كيف أصابت حمّى الموسيقى الكورية ملايين العرب؟

شبابٌ يتعلّم الكوريّة من أجل ترجمة أغاني BTS وغيرها من الفِرَق

فريق BTS (حسابه على تويتر)
فريق BTS (حسابه على تويتر)
TT

كيف أصابت حمّى الموسيقى الكورية ملايين العرب؟

فريق BTS (حسابه على تويتر)
فريق BTS (حسابه على تويتر)

في عالم موسيقى البوب الكورية المعروفة بالـ«K-pop»، لا يمكن الحديث عن معجبين. ستقلّل هذه الكلمة من حجم ما يكنّه عشّاق هذا الفن لنجومه أو الـidols كما يسمّونهم. الـ«K-pop» حالة خاصة، فإمّا أن يصيبك الهوَس به والإدمان عليه، أو أن تبقى على ضفّة غير المعنيين به. لا حلول وسطى هنا.
عندما خرج «بساي» (Psy) على الملأ في عام 2012 مع أغنية Gangnam Style، أحدَث موجة غير مسبوقة من التفاعل محققاً مئات ملايين المشاهدات. كانت اللحظة مؤاتية مع فورة منصات البث الرقمي وصفحات التواصل الاجتماعي. الكل حول العالم رقص على الأغنية وردّدها في سرّه أو بعلو الصوت، على الرغم من عدم فهم أيٍ من كلماتها.
ربما فتحت «غانغنام ستايل» العيون على الموسيقى الكورية، لكنّ كل ما لحقها كان مختلفاً وتفوّق عليها أرقاماً واستمراريّةً.
كصاروخٍ انطلقت فِرَق الـ«K-pop» من بلد المنشأ، كوريا الجنوبيّة، مجتاحةً الكرة الأرضيّة بسرعة فائقة. في العالم العربي حلّ هذا الفن الحديث ضيفاً استثنائياً؛ تبنّاه الملايين من المراهقين والشباب، لا سيّما في المملكة العربية السعودية ومصر، حيث يتصدّر البوب الكوري حالياً الاستماعات لدى الجيل الجديد. مع العلم أنّ أكثر من 90 في المائة من مُشاهَدات كليبات الـ«K-pop» على «يوتيوب» آتية من خارج كوريا الجنوبية.

أبرز أسباب العشق العربي للـ«K-pop»
- الصورة الجذّابة والرقص:
يكفي أن تشاهد أحد فيديو كليبات فريق BTS وهو أشهر فِرَق الـ«K-pop» على الإطلاق، حتى يلفتَك السخاء الإنتاجيّ. كل فيديو عبارة عن فيلم هوليودي مصغّر لناحية المؤثّرات الخاصة والألوان. يعمد صنّاع البوب الكوري إلى تقديم صورة نظيفة وطافحة بالألوان الجريئة في آنٍ معاً، ليكون اللون أحد أهمّ مكوّنات خلطة الـ«K-pop» السحريّة إلى جانب الرقص. فعلى كل نجم أن يكون راقصاً محترفاً، يمضي ساعاتٍ في التمرين يومياً، وإلا رسب في امتحان الصعود على الخشبة والغناء أمام الملايين. ومن المعروف أنّ مغنّي الـ«K-pop» يدخلون إلى أكاديميات تُخضعهم لدروس وتدريبات وأنظمة غذائية قاسية، قبل أن يخرجوا منها مشاريعَ نجوم.
https://www.youtube.com/watch?v=pBuZEGYXA6E
- أناقة المغنّين:
لا يقتصر الأمر على أزياء عصريّة وجميلة، فنجوم الـ«K-pop» مؤثّرون في عالم الموضة وباتوا يرسمون خطوطها العريضة من خلال إطلالاتهم الجريئة، التي لا تخلو من بعض الغرابة أحياناً. وقد ازدادت مؤخراً المتاجر التي تبيع ألبسةً مستوحاة من «لوكات» النجوم إناثاً وذكوراً.
لا يكتفي عشّاق الـ«K-pop» بتقليد نجومهم في الملبَس فحسب، فبعضهم يسعى وراء جراحات تجميلية تستنسخ وجوه هؤلاء النجوم. ليس مستغرباً أن تزور مراهقة طبيب التجميل وتطلب منه أنف «جيسو» من فريق «بلاك بينك» أو عينَي «ايرين» من «ريد فيلفت»!

- كلامٌ غريب ونغمةٌ تعلق في الأذهان:
هو لحنٌ خاطف، يلتصق بالذاكرة ولا يفارقها إلا بصعوبة. إنه مكوّنٌ آخر في خلطة الـ«K-pop» السحرية. لا يفهم المستمع معاني كلمات الأغنية الكورية، لكنه يجد نفسه مردّداً اللازمة. ولعلّ غرابة الكلام تشكّل عنصراً جاذباً إضافياً بالنسبة للشباب العربي.
إلا أنّ محبّي الـ«K-pop»، المتطرّفين في حبّهم هذا، أظهروا مثابرةً غير مسبوقة في فكّ الألغاز والأحجيات. منهم مَن تَعلّم الكوريّة وأخذ على عاتقه مهمّة ترجمة الأغاني إلى العربيّة! وإذا صادفتَ في شارعٍ عربيٍ ما، مجموعة من الشابات والشبّان الذين يتحدّثون بالكوريّة فلا تستغرب، واعلم أنهم من مُناصِري الـ«K-pop».
https://www.youtube.com/watch?v=PSeX4oq9tlU
تركّز أغاني البوب الكوري على موضوعات الحب، والصداقة، والصحة النفسية، إضافةً إلى حب الذات ومشاكل الشباب... وهذا سببٌ إضافيّ لتعلّق المراهقين بها.

- إحياءٌ لصورة فِرَق التسعينات
ليس حب الموسيقى الكورية حكراً على مَن هم دون العشرين. فرضوان، الشاب الثلاثيني، انجذب مؤخراً إلى الـ«K-pop». يخبر «الشرق الأوسط» أنّ فِرَقاً مثل BTS وBLACKPINK وStray Kids وRed Velvet تذكّره بالحقبة الذهبية لـBackstreet Boys وNSYNC وSpice Girls. يقول: «إنتاجاتهم ضخمة، كليباتهم مميّزة، أشكالهم جميلة وهناك جُمَل لافتة في أغانيهم. يذكّرونني أيضاً بالـanime أو الرسوم المتحرّكة اليابانيّة».

أساليب تسويقية ذكيّة وأرقام خياليّة
ما كادت تمرّ 24 ساعة على صدور فيديو كليب «Butter» لفريق BTS، حتى كان قد حصد 108 ملايين مشاهدة على «يوتيوب»! من الصعب جداً تحطيم أرقام الـ«K-pop»، أكان على منصات البث الموسيقي أو على وسائل التواصل الاجتماعي.
تقف خلف تلك الملايين والمليارات آلة تسويقية ضخمة تعتمد بشكل كبير على منتديات المعجبين المنتشرين حول العالم. تحوّل هؤلاء مع مرور الوقت إلى جيوش إلكترونية منظّمة، تتجنّد للتسويق بكثافة لأي أغنية أو ألبوم أو حفل جديد. يتميزون بحضور لافت على منصة «تويتر»، وهم لا يهدأون قبل أن تحطّم مشاهَدات كليبات فِرَقهم المفضّلة أرقاماً قياسيّة. نتحدّث هنا عمّا يفوق المليار مشاهدة، كما الحال مع أحد فيديوهات «بلاك بينك» الذي شوهِد أكثر من مليار و870 مليون مرة على «يوتيوب».

فريق بلاك بينك (رويترز)
دفعت هذه الظاهرة الموسيقيّة الفريدة بعددٍ كبير من النجوم العالميين إلى التعاون مع فرق الـ«K-pop» وتقديم أعمال مشتركة. لم يتردد فريق «كولدبلاي» مثلاً في تسجيل أغنية إلى جانب BTS، وهكذا فعلت «هالسي». «لايدي غاغا» بدورها انجذبت إلى السحر الكوري فقدّمت أغنية مع فريق «بلاك بينك».

BTS Army، أكثر من مجرّد نادي معجبين
يوم حطّ فريق «BTS» على خشبة المسرح في استاد الملك فهد الدولي في الرياض منذ ثلاث سنوات، كانت قائدة فريق «سعودي آرمي» ممثل القاعدة الجماهيرية لـBTS في السعودية، تعيش أجمل لحظات حياتها على الإطلاق. تخبر «الشرق الأوسط» أنها «كانت تجربة رائعة لا تُنسى، أشبَه بالحلم... كأنّ حب الكون وطاقته اجتمعت في ذلك المكان وفي تلك اللحظة».
توضح أنّ BTS Army ليست جيشاً إلكترونياً، على خلاف الاعتقاد السائد. «فريق BTS هو الذي أطلق على محبّيه تسميةA.R.M.Y) Adorable Representative M.C. for Youth) أي مقدّمو الشباب الرائعون» وهم منتشرون حول العالم. أما الهدف الرئيس لـBTS Army في السعودية، فهو نشر المعلومات الصحيحة عن الفريق، إضافة إلى دعم الأغاني والمشاريع والفعاليات الخاصة بهم في السعودية وخارجها.
قائدة فريق «BTS Saudi Army» البالغة من العمر 25 عاماً والعاملة في مجال تصميم الغرافيك، بدأت تهتم بـBTS منذ خمسة أعوام وهي لا ترى أن حب الفريق يتوقف عند عمر معيّن، «فثمّة معجبون ملتزمون ويحضرون الحفلات، مع أنهم تجاوزوا سن الأربعين». تتحدّث بشغف عن الفريق الكوري: «BTS تخطّوا حدود الـK - pop»، حطّموا أطُرَه ونقلوه إلى العالم أجمع، من خلال المفاهيم المهمة والقصص المؤثرة التي يتطرّقون إليها في أغانيهم. أعشق أسلوبهم في التواصل مع جماهيرهم... هم سبعة أعضاء لكنهم عائلة واحدة فعلاً».
https://www.youtube.com/watch?v=a686-7YL8i4
لدى سؤالها عن عائق اللغة، تردّد ما يقوله قائد الفريق «نامجون»: «الموسيقى دوماً تتجاوز اللغة». وتردف أنّ الترجمة العربية للأغاني تصدر بشكل فوري بفضل جهود مَن يتفرّغون للمهمّة. وقد ردّ أعضاء فريق BTS التحيّة بالعربية في حفل الرياض، فتوجّهوا إلى عشّاقهم بعبارات مثل «هلا والله»، و«شكراً»، و«أحبكم»، و«غنوا معنا».


مقالات ذات صلة

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهم مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهم مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما، طريقة موحدة لتأليف موسيقاه المتنوعة، وهي البحث في تفاصيل الموضوعات التي يتصدى لها، للخروج بثيمات موسيقية مميزة. ويعتز خرما بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، التي تم افتتاحها في القاهرة أخيراً، حيث عُزفت مقطوعاته الموسيقية في حفل افتتاح البطولة. وكشف خرما تفاصيل تأليف مقطوعاته الموسيقية التي عُزفت في بطولة العالم للجمباز، إلى جانب الموسيقى التصويرية لفيلم «يوم 13»، الذي يجري عرضه حالياً في دور العرض المصرية. وقال خرما إنه يشعر بـ«الفخر» لاختياره لتمثيل مصر بتقديم موسيقى حفل افتتاح بطولة العالم للجمباز التي تشارك فيها 40 دولة من قارات

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق للمرة الأولى... تسجيل مراسم تتويج الملك البريطاني في ألبوم

للمرة الأولى... تسجيل مراسم تتويج الملك البريطاني في ألبوم

تعتزم شركة تسجيلات بريطانية إصدار حفل تتويج ملك بريطانيا، الملك تشارلز الشهر المقبل، في صورة ألبوم، لتصبح المرة الأولى التي يتاح فيها تسجيلٌ لهذه المراسم التاريخية للجمهور في أنحاء العالم، وفقاً لوكالة «رويترز». وقالت شركة التسجيلات «ديكا ريكوردز»، في بيان اليوم (الجمعة)، إنها ستسجل المراسم المقرر إقامتها يوم السادس من مايو (أيار) في كنيسة وستمنستر، وأيضاً المقطوعات الموسيقية التي ستسبق التتويج، تحت عنوان «الألبوم الرسمي للتتويج»، وسيكون الألبوم متاحاً للبث على الإنترنت والتحميل في اليوم نفسه. وستصدر نسخة من الألبوم في الأسواق يوم 15 مايو.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق مزاد في سبتمبر على 1500 قطعة عائدة إلى المغني الراحل فريدي ميركوري

مزاد في سبتمبر على 1500 قطعة عائدة إلى المغني الراحل فريدي ميركوري

تُطرح للبيع في مزاد يقام في لندن خلال سبتمبر (أيلول) المقبل نحو 1500 قطعة عائدة إلى مغني فرقة «كوين» البريطانية الراحل فريدي ميركوري، من بينها أزياء ارتداها خلال حفلاته ومخطوطات لنصوص أغنيات، وكذلك لوحات لماتيس وبيكاسو، كما أعلنت دار «سوذبيز» اليوم الأربعاء. وستقام قبل المزاد معارض لأبرز هذه القطع في نيويورك ولوس أنجليس وهونغ كونغ في يونيو (حزيران)، ثم في لندن من 4 أغسطس (آب) إلى 5 سبتمبر (أيلول). ومن بين القطع التي يشملها المزاد تاج مستوحى من ذلك الذي يضعه ملوك بريطانيا في احتفالات تتويجهم، ورداء من الفرو الصناعي والمخمل الأحمر. وارتبطت هاتان القطعتان بصورة الفنان البريطاني الذي حقق شعبية واس

«الشرق الأوسط» (لندن)

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
TT

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)

بينما كان فيكتور ليبمان، المؤلف الحاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يتحدث مع سيدة عملت لسنوات عديدة في عدة مؤسسات مرموقة، وكانت خلال الحديث تسترجع مسيرتها المهنية، ذكّرت ليبمان بحقيقة إدارية جوهرية.

وكانت السيدة تستمتع بعملها في معظمه، وفق حديثها، ولم يمرّ عليها سوى مرة واحدة لم تُعجبها، وهي تتذكرها جيداً. وكانت السيدة تعمل عادةً باستقلالية تامة، لكنّ أحد المديرين قرر، حينها، التدخّل بشكل مفرط في تفاصيل مهامها اليومية، وأصبح متسلطاً بشكل مُفاجئ.

ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية، فقد كان التأثير فورياً. ازداد إحباط السيدة من العمل، وتراجع استمتاعها به. وكان هذا مثالاً نموذجياً على أن تدخّل الإدارة بشكل مفرط في التفاصيل (الإدارة التفصيلية) يجعل الموظفين لا يستجيبون بشكل جيد.

التدخل المفرط

يكمن الفرق الرئيسي بين الإدارة الدقيقة (المعقولة) والإدارة التفصيلية (المفرطة) في الحاجة إليها. ومن الطبيعي أن يمرّ الموظف بأوقات لا يؤدي فيها عمله على النحو المطلوب، لذا يحتاج المدير، وقتها، إلى متابعة دقيقة لكيفية إنجاز المهام اليومية. وهذا من أساسيات الإدارة الجيدة.

ويختلف هذا تماماً عن الإدارة التفصيلية، حيث يتدخل المدير بشكل مفرط في أدق تفاصيل عمل الموظف، حتى وإن كان هذا الموظف كفؤاً في وظيفته.

وتُعدّ الإدارة التفصيلية المفرطة شائعة جداً. فعلى مرّ السنين، أُجريت العديد من الدراسات الاستقصائية حول هذا الموضوع، وتشير نتائجها عادةً إلى أن نسبة الموظفين الذين يشعرون بأنهم تعرّضوا للإدارة التفصيلية المفرطة في مرحلة ما من مسيرتهم تتراوح بين 60 و70 في المائة.

السيطرة في العلاقات

ويكره الناس الإدارة التفصيلية، لأنها تتعلق بمفاهيم الاستقلالية والتحكم. وسواء رغبنا في ذلك أم لا، فإن المديرين والموظفين تربطهم علاقة، فهم يلتقون باستمرار، وحتى في ظل العمل عن بُعد، يتواصلون بانتظام. وقليلون هم من يرضون بالخضوع للسيطرة في العلاقات، أو بالتدخل في تفاصيل حياتهم اليومية؛ فهذا يُؤدي إلى الإحباط والسخط. وليس من المستغرب أن تنطبق هذه الديناميكيات نفسها داخل بيئة العمل وخارجها.

ومن المعروف أن الإدارة التفصيلية تُؤدي إلى نتائج سلبية عديدة في العمل. وتشمل هذه النتائج عادة مشكلات؛ مثل: انخفاض الروح المعنوية، ونقص الابتكار والإبداع، وانخفاض الإنتاجية.


فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».