بوتين يلوح بقبضته في وجه «شرطي العالم»

حذّر من عواقب «سرقة ممتلكات روسيا» وقال إن بلاده لا يمكن عزلها

بوتين يتحدث عبر الفيديو أمام «المنتدى الاقتصادي الأوراسي» في بيشكيك أمس (إ.ب.أ)
بوتين يتحدث عبر الفيديو أمام «المنتدى الاقتصادي الأوراسي» في بيشكيك أمس (إ.ب.أ)
TT

بوتين يلوح بقبضته في وجه «شرطي العالم»

بوتين يتحدث عبر الفيديو أمام «المنتدى الاقتصادي الأوراسي» في بيشكيك أمس (إ.ب.أ)
بوتين يتحدث عبر الفيديو أمام «المنتدى الاقتصادي الأوراسي» في بيشكيك أمس (إ.ب.أ)

حمل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بقوة أمس على الغرب. وقال إن العقوبات المفروضة على بلاده تلحق أضراراً فادحة بالاقتصاد العالمي. وهاجم بعنف الولايات المتحدة، ووصفها بأنها «شرطي العالم»، وتعمد أن يضرب بقبضته على الطاولة، وهو يتحدث عن واشنطن، وقال إن بلاده لن تسمح بـ«سرقة ممتلكاتها».
في إشارة إلى تجميد نحو 300 مليار دولار من أصول البنك المركزي الروسي. وكان بوتين يتحدث عبر تقنية الفيديو كونفرنس أمام الدورة الأولى من «المنتدى الاقتصادي الأوراسي» الذي عقد أمس، في بيشكيك عاصمة قيرغيزستان.
وبدا أن توقيت عقد المنتدى الذي شارك في أعماله ممثلون من 15 بلداً، حمل رداً على تغييب روسيا هذا العام، عن أعمال منتدى دافوس الاقتصادي، إذ تعمد منظمو المنتدى عدم دعوة سياسيين أو ممثلي قطاع المال والأعمال في روسيا. وبرز الرد من خلال تركيز بوتين أكثر من مرة خلال خطابه على «عدم قدرة أي طرف على عزل روسيا أو استبعادها من الفعاليات السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية». وشدد على أن الغرب «لا يستطيع إقصاء دولة بحجم روسيا من السياسة العالمية». وتحدث عن تداعيات العقوبات الغربية على بلاده وقال إنها «تضرّ بالاقتصاد العالمي، وليس فقط بالروسي، وقال إن من يعمل على عزل روسيا سوف يلحق ضرراً بنفسه بالدرجة الأولى». وتطرق إلى قرارات غربية في شأن مصادرة الممتلكات الروسية في الخارج، وقال إن «سرقة ممتلكات الآخرين لا تؤدي أبداً إلى الخير». وزاد: «انتهاك القواعد والمعايير في مجال التمويل الدولي والتجارة لا يؤدي إلى أي شيء جيد. وبكلمات بسيطة فإن سرقة ممتلكات الآخرين لم تجلب الخير إلى أي طرف أبداً، وخاصة أولئك الذين يشاركون في هذا العمل غير اللائق».
واستخدم بوتين لهجة حادة، وهو يتحدث عن الولايات المتحدة، التي وصفها بأنها «شرطي العالم»، وطرق على الطاولة بقبضته، وهو يؤكد أنه لم يعد هناك أي «شرطي عالمي» يمكنه أن يمنع البلدان من انتهاج سياسة مستقلة. وزاد: «لا ينحصر الأمر في روسيا والصين فحسب، بل إن مزيداً ومزيداً من بلدان العام التي تريد، وتقوم بممارسة سياسة مستقلة. ولا يمكن لأي شرطي عالمي وقف هذه العملية العالمية الطبيعية، فليست لديه القوة الكافية. وستختفي الرغبة في ذلك». وأضاف بوتين أنه «في مواجهة المشكلات داخل بلدانهم، سيدركون أن هذا لا مستقبل له على الإطلاق». وقال الرئيس الروسي إنه «بغضّ النظر عن مدى استقرار اقتصادات تلك البلدان التي تنتهج هذه السياسة قصيرة النظر، فإن الحالة الراهنة للاقتصاد العالمي تظهر أن موقفنا صحيح ومبرر. لم يكن هناك مثل هذا التضخم منذ 40 عاماً في الاقتصادات المتقدمة، والبطالة آخذة في الارتفاع، وسلاسل (التوريد) تتفكك، والأزمات العالمية تتفاقم، والأمر ليس مزحة، إنها أشياء خطيرة تنعكس على نظام العلاقات الاقتصادية والسياسية بأكمله».
وأضاف بوتين أن بلاده «تدرك المزايا التكنولوجية الهائلة في التقنيات العالية في الاقتصادات المتقدمة، لن نقطع أنفسنا عن ذلك، إنهم (الغرب) يريدون الضغط علينا قليلاً، لكن في العالم الحديث هذا ببساطة غير واقعي، ببساطة مستحيل. إذا لم نفصل أنفسنا بنوع من الجدار، فلن يتمكن أحد من عزل دولة مثل روسيا». وأضاف أن روسيا سوف تبقى أكبر مصدر للقمح في العالم.
وقال إن انسحاب بعض الشركات الغربية من السوق الروسية «أمر جيد، إذ ستحل مكانها شركات محلية». وفي إطار الحديث عن أهمية التعاون مع بلدان المنتدى الأوراسي، الذي يضم بالإضافة إلى روسيا عدداً من الجمهوريات السوفياتية السابقة، أشار الرئيس الروسي إلى نمو حصة التجارة بالعملات الوطنية بين بلدان المجموعة، وقال إن «3 أرباع التسويات في التجارة المتبادلة بين دول الاتحاد الاقتصادي الأوراسي تتم بالعملات الوطنية». وأضاف بوتين أن «التسويات بالعملات الوطنية في التجارة بين دول الاتحاد الأوراسي (روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وأرمينيا وقيرغيزستان) آخذة في التوسع، وهو أمر مهم للغاية».
في غضون ذلك، دعا الناطق باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، أوكرانيا إلى «القبول بالأمر الواقع» والاستجابة للشروط الروسية لوقف الحرب. وقال بيسكوف أن «روسيا تنتظر قبول أوكرانيا لمطالبها، وكذلك تنتظر من كييف أن تدرك حقيقة تطور الأوضاع حالياً». ورداً على ما إذا كان ذلك يتعلق بمطالب حول تنازلات، قال بيسكوف: «ليست هذه تنازلات إقليمية، تحتاج كييف، مرة أخرى، إلى الاعتراف بالوضع الفعلي على الأرض وإجراء تقييم واقعي».
في الأثناء، حذّر نائب وزير الخارجية الروسي، ألكسندر غروشكو، من أن طموحات الناتو العالمية أدت إلى عواقب وخيمة في أفريقيا والشرق الأوسط. وأكد غروشكو أن «العواقب الكارثية لطموحات الناتو العالمية ستظل محسوسة لفترة طويلة في العراق وليبيا وسوريا، نتيجة تدخل دول الناتو، والتجارب في مجال الهندسة الاجتماعية والسياسية، خاصة بالوسائل العسكرية. لقد حرمت مساحات عملاقة كل مظاهر الدولة، وحولتها إلى مرتع للإرهاب».
ميدانياً، أعلن زعيم الانفصاليين في منطقة دونيتسك، دينيس بوشيلين، أن قواته بات لها وجود «في مناطق خيرسون وزابوروجيه وخاركيف». وزاد أنه «لا يمكن حماية دونباس إلا من خلال الوصول إلى حدود الجمهوريتين (لوغانسك ودونيتسك)». وأوضح بوشيلين: «وحداتنا موجودة في عدد من المناطق... أتحدث عن منطقة خيرسون ومنطقة زابوروجيه ومنطقة خاركيف». وزاد: «الأمر لا يتعلق بتحرير خاركيف، ولكن يتعلق بحماية كاملة في دونيتسك ولوغانسك (...) كان من المستحيل حماية الجمهوريتين فقط من خلال الوصول إلى حدودهما الإدارية، كنا ببساطة نردّ على العدو. لكن ذلك القصف، ذلك العدوان من أوكرانيا، كان سيستمر إلى ما لا نهاية».
إلى ذلك، أعلنت وزارة الدفاع الروسية في إيجاز صحافي يومي لحصيلة العمليات خلال الساعات الـ24 الماضية أن القوات الروسية استهدفت 62 موقع قيادة أوكرانياً، و407 مناطق تمركز أفراد ومعدات عسكرية، و47 موقعاً للمدفعية و3 مستودعات أوكرانية. وقال الناطق العسكري، إيغور كوناشينكوف، إن القوات الروسية تمكنت من تدمير المركز الأوكراني للاستخبارات الإلكترونية. وزاد أن 11 من أفراد الطاقم القتالي، و15 متخصصاً أجنبياً قتلوا في الهجوم في منطقة نيكولاييف بالقرب من دنيبروبيتروفسك. وزاد أن الصواريخ الروسية قصفت 48 منطقة لتمركز الأفراد والمعدات العسكرية الأوكرانية، وبطاريتي مدفعية، ومستودعاً للذخيرة، بالقرب من «نيكولايفكا» و«بيريستوفوي» في دونيتسك. ووفقاً له، فقد قصف الطيران الروسي 49 منطقة تمركز أفراد ومعدات عسكرية أوكرانية، وطاقمي هاون، ومستودع مدفعية، وتم تحييد أكثر من 350 قومياً أوكرانياً متطرفاً، وتعطيل 96 وحدة من الأسلحة والمعدات.


مقالات ذات صلة

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

أوروبا جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدي» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز بولندا... 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

تعتزم بولندا إنشاء فئة جديدة من احتياطي الجيش، يمكن تعبئتها في غضون مهلة قصيرة جداً في حالات الطوارئ، وذلك في إطار خطتها لتوسيع جيشها.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم إن رد الولايات المتحدة على الفكرة التي روجت لها دول أوروبية بشأن نشر قوات في أوكرانيا «لن يكون إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين في جورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

أظهرت ​وثيقة أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا  مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

انطلاق مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية ضخمة تحت اسم «أوريون 26» بمشاركة 24 بلداً وحتى نهاية أبريل المقبل تحسباً لمغامرات روسية جديدة في أوروبا

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا لقطة مأخوذة من فيديو تم إصداره 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)

الجيش الروسي يضغط على بوكروفسك الأوكرانية مع احتدام المعارك

قال الجيش الأوكراني، الاثنين، إن القوات الروسية تحاول التقدم حول مدينة بوكروفسك بشرق البلاد، على أمل إنهاء حملة استمرت شهوراً للسيطرة على المركز الاستراتيجي.

«الشرق الأوسط» (كييف)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟