«غربال» ميخائيل نعيمة: سيموت الأدب العربي إذا ما استمعنا إلى «نقيق الضفادع»

أصدره قبل 100 عام وكأنه يتحدث عن واقعنا الراهن

ميخائيل نعيمة
ميخائيل نعيمة
TT

«غربال» ميخائيل نعيمة: سيموت الأدب العربي إذا ما استمعنا إلى «نقيق الضفادع»

ميخائيل نعيمة
ميخائيل نعيمة

هل شاخ كتاب «الغربال» يا ترى؟ هل انتهى مفعوله؟ هل أكل عليه الدهر وشرب؟ ربما في بعض صياغاته الشكلية ولكن ليس في جوهره. روح الكتاب لا تزال منعشة ومنتعشة حتى الآن. لا تزال تنطبق على واقعنا الراهن وبشكل ملح. باختصار شديد: عندما نقرأ الكتاب نشعر أن ميخائيل نعيمة لا يزال معاصرنا، لا يزال حياً بيننا. وهذا أكبر دليل على مدى أهميته وعظمته كمفكر نهضوي عربي رائد. سوف أضرب على ذلك مثلاً محسوساً لكيلا يظل كلامي تجريدياً في الفراغ. هناك فصل كبير في الكتاب بعنوان: «نقيق الضفادع. مكانة اللغة في الأدب». هذا الفصل يكفي لتخليد الكتاب وتخليد ميخائيل نعيمة ذاته.
ماذا يعني ذلك؟ أنه يعني أن ضفادع الأدب تشلنا شلاً بنقيقها ومستنقعها وركودها. إنها تشل تطور اللغة العربية بل والحياة العربية ذاتها. هؤلاء الأشخاص ما ينفكون يصححونك لغوياً، ويقولون لك: قل ولا تقل! هذا حلال وهذا حرام لغوياً. هذا يجوز في نظر الثعالبي أو الأصمعي وذاك لا يجوز. حذار! ثم حذار! إياك أن تنتهك قداسات اللغة الموروثة أو تخرج عليها قيد شعرة. اللغة العربية ينبغي أن تظل ثابتة، جامدة، كما هي منذ مئات السنين.
لماذا لا تكتب بلغة قاموسية سليمة يا أخي؟ وإلا فأنت خارج نطاق الأدب. نضرب مثالاً على ذلك بيت جبران خليل جبران من قصيدة «المواكب» الشهيرة التي تغنيها فيروز:
هل تحممت بعطر
وتنشفت بنور
بيت ولا أروع. بيت يذكرك بجبال لبنان وسواقي لبنان ووديان بشري.. إلخ. من منا لم يتحمم يوماً ما في أحضان الطبيعة حتى دون أن يتحمم؟ يكفي أن تمشي في تلك الوديان لكي تشعر بعطر الوجود. فما بالك إذا سقط عليك شلال من بين الصخور؟ أتحدث هنا عن أبناء الأرياف والجبال. ولكن المشكلة هي أن هذا البيت «السماوي» خاطئ لغوياً! ضفادع الأدب أو بالأحرى ضفادع اللغة العربية تعده خاطئاً من الناحية اللغوية. إنها تستهجنه وتلوم الكاتب عليه لوماً شديداً. لقد ارتكب جبران خليل جبران جريمة نكراء في حق اللغة العربية. ما هي؟ أين هي؟ بالله عليكم قولوا لي ما هي؟ لا أرى شيئاً. لماذا استخدم الشاعر كلمة «تحمم» بدلاً من كلمة «استحم» الفصيحة لغوياً والشرعية قاموسياً؟ يا لهول الفظاعة! ما أغبى جبران خليل جبران! ما أشد جهله باللغة العربية! ولكن هل يمكن لكاتب عبقري خلاق أن يتقيد بلغة الأصمعي والشنفري؟ ألن يقضي ذلك على إبداعه وعبقريته. الشاعر يتفجر، الشاعر يحق له أن يشتق الكلمات الجديدة، أن يفجر اللغة، أن يأخذ حريته.
وإلا فلا إبداع ولا تطور لغوي ولا من يحزنون. سوف يموت الأدب العربي إذا ما استمعنا إلى نقيق الضفادع. لنستمع إلى ميخائيل نعيمة يقول حرفياً: «لو تبصر ضفادع اللغة العربية يوماً ما تاريخ لغتهم لوجدوا فيه أصدق شاهد على هذا القول. ألا يرون أن اللغة التي نتفاهم بها اليوم في مجلاتنا وجرائدنا ومن على منابرنا غير لغة مضر وتميم وحمير وقريش؟ ألا يرون أنه لو أتيح لأسلافهم تقييدنا منذ ألفي سنة لما كان لنا حتى اليوم لغة سوى لغة الحيزبون والدردبيس والطخا والنقاخ والعلطبيس؟».
هنا تكمن أهمية هذا الكتاب الرائد. إنه من شدة حرصه على اللغة العربية يريد تطويرها، يريد إنقاذها؟ كيف؟ عن طريق جعلها تستمد مفرداتها من نسغ الحياة. ولكن المتزمتين لغوياً يريدون تقميطها وخنقها. أحياناً يتفاصحون ويتقعرون إلى درجة أنهم يقولون: النائب سميرة صالح مثلاً! يا أخي لماذا لا تقولون: النائبة سميرة صالح؟ فهي امرأة سيدة وليست رجلاً. شيء عجيب غريب. شيء يجعلني أخرج عن طوري. الفرنسيون يحسدوننا لأنه لا يوجد في لغتهم مؤنث طبيب مثلاً، ولذلك يضطرون للقول: امرأة طبيبة. ولا يوجد في لغتهم مؤنث كاتب. أما نحن فتوجد في لغتنا كلمة طبيبة وكلمة كاتبة، ولا نعاني من أي مشكلة. مؤخراً اخترعوا أو اشتقوا مؤنث كاتب في اللغة الفرنسية، ولكنها كلمة بشعة على عكسنا نحن. وأحياناً يخرج عليك بعض الكتاب العرب ببدعة جديدة. فيقولون للمزيد من التقعر والتفاصح في العام كذا وليس في عام كذا. لماذا يا أخي؟ كنا معتادين دائماً على القول في عام 1960 مثلاً حصل كذا وكذا وليس في العام 1960، لماذا هذا الإثقال والتثقيل؟ اتركوا اللغة العربية تتنفس، اتركوها تتحلحل. اتركوها تقترب من لغة الحياة اليومية. أتذكر أن المتقعرين عابوا عليّ عنوان كتابي الصادر عن «دار الساقي» عام 2013 بعنوان: «الانتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ». لماذا لم أقل «في ضوء فلسفة التاريخ» فهي أصح لغوياً على ما يبدو؟ متى ستنتهي هذه الملاحقات البوليسية؟ كنت قد كرست فقرة غاضبة مشتعلة لهذا الموضوع في كتابي الأخير الصادر عن «دار المدى» بعنوان: «العرب بين الأنوار والظلمات. محطات وإضاءات». الفصل الثاني بعنوان: «هل يمكن إنقاذ الثقافة العربية؟»، وبالتالي فأنا أمشي دون أن أدري على خطى أستاذنا الكبير: ميخائيل نعيمة. الخلاصة: لا تخافوا من التجديد اللغوي، لا تخافوا من الاشتقاقات والاختراعات الضرورية لمسايرة تطور الحياة. أكاد أقول لا تخافوا من انتهاك قوالب اللغة التقليدية والخروج عليها إذا كان ذلك ضرورياً ويلبي حاجة ماسة، إذا كان ذلك يغني اللغة العربية ويضيف إلى الأدب العربي مساحة جديدة من الإبداع والحرية. وهذا ما فعله الكاتب العبقري جبران خليل جبران في قصيدة خارقة من أجمل ما كتب في اللغة العربية.
في الكتاب فصول عديدة تمشي في ذات الاتجاه التجديدي المنعش. إنها فصول متمردة على التقليد والجمود والخمود الذي كان سائداً في عصر ميخائيل نعيمة عندما ألف هذا الكتاب الرائد. ينبغي ألا ننسى أنه ألفه والعالم العربي لما يكد يخرج من نير السلطنة العثمانية وظلماتها. وفي الكتاب دعوة إلى تحطيم الأوزان والقوافي والخروج عليها لأنها تقيد حرية الشاعر المبدع. فهو يفرق بين النظَامين والشعراء الحقيقيين. ولكن دعوته هذه لم تتحقق عملياً إلا بعد ظهور الشعر الحديث في الخمسينات والستينات أي بعد تأليف الكتاب بثلاثين أو أربعين سنة. نقول ذلك وإن كانت بعض نصوص جبران ونعيمة ذاته استبقت على ظاهرة الشعر الحديث وتحررت من الأوزان والقوافي والزحافات والعلل. وقد أعجبني تعريفه للشعر وأدهشني. يقول مثلاً: «الشعر هو غلبة النور على الظلمة، والحق على الباطل»! لم أسمع بهذا التعريف من قبل على الأقل في نطاق الثقافة العربية. من الواضح أن ميخائيل نعيمة عندما ألف هذا الكتاب كان قد سافر في البلدان ودرس في روسيا وأميركا واطلع على الآداب الأجنبية. ولهذا السبب يحث العرب على توسيع مداركهم وعقولهم. كيف؟ عن طريق الترجمة. ولذلك يخصص صفحة كاملة في الكتاب بعنوان حماسي قاطع: فلنترجم! هنا أيضاً نجد أنفسنا متفقين معه، ونجد أن دعوته لا تزال راهنة وملحة تماماً. يقول بالحرف الواحد:
«نحن في دور من رقينا الأدبي والاجتماعي قد تنبهت فيه (أي استيقظت فيه) حاجات روحية كثيرة لم نكن نشعر بها من قبل احتكاكنا الحديث بالغرب.
وليس عندنا من الأقلام والأدمغة ما يفي بسد هذه الحاجات. فلنترجم! ولنجل مقام المترجم لأنه واسطة تعارف بيننا وبين العائلة البشرية العظمى».
كل من مارس الترجمة يعرف معنى كلام ميخائيل نعيمة هذا ومغزاه. ولكن لكي تنجح عملية الترجمة ينبغي توافر ثلاثة شروط: الأول حسن اختيار الكتب التي تستحق الترجمة. والثاني عدم التقيد بالترجمة الحرفية. الخيانة مكروهة في كافة المجالات (لاحظوا هنا ارتكبت خطأ لغوياً قاتلاً: كان ينبغي أن أقول في المجالات كافة وليس في كافة المجالات! أستغفر الله). قلت إذن بأن الخيانة شيء بشع ما عدا في مجال الترجمة. ولكنها خيانة محسوبة: بمعنى أنها تخون الحرف لكي تخلص للجوهر. والشرط الثالث هو توافر مترجمين حقيقيين في العالم العربي. فالترجمات الرديئة تملأ الشوارع... وهي تؤدي إلى تشويه أجيال بأسرها من الناحية الثقافية. من هنا خطورة الترجمة والمسؤولية الجسيمة التي تترتب على المترجمين.
وأخيراً ما هو النقص الوحيد الذي يعتري كتاب «الغربال» هذا؟ أنه في رأيي يكمن فيما يلي: لقد تحدث عن التجديد اللغوي والأدبي والاجتماعي وكل شيء تقريباً، ولكنه تحاشى عملياً التحدث عن التجديد في مجال الفكر الديني. ولكن هل كان بإمكانه طرق هذا الموضوع الخطير في ذلك الوقت العصيب من ظروف سوريا ولبنان والمشرق العربي عموماً؟ كان ذلك سابقاً لأوانه.
كان ذلك خارجاً عن إرادته وإن كان قد فكر فيه في خفايا نفسه دون أن يستطيع الخوض فيه. بل حتى في وقتنا الراهن نحن نعد على العشرة قبل أن نكتب حرفاً واحداً!


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«مهرجان الجونة» يُرسّخ حضوره بالأفلام والجوائز ودعم صنّاع السينما

لقطة جماعية للمشاركين في ختام «الجونة السينمائي» (إدارة المهرجان)
لقطة جماعية للمشاركين في ختام «الجونة السينمائي» (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان الجونة» يُرسّخ حضوره بالأفلام والجوائز ودعم صنّاع السينما

لقطة جماعية للمشاركين في ختام «الجونة السينمائي» (إدارة المهرجان)
لقطة جماعية للمشاركين في ختام «الجونة السينمائي» (إدارة المهرجان)

أسدل «مهرجان الجونة السينمائي» الستار على دورته التاسعة (15 - 23 أكتوبر / تشرين الأول 2026)، التي شهدت حضوراً كبيراً من نجوم السينما المصرية والعربية وصنّاع الأفلام من مختلف أنحاء العالم، فيما لُوحظ غياب نجوم السينما العالمية الذين اعتاد المهرجان استضافتهم وتكريم أحدهم بجائزة «إنجاز العمر»، كما في دوراته السابقة، على غرار فورست ويتكر، وسيلفستر ستالون، إلى جانب الاحتفاء بالممثلة كيت بلانشيت.

وأكّد ذلك مدير المهرجان عمرو منسي، في كلمته خلال حفل الختام، إذ قال: «إننا لن ندفع أموالاً لجلب نجوم من الخارج، لا سيما بعدما رسّخ المهرجان حضوره». وأشار إلى أنه لمس تسابق الجمهور إلى مشاهدة الأفلام، بدلاً من حضور الحفلات، وهو ما يستهدفه المهرجان منذ دورته الأولى، وفق قوله.

وفي دورة غاب عنها مؤسِّس المهرجان رجل الأعمال نجيب ساويرس، تمهيداً للدفع نحو استقلال المهرجان وتولّي جيل جديد من العائلة قيادته بعد دورته العاشرة، قال شقيقه مؤسِّس مدينة الجونة سميح ساويرس، خلال حفل الختام: «إن المهرجان يبدو مثل طفل شبّ ولم يعد بحاجة إلى رعاية أبوية، والعام المقبل سنحتفل بالدورة العاشرة، وهو ما يثبت أنّ أنفاسنا طويلة، ولا نحبّ المشروعات سريعة النجاح».

محمد حماد وفريق «خروج آمن» الفائز بذهبية «الجونة» لأفضل فيلم روائي طويل (إدارة المهرجان)

وإلى جانب احتفائه بالتجارب السينمائية المُلهمة التي ينفرد بعرضها، والفعاليات التي تثير نقاشاً وتفاعلاً بين صنّاع الأفلام العرب والأجانب، يعزّز المهرجان حضوره على مدى دوراته بدعم صنّاع الأفلام العرب عبر منصة «سيني جونة»، التي بلغت قيمة جوائزها لمشروعات الأفلام العربية في مرحلتَي «التطوير وما بعد الإنتاج» نحو 350 ألف دولار أميركي، استفاد منها 16 مشروعاً هذا العام من مختلف الدول العربية.

وشهدت الدورة التاسعة عرض نحو 77 فيلماً من مختلف دول العالم، من بينها 13 فيلماً في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، و10 أفلام في مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة، و19 فيلماً في مسابقة الأفلام القصيرة. وكشفت مسابقة الأفلام الروائية عن استقطاب المهرجان أفلاماً تتّسم بتنوّع لافت، تتقاطع فيها أسئلة الحرب والمنفى والعزلة والعنف الاجتماعي.

وتتجاوز مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة تسجيل الوقائع إلى طرح أسئلة عمّن يملك حق رواية الحكاية، وكيف تتحوّل الكاميرا إلى أداة لمواجهة النسيان وتوثيق الوقائع.

المخرج رشيد مشهراوي يتسلّم جائزتَي فيلم «المواطن أسامة» (إدارة المهرجان)

ويصف الناقد العراقي كاظم السلوم، الذي شارك في لجنة تحكيم جائزة «نيتباك» للأفلام الآسيوية، أفلام هذه الدورة بأنها «جيدة»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه ليس من السهل على أيّ مهرجان أن يُقام بهذه الجودة منذ دورته الأولى عام 2017. وأشار إلى أنّ أفلاماً بعينها لفتت نظره، منها الفيلم اللبناني «البارح العين ما نامت»، الذي يتناول قهر النساء في المجتمعات الذكورية، والفيلم الهندي «دمية العجل»، الذي يتناول معاناة المهمّشين في الهند.

ويلفت السلوم إلى تنوّع الأفلام في المسابقتين الوثائقية والروائية، وعروض الأفلام القصيرة، ومن بينها الفيلم السعودي «ولد الحجية»، الذي يعتمد على فكرة بسيطة تتناول مدى ارتباط الأطفال بجدّاتهم، مشيداً بتركيز المهرجان على الأفلام وحُسن تنظيم عروضه.

وتتجلّى خصوصية مسابقة الأفلام القصيرة في تنوّع جغرافي وفنّي يضع الحكايات المحلّية ضمن أسئلة إنسانية أكثر رحابة. ويلفت الناقد المصري عصام زكريا إلى أنّ «تقييم الأفلام مسألة نسبية»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إنّ «دورة الجونة التاسعة قدَّمت مجموعة من الأفلام الجيدة، من بينها أعمال حازت جوائز دولية كبرى». وأشار إلى أنّ المسابقة شهدت أعمالاً روائية متميّزة، مثل «أرض الآباء» و«روز»، إلى جانب أفلام عربية جديدة، منها «البارح العين ما نامت» و«حليمة» و«خروج آمن»، وكذلك الفيلم الوثائقي الياباني «فجأة»، الذي يمتدّ لساعات من دون أن يثير الملل، وفق قوله.

ويرى زكريا أنه «من ناحية الأضواء والبريق واللوجستيات، قد لا تكون هذه الدورة مثل السابقة، لكن من ناحية الأفلام، هناك مجموعة من الأفلام المتميزة والمهمّة».

وحقّقت السينما العربية حضوراً لافتاً في جوائز مسابقات المهرجان الثلاث. ففي مسابقة الأفلام الروائية، فاز الفيلم المصري «خروج آمن»، للمخرج محمد حماد، بجائزة «نجمة الجونة الذهبية» لأفضل فيلم، وفازت الفنانة الأردنية ركين سعد بجائزة «أفضل ممثلة» عن فيلم «بومة». وحصد الفيلم اللبناني «البارحة العين ما نامت»، للمخرج ركان مياسي، جائزة أفضل فيلم عربي طويل، فيما حاز فيلم «كلّ العشاق في الليل»، للمخرجة يوكيكو سودي، «نجمة الجونة الفضية».

بينما فاز الفيلم الإيراني «قليل من النور»، للمخرج علي أصغري، بـ«نجمة الجونة البرونزية»، وحاز الممثل جوفان جينيك جائزة أفضل ممثل عن دوره في الفيلم الصربي «بعد ثلاثة أسابيع»، فيما حصل الفيلم المغربي «حليمة» على تنويه خاص.

الفنانة الأردنية ركين سعد تحصد جائزة «أفضل ممثلة» عن دورها في فيلم «بومة» (إدارة المهرجان)

وفي مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة، فاز الفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة»، للمخرج أحمد حسونة، بجائزة «نجمة الجونة الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي، كما حصد جائزة أفضل فيلم وثائقي عربي. وتسلّم الجائزتين منتج الفيلم، المخرج رشيد مشهراوي، الذي أهداهما إلى الصحافيين الفلسطينيين الذين استهدفتهم قوات الاحتلال، والبالغ عددهم 250 صحافياً. في حين حاز فيلم «همسات في مايو» من هونغ كونغ الجائزة الفضية، والفيلم الإيطالي «حرب على النساء» الجائزة البرونزية.

وفي مسابقة الأفلام القصيرة، حاز فيلم «ذكريات مسروقة»، وهو إنتاج نرويجي سويدي مشترك، جائزة «نجمة الجونة الذهبية» لأفضل فيلم، وحصل فيلم «لا أحد يعرف العالم» من بيرو على الجائزة الفضية، فيما حاز الفيلم المصري «الخبيث»، للمخرج جاد شاهين، الجائزة البرونزية. وفاز الفيلم اللبناني «يوماً ما ولد»، للمخرجة ماري روز أسطا، بجائزة أفضل فيلم عربي قصير، فيما نال فيلم «كنتاكي غزة»، للفلسطيني عمر رمال، تنويهاً خاصاً من لجنة التحكيم.

وإذا كان حفل افتتاح الدورة التاسعة قد غابت عنه البهجة، فقد عوَّضها حفل الختام، الذي قدّم تحية إلى الموسيقار الراحل هاني شنودة، غنَّت خلالها منى عزيز، مطربة فرقة «المصريين»، أغنية «ماشية السنيورة». كما قُدّمت أغنية جماعية مصوّرة بعنوان «سيدي يا سيدي»، بمشاركة المطرب محمد الشرنوبي وياسمين العبد وجميع نجوم الجونة.


موسم دراما رمضان المقبل يطوي خلافات فنانين مصريين

مسلسل «تمكين» يجمع ياسمين صبري ومحمد سامي وعمرو سعد (حساب عمرو سعد على «فيسبوك»)
مسلسل «تمكين» يجمع ياسمين صبري ومحمد سامي وعمرو سعد (حساب عمرو سعد على «فيسبوك»)
TT

موسم دراما رمضان المقبل يطوي خلافات فنانين مصريين

مسلسل «تمكين» يجمع ياسمين صبري ومحمد سامي وعمرو سعد (حساب عمرو سعد على «فيسبوك»)
مسلسل «تمكين» يجمع ياسمين صبري ومحمد سامي وعمرو سعد (حساب عمرو سعد على «فيسبوك»)

من المقرر أن يشهد الموسم الدرامي الرمضاني المقبل «تجمعات فنية» كانت بعيدة عن توقعات الجمهور الذين عاصروا أحداث «التلاسن والتراشق» الإعلاميين بين أبطال أبرزهم ياسمين صبري ومحمد سامي من ناحية، وباسم سمرة ومحمد رمضان من ناحية أخرى.

ومن عبارة محمد سامي الشهيرة لياسمين صبري «إن شاء الله ما عجبك» بعد انتقادها نهاية مسلسل «الأسطورة»، الذي شهد اجتماعهما قبل 10 سنوات، وإعلانها عدم العمل معه مجدداً مهما كان حجم المشروع الفني وقيمته؛ يبدو أن موسم دراما رمضان المقبل سيكون فرصة لـ«سد الفجوات» وإنهاء الخصام، بعد إعلان مشاركة ياسمين في مسلسل «تمكين» من إخراج محمد سامي.

ومن سخرية لاذعة وسجال على الهواء، بعد انتشار مقطع فيديو للفنان باسم سمرة وهو يدفع محمد رمضان في إحدى المناسبات الشعبية، وتعليق رمضان على الواقعة بأن سمرة «لم يكن في وعيه»، ورد باسم سمرة بدعوة محمد رمضان إلى الوقوف أمامه في فيلم روائي قصير ويكون الحكم للجمهور حينها على أدائهما؛ قلب إعلان مشاركتهما في مسلسل «عشماوي» كل الموازين، وعاد خصما الأمس ليجتمعا في عمل واحد، وتحول الخلاف الذي كان حديث «السوشيال ميديا» إلى تعاون فني مرتقب.

لم تقتصر «القطيعة الفنية» على الممثلين فقط، لكنها طالت التعاون الإنتاجي بعد انتشار أخبار تفيد بوجود مشكلات إنتاجية بين محمد رمضان والمنتج صادق الصباح بعد تقديمهما مسلسل «ابن حلال» قبل 12 عاماً، الذي حقق حينها نجاحاً لافتاً، وكان بداية الانطلاقة والبطولة الدرامية لـرمضان، لكن التعاون لم يتكرر بعكس التوقعات، حتى جاء «عشماوي» ليفتح صفحة إنتاجية جديدة.

محمد رمضان وباسم سمرة في «عشماوي» (حساب باسم سمرة على «فيسبوك«)

وفي السياق، تعود الفنانة غادة عبد الرازق إلى العمل مع المنتج ممدوح شاهين في مسلسلَين خلال رمضان، هما «روح وجسد» و«خيوط من ذهب»، رغم ظهوره الإعلامي أخيراً، ووصفها بأنها «مزعجة».

وتتنوع خلافات الفنانين عادة بين أولوية تصدّر «الملصقات الترويجية»، و«ترتيب الأسماء»، وعدم الالتزام بمواعيد التصوير، و«قيمة الأجر»، و«قص المشاهد»، وغيرها من «المناوشات الفنية».

وأجمع نقاد، خلال حديثهم لـ«الشرق الأوسط»، على أن تنحية الخلافات جانباً والتعاون الفني مجدداً بعد خصام أمران طبيعيان، ويندرجان تحت بند «المصالح تتصالح»، إذ أكد الناقد الفني عماد يسري أن «الخلافات الفنية موجودة في الوسط منذ سنوات طويلة وبأشكال مختلفة، وتنحيتها جانباً يمكن أن ينتج دراما جماهيرية، وإضافة لأطراف عدة بالعمل، وإعادة اكتشاف لموهبة ربما لن تظهر إلا بوجودهما معاً».

بدوره، يرى الناقد الفني طارق الشناوي أن «الخلافات جزء حميم من الحياة الفنية، ولا يمكن فصلها في ظل التنافس والدائرة المشتركة التي تؤدي إلى وجود مشكلات وصراعات»، مضيفاً: «لدينا مثل شهير ينطبق على مجالات عدة، وهو أن (المصالح تتصالح)».

ومن أشهر الخلافات الفنية المعلنة في الوسطَين الفني والإعلامي كان خلاف عادل إمام ونور الشريف مع نادية الجندي، فالأول شاركها بطولة فيلم «خمسة باب»، ولم يكرر التعاون مجدداً رغم مشوارهما السينمائي الطويل، بسبب حديث عن خلافات في كواليس التصوير، وتناول أسباب «منع الفيلم» حينها من العرض، أما خلافها مع نور الشريف الذي دفعه إلى عدم التعاون معها مطلقاً طوال مسيرته فكان بسبب استبعاده من المشاركة في أحد أفلامها بعد تحضيراته، بحجة أنه لا يليق بالشخصية، إلى جانب الخلاف الشهير بين عبد الوهاب وأم كلثوم، والعودة إلى العمل معاً.

من جانبها، أكدت الناقدة الفنية الدكتورة آمال عثمان «أن الوسط الفني شهد خلافات كثيرة وصلت إلى حد التراشق والتلاسن في العلن وفي الكواليس»، مضيفة: «شاهدنا طي صفحات كثيرة من الخصام، فالمبادئ تتغير أحياناً، وهذا لا يعيب ولا يقلل من قدر أحد». وتابعت: «هناك فارق بين الخصومة الشخصية والخصومة الفنية، والأخيرة يمكن إنهاؤها وزوالها سريعاً ما دام العمل الذي يمكن أن يجمعهما موجوداً».


توم هانكس يعود للمسرح بقصة عن الحب عبر الزمن

توم هانكس وكيلي أوهارا وكايلي كارتر في مسرحية «هذا العالم من الغد» في مسرح شيد في مانهاتن أكتوبر 2025 (نيويورك تايمز)
توم هانكس وكيلي أوهارا وكايلي كارتر في مسرحية «هذا العالم من الغد» في مسرح شيد في مانهاتن أكتوبر 2025 (نيويورك تايمز)
TT

توم هانكس يعود للمسرح بقصة عن الحب عبر الزمن

توم هانكس وكيلي أوهارا وكايلي كارتر في مسرحية «هذا العالم من الغد» في مسرح شيد في مانهاتن أكتوبر 2025 (نيويورك تايمز)
توم هانكس وكيلي أوهارا وكايلي كارتر في مسرحية «هذا العالم من الغد» في مسرح شيد في مانهاتن أكتوبر 2025 (نيويورك تايمز)

بعد غياب 14 عاماً عن المسرح يعود النجم الأميركي توم هانكس إلى مسارح برودواي بمسرحية من تأليفه تحمل عنوان «عالم الغد». ووفقاً لتقرير موقع «ديدلاين»، سيتعاون هانكس مع كيلي أوهارا، وهي ممثلة مخضرمة في برودواي، وحائزة على جائزة توني عام 2015 عن إعادة تقديمها لمسرحية «The King and I» في المسرحية التي ستُعرض على مسارح برودواي في خريف عام 2027.

يعود الثنائي إلى المسرح معاً بعد نجاح عرض المسرحية خارج برودواي في مسرح «ذا شيد» بنيويورك عام 2025. شارك هانكس في كتابة المسرحية مع جيمس غلوسمان، وسيتولى الإخراج كيني ليون، الحائز على جائزة توني عن إحياء مسرحية «A Raisin in the Sun» عام 2014.

توم هانكس كيلي أوهارا في مسرحية «هذا العالم من الغد» في مسرح شيد في مانهاتن أكتوبر 2025 (مسرح شيد)

تدور أحداث «عالم الغد» حول بيرت ألينبيري، رجل يعيش في أواخر القرن الحادي والعشرين، يسافر عبر الزمن ليعود إلى يوم واحد في معرض نيويورك العالمي عام 1939 في كوينز، على أمل تغيير مستقبله. ومن خلال هذه الرحلات المتكررة، يكتشف بيرت كيف يمكن لخيارات الناس في الحب أن تُشكّل حياتهم وتفتح أمامهم أبواباً لفرص جديدة.

تستوحي المسرحية أحداثها من قصص قصيرة من مجموعة هانكس القصصية «Uncommon Type» الصادرة عام 2017. يؤدي هانكس دور بيرت، بينما تجسد أوهارا شخصية كارمن، المرأة التي يلتقيها خلال رحلاته.

وفي بيان له، قال المخرج كيني ليون: «أنا متحمس للغاية لمواصلة العمل على هذه المسرحية الأميركية الجديدة الرائعة. لا يوجد وقت أفضل من الآن لاستكشاف قصة الحب والسفر عبر الزمن هذه من غلوسمان وهانكس. أكثر ما أتطلع إليه هو أن يحظى المزيد من الجمهور بفرصة مشاهدة التناغم الرائع بين كيلي أوهارا وتوم هانكس على خشبة المسرح»، كما رحب المنتج برايان أنتوني مورلاند بانتقال المسرحية إلى برودواي، واصفاً تقديمها لجمهور أوسع بأنه شرف كبير، ومسلطاً الضوء على رسالتها عن الحب عبر الزمن.

وفي حديثه مع مجلة «بلايبيل» خلال عرض المسرحية العام الماضي، ناقش هانكس محاورها الرئيسية عندما سُئل عن معناها قائلاً: «لو لم يذهبا إلى المعرض العالمي عام 1939، لما التقيا بحب حياتهما. وأقول لكم الآن، حتى أنتم تمرون بلحظات كهذه في حياتكم. هذا هو جوهر دراسة التاريخ. لطالما أذهلني ذلك الجانب الغريب من السلوك البشري الذي يقول: لا تحدث الأشياء إلا عندما تكون في المكان المناسب في الوقت المناسب، ولا تدري إن كنت في المكان المناسب أو إن كان الوقت مناسباً للوجود هناك - فالتاريخ هو الذي يقرر ذلك نيابةً عنك. وأعتقد أن هذا أمرٌ رائع».

كان آخر ظهور لهانكس على مسارح برودواي في مسرحية «Lucky Guy»، حيث رُشِّح لجائزة توني عن أدائه فيها. سيشهد إنتاجه القادم أول ظهور له على مسارح برودواي منذ أكثر من 14 عاماً. كما أنه سيؤدي دور أبراهام لينكولن في مسرحية «لينكولن في الباردو»، وهي عمل يجمع بين التمثيل الحي وتقنية إيقاف الحركة، مقتبس من رواية جورج سوندرز.