كيف أصابت حمّى الموسيقى الكورية ملايين العرب؟

شبابٌ يتعلّم الكوريّة من أجل ترجمة أغاني BTS وغيرها من الفِرَق

فريق BTS (حسابه على تويتر)
فريق BTS (حسابه على تويتر)
TT

كيف أصابت حمّى الموسيقى الكورية ملايين العرب؟

فريق BTS (حسابه على تويتر)
فريق BTS (حسابه على تويتر)

في عالم موسيقى البوب الكورية المعروفة بالـ«K-pop»، لا يمكن الحديث عن معجبين. ستقلّل هذه الكلمة من حجم ما يكنّه عشّاق هذا الفن لنجومه أو الـidols كما يسمّونهم. الـ«K-pop» حالة خاصة، فإمّا أن يصيبك الهوَس به والإدمان عليه، أو أن تبقى على ضفّة غير المعنيين به. لا حلول وسطى هنا.
عندما خرج «بساي» (Psy) على الملأ في عام 2012 مع أغنية Gangnam Style، أحدَث موجة غير مسبوقة من التفاعل محققاً مئات ملايين المشاهدات. كانت اللحظة مؤاتية مع فورة منصات البث الرقمي وصفحات التواصل الاجتماعي. الكل حول العالم رقص على الأغنية وردّدها في سرّه أو بعلو الصوت، على الرغم من عدم فهم أيٍ من كلماتها.
ربما فتحت «غانغنام ستايل» العيون على الموسيقى الكورية، لكنّ كل ما لحقها كان مختلفاً وتفوّق عليها أرقاماً واستمراريّةً.
كصاروخٍ انطلقت فِرَق الـ«K-pop» من بلد المنشأ، كوريا الجنوبيّة، مجتاحةً الكرة الأرضيّة بسرعة فائقة. في العالم العربي حلّ هذا الفن الحديث ضيفاً استثنائياً؛ تبنّاه الملايين من المراهقين والشباب، لا سيّما في المملكة العربية السعودية ومصر، حيث يتصدّر البوب الكوري حالياً الاستماعات لدى الجيل الجديد. مع العلم أنّ أكثر من 90 في المائة من مُشاهَدات كليبات الـ«K-pop» على «يوتيوب» آتية من خارج كوريا الجنوبية.

أبرز أسباب العشق العربي للـ«K-pop»
- الصورة الجذّابة والرقص:
يكفي أن تشاهد أحد فيديو كليبات فريق BTS وهو أشهر فِرَق الـ«K-pop» على الإطلاق، حتى يلفتَك السخاء الإنتاجيّ. كل فيديو عبارة عن فيلم هوليودي مصغّر لناحية المؤثّرات الخاصة والألوان. يعمد صنّاع البوب الكوري إلى تقديم صورة نظيفة وطافحة بالألوان الجريئة في آنٍ معاً، ليكون اللون أحد أهمّ مكوّنات خلطة الـ«K-pop» السحريّة إلى جانب الرقص. فعلى كل نجم أن يكون راقصاً محترفاً، يمضي ساعاتٍ في التمرين يومياً، وإلا رسب في امتحان الصعود على الخشبة والغناء أمام الملايين. ومن المعروف أنّ مغنّي الـ«K-pop» يدخلون إلى أكاديميات تُخضعهم لدروس وتدريبات وأنظمة غذائية قاسية، قبل أن يخرجوا منها مشاريعَ نجوم.
https://www.youtube.com/watch?v=pBuZEGYXA6E
- أناقة المغنّين:
لا يقتصر الأمر على أزياء عصريّة وجميلة، فنجوم الـ«K-pop» مؤثّرون في عالم الموضة وباتوا يرسمون خطوطها العريضة من خلال إطلالاتهم الجريئة، التي لا تخلو من بعض الغرابة أحياناً. وقد ازدادت مؤخراً المتاجر التي تبيع ألبسةً مستوحاة من «لوكات» النجوم إناثاً وذكوراً.
لا يكتفي عشّاق الـ«K-pop» بتقليد نجومهم في الملبَس فحسب، فبعضهم يسعى وراء جراحات تجميلية تستنسخ وجوه هؤلاء النجوم. ليس مستغرباً أن تزور مراهقة طبيب التجميل وتطلب منه أنف «جيسو» من فريق «بلاك بينك» أو عينَي «ايرين» من «ريد فيلفت»!

- كلامٌ غريب ونغمةٌ تعلق في الأذهان:
هو لحنٌ خاطف، يلتصق بالذاكرة ولا يفارقها إلا بصعوبة. إنه مكوّنٌ آخر في خلطة الـ«K-pop» السحرية. لا يفهم المستمع معاني كلمات الأغنية الكورية، لكنه يجد نفسه مردّداً اللازمة. ولعلّ غرابة الكلام تشكّل عنصراً جاذباً إضافياً بالنسبة للشباب العربي.
إلا أنّ محبّي الـ«K-pop»، المتطرّفين في حبّهم هذا، أظهروا مثابرةً غير مسبوقة في فكّ الألغاز والأحجيات. منهم مَن تَعلّم الكوريّة وأخذ على عاتقه مهمّة ترجمة الأغاني إلى العربيّة! وإذا صادفتَ في شارعٍ عربيٍ ما، مجموعة من الشابات والشبّان الذين يتحدّثون بالكوريّة فلا تستغرب، واعلم أنهم من مُناصِري الـ«K-pop».
https://www.youtube.com/watch?v=PSeX4oq9tlU
تركّز أغاني البوب الكوري على موضوعات الحب، والصداقة، والصحة النفسية، إضافةً إلى حب الذات ومشاكل الشباب... وهذا سببٌ إضافيّ لتعلّق المراهقين بها.

- إحياءٌ لصورة فِرَق التسعينات
ليس حب الموسيقى الكورية حكراً على مَن هم دون العشرين. فرضوان، الشاب الثلاثيني، انجذب مؤخراً إلى الـ«K-pop». يخبر «الشرق الأوسط» أنّ فِرَقاً مثل BTS وBLACKPINK وStray Kids وRed Velvet تذكّره بالحقبة الذهبية لـBackstreet Boys وNSYNC وSpice Girls. يقول: «إنتاجاتهم ضخمة، كليباتهم مميّزة، أشكالهم جميلة وهناك جُمَل لافتة في أغانيهم. يذكّرونني أيضاً بالـanime أو الرسوم المتحرّكة اليابانيّة».

أساليب تسويقية ذكيّة وأرقام خياليّة
ما كادت تمرّ 24 ساعة على صدور فيديو كليب «Butter» لفريق BTS، حتى كان قد حصد 108 ملايين مشاهدة على «يوتيوب»! من الصعب جداً تحطيم أرقام الـ«K-pop»، أكان على منصات البث الموسيقي أو على وسائل التواصل الاجتماعي.
تقف خلف تلك الملايين والمليارات آلة تسويقية ضخمة تعتمد بشكل كبير على منتديات المعجبين المنتشرين حول العالم. تحوّل هؤلاء مع مرور الوقت إلى جيوش إلكترونية منظّمة، تتجنّد للتسويق بكثافة لأي أغنية أو ألبوم أو حفل جديد. يتميزون بحضور لافت على منصة «تويتر»، وهم لا يهدأون قبل أن تحطّم مشاهَدات كليبات فِرَقهم المفضّلة أرقاماً قياسيّة. نتحدّث هنا عمّا يفوق المليار مشاهدة، كما الحال مع أحد فيديوهات «بلاك بينك» الذي شوهِد أكثر من مليار و870 مليون مرة على «يوتيوب».

فريق بلاك بينك (رويترز)
دفعت هذه الظاهرة الموسيقيّة الفريدة بعددٍ كبير من النجوم العالميين إلى التعاون مع فرق الـ«K-pop» وتقديم أعمال مشتركة. لم يتردد فريق «كولدبلاي» مثلاً في تسجيل أغنية إلى جانب BTS، وهكذا فعلت «هالسي». «لايدي غاغا» بدورها انجذبت إلى السحر الكوري فقدّمت أغنية مع فريق «بلاك بينك».

BTS Army، أكثر من مجرّد نادي معجبين
يوم حطّ فريق «BTS» على خشبة المسرح في استاد الملك فهد الدولي في الرياض منذ ثلاث سنوات، كانت قائدة فريق «سعودي آرمي» ممثل القاعدة الجماهيرية لـBTS في السعودية، تعيش أجمل لحظات حياتها على الإطلاق. تخبر «الشرق الأوسط» أنها «كانت تجربة رائعة لا تُنسى، أشبَه بالحلم... كأنّ حب الكون وطاقته اجتمعت في ذلك المكان وفي تلك اللحظة».
توضح أنّ BTS Army ليست جيشاً إلكترونياً، على خلاف الاعتقاد السائد. «فريق BTS هو الذي أطلق على محبّيه تسميةA.R.M.Y) Adorable Representative M.C. for Youth) أي مقدّمو الشباب الرائعون» وهم منتشرون حول العالم. أما الهدف الرئيس لـBTS Army في السعودية، فهو نشر المعلومات الصحيحة عن الفريق، إضافة إلى دعم الأغاني والمشاريع والفعاليات الخاصة بهم في السعودية وخارجها.
قائدة فريق «BTS Saudi Army» البالغة من العمر 25 عاماً والعاملة في مجال تصميم الغرافيك، بدأت تهتم بـBTS منذ خمسة أعوام وهي لا ترى أن حب الفريق يتوقف عند عمر معيّن، «فثمّة معجبون ملتزمون ويحضرون الحفلات، مع أنهم تجاوزوا سن الأربعين». تتحدّث بشغف عن الفريق الكوري: «BTS تخطّوا حدود الـK - pop»، حطّموا أطُرَه ونقلوه إلى العالم أجمع، من خلال المفاهيم المهمة والقصص المؤثرة التي يتطرّقون إليها في أغانيهم. أعشق أسلوبهم في التواصل مع جماهيرهم... هم سبعة أعضاء لكنهم عائلة واحدة فعلاً».
https://www.youtube.com/watch?v=a686-7YL8i4
لدى سؤالها عن عائق اللغة، تردّد ما يقوله قائد الفريق «نامجون»: «الموسيقى دوماً تتجاوز اللغة». وتردف أنّ الترجمة العربية للأغاني تصدر بشكل فوري بفضل جهود مَن يتفرّغون للمهمّة. وقد ردّ أعضاء فريق BTS التحيّة بالعربية في حفل الرياض، فتوجّهوا إلى عشّاقهم بعبارات مثل «هلا والله»، و«شكراً»، و«أحبكم»، و«غنوا معنا».


مقالات ذات صلة

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهم مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهم مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما، طريقة موحدة لتأليف موسيقاه المتنوعة، وهي البحث في تفاصيل الموضوعات التي يتصدى لها، للخروج بثيمات موسيقية مميزة. ويعتز خرما بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، التي تم افتتاحها في القاهرة أخيراً، حيث عُزفت مقطوعاته الموسيقية في حفل افتتاح البطولة. وكشف خرما تفاصيل تأليف مقطوعاته الموسيقية التي عُزفت في بطولة العالم للجمباز، إلى جانب الموسيقى التصويرية لفيلم «يوم 13»، الذي يجري عرضه حالياً في دور العرض المصرية. وقال خرما إنه يشعر بـ«الفخر» لاختياره لتمثيل مصر بتقديم موسيقى حفل افتتاح بطولة العالم للجمباز التي تشارك فيها 40 دولة من قارات

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق للمرة الأولى... تسجيل مراسم تتويج الملك البريطاني في ألبوم

للمرة الأولى... تسجيل مراسم تتويج الملك البريطاني في ألبوم

تعتزم شركة تسجيلات بريطانية إصدار حفل تتويج ملك بريطانيا، الملك تشارلز الشهر المقبل، في صورة ألبوم، لتصبح المرة الأولى التي يتاح فيها تسجيلٌ لهذه المراسم التاريخية للجمهور في أنحاء العالم، وفقاً لوكالة «رويترز». وقالت شركة التسجيلات «ديكا ريكوردز»، في بيان اليوم (الجمعة)، إنها ستسجل المراسم المقرر إقامتها يوم السادس من مايو (أيار) في كنيسة وستمنستر، وأيضاً المقطوعات الموسيقية التي ستسبق التتويج، تحت عنوان «الألبوم الرسمي للتتويج»، وسيكون الألبوم متاحاً للبث على الإنترنت والتحميل في اليوم نفسه. وستصدر نسخة من الألبوم في الأسواق يوم 15 مايو.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق مزاد في سبتمبر على 1500 قطعة عائدة إلى المغني الراحل فريدي ميركوري

مزاد في سبتمبر على 1500 قطعة عائدة إلى المغني الراحل فريدي ميركوري

تُطرح للبيع في مزاد يقام في لندن خلال سبتمبر (أيلول) المقبل نحو 1500 قطعة عائدة إلى مغني فرقة «كوين» البريطانية الراحل فريدي ميركوري، من بينها أزياء ارتداها خلال حفلاته ومخطوطات لنصوص أغنيات، وكذلك لوحات لماتيس وبيكاسو، كما أعلنت دار «سوذبيز» اليوم الأربعاء. وستقام قبل المزاد معارض لأبرز هذه القطع في نيويورك ولوس أنجليس وهونغ كونغ في يونيو (حزيران)، ثم في لندن من 4 أغسطس (آب) إلى 5 سبتمبر (أيلول). ومن بين القطع التي يشملها المزاد تاج مستوحى من ذلك الذي يضعه ملوك بريطانيا في احتفالات تتويجهم، ورداء من الفرو الصناعي والمخمل الأحمر. وارتبطت هاتان القطعتان بصورة الفنان البريطاني الذي حقق شعبية واس

«الشرق الأوسط» (لندن)

«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)

أعلنت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي تأجيل الدورة السادسة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي إلى الربع الرابع من عام 2027، بعد مراجعة عدد من الاعتبارات المرتبطة بتوقيت إقامة الدورة المقبلة والمتطلبات اللوجستية لاستضافة حدث دولي بهذا الحجم.

وأوضحت المؤسسة أن قرار التأجيل يأتي في إطار حرصها على اختيار التوقيت والظروف الملائمة لتقديم التجربة التي عُرف بها المهرجان، ومواصلة تطويره والبناء على ما حققه خلال دوراته السابقة، بما يعزز حضوره على خريطة المهرجانات السينمائية الدولية.

ومن المقرر أن يعود المهرجان إلى جدة التاريخية في 2027 بدورته السادسة، التي قالت المؤسسة إنها ستقام «برؤية متجددة»، وبرنامج يواصل الاحتفاء بالسينما وصنّاعها من السعودية والمنطقة والعالم.

وفي غضون ذلك، أكدت المؤسسة استمرار برامجها وأنشطتها على مدار العام لدعم صنّاع الأفلام وتعزيز صناعة السينما، من خلال منظومتها التي تضم «صندوق البحر الأحمر» و«معامل البحر الأحمر»، إلى جانب برامج ومبادرات أخرى تستهدف ربط المواهب وصنّاع الأفلام بصناعة السينما الدولية.

وتنطلق في نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 برامج المؤسسة الممتدة على مدار العام في «ميدان الثقافة» بجدة التاريخية، الذي سيستضيف عروضاً سينمائية وفعاليات ثقافية وبرامج متخصصة في صناعة الأفلام، على أن تعلن المؤسسة لاحقاً تفاصيل تلك البرامج ومواعيدها عبر قنواتها الرسمية.

وأعربت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي عن تقديرها لصنّاع الأفلام والشركاء والضيوف والجمهور على دعمهم، مؤكدة تطلعها إلى استقبال مجتمع السينما العالمي مجدداً في جدة التاريخية عام 2027.


سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
TT

سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)

سُرق ما يُقدر بنحو 800 ألف نحلة -تصل قيمتها إلى عشرات آلاف الدولارات- من مواقع في أقصى شمال كوينزلاند في أستراليا.

ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه قطاع تربية النحل بالفعل من وطأة وصول طفيلي «عث الفاروا» هذا الشهر.

وقال توم بيدنر، وهو مربي نحل من منطقة أثرتون تيبلاندز، الواقعة غرب مدينة كيرنز، إن 44 مسعمرة نحل قد سُرقت من 3 مربين مختلفين، وأضاف قائلاً: «الأمر لم ينتهِ بعد؛ فلا يزال أمامنا كثير من طوائف النحل التي يتعين علينا تفقدها، ونحن نواصل التنقل بين مواقعنا المختلفة وفحصها».

وقد قدَّر بيدنر أن كل خلية تحتوي على ما لا يقل عن 20 ألف نحلة، مما يعني أن إجمالي عدد النحل المسروق يتجاوز 800 ألف نحلة، وفق ما أفادت صحيفة «الغارديان» البريطانية.

يُذكر أن عمليات السرقة المزعومة هذه قد وقعت في مواقع متعددة ومناطق متفرقة، وتطلبت تنفيذ عملية معقدة، واستخدام معدات متخصصة.

وبدلاً من المخاطرة باكتشاف أمرهم مبكراً عن طريق سرقة الصندوق كله، قاموا بإخراج ما يُعرف بـ«صندوق الحضنة» (brood box)؛ مما يجعل الخلية تبدو وكأنها لم تتغير عند النظر إليها من بعيد.

وقال بيدنر: «إنهم يأتون ومعهم شاحنة محملة بالمعدات؛ حيث يقومون بنقل إطاراتنا إلى صناديقهم... ثم يعيدون تجميع خلايانا، بحيث لا يثير ذلك شكوك المزارعين، ولا يوحي بأن أحداً قد دخل المكان وأقدم على فعل كهذا»، كما أن اللصوص لم يأخذوا أي عسل؛ بل تركوه داخل الخلية.

ويعتقد بيدنر أن الجناة هم على الأرجح أشخاص من العاملين في هذا المجال. وأشار إلى أن مربي النحل لم يخسروا الحشرات المسروقة فحسب؛ بل سيفقدون أيضاً قيمة عقود التلقيح التي قد تصل إلى آلاف الدولارات؛ كما سيتضرر المزارعون نتيجة انخفاض جودة الإزهار.

وذكر بيدنر أن هذه الحادثة تُعد الأكبر من نوعها في الذاكرة القريبة، وإن لم تكن الأولى، وتشهد منطقة أقصى شمال كوينزلاند حالياً ذروة موسم الأفوكادو، ولذا تنتشر خلايا النحل في مزارع المنطقة بموجب عقود تلقيح لصالح المزارعين المحليين، بينما تُترك خلايا أخرى على جوانب الطرق السريعة.

وقال: «من الناحية الأمنية، كنا نعتمد في الماضي على النحل للقيام بمعظم العمل... وبالطبع، قد يحاول أحدهم أحياناً العبث بإحدى الخلايا، ولكنهم عادة ما يلوذون بالفرار بعد نحو 30 ثانية فقط من بدء محاولتهم».

ومن جهته، صرح الرقيب المحقق بن كروس، من وحدة مكافحة الجرائم الريفية وجرائم الثروة الحيوانية في منطقة «ماريبا»، لشبكة (إيه بي سي) بأنه يعتقد بأن الجاني «مزارع تجاري» وليس مجرد هاوٍ.

وفي غضون ذلك، سجلت منطقة أقصى شمال كوينزلاند أول حالة رصد لـ«عث الفاروا» قبل أسبوع واحد فقط، وذلك إلى الجنوب من مدينة كيرنز.

وقالت ميغان أومارا، الأستاذة في جامعة كوينزلاند، إنه تم إنفاق أكثر من مائة مليون دولار لمنع انتشار هذا الطفيلي منذ وصوله إلى نيوكاسل في عام 2022، إلا أن العلاجات المتاحة كانت محدودة الفعالية.

وتُقدَّر تكلفة الانتشار غير المنضبط لهذا الطفيلي على القطاع بما يصل إلى مليار دولار على مدى 30 عاماً. والجدير بالذكر أن أستراليا تخلت رسمياً عن مساعي القضاء التام على الطفيلي في عام 2023.


زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
TT

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)

تتغيَّر حياة الأشياء حين يغادر أصحابها الأمكنة التي منحتها معناها. كرسي اعتاد جسداً بعينه. إبريق شاي شهد أحاديث عائلية. مصباح أضاء سنوات من الحياة. وقنينة قد تنجو من بيت لم يعد موجوداً. تحمل هذه الموجودات تاريخاً لا يظهر على سطوحها، وتحتفظ بشيء من أصحابها حتى بعدما تنفصل عن الحياة التي كانت جزءاً منها. من هذه العلاقة، تتّخذ زينة عاصي مدخلاً إلى معرضها الفردي «أشياء عادية» في «غاليري تانيت» بمار مخايل، حيث تحمل الأشياء الصغيرة أثقال الهجرة والحرب، وتُعيد الفنانة النظر في الطريقة التي يستمرّ بها المكان داخل الإنسان بعد مغادرته.

مدن تواصل العيش خارج جغرافيتها (الشرق الأوسط)

تعيش زينة عاصي وتعمل في لندن، وقد انشغلت طويلاً بالمدينة وتحوّلاتها وبما يُخلّفه الانتقال القسري أو الاختياري في علاقة الإنسان بمحيطه. وفي معرضها البيروتي، تقترب من الهجرة عبر أثرها في التفاصيل التي كانت تبدو مستقرّة قبل الرحيل. فالمكان الذي نغادره يستمر فينا بأشكال يصعب ضبطها. قد تستعيده رائحة أو هيئة غرض منزلي أو صورة لا تتطابق تماماً مع ما كان عليه. وتصبح الذاكرة مع الوقت عملاً مستمراً لإعادة تركيب ما تفرَّق.

تمنح زينة عاصي هذا التبعثر هيئةً تشكيلية. في لوحاتها، تتراكم الأبنية فوق بعضها، وتزدحم المساحات بالأسلاك والوجوه والكتابات، وتدخل الأجساد في نسيج المدينة حتى يصعب فصلها عنه. ثمة كثافة تستدعي إطالة النظر، إذ تزدحم المساحات بعناصر تفوق قدرتها الظاهرية على الاستيعاب. ووسط الازدحام، تستقرّ الحياة الحميمة بأثرها الإنساني، حتى تغدو التجربة الشخصية جزءاً من الذاكرة الجماعية للمدينة.

كلّ ما تركناه خلفنا وجد طريقه إلى الخزف (الشرق الأوسط)

وفي الأعمال التي تظهر فيها الأبنية فوق الماء، تتكدَّس البيوت بمحاذاة الأمواج تحت سماء تعبرها الطائرات. يبدو العمران متشبثاً بتفاصيله، فيما يحمل البحر احتمالَي المغادرة والفَقْد. تضعنا هذه الصور أمام علاقة مأزومة بالمكان. فالمدينة التي تمنح الإنسان هويته قد تصبح سبباً في اقتلاعه، ويظلّ انتماؤه إليها قائماً حتى حين يتعذَّر العيش فيها.

للمدن حياة سرّية على جِلْد الأشياء (الشرق الأوسط)

تتجسّد هذه العلاقة في الخزفيات التي تحمل رسوماً لمدن ووجوه وشخصيات. تستعيد زينة عاصي تقليداً متوارثاً في تسجيل الحكايات على الأواني، وتضع تاريخاً عمرانياً وإنسانياً على سطح قنينة يمكن حَمْلها أو كَسْرها. تختزل القنينة مدينةً بأحيائها وذاكرتها، ويجعل قابليتها للكَسْر امتداداً لمصير الذاكرة التي تحملها. فالذاكرة التي نحاول الاحتفاظ بها معرَّضة دائماً للتبدُّل، وما نحمله من الأمكنة يختلف عمّا تركناه فيها.

تبدو السلالم الصغيرة المتّصلة ببعض القطع امتداداً لهذا الاشتغال على الوصول والانقطاع. تتقدَّم نحو الأواني أو تتدلَّى منها، وتمنح التكوين حركة صعود وهبوط، فيما تبقى الوُجهة غير محسومة. تستعيد المدينة حضورها على سطح الوعاء، لكنّ الوصول إليها يظلُّ فعلاً مؤجّلاً.

على سطوح الأشياء تتراكم أعمار لم تنتهِ (الشرق الأوسط)

وتتعمَّق العلاقة بين الإنسان والمكان في لوحات الغابة، حيث تظهر الوجوه داخل جذوع الأشجار وبين أغصانها. وفي العمل المجسَّم الذي تنتشر عناصره الصغيرة على الجدار حول أغصان شبه عارية، تتوزَّع الأشكال في تجمّعات متفاوتة الكثافة. يحمل هذا الانتشار إحساساً بالتبعثر، فيما تبقى الأغصان في الأسفل شاهدةً على أصل لم يعد قادراً على جمع ما انفصل عنه.

للغائبين بيوت تبنيها الذاكرة كلّ ليلة (الشرق الأوسط)

تدخل الحرب هذا العالم عبر طائرات مقاتلة ومسيَّرات وجنود، إلى جانب الزهور والأغراض المنزلية. في إحدى الصور، تُهاجم الطائرات باقة ورد، فتبدو أدوات العنف وقد اقتحمت مجالاً شديد الألفة. وفي هذا المشهد، يتراءى الاعتياد على العنف أحد أعمق آثار الحرب، حين تفقد المَشاهد الاستثنائية قدرتها على إدهاش الإنسان وتصبح جزءاً من يومياته.

تتراكم هذه الطبقات في التكوين الكبير المكتظّ بالشخصيات والرموز والكتابات والنباتات. تتنافس التفاصيل على انتباه العين، وتستمر الصورة في تقديم عناصر جديدة كلّما طال النظر إليها. تبدو الذاكرة مُثقلة بما عاشته وبما وصل إليها من حكايات الآخرين أيضاً. فالخبرة الفردية تحمل آثار تاريخ جماعي، ويصعب فصل ما اختبره الإنسان بنفسه عمّا ورثه من صور الخوف والاقتلاع.

تترك المدن ظلالها على كلّ ما نأخذه معنا (الشرق الأوسط)

هذه التجربة امتداد لمسيرة زينة عاصي التي تنقّلت بين الرسم والنحت والخزف والأعمال المركّبة، وعُرضت أعمالها في مؤسّسات فنّية من بينها معهد العالم العربي في باريس والأكاديمية الملكية في لندن، وشاركت في بينالي البندقية عام 2017.

تمنح زينة عاصي الأشياء التي اعتدناها في بيوتنا حياةً أخرى، وتستخرج من تفاصيلها تاريخاً شخصياً وجماعياً أثقل ممّا توحي به بساطتها. وتمنحها كثافة التاريخ الشخصي والجماعي، وتتركها مُعلّقة بين ما كانت تؤدّيه وما أصبحت تحتفظ به. وحين تصير المدينة رسماً على قنينة، أو يختبئ وجه بين الأشجار، ندرك أنّ ما يبقى من الأمكنة فينا قد يفوق ما استطعنا الاحتفاظ به منها، وبعض ما نغادره يواصل العيش في داخلنا حتى بعدما تستحيل العودة إليه.