اضطرابات سريلانكا تغيّر قواعد اللعبة وتعيد تسليط الضوء على استراتيجية الصين

قد تكون بداية لمسار اضطراب إقليمي كبير في جنوب آسيا

الاضطرابات الاحتجاجية تجتاح الشوارع في سريلانكا (رويترز)
الاضطرابات الاحتجاجية تجتاح الشوارع في سريلانكا (رويترز)
TT

اضطرابات سريلانكا تغيّر قواعد اللعبة وتعيد تسليط الضوء على استراتيجية الصين

الاضطرابات الاحتجاجية تجتاح الشوارع في سريلانكا (رويترز)
الاضطرابات الاحتجاجية تجتاح الشوارع في سريلانكا (رويترز)

من مواجهة النقص الحاد في الطعام والوقود، والاحتياطات الأجنبية المستنفدة، إلى الاضطرابات السياسية الخطيرة، تتصاعد الحالة الاقتصادية في سريلانكا، الدولة - الجزيرة، الواقعة إلى الجنوب من الهند في المحيط الهندي، إلى مستويات غير مسبوقة. وكانت سنوات من سوء الإدارة الاقتصادية، والاقتراض المستمر للقروض غير المستدامة، وفشل السياسات العامة، قد أسهمت في اندلاع أزمة سياسية واقتصادية شاملة. وتحت ضغط الاضطرابات استقال رئيس الحكومة ماهيندا راجاباكسا (76 سنة) «عميد» أسرة راجاباكسا الحاكمة، خلال الأسبوعين الأخيرين، ما مهّد الطريق أمام تعيين زعيم المعارضة المحافظة ورئيس الوزراء السابق رانيل ويكريمسنغي في المنصب. وراهناً، يطالب المحتجون في العاصمة كولومبو باستقالة رئيس الجمهورية غوتابايا راجاباكسا (72 سنة) - شقيق رئيس الوزراء المستقبل - ومن غير المحتمل أن تتوقف احتجاجاتهم إلى الآن. ومن جانبهم، يواصل أفراد العائلة المباشرون والمموّلون التابعون لنظام راجاباكسا الفرار من البلاد حيث تقدم الحشود الغاضبة على إحراق ممتلكاتهم.
أدت المشكلات الاقتصادية في سريلانكا أخيراً إلى اندلاع اضطرابات مدنية، سرعان ما أشعلت شرارة أزمة سياسية للإطاحة بالحكم الاستبدادي لأسرة راجاباكسا، على خلفية الاتهامات المتفشية بالفساد والمحسوبية. وفي الوقت عينه، أغلقت سلطات كولومبو المدارس، وطلبت من المسؤولين الحكوميين، باستثناء أولئك الذين يحتاجون لخدمات الطوارئ، ألا يحضروا إلى مقرات أعمالهم، في خطوة يائسة تأهباً لمواجهة النقص حاد في الوقود المتوقع أن يستمر لعدة أشهر وسط أسوأ أزمة اقتصادية تشهدها البلاد. وكان رئيس الوزراء المعين حديثاً رانيل ويكريمسنغي قد قال إن سريلانكا واحدة من الدول القليلة التي من المرجح أن تبقى بلا غذاء بسبب النقص العالمي في الغذاء المتوقع هذا العام. ويُذكر هنا أن نحو 70 في المائة من سكان البلاد، البالغ عددهم 22 مليون نسمة، من البوذيين، ومعظمهم من العرق السنهالي. وفي المقابل، يشكل الهندوس، وجلّهم من التاميل، نحو 12.6 في المائة من سكان البلاد، وبينما يمثل المسلمون نسبة 9.7 في المائة، يمثل المسيحيون 7.6 في المائة.

مَن المسؤول عن السقوط؟
أفراد عائلة راجاباكسا شكّلوا واحدة من أقوى الأسر السياسية - التي طالما هيمنت تقليدياً على السلطة - في سريلانكا، إذ شغل كثير من أفرادها مناصب عليا في الدولة لعقود من الزمان. وللعلم، فإن 4 إخوة وأولادهم من عائلة راجاباكسا احتلوا أعلى المناصب في الحكومة الحالية، فكان غوتابايا راجاباكسا رئيساً للجمهورية، وأخوه ماهيندا راجاباكسا رئيساً للوزراء. كذلك، كان أخوهما شامال وزيراً للري، وأخوهما الآخر باسيل وزيراً للمالية. وفي تشكيلة الحكومة، من الجيل الثاني، كان نامال نجل ماهيندا راجاباكسا وزيراً للرياضة، وكان أخوه يوشيثا كبير موظفي رئاسة الوزراء. بينما كان ساشيندرا، ابن عمهما شامال، وزيراً للدولة للزراعة. ومن جهة أخرى، كان نيبون رانافاكا، ابن شقيقة ماهيندا راجاباكسا، وزير دولة. غير أن عائلة راجاباكسا ذهبت أخيراً ضحيةً لانقلاب مذهل في حظوظها السياسية، ودفعت نفوذها ثمن التراجع غير المسبوق في الاقتصاد بسبب سوء الإدارة والفساد والمحسوبية.
الجدير بالذكر أن ماهيندا راجاباكسا – الذي تولى رئاسة الجمهورية بين خريف 2005 ومطلع 2015 – كان قد قاد عملية تغيير دستوري يسمح له بالترشح لفترة رئاسية ثالثة، ودعا إلى إجراء انتخابات في أوائل 2015 للاستفادة مما اعتبره أفضلية له، بيد أنه هُزم في ردة فعل مفاجئة على يد مايثريبالا سيريسينا، الذي حصل على دعم الأقليات عبر برنامجه الإصلاحي والدفع باتجاه المصالحة.
ولكن مع ابتلاء حكومة سيريسينا الائتلافية بالمشكلات الناتجة عن الاقتتال الداخلي والاختلال الوظيفي، استهدف المتطرفون الإسلاميون في عيد الفصح يوم الأحد 2019 الكنائس المسيحية والفنادق الفخمة في هجمات انتحارية منسّقة. وفي خضم موجة من القومية الشعبوية البوذية، حقق غوتابايا راجاباكسا (72 سنة) - شقيق ماهيندا الأصغر - انتصاراً انتخابياً كاسحاً يوم نوفمبر (تشرين الثاني) 2019. وانتخب بالتالي رئيساً جديداً للجمهورية بغالبية ساحقة. ثم عقب ذلك انتصار كاسح آخر لحزب الشعب السريلانكي الذي يترأسه في الانتخابات العامة التي أجريت خلال أغسطس (آب) 2020. وهو ما ضمن له الحصول على غالبية الثلثين في البرلمان، كما ساعدته على إعادة أخيه الأكبر ماهيندا إلى الأضواء وتوليه منصب رئيس الوزراء.
ولكن في شريط الاضطرابات الأخيرة هاجم المحتجون الغاضبون معقل العائلة وحصنها السياسي في منطقة هامبانتوتا، وأجبروا أفرادها على الاحتماء في قاعدة بحرية شديدة التحصين، كما لم يشاهد الرئيس غوتابايا راجاباكسا خارج مجمعه الذي يخضع لحراسة مشددة على الرغم من تشبثه بالسلطة.

كارثة اقتصادية
في رواية للكاتبة الصحافية ناتاشا إيشاك لما حدث، فإنها تقول إن كثيراً من الناس يُعزون الأزمة الاقتصادية في سريلانكا إلى سوء إدارة الحكومات المتعاقبة للأموال، وخاصة من قبل عائلة راجاباكسا، التي هيمنت على البلاد طيلة عقدين من الزمان تقريباً. وهي ترى أنهم بمجرد تمكينهم من قبل القومية البوذية السنهالية المظفرة بعد حرب أهلية وحشية، تبددت حظوظ العائلة إزاء ما يسميه حلفاؤهم العجز الشديد والرفض الشعبي، وحقاً، يصر المحتجون وأحزاب المعارضة الآن على ضرورة استقالة رئيس الجمهورية بعد استقالة رئيس الحكومة السابق، وسط شبه إجماع على أن التدهور الاقتصادي جاء بالدرجة الأولى نتيجة للقرارات السياسية السيئة التي اتخذها.
أيضاً، ثمة من يشير إلى غلبة النفعية السياسية على القرارات الرشيدة بعد فترة قصيرة من انتخاب الرئيس. وفي هذا السياق، أُعلن عن تخفيضات ضريبية سخية، زُعم أنها كانت تهدف إلى تحفيز الاقتصاد، لكنها في الحقيقة كانت تهدف إلى استرضاء الناخبين في الانتخابات العامة التي أجريت بعد بضعة أشهر. وبحلول أبريل (نيسان) 2022، بلغت خسائر الإيرادات الناجمة عن التخفيضات الضريبية 500 مليار روبية (1.3 مليار دولار أميركي). وحول هذه النقطة، قال علي صبري، وزير المالية الجديد، أمام البرلمان، إن التخفيضات الضريبية كانت خطأ تاريخياً.
ومع تفاقم الأزمة وخروجها عن السيطرة، دفع «جبل» الديون الخارجية سريلانكا إلى التخلف عن سداد قروض ديونها الخارجية التي بلغت قيمتها 51 مليار دولار للمرة الأولى منذ استقلالها عام 1948. ولقد أفاد المصرف المركزي للبلاد بأن سداد الديون سيستغرق على الأقل 6 أشهر. وتحت الضغوط المتواصلة، كان لا بد أن تطلب سلطات كولومبو المساعدة من صندوق النقد الدولي. وفعلاً طلبت الحكومة من صندوق النقد الدولي تقديم دعم مالي سريع، ومنحها قرضاً مرحلياً لتحقيق الاستقرار في الأزمة الاقتصادية. غير أن الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي سيستلزم من السلطات السريلانكية تنفيذ خطة لإعادة هيكلة الديون. وكان من المتوقع قريباً اختتام المناقشات الجارية بين صندوق النقد الدولي وكولومبو للمساعدة في تخفيف حدة الأوضاع الاقتصادية المزرية.
كذلك كان من المرجح إلى حد كبير حصول سريلانكا الآن على القرض السابع عشر من صندوق النقد الدولي لتخطي الأزمة الحالية، ما من شأنه أن يفرض شروطاً جديدة. وكان آخر قرض قدمه صندوق النقد الدولي للبلاد عام 2016. وبالفعل، تلقت 1.5 مليار دولار أميركي لـ3 سنوات من 2016 إلى 2019. ويومها كانت الظروف مألوفة، إذ تأزمت صحة الاقتصاد الوطني خلال تلك الفترة. وجاء في ورقة عمل صادرة عن بنك التنمية الآسيوي عام 2019 «أن سريلانكا دولة ذات اقتصاد كلاسيكي يعاني من العجز المزدوج». وبالمناسبة، فإن «العجز المزدوج» يعني أن الإنفاق الوطني لأي دولة يتجاوز دخلها الوطني، كما أن إنتاجها من السلع والخدمات القابلة للتداول غير كافٍ. لكن الأزمة الحالية في سريلانكا تسارعت بسبب التخفيضات الضريبية العميقة التي وعد بها الرئيس راجاباكسا خلال حملته الانتخابية 2019، والتي جرى تفعيلها قبل أشهر من جائحة «كوفيد 19» التي قضت على أجزاء من اقتصاد البلاد.
ومع تراجع قطاع السياحة السريلانكية المربح، وكذلك انخفاض حجم تحويلات العمال الأجانب بسبب الجائحة، تحرّكت وكالات التصنيف الائتماني نحو تخفيض تصنيف سريلانكا، ومنعتها فعلياً من الدخول إلى أسواق رأس المال الدولية. وفي المقابل، انحرف برنامج إدارة الديون في البلاد عن مساره، وهو الذي كان يعتمد على الوصول إلى تلك الأسواق، وانخفض أيضاً احتياطي النقد الأجنبي بنسبة 70 في المائة تقريباً في غضون سنتين. وكان قرار حكومة راجاباكسا بحظر كل الأسمدة الكيماوية عام 2021 – وهي خطوة تراجع عنها لاحقاً - قد أضرّ كثيراً بقطاع الزراعة في البلاد، وأدى إلى انخفاض محصول الأرز الحيوي. وهنا، يلحظ الخبير الاقتصادي الهندي أيوشي تشودري اعتماد كولومبو سياسة مالية انكماشية بعد ذلك، الأمر الذي سيحدّ من احتمالات الانتعاش الاقتصادي، ويزيد من معاناة الشعب السريلانكي. ومع انتظار آلاف المواطنين في طوابير أمام محطات الوقود في مختلف أنحاء البلاد، كانت الحكومة تجد مصاعب في إيجاد المال اللازم لدفع تكاليف استيراد الوقود والغاز وغيرهما من الضروريات.
ومع تراكم الديون الخارجية للبلاد، عانى قطاعها السياحي - الذي كان في السابق صناعة تبلغ قيمتها 4.4 مليار دولار ومصدر دخل رئيساً لها - من ضربات متتالية. وفي عام 2019، عانت السياحة من سلسلة من التفجيرات التي استهدفت الكنائس وأسفرت عن مقتل ما يقرب من 300 شخص، بمن فيهم بعض الرعايا الأجانب.
ثم في العام التالي، شلّت جائحة «كوفيد 19» السياحة وقطاعات رئيسة أخرى تماماً... في خضم انكماش اقتصادي عالمي. ومع أن سريلانكا شهدت بعض الزيادة في عدد زوارها الأجانب خلال العام الماضي، فإن الجائحة المستمرة، والمصحوبة الآن بالغزو الروسي لأوكرانيا - وهما المصدران الرئيسان للسياحة لسريلانكا قبل الصراع - واصلت إبطاء انتعاش صناعة السياحة.

لماذا لوم الصين؟
يعتقد كثيرون أن العلاقات الاقتصادية السريلانكية - الصينية هي المحرك الأساسي للأزمة. ولقد وصفت الولايات المتحدة هذه الظاهرة بأنها «دبلوماسية فخ الديون»؛ حيث تقدم دولة دائنة، أو مؤسسة دائنة، الديون إلى دولة مقترضة بهدف زيادة النفوذ السياسي للجهة المُقرضة. ومن ثم، إذا مدد المقترض فترة التسديد ولم يستطع سداد الديون، فإنه سيجد نفسه تحت رحمة الدائن. ولكن مع استمرار أزمة ديون سريلانكا في تسليط الضوء على ممارسات الإقراض الصينية، دأبت بكين على نفي الاتهامات بشأن ما يسمى «دبلوماسية فخ الديون».
راهناً، تحتل الصين المرتبة الثالثة بين دائني سريلانكا، بعد اليابان وبنك التنمية الآسيوي، وتمثل ديونها 10 في المائة من الدين. ويشمل ذلك 11 مليار دولار أميركي من مشروعات «مبادرة الحزام والطريق» الصينية أنفقتها الجهات المقرضة الصينية على تلك المشروعات، ويضاف إليها تعهد بكين «بلعب دور إيجابي» في المباحثات مع صندوق النقد الدولي حول قرض طارئ محتمل. أيضاً عرضت بكين تقديم مزيد من القروض، لكنها امتنعت عن الانضمام إلى العملية التي قد تخفض ديون سريلانكا، ربما خوفاً من مطالبة بإعفاءات مماثلة من مقترضين آخرين في «مبادرة الحزام والطريق» مدينين بعشرات المليارات من الدولارات. وأخيراً، صرح السفير الصيني في كولومبو للصحافيين بأن التفاوض مع صندوق النقد الدولي سيتعارض مع عرض القرض الذي قدمته بكين. وهنا نشير إلى أن بكين تجنبت الانضمام إلى «نادي لندن للمقرضين الحكوميين»، الذي هو المنتدى المعنيّ بالتفاوض على خفض الديون.
في المقابل، يرى خبراء أنه إذا حاولت بكين تجنب خفض الديون، فإن ذلك قد يعرقل مباحثات صندوق النقد الدولي، أو يدفع دائني القطاع الخاص إلى الصمود للحصول على مزيد من الأموال. و«غياب التعاون من قبل بكين سيُعقد رحلة استرداد الديون في سريلانكا». وهنا يشير غولبين سلطانا، الزميل المشارك في معهد «مانوهار باريكار» للدراسات والتحليلات الدفاعية في نيودلهي، أن «لدى الصين أجندة خفية لرفض إعادة جدولة قروضها لسريلانكا». وأردف أن بكين تريد الاستفادة من عجز سلطات كولومبو عن سداد القروض في موعدها. وتنتظر بكين اليوم الوقت المناسب للدخول في مبادلة للديون بالأسهم والحصول على أراضٍ في سريلانكا. ومن شأن هذه المقايضة تحويل القروض السابقة إلى أسهم. الأمر الذي يمنح الصين ملكية المشروع في البلاد. وهنا يستشهد سلطانا بسابقة مشروع ميناء هامبانتوتا الممول من قبل الصين، الذي وضع من خلال آلية المقايضة عام 2017 بعد عجز سريلانكا عن سداد الديون في الوقت المحدد. وبالفعل، حصلت الصين على 70 في المائة من الملكية بعد تحويل القروض إلى ملكية في الميناء.

                                                    رئيس الجمهورية غوتابايا راجاباكسا
المعارضة: اللوم على المشاريع غير الواقعية
> يقول زعماء المعارضة إنه في الوقت الذى تحتاج سريلانكا إلى الصين لخفض ديونها، يقع اللوم على القادة الذين بنوا مشاريع غير واقعية لا يمكنهم تسديد تكاليفها بأنفسهم، بينما فشلوا في الاستثمار في التنمية الاقتصادية. وقال كبير هاشم، عضو مجلس النواب «إن القروض الأجنبية شقت طرقا سريعة، وشيدت مطارات، وقاعات اجتماعات في الغابات تلك التي لم تُدر أي عوائد بالعملة الأجنبية. والآن ليس لدينا الدولارات التي تمكننا من إعادة هذه القروض». وفي هذا السياق، شُيد ميناء هامبانتوتا - في مسقط رأس الرئيس ماهيندا راجاباكسا - آنذاك... وسدد له 1.1 مليار دولار أميركي في هيئة قروض صينية. كذلك، أنقذت بكين الميناء عام 2017 من خلال شراء شركة «تشاينا ميرشانتس غروب» المملوكة للدولة، بعقد إيجار مدته 99 سنة تبلغ قيمته 1.1 مليار دولار، ويشمل ذلك أراضي لمنطقة صناعية. وأيضاً، منح الاتفاق سريلانكا سيولة نقدية لتسديد ديون البنوك الصينية. وجرى دفع قروض صينية لمطار دولي بالقرب من هامبانتوتا لا تستخدمه سوى قلة محدودة من شركات الطيران.
هذه الحقائق أدت إلى تجدد الاتهامات بأن بكين استخدمت «فخ الديون» لبسط النفوذ في البلاد. وحسب البرلماني ويجياداسا راجاباكشي «كانوا يعرفون أننا لا نملك القدرة على السداد... ولذا كان لا بد من إقناع الصينيين بالتخلي عن جزء على الأقل من القروض. إن الفقراء العاديين، الذين لا يجدون وجبة واحدة في اليوم، يدفعون هذا الدين الآن».

أزمة سريلانكا... الأبعاد والمصالح الإقليمية
> تقدمت دول كثيرة لمساعدة سريلانكا. وكمثال، كانت الهند تساعدها إلى حد كبير في دعم استقرار الأزمة الاقتصادية، إذ أمّنت سلطات نيودلهي لحكومة كولومبو مؤخرا خطاً ائتمانياً بقيمة 1.5 مليار دولار أميركي لتجاوز أزمة الوقود في البلاد، بالإضافة إلى 2.4 مليار دولار أخرى من خلال مبادلة العملة وتأجيل القروض. ويقترح أخيل بري، الزميل لدى معهد سياسات المجتمع الآسيوي، تقديم مساعدة إنسانية رباعية إلى سريلانكا. ويرى أن هناك فرصة أمام كل من الهند والولايات المتحدة لتقليص تأثير الصين على سريلانكا، وتعزيز «الشراكة مع نيودلهي» من خلال دعم أهداف السياسة الخارجية المركزية المتمثلة في الحفاظ على التفوق الإقليمي، ومواجهة التطويق الصيني، وأن موازنة سياسة الصين الخارجية إزاء سريلانكا تستلزم إعادة تقييم عاجلة. كذلك ثمة فرصة لتوازن السياسة الخارجية السريلانكية بحيث تكون في إطار النظام العالمي القائم على القواعد، وغرس المعايير المالية الأكثر موضوعية وحكمة، والابتعاد عن القروض الصينية غير الشفافة ذات الفائدة العالية، والمشاريع غير المربحة.
وحسب الخبراء، يرجح أن تمكن عملية إعادة التقييم الاقتصادي لسريلانكا من حصول سلطات كولومبو على التمويل من قنوات متعددة، بما في ذلك دول «المجموعة الرباعية» (الولايات المتحدة واليابان والهند وأستراليا).
وهنا نشير إلى أن التزام كولومبو بمنطقة المحيطين الهادي والهندي كانت غير واضحة إثر ميلها نحو بكين. واليوم، يحذر عدد من الخبراء من أن باكستان قد تكون الدولة التالية في سلسلة السقوط الاقتصادي، كما أن نيبال وبنغلاديش والمالديف تقع أيضا داخل منطقة الخطر، جنبا إلى جنب مع العديد من الدول الافريقية، التى كانت جزءا من مشاريع «مبادرة الحزام والطريق» الصينية.


مقالات ذات صلة

رئيس سريلانكا يتوقع استمرار الإفلاس حتى 2026

الاقتصاد طابور طويل أمام وزارة الهجرة السريلانكية للحصول على جوازات سفرهم خارج البلاد التي تعاني من إفلاس (إ.ب.أ)

رئيس سريلانكا يتوقع استمرار الإفلاس حتى 2026

قال رئيس سريلانكا رانيل ويكريميسينغه أمام البرلمان الأربعاء إن بلاده ستظل مفلسة حتى عام 2026 على الأقل، داعياً إلى دعم إصلاحاته لإنعاش الاقتصاد في ظل أزمة تاريخية. وقال ويكريميسينغه الذي تولى الرئاسة الصيف الماضي بعد استقالة غوتابايا راجاباكسا إن «تبني سياسات ضريبية جديدة هو قرار لا يحظى بشعبية. تذكروا أنني لست هنا لأتمتع بالشعبية بل أريد إخراج هذه البلاد من الأزمة التي تواجهها». ويحمل السكان ويكريميسينغه مسؤولية الأزمة في ظل نقص الغذاء والوقود والكهرباء والدواء.

«الشرق الأوسط» (كولومبو)
الاقتصاد رئيس سريلانكا رانيل ويكريميسينغه لدى وصوله لإلقاء كلمة أمام البرلمان في كولومبو (أ.ف.ب)

رئيس سريلانكا يتوقع البقاء في حالة إفلاس حتى 2026

قال رئيس سريلانكا رانيل ويكريميسينغه أمام البرلمان، اليوم الأربعاء، إن بلاده ستظل مفلسة حتى عام 2026 على الأقل، داعيًا إلى دعم إصلاحاته لإنعاش الاقتصاد ظل أزمة تاريخية. وقال ويكريميسينغه الذي تولى الرئاسة الصيف الماضي بعد استقالة غوتابايا راجاباكسا إن «تبني سياسات ضريبية جديدة هو قرار لا يحظى بشعبية. تذكروا انني لست هناك لأتمتع بالشعبية بل أريد إخراج هذه البلاد من الأزمة التي تواجهها». وأضاف «إذا واصلنا خطة (الإصلاحات) يمكننا الخروج من الإفلاس بحلول 2026». ويحمل السكان ويكريميسينغه مسؤولية الأزمة في ظل نقص الغذاء والوقود والكهرباء والدواء.

«الشرق الأوسط» (كولومبو)
العالم الرئيس السريلانكي رانيل ويكريمسينغه خلال العرض العسكري (أ.ب)

الرئيس السريلانكي يدعو إلى التفكير في «الأخطاء» الماضية

بينما تمر البلاد بأزمة كبيرة، دعا الرئيس السريلانكي، رانيل ويكريمسينغه، خلال عرض عسكري بمناسبة مرور 75 عاماً على استقلال البلاد، إلى التفكير في «الأخطاء والإخفاقات» الماضية. ومنذ انتهاء الاستعمار البريطاني في 1948، قضت الدولة الجزيرة جزءاً كبيراً من تاريخها في حرب مع نفسها.

«الشرق الأوسط» (كولومبو)
الاقتصاد صورة أرشيفية تظهر مسار قاطرات تنقل مواد تعدينية من مدينة الجبيل السعودية (غيتي)  -   نصير أحمد وزير البيئة السريلانكي

سريلانكا تتطلع للاستفادة من تجربة التعدين السعودية

شدد المهندس نصير أحمد وزير البيئة السريلانكي على آفاق التعاون بين كولمبو والرياض بمختلف المجالات، وقطاع التعدين على وجه التحديد، متطلعا إلى تعزيز التعاون مع السعودية بقطاع التعدين، والاستفادة من تجارب المملكة في تطوير الصناعة المعدنية وقوانين وأنظمة المعادن، والمواكبة، والنهوض بإمكانات بلاده المعدنية. ودعا نصير السعوديين للاستثمار بالقطاع في بلاده، وإقامة مشاريعهم الاستكشافية والقيمة المضافة للإنتاج التعديني في البلدين، مشيرا إلى أن بلاده بدأت حقبة جديدة في التنمية الاقتصادية والنمو، وفي طريقها لتجاوز التحديات التي أفرزت انهيارا اقتصاديا وضائقة مالية. وشدد نصير في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «على ا

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
العالم عناصر من جيش سريلانكا (أرشيفية - إ.ب.أ)

سريلانكا تخفض جيشها بنحو الثلث لخفض الإنفاق

قال وزير الدفاع السريلانكي، اليوم الجمعة، إن بلاده ستخفض قوام جيشها بما يصل إلى الثلث، إلى 135 ألفاً بحلول العام المقبل، وإلى 100 ألف بحلول عام 2030، فيما تحاول البلاد، التي تواجه أسوأ أزمة اقتصادية منذ أكثر من سبعة عقود، خفض الإنفاق. وقال بريميتا باندارا تيناكون في بيان: «الإنفاق العسكري هو في الأساس نفقات تتحملها الدولة، التي تحفز بشكل غير مباشر وتفتح مجالات للنمو الاقتصادي عن طريق ضمان الأمن القومي وأمن السكان».

«الشرق الأوسط» (كولومبو)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.