التنظيمات الصحافية المغربية في زمن التنكر لمهنة الإعلام كصناعة

كثيرون عدّوها أكثر من ضرورية لمواجهة خطر التمييع

التنظيمات الصحافية المغربية في زمن التنكر لمهنة الإعلام كصناعة
TT

التنظيمات الصحافية المغربية في زمن التنكر لمهنة الإعلام كصناعة

التنظيمات الصحافية المغربية في زمن التنكر لمهنة الإعلام كصناعة

كثيراً ما تطرح في المشهد الإعلامي المغربي تساؤلات حول الدور الذي تضطلع به التنظيمات الصحافية في ظل التحولات الراهنة التي عمقها التطور التكنولوجي وفاقمتها الثورة الرقمية التي أرخت بظلالها على مختلف مناحي الحياة.
وتتراوح وجهات النظر إزاء هذه التنظيمات والفاعلين الإعلاميين بين مَن يدعو إلى الانخراط في هذه التحوّلات بالانفتاح على الواقع الجديد الذي تفرضه المتغيرات الإعلامية، ومع ما أضحت تطرحه من أسئلة جديدة لم تكن معهودة في الماضي، وبين مَن يطالب بتحصين المهنية والحفاظ على المكتسبات في مواجهة ما قد تفرزه الثورة الرقمية من تحديات وسلبيات.
كثيرون يرون أن المنظمات الصحافية التمثيلية وهيئات التقنين في زمن التحولات المجتمعية والرقمية تبقى أكثر من ضرورية لمواجهة خطر تمييع كل ما هو مؤسساتي، والتمزيق الشامل للقواعد والأخلاقيات المهنية.

«دخلاء» على الإعلام
في سياق ذلك، يقول عبد الكبير خشيشن، رئيس المجلس الفيدرالي للنقابة الوطنية للصحافة المغربية: «هناك تسيّد للتفاهة وتنكر لمهنة الإعلام كصناعة، وتعويض ولوجها من نوافذ التعلم والحرفية بهواية تضمن الولوج إليها من باب ادعاء حرية التعبير».
وأعرب خشيشن عن اعتقاده الراسخ بأن «النتيجة تكون بالضرورة مجزرة في حق المهنة والمهنية، إلى درجة اختلط على المتلقي التمييز بين هوية الصحافي والإعلامي، وهويات جديدة نظير الناشط في مواقع التواصل الاجتماعي، والمدوّن وصانع المحتوى، فجرى استهداف المهنة من دون أن يتعرض هؤلاء الدخلاء للمساءلة».
بخلاف ذلك، يذهب سعيد السلامي، الخبير في الإعلام والحق في الحصول على المعلومات، إلى القول لـ«الشرق الأوسط»، إن منظمات ونقابات الصحافيين وهيئات مديري الصحافة «تركز على إشكالية أخلاقيات الصحافة التي تتخذها ذريعة لمهاجمة ما يطلق عليهم اسم الصحافيين المواطنين الذين أصبحوا يستقطبون جمهوراً عريضاً بالفضاء الأزرق الافتراضي ويحققون السبق في تقديم الأخبار الفورية». وللعلم، بلغ عدد من الصحافيين المهنيين الحاصلين على بطاقة الصحافة التي يمنحها المجلس الوطني للصحافة 3394 صحافياً وصحافية. وحتى سبتمبر (أيلول) الماضي، لم تستأنف سوى 72 جريدة ورقية صدورها بعد جائحة «كوفيد – 19»من بين 246 جريدة، في حين استمرت باقي الجرائد في الإصدار الرقمي المجاني.
ويرى السلامي أن الهيئات الصحافية التمثيلية «تتبنى في مواجهة هذه التحولات الإعلامية المتسارعة خطاباً تسويقياً يبدو في ظاهره يصبو لحماية المهنة، في مرحلة تتراجع فيها مبيعات الصحف الورقية وتقل مواردها المالية، ما يدفع هذه التنظيمات لمطالبة الدولة باستمرار بالرفع من دعمها المالي».

تغيّر قواعد الإعلام
خشيشن يقرّ بأن الزمن الرقمي غيّر من كل قواعد الإعلام والتواصل، لكن ذلك - في نظره - «لا يعني الاستسلام داخل المهنة، بل وجب على كل الهيئات أن تسهم في تحسيس المهنيين بضرورة تطوير أدواتهم وطرق اشتغالهم لملء الفراغ الذي ينشط فيه الذين يدّعون تعويض الصحافيين والإعلاميين... وفي الوقت ذاته، سن القوانين التي تمنح لهذه المهنة هويتها، بالفصل بين حرية التعبير وممارسة مهنة الصحافة كصناعة لها قواعدها ومسؤوليتها تجاه المجتمع، وعلى رأسها الحفاظ على أخلاقيات المهنة». ومن ثم، يضيف أن «المنظومة الإعلامية في حاجة للمراجعة، وذلك كي يشعر الصحافيون بجدوى الالتحاق بهذه المهنة التي لم يعد فيها ما يغري جيل الشباب. وهذا ما فتح المجال لفوضى المعاهد الخاصة لبيع دبلومات جهل بالصحافة، وخلق ضحايا من الصحافيين المفترضين»، ويخلص خشيشن إلى القول: «لا يمكن في ظل هذه البيئة تطوير المهنة ولا حفظ كرامة الصحافيين المهنيين».

تقوية قدرات الصحافيين
في سياق متصل، يوضح سامي المودني، رئيس المنتدى المغربي للصحافيين الشباب، لـ«الشرق الأوسط»، أنه «يجب التمييز بين الهيئات التمثيلية الصحافية وجمعيات مدنية تضم في صفوفها صحافيين وتشتغل على قضايا الإعلام في شموليتها، انطلاقاً من مرجعية إعلامية معينة». ويردف المودني أن «لكل واحدة من هذه الهيئات منطقها وأسلوبها في الاشتغال»، مشيداً بـ«الجهود المنجزة من طرف مختلف المتدخلين، لا سيما في ظل التطورات المتسارعة العميقة التي يعرفها الإعلام دولياً... وهو ما يتطلب قدرات الصحافيات والصحافيين في مجالات متعددة كصحافة البيانات وصحافة فحص الحقائق ومحاربة الأخبار الزائفة وصحافة الحلول والصحافة الإنسانية. ثم يعبر المودني عن اعتقاده الراسخ بأن عملاً كهذا «يفرض توفير الإمكانات المادية والبشرية من أجل إنجاز هذا البرنامج الشامل، مع بذل جميع المتدخلين، من جميع المواقع وعلى مختلف المسؤوليات المرتبطة بالشأن الإعلامي، مجهوداً مضاعفاً».

ضعف الانتساب للنقابات
من جهته، يلفت محمد الوافي، رئيس الجامعة الوطنية للصحافة والإعلام والاتصال، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن التنظيمات الصحافية، تعاني حالياً من «الانعكاسات السلبية للعولمة المتوحشة، وكذلك من ضعف الانتساب للنقابات وعزوف الإعلاميين عن العمل التنظيمي بصفة عامة، وهي ظاهرة عامة وليست خاصة بالمغرب».
ويرى الوافي أن التحدي المطروح على الهيئات المعنية بتأطير وتنظيم الصحافيين يتمثل برفع نسبة انخراط الإعلامي في العمل الجماعي، وهو «ما يتطلب الدفاع، بل الاستماتة، حتى تكون جديرة بالصفة التي تؤهلها للدفاع عن المصالح المادية والمعنوية لمهنيي الإعلام». أما التحدي الآخر فيتمثل في «ضعف الحقل الإعلامي». لكن الوافي يوضح أن «هناك في المقابل قراءة أكثر تفاؤلاً، تعتقد أن التحولات الرقمية والمجتمعية تسير في اتجاه دمقرطة كل من الإعلام والوصول إلى المعلومات من لدن المواطنين أينما وجدوا». ثم يتساءل: «كيف في ظل ذلك يمكن أن نحافظ على منظمات قوية لها تمثيلية؟ وكيف نحافظ على المهنة من الشوائب؟ لا سيما أن هذا صراع كبير، ومعركة طويلة النفس، وتحديات الثورة الرقمية ألقت بظلالها... غير أن الهيئات والمنظمات الصحافية، لم تقل كلمتها بعد». وعودة إلى المودني، الذي يصف العمل الذي تقوم به الهيئة العليا للاتصال المسموع والمرئي (الهاكا) بـ«المرجعي» على الصعيدين الإقليمي والدولي بحكم التجربة التي راكمتها كمؤسسة وطنية. إلا أنه يستدرك قائلاً: «نحن الآن أمام رهان يتعلق أساساً بتجويد الممارسة الإعلامية المسموعة والمرئية عبر التفاعل الإيجابي مع التوصيات التي تصدرها الهيئة من جهة، وتجويد إطارها القانوني من جهة أخرى، بشكل يضمن أكبر قدر من تعددية تيارات الفكر والرأي في المجتمع».

                                                                                               سامي المودني
فضاء أكثر انفتاحاً

محمد الوافي يدعو إلى تعديل قانون المسموع والمرئي ومراجعة عقد البرنامج ودفاتر تحملات القطاع الإذاعي والتلفزيوني، وملاءمة ذلك مع المتغيرات الجديدة بإشراك المهنيين بمختلف وسائل الإعلام... حتى يصبح قرار تحرير الفضاء المسموع - المرئي أكثر انفتاحاً، مع دعم مجهودات المجلس الوطني للصحافة، الذي ما زال في بداياته، باعتباره مكسباً للتنظيم الذاتي لمهنة الصحافة. ويرى أن الحكومة والبرلمان والمؤسسات الإعلامية مطالبة بـ«التفاعل الإيجابي مع ما يصدره المجلس الوطني للصحافة من توصيات وجيهة»، مع أنه في حاجة لمراجعة عميقة لإطاره التشريعي والتنظيمي كي يواكب التطورات الإعلامية وطنياً ودولياً.
في المقابل، يقول سعيد السلامي إنه «ليس من اختصاص الحكومات أن تقرّر من يكون وأو لا يكون صحافياً، كما ليس من اختصاصها أن تقوم بتقييد شكلي أو قانوني لكل من يريد ممارسة الصحافة، وهو المبدأ الذي ينص عليه ميثاق حرية الإعلام الذي وقعت عليه في الدار البيضاء، عام 2016، النقابة الوطنية للصحافة المغربية والفيدرالية المغربية لناشري الصحف والجمعيات والنقابات التابعة للأحزاب السياسية المغربية». ويضيف أن حرية الجمعيات «تعد حقاً إنسانياً أساسياً، وأن للصحافيين كامل الحرية في اختيار الجمعيات والنقابات التي ينتسبون إليها...».

ترسانة قانونية وتنظيمية
أخيراً، من أجل الارتقاء بمستوى المشهد الإعلامي، يقول عبد الكبير خشيشن إنه «حان الوقت وسط هذه المتغيرات، خصوصاً في الجانب الرقمي وتبعاته، لأن نعيد قراءة هذه المنظومة... سواءً على مستوى قانون الصحافة والنشر، أو النظام الأساسي للصحافيين المهنيين، وكذلك القانون المحدث للمجلس الوطني للصحافة... وهذا على الرغم من تحقيق خطوات مهمة في إصلاح القوانين خلال العقدين الأخيرين، وتمكين الصحافيين من ترسانة قانونية تحفظ لهم كرامتهم المعنوية والمادية». وفي الاتجاه ذاته، يشدد الوافي على ضرورة توفير ترسانة قانونية منسجمة ومتكاملة وقوية في مجال الصحافة والإعلام والاتصال. ويضيف: «بات لزاماً إدخال تعديلات على مدونة الصحافة والنشر حتى تصبح أكثر انفتاحاً.
إذ ما زال للصحافي دور خاص في المجتمعات التي تشبه المغرب، على أساس أن يتسلح بالصدق والموضوعية وروح التضحية في نقل الأخبار والمساهمة في الأسس التي يقوم عليها المجتمع الديمقراطي، منها تنوير الرأي العام».


مقالات ذات صلة

إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

الولايات المتحدة​ إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

أشاد وفد من الكونغرس الأميركي، يقوده رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب الأميركي مايك روجرز، مساء أول من أمس في العاصمة المغربية الرباط، بالتزام الملك محمد السادس بتعزيز السلام والازدهار والأمن في المنطقة والعالم. وأعرب روجرز خلال مؤتمر صحافي عقب مباحثات أجراها مع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، عن «امتنانه العميق للملك محمد السادس لالتزامه بتوطيد العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والمغرب، ولدوره في النهوض بالسلام والازدهار والأمن في المنطقة وحول العالم».

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شمال افريقيا ترحيب مغربي بإقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة رسمية

ترحيب مغربي بإقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة رسمية

أعلن بيان للديوان الملكي المغربي، مساء أول من أمس، أن الملك محمد السادس تفضل بإقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية رسمية مؤدى عنها، على غرار فاتح (أول) محرم من السنة الهجرية ورأس السنة الميلادية. وجاء في البيان أن العاهل المغربي أصدر توجيهاته إلى رئيس الحكومة لاتخاذ الإجراءات اللازمة لتفعيل هذا القرار الملكي. ويأتي هذا القرار تجسيداً للعناية الكريمة التي يوليها العاهل المغربي للأمازيغية «باعتبارها مكوناً رئيسياً للهوية المغربية الأصيلة الغنية بتعدد روافدها، ورصيداً مشتركاً لجميع المغاربة دون استثناء».

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شمال افريقيا أعضاء «الكونغرس» الأميركي يشيدون بالتزام العاهل المغربي بـ«تعزيز السلام»

أعضاء «الكونغرس» الأميركي يشيدون بالتزام العاهل المغربي بـ«تعزيز السلام»

أشاد وفد من الكونغرس الأميركي، يقوده رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، مايك روجرز، مساء أمس، في العاصمة المغربية الرباط، بالتزام الملك محمد السادس بتعزيز السلام والازدهار والأمن في المنطقة والعالم. وأعرب روجرز، خلال مؤتمر صحافي، عقب محادثات أجراها مع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين في الخارج، ناصر بوريطة، عن «امتنانه العميق للملك محمد السادس لالتزامه بتوطيد العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والمغرب، ولدوره في النهوض بالسلام والازدهار والأمن في المنطقة وحول العالم»، مبرزاً أن هذه المحادثات شكلت مناسبة للتأكيد على الدور الجوهري للمملكة، باعتبارها شريكاً للول

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شمال افريقيا حزبان معارضان يبحثان تدهور القدرة الشرائية للمغاربة

حزبان معارضان يبحثان تدهور القدرة الشرائية للمغاربة

عقد حزبا التقدم والاشتراكية اليساري، والحركة الشعبية اليميني (معارضة برلمانية) المغربيين، مساء أول من أمس، لقاء بالمقر الوطني لحزب التقدم والاشتراكية في الرباط، قصد مناقشة أزمة تدهور القدرة الشرائية للمواطنين بسبب موجة الغلاء. وقال الحزبان في بيان مشترك إنهما عازمان على تقوية أشكال التنسيق والتعاون بينهما على مختلف الواجهات السياسية والمؤسساتية، من أجل بلورة مزيد من المبادرات المشتركة في جميع القضايا، التي تستأثر باهتمام الرأي العام الوطني، وذلك «من منطلق الدفاع عن المصالح الوطنية العليا للبلاد، وعن القضايا الأساسية لجميع المواطنات والمواطنين».

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شمال افريقيا عائلات مغربية تحتج لمعرفة مصير أبنائها المفقودين والمحتجزين

عائلات مغربية تحتج لمعرفة مصير أبنائها المفقودين والمحتجزين

دعت «تنسيقية أسر وعائلات الشبان المغاربة المرشحين للهجرة المفقودين» إلى تنظيم وقفة مطلبية اليوم (الخميس) أمام وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي بالرباط، تحت شعار «نضال مستمر من أجل الحقيقة كاملة وتحقيق العدالة والإنصاف»، وذلك «لتسليط الضوء» على ملف أبنائها المفقودين والمحتجزين ببعض الدول. وتحدث بيان من «التنسيقية» عن سنوات من المعاناة وانتظار إحقاق الحقيقة والعدالة، ومعرفة مصير أبناء الأسر المفقودين في ليبيا والجزائر وتونس وفي الشواطئ المغربية، ومطالباتها بالكشف عن مصير أبنائها، مع طرح ملفات عدة على القضاء. وجدد بيان الأسر دعوة ومطالبة الدولة المغربية ممثلة في وزارة الشؤون الخارجية والتع

«الشرق الأوسط» (الرباط)

الحكومة الجزائرية تلجأ للتهدئة لإخماد «ثورة الناقلين»

من إضراب سائقي المركبات الثقيلة (ناشطون في مجال النقل)
من إضراب سائقي المركبات الثقيلة (ناشطون في مجال النقل)
TT

الحكومة الجزائرية تلجأ للتهدئة لإخماد «ثورة الناقلين»

من إضراب سائقي المركبات الثقيلة (ناشطون في مجال النقل)
من إضراب سائقي المركبات الثقيلة (ناشطون في مجال النقل)

بعد أسبوعين من الاحتقان والاحتجاجات، التي شلت قطاع نقل المسافرين والبضائع في الجزائر، خضعت السلطات لضغط الشارع المهني بإقرار تعديلات جوهرية على مشروع قانون المرور المثير للجدل. ويأتي هذا التراجع من خلال مراجعة 11 مادة كانت محل نزاع، حيث تمَّ تخفيف العقوبات المُشدَّدة التي وصفها الناقلون بـ«التعجيزية».

خطوة لامتصاص الغضب

تهدف هذه الخطوة، في تقدير المراقبين للإضراب الذي شنَّه الناقلون، إلى امتصاص غضب المهنيين، وإعادة الهدوء للقطاع، في محاولة للتوفيق بين مقتضيات الأمن المروري، وبين الظروف الاجتماعية والاقتصادية للسائقين، بعيداً عن منطق «الجباية العقابية»، والحلول الردعية الصارمة، التي أشعلت شرارة الإضراب.

جلسة التصويت على قانون المرور المثير للجدل في البرلمان (البرلمان)

وفي خطوة لافتة لتبديد حالة الاحتقان، تولَّى الأمين العام لـ«التجمع الوطني الديمقراطي»، منذر بودن، وهو أحد أبرز أحزاب الغالبية الرئاسية، الإعلان رسمياً عن سحب «الطابع الزجري» من القانون، خلال لقاء مع مناضلي الحزب نُظِّم، الجمعة، بجنوب غربي البلاد. وأشار في فيديو بثّه الحزب عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي إلى تخلي الحكومة عن 11 مادة في القانون، كانت سبباً في «ثورة» الناقلين مع بداية العام الجديد، بعد أيام قليلة من اعتماد المجلس الشعبي الوطني (الغرفة البرلمانية السفلى) للنص كما أعدّته الحكومة، التي أكدت أنها عززته بالعقوبات «للحد من العدد الكبير للوفيات في حوادث الطرقات»، الذي يفوق، حسبها، 4 آلاف وفاة سنوياً.

أمين عام التجمع الوطني الديمقراطي (إعلام حزبي)

من جهته، حاول وزير الداخلية والنقل، سعيد سعيود، التهوين من «الطابع العقابي» للنص، مؤكداً في خطاب عاطفي أمام أعضاء «مجلس الأمة» (الغرفة البرلمانية العليا)، يوم الخميس، استعداده للاستقالة «على أن يقال عني إنني أسعى لإنزال عقوبات قاسية على المواطنين».

وتم التخلي عن العقوبات الزجرية في المواد الـ11 المثيرة للجدل، خلال عرض القانون على «مجلس الأمة» يومَي الأربعاء والخميس الماضيين، وهي الخطوة التي عدَّها مراقبون وسيلة الحكومة لـ«تفكيك قنبلة الناقلين»، التي أربكت الفريق الحكومي؛ خشية اتساع رقعة الاحتجاجات، وانتقالها إلى قطاعات أخرى تعيش حالة من «الاحتقان الصامت».

قانون «أحادي الجانب»

يهدف هذا النص، بحسب الوزير سعيود، إلى «تحديث الإطار القانوني لحركة السير على الطرقات». غير أنه تعرّض لانتقادات من طرف عدد من أعضاء مجلس الأمة؛ بسبب طابعه الزجري، وتشديد العقوبات، وارتفاع مستوى الغرامات. وحذَّر المتدخلون من تداعياته على السائقين المهنيين وعلى المواطنين، الذين يعتمدون على مركباتهم في تأمين عيشهم اليومي، مع التشديد على ضرورة تحقيق توازن بين الردع والوقاية، وأخذ الحالية السيئة للطرقات بعين الاعتبار، إضافة إلى مسؤولية السلطات في مجال الصيانة. وأشار بعض البرلمانيين إلى «النتائج السلبية»، التي خلَّفها قرار الحكومة منذ 5 سنوات بوقف استيراد قطع الغيار، على حالة المركبات، وهو ما يفسر حسبهم ارتفاع الحوادث.

وكانت مداخلة مهني حدادو، منتخب «جبهة القوى الاشتراكية» المعارضة، لافتة بشكل خاص، إذ ندد بالمشروع، وعدَّه نصاً «أحادي الجانب، تم إقراره من دون تشاور حقيقي مع مهنيي النقل والنقابات، والخبراء والمجتمع المدني».

وقال حدادو: «إن قانوناً يتعلق بأمن المواطنين لا يمكن فرضه دون نقاش وطني، ويجب أن يعكس حوكمة تشاركية حقيقية». وطالب بسحبه، مؤكداً «ضرورة تعويضه بنص نابع من حوار وطني شامل ومتوازن، ومتكيف مع واقع القطاع ومتطلبات السلامة المرورية».

وزير الداخلية والنقل (مجلس الأمة)

وأمام هذه الانتقادات، أكد وزير القطاع في رده على انشغالات أعضاء «مجلس الأمة» أن القانون «لا يهدف إطلاقاً إلى معاقبة المواطنين، بل إلى ضمان سلامتهم». وقال بهذا الخصوص: «لسنا في منطق معاقبة المواطنين. ولو علمت أنني قد أكون يوماً مجرد ذريعة لمعاقبة المواطنين، فسأغادر منصبي على الفور».

وأوضح الوزير أن الجانب الزجري في النص «يُعدّ أداةً للوقاية قبل كل شيء، وليس غايةً في حد ذاته، ويهدف إلى تحميل جميع الفاعلين في المنظومة مسؤولياتهم، وحماية أرواح مستعملي الطريق». كما شدد على أنه «يُشكِّل مرحلةً أساسيةً لتعزيز السلامة المرورية والحد من حوادث المرور»، التي وصفها بأنها «من أخطر الظواهر ذات الآثار الجسيمة».

الحالات الأشد خطورة

يجرّم المشروع تزوير التقارير الفنية، عندما لا تذكر الأعطال الموجودة في المركبة، أو عندما تتضمَّن التقارير معلومات غير صحيحة. كما يوسّع نطاق المسؤولية ليشمل مدارس تعليم السياقة ومراكز التكوين، والمسؤولين عن صيانة الطرق، إضافة إلى المستوردين والمصنعين والموزعين لقطع الغيار المقلدة. ويصنف المخالفات حسب خطورتها، مُميِّزاً بين المخالفات والجنح، مع إقرار عقوبات تكميلية، مثل سحب أو إلغاء رخصة السياقة.

وزير العدل (مجلس الأمة)

وكان وزير العدل، لطفي بوجمعة، قد تطرَّق إلى الموضوع، موضحاً أن أقسى العقوبات لا تخص إلا الحالات المشددة، مثل السياقة تحت تأثير المخدرات أو الكحول، والفرار بعد حادث، واستعمال وثائق مزورة (خاصة بالمراقبة الفنية)، و«انتحال الهوية»، أو غيرها من المخالفات الخطيرة. وأكد أن الهدف ليس معاقبة المواطنين «بصورة عشوائية»، موضحاً أن كل قضية تعالج على حدة من قبل القضاء، وفقاً لأدلتها وملابساتها الخاصة، وفي إطار احترام صارم للضمانات القانونية.

كما قال وزير العدل إن هذه العقوبات «متناسبة وقانونية، وتهدف أساساً إلى حماية المواطنين وضمان حقهم في طريق آمنة، وليس إلى المعاقبة التعسفية. ويأتي النص في إطار منطق الوقاية والسلامة والمسؤولية الجماعية».


ترمب في رسالة للسيسي: مستعد لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

ترمب في رسالة للسيسي: مستعد لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

قال ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في رسالة وجّهها، الجمعة، إلى نظيره المصري ‌عبد الفتاح ‌السيسي، ‌إن ⁠الولايات ​المتحدة ‌مستعدة لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا للمساعدة في حل مسألة تقاسم ⁠مياه نهر النيل.

وكتب، ‌في الرسالة التي نشرها على منصة «تروث سوشيال»: «أنا مستعد لاستئناف الوساطة ​الأميركية بين مصر وإثيوبيا من ⁠أجل حل مسألة تقاسم مياه النيل بمسؤولية وشكل نهائي». وأضاف: «أود مساعدتكم على التوصل إلى حل يضمن تلبية الاحتياجات المائية لمصر والسودان وإثيوبيا».

ورأى أنه يمكن التوصل إلى اتفاق دائم لكل دول حوض النيل عبر المفاوضات والتنسيق الأميركي بين الأطراف. وأكد أن «حل التوترات المرتبطة بسد النهضة في إثيوبيا على رأس أولوياتي».

ولفت إلى أنه يمكن ضمان إطلاق كميات من المياه خلال فترات الجفاف في مصر والسودان باتباع نهج ناجح. وكذلك يمكن لإثيوبيا توليد كميات كبيرة من الكهرباء ومنحها أو بيع جزء منها لمصر أو السودان.

وجزم بأنه «لا ينبغي لأي دولة أن تسيطر بشكل أحادي على مياه النيل».

وأشاد بالسيسي ودوره في إدارة التحديات الأمنية والإنسانية في مصر والمنطقة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.


البرهان: معركة «الكرامة» مستمرة حتى انتهاء «التمرد»

TT

البرهان: معركة «الكرامة» مستمرة حتى انتهاء «التمرد»

البرهان خلال زيارة إلى بلدة عد بابكر شرق العاصمة الخرطوم الجمعة (مجلس السيادة السوداني)
البرهان خلال زيارة إلى بلدة عد بابكر شرق العاصمة الخرطوم الجمعة (مجلس السيادة السوداني)

قال رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش السوداني، الفريق عبد الفتاح البرهان، الجمعة، إن «معركة الكرامة لا تزال مستمرة، ولن تنتهي إلا بانتهاء التمرد وكل من يدعمه»، مؤكداً أن الشعب السوداني «لن يقبل بفرض أي حلول أو قيم من أي جهة أو شخص»، في وقت حذّر فيه برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرَين بسبب نقص التمويل، رغم معاناة الملايين من الجوع الشديد بعد نحو ثلاثة أعوام من الحرب. ودعا البرهان، خلال لقائه أهالي بلدة عد بابكر شرق العاصمة الخرطوم، السودانيين إلى التماسك والتكاتف من أجل حماية البلاد، في ظل استمرار الحرب الدائرة منذ نحو ثلاثة أعوام.

وأفادت مصادر محلية بأن قوات الجيش السوداني، مدعومة بفصائل من «القوة المشتركة» التابعة لحركات مسلحة من إقليم دارفور، حققت تقدماً في عدد من البلدات بولاية جنوب كردفان، مما قرّبها من مدينة الدبيبات، الخاضعة بالكامل لسيطرة «قوات الدعم السريع». في المقابل، تكبّد الجيش خسائر فادحة خلال معارك دارت، الخميس، في منطقة هبيلا بولاية جنوب كردفان. وقالت «قوات الدعم السريع» إنها أفشلت جميع محاولات الجيش ومخططاته للاختراق العسكري في تلك المناطق.

تورك يتفقد أوضاع النازحين

من جانبه، يواصل المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فولكر تورك، زيارته إلى السودان، حيث تفقد، الجمعة، مخيم النازحين في منطقة العفاض شمال كردفان.

وقالت «وكالة السودان للأنباء» إن تورك التقى أعداداً كبيرة من النازحين، واطّلع على الجهود التي تبذلها الحكومة السودانية تجاه المتضررين من القتال، مشيرة إلى أن الوفد الأممي يرافقه أعضاء من «الآلية الوطنية لحقوق الإنسان». وخلال زيارته إلى مدينة دنقلا، الخميس، أشار تورك إلى أن كثيراً من النازحين يفتقرون إلى المأوى المناسب، في حين تواجه النساء صعوبات في الوصول إلى خدمات الدعم، داعياً إلى بذل «جهد شامل» من جانب السلطات السودانية والمجتمع الدولي، لتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية الحيوية.

من جهتها، حذّرت حكومة «تأسيس» الموالية لـ«قوات الدعم السريع»، الجمعة، من أي محاولات للالتفاف على «المبادرة الرباعية» أو فتح مسارات جانبية بديلة، لافتة إلى أن ذلك من شأنه تغذية استمرار الحرب وإعاقة التوصل إلى سلام عادل وشامل. وأعربت في بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء محمد حسن التعايشي، عن أسفها لعدم صدور موقف معلن عن اجتماع «الآلية التشاورية» الخامس الذي عُقد في القاهرة، الأربعاء الماضي، بشأن وقف الحرب، رغم مشاركة أطراف دولية وإقليمية فاعلة.

خيام وفّرتها السعودية في مخيم للنازحين بمدينة الأُبيّض في ولاية شمال كردفان 12 يناير 2026 (رويترز)

وكان وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، قد جدّد تأكيد موقف بلاده الرافض لتشكيل أي سلطة موازية في السودان خارج إطار مؤسسات الدولة الرسمية، مشدداً على التزام مصر بدعم وحدة السودان وسلامة أراضيه. كما أكد استمرار العمل ضمن «الرباعية الدولية» التي تضم السعودية ومصر والولايات المتحدة والإمارات، بهدف التوصل إلى هدنة إنسانية شاملة تفضي إلى وقف مستدام لإطلاق النار. في المقابل، قالت حكومة «تأسيس»، التي تتخذ من مدينة نيالا عاصمة لها، إنها «ليست سلطة موازية»، بل «تعبير سياسي وأخلاقي عن إرادة ملايين السودانيين الذين تُركوا بلا دولة منذ اندلاع الحرب».

تحذير أممي

من جهته، حذّر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، الخميس، من نفاد المساعدات الغذائية في السودان خلال شهرين، بسبب نقص حاد في التمويل، رغم معاناة ملايين الأشخاص من الجوع الشديد. وأكد البرنامج أنه اضطر إلى تقليص الحصص الغذائية إلى «الحد الأدنى الكافي للبقاء على قيد الحياة»، محذراً من أن مخزونه الغذائي سينفد بالكامل بحلول نهاية مارس (آذار) المقبل، ما لم يتم توفير تمويل إضافي فوري.

المفوض الأممي لشؤون اللاجئين برهم صالح متفقداً أحوال النازحين السودانيين في مخيم أدري على الحدود مع تشاد 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وأوضح أن نحو 21 مليون شخص في مختلف أنحاء السودان يعانون من الجوع الشديد، في حين يحتاج البرنامج إلى 700 مليون دولار لاستكمال عملياته حتى يونيو (حزيران) المقبل. وكان تقرير «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، المدعوم من الأمم المتحدة، قد أكد انتشار المجاعة في مدينتي الفاشر بشمال دارفور وكادقلي بجنوب كردفان، محذراً من أن سكان 20 مدينة أخرى يواجهون ظروفاً مشابهة، في ظل صعوبات التحقق من البيانات بسبب الحصار وانقطاع الاتصالات.