوشيال ميديا» في الترويج للعمل الحكومي.

وكان وزير المالية المصري، أحمد كجوك، قد عقد لقاء مع مؤثرين بـ«السوشيال ميديا»، بداية يناير (كانون الثاني) الحالي، لدعم الحوار المجتمعي حول «التسهيلات الضريبية» التي تقدمها الوزرة، مشيرا إلى أن «المالية» تضع آليات تنفيذية وتحفيزية لمتابعة التسهيلات الضريبية من أجل ضمان التطبيق الجيد وتحقيق المستهدفات على أرض الواقع، موضحاً العمل على الاستثمار بقوة فى كل الأدوات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي للتيسير على المواطنين والمستثمرين.

ويرى خبير «السوشيال ميديا» خالد البرماوي أن الاستعانة بالمؤثرين تتركز غالباً في الوزارات الخدمية التي تتطلب دعاية واسعة وانتشاراً جماهيرياً أكبر. وتساءل البرماوي عمّا إذا كانت هناك استراتيجية واضحة تحكم هذا الاستخدام، ليجيب بالنفي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «أظن أن الأمر لا يعدو كونه جهوداً فردية، ومن ثم يجب أن يخضع لضوابط واضحة، تتعلق بكيفية الاستعانة بالمؤثرين، ومعايير اختيارهم، وما إذا كانوا متخصصين ولديهم قاعدة جماهيرية في مجال بعينه، أم مجرد مؤثرين بشكل عام».

ولفت إلى أن الاستعانة بالمؤثرين تُستخدم في دول كثيرة، لكنها تراجعت مع مرور الوقت نتيجة الالتزام بضوابط واضحة تُحدد آليات التعامل معهم وطبيعة تفاعل متابعيهم. موضحاً: «قد يمتلك المؤثر عدداً كبيراً من المتابعين، لكن ردود أفعالهم تكون سلبية». ووصف هذا التوجه بأنه مهم، شريطة أن يتم وفق ضوابط محددة وآليات دقيقة لقياس النتائج.

وفي وقت سابق، التقى وزير السياحة والآثار، شريف فتحي، عدداً من المؤثرين على «السوشيال ميديا» للتعريف بحملات الترويج السياحي التي تُطلقها الوزارة، وهم، وفق بيان للوزارة، من أصحاب المحتوى الرقمي الهادف والراقي، الذين يتمتعون بقاعدة متابعة واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، لبحث سبل التعاون المشترك للترويج للمقصد السياحي المصري والمشاركة في حملة «إحنا مصر»، للتركيز على إبراز التنوع الفريد الذي تتميز به مصر من منتجات وأنماط سياحية متعددة، تحت شعار: «مصر... تنوع لا يُضاهى».

وزير السياحة في لقاء سابق مع مؤثرين (وزارة السياحة المصرية)

وهي رسائل من المفترض توصيلها لمتابعي «السوشيال ميديا» عبر المؤثرين المختلفين، وهو التوجه الذي عدّه خبير «السوشيال ميديا» محمد فتحي «يهدف إلى الوصول لشرائح أوسع من الجمهور، خصوصاً فئة الشباب، بلغة مبسطة وسريعة الانتشار، في ظل تراجع التأثير التقليدي لوسائل الإعلام الكلاسيكية مقارنة بمنصات مثل (فيسبوك) و(إنستغرام) و(تيك توك)»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «لجوء الحكومة إلى المؤثرين يعكس تحولاً في استراتيجيات الاتصال الرسمي، لكنه يفرض في الوقت نفسه تحديات تتعلّق باختيار المؤثر المناسب، وضمان المصداقية، وعدم تحويل الرسائل الحكومية إلى محتوى دعائي قد يأتي بنتائج عكسية».

وحول الاختلافات بين الخطاب الحكومي الرسمي والدعاية «السوشيالية»، يوضح فتحي أن «البيان الحكومي الكلاسيكي يعتمد على لغة رسمية، وطويلة، ومحايدة، في حين يعتمد المؤثرون على السرد القصصي، واللغة اليومية، والتفاعل المباشر، والثقة المتراكمة مع المتابعين، وهنا أدركت الحكومة أن الرسالة لا تكفي وحدها، بل مَن يحملها هو الأهم».

ولم يقتصر الأمر على الاستعانة بالمؤثرين، بل امتد ليشمل المنصات الرقمية نفسها بوصفها أداة لإبراز بعض الخدمات والمشروعات الحكومية. ووفق ما أعلنت الهيئة العامة للرعاية الصحية قبل يومين، في سياق ترويجها للسياحة العلاجية في مصر، فإن المنصات الرقمية للمشروع ستُسهم في إبراز قصص النجاح، واستعراض الإمكانات الطبية المتقدمة، ودعم الترويج المنظم للسياحة العلاجية المصرية.


الكوميديا تتصدَّر شباك التذاكر بموسم «رأس السنة» في مصر

فيلم «إن غاب القط» يتصدَّر الإيرادات في مصر (الشركة المنتجة)
فيلم «إن غاب القط» يتصدَّر الإيرادات في مصر (الشركة المنتجة)
TT

الكوميديا تتصدَّر شباك التذاكر بموسم «رأس السنة» في مصر

فيلم «إن غاب القط» يتصدَّر الإيرادات في مصر (الشركة المنتجة)
فيلم «إن غاب القط» يتصدَّر الإيرادات في مصر (الشركة المنتجة)

تصدَّر الفيلمان الكوميديان «إن غاب القط» و«طلقني» إيرادات شباك التذاكر خلال موسم «رأس السنة» في مصر، إذ بلغت إيرادات «إن غاب القط» أكثر من 20 مليون جنيه منذ بداية طرحه قبل 10 أيام، بينما تجاوزت إيرادات فيلم «طلقني»، منذ طرحه يوم 24 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، 25 مليون جنيه.

فيلم «إن غاب القط» من تأليف أيمن وتار، وإخراج سارة نوح، وبطولة آسر ياسين، وأسماء جلال، ومحمد شاهين، وسماح أنور، إضافة إلى ضيوف شرف من بينهم هشام ماجد. وتدور أحداثه في إطار كوميدي رومانسي حول طبيب بيطري وتوأمه اللصّ، وما يتعرَّض له الأول من مطاردات ومفارقات ومواقف بسبب الثاني.

كما تدور أحداث فيلم «طلقني»، الذي يتصدَّر المرتبة الثانية في قائمة الإيرادات، ويجمع بين كريم محمود عبد العزيز ودينا الشربيني للمرة الثانية سينمائياً بعد فيلم «الهنا اللي أنا فيه»، في إطار كوميدي حول زوجين وقع بينهما الطلاق بعد سنوات من الزواج. وفي حين تقيم الزوجة في الفيلا التي يتشاركان ملكيتها، يقع طليقها في أزمة مالية تضطره إلى بيع نصيبه فيها، لتتوالى الأحداث بينهما في الفيلم، الذي شهد مشاركة ضيوف شرف مثل باسم سمرة، وهو من تأليف أيمن بهجت قمر، وإخراج خالد مرعي.

الملصق الترويجي لفيلم «طلقني» (الشركة المنتجة)

وتعليقاً على تصدّر «الكوميديا» خلال موسم «رأس السنة»، رأت الكاتبة والناقدة الفنية المصرية ماجدة خير الله أنّ «جمهور السينما في مصر اعتاد مشاهدة الأفلام الخفيفة، والإحجام أحياناً عن الأفلام ذات الموضوعات الجادة التي لا تحظى باهتمامهم، وخصوصاً في موسم (رأس السنة)، نظراً لتقلّبات الطقس والأجواء الباردة التي تحدّ أحياناً من الخروج للتنزّه».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنّ «هذه العادة ليست محلّية فقط، وإنما عالمية. ففي أميركا على سبيل المثال تتفوَّق أفلام (الأكشن) ذات الطابع الخفيف في هذه المدّة على غيرها من الأفلام الأخرى».

وأوضحت ماجدة خير الله أنّ عرض الأفلام الجادة في موسم «رأس السنة» لا يُعدّ مجازفة من الصنّاع، رغم المعرفة المُسبقة بعدم تحقيقها إيرادات لافتة، لأنّ دورة رأس المال لا بدّ أن تكتمل، مشيرة إلى أنّ «المكاسب لا تتوقَّف على إيرادات السينما فقط، وإنما هناك وسائط أخرى محلية ودولية للعرض».

وبجانب تصدُّر الكوميديا في فيلمَي «إن غاب القط» و«طلقني»، دخل فيلم «جوازة ولا جنازة»، من بطولة نيللي كريم وشريف سلامة، الذي طُرح للعرض قبل أيام في مصر، على خطّ المنافسة الكوميدية، إذ جاء في المرتبة الثالثة، مُحققاً إيرادات قاربت 4 ملايين جنيه خلال 3 أيام عرض.

الملصق الترويجي لفيلم «جوازة ولا جنازة» (الشركة المنتجة)

وفي السياق، تصدَّر «جوازة ولا جنازة»، الذي شاركت في بطولته مجموعة من الفنانين من بينهم لبلبة وانتصار، «الترند» في مصر، السبت، على موقع «إكس»، إذ أشاد به عدد كبير من المتابعين، ووصفوا أحداثه بأنها خفيفة ولطيفة ومبهجة، وتحتوي كوميديا لافتة.

من جانبه، عزا الناقد الفني المصري طارق الشناوي سبب تصدّر أفلام الكوميديا هذا الموسم إلى «ضعف الأفلام المنافسة»، موضحاً أنّ ترتيب قائمة شباك التذاكر وتصدُّر «إن غاب القط» و«طلقني» أمر منطقي.

ولفت إلى أن «الأعمال الكوميدية صعبة، وليس شرطاً أن تكون دائماً تميمة النجاح أو في المقدّمة»، مؤكداً أنّ كثيراً من هذه النوعية «سقط سقوطاً مدوّياً» لأسباب عدّة.

وبجانب أفلام «إن غاب القط»، و«طلقني»، و«جوازة ولا جنازة»، تتنافس أفلام أخرى حالياً على إيرادات شباك التذاكر في مصر، مثل «الملحد»، و«لنا في الخيال حب»، و«الست»، و«كولونيا»، و«السلم والثعبان 2»، و«السادة الأفاضل»، و«خريطة رأس السنة».


فيروز الأم الصابرة في وداع ابنها الأصغر هلي

فيروز وابنتها ريما في إلقاء النظرة الأخيرة على الراحل هلي (خاص الشرق الأوسط)
فيروز وابنتها ريما في إلقاء النظرة الأخيرة على الراحل هلي (خاص الشرق الأوسط)
TT

فيروز الأم الصابرة في وداع ابنها الأصغر هلي

فيروز وابنتها ريما في إلقاء النظرة الأخيرة على الراحل هلي (خاص الشرق الأوسط)
فيروز وابنتها ريما في إلقاء النظرة الأخيرة على الراحل هلي (خاص الشرق الأوسط)

المشهد نفسه، ولكن الحرقة مضاعفة... عادت السيدة فيروز إلى كنيسة «رقاد السيدة» في المحيدثة بمنطقة بكفيا، بعد 6 أشهر فقط من وداع ابنها زياد الرحباني، لنراها في الموقف الأليم نفسه مع مطلع العام الجديد، وهي تودِّع هذه المرة ولدها الأصغر والأقرب إليها، هلي.

وصلت بصحبة نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب، كما المرة السابقة. جلست في الزاوية نفسها، وإلى جانبها ابنتها ريما، لتقبُّل التعازي. الوجه الحزين الرصين هو ذاته، والتماسك عينه، والدمعة التي تحاول ألا تدعها تتسرَّب وتفضحها قبل أن تجرح خدَّها.

الأقرباء حولها، والمحبُّون في عزائها. توالت الوجوه: زوجة رئيس الجمهورية السيدة الأولى نعمت عون، زوجة رئيس مجلس الوزراء سحر بعاصيري سلام، فنانون من بينهم مادونا والمصمم الشهير إيلي صعب، وزراء، نواب، سفراء، ومتيَّمون.

السيدة الأولى نعمت عون تعزِّي فيروز (خاص الشرق الأوسط)

المجد كلُّه يصبح رماداً منثوراً في حضرة قلب أم جريحة، لم تملك في نهاية المطاف لابنها سوى أن تهديه إكليل ورد يُزيِّن نعشه، كُتب عليه: «إلى ابني حبيبي». أيُّ عجز أمام الموت! أيُّ قدر يحرم أُمّاً أولادها ويفجعها بأصغرهم في تسعينها. مع غياب زياد العام الماضي، فقدت عبقرياً، ولكن الأمر قد يكون أكثر صعوبة هذه المرة.

هلي، المُقعد منذ طفولته الأولى، عاش ولا سند له غيرها. كان رفيقاً دائماً، لم يتركها، لم يختلف معها، لم يغادرها، لم يخالفها. كان في حضنها، وقلبها، وبيتها، واهتمامها، وعطفها. هذا الفراق قاسٍ، ويترك فراغاً مهولاً لشخص كان حاضراً أبداً في حياة السيدة، وإن غاب عن الإعلام، وكان الأقل شهرة وظهوراً. هو الحاضر المقيم في حياة فيروز الذي ربما كانت تخشى أن تمضي قبله، ولا تتخيَّل أنه هو مَن سيغادرها، ويترك وراءه هذا الخواء الرهيب.

فيروز تقبَّلت التعازي بصمت، قبل أن تنتقل للصلاة على روح ابنها هلي، وإلقاء النظرة الأخيرة عليه، وتغادر مع ريما إلى وحدتها الجديدة، لتكتشف بألم لا يهدأ أنَّ هلي الصامت، المُقعد، كان يملأ البيت، ويشغل جانباً كبيراً من حياتها، وأنَّ الفراغ بات مدوِّياً، والحزن بلا قاع.

خلال صلاة الوداع... فيروز وريما الرحباني وشقيقة فيروز هدى حداد (خاص الشرق الأوسط)

شاء القدر أن تُصاب السيدة التي أسعدت العرب أجمعين بأفجع ما يمكن أن يحرق قلب امرأة، ألا وهو الثكل بأولادها، وأن تدفنهم قبل رحيلها: من ليال التي توفيت عام 1988 بعد عامين من رحيل والدها عاصي الرحباني، إلى زياد العام الماضي 2025، إلى هلي مع إطلالة 2026. ريما التي انتُقدت كثيراً واختلف معها كثيرون، هي اليوم وحيدة مع والدتها في واجهة المشهد. الأخت المكلومة تحمل مع أمها فيروز آلامها وأحزانها، ودَّعت معها إخوتها، وتنظر في عينيها خلال العزاء وهي تكفكف دموعها، نظرة عجز وأسى ولوعة.

لبنان حزين، وحزين جداً، لهذا الألم الكبير الذي لا مردَّ له، وهو يقع ثقيلاً على كاهلي فيروز الصغيرين وجسدها النحيل، وهي تحمله وتسير به بكِبَر وكبرياء رغم المرارة. المرأة التي منحت اللبنانيين صباحاتهم الرومانسية، ولوَّنت أيامهم بصوتها العذب، وأغرقتهم في أحلام اليقظة، لا يملكون لها اليوم سوى كلمات التضامن والحبِّ. ليت هذا يفي شيئاً من الفرح الكبير الذي أغدقَته عليهم.