حكم الفلبين مجدداً في عهدة عائلة ماركوس

مع فوز ابن الديكتاتور الراحل بانتخابات الرئاسة

فرديناند ماركوس الإبن (أ.ب)
فرديناند ماركوس الإبن (أ.ب)
TT

حكم الفلبين مجدداً في عهدة عائلة ماركوس

فرديناند ماركوس الإبن (أ.ب)
فرديناند ماركوس الإبن (أ.ب)

كانت الفلبين على موعد أخيراً مع حدث سياسي غريب من نوعه، وذلك مع فوز فرديناند ماركوس «الابن» - الشهير بلقب «بونغبونغ» - (64 سنة) بالانتخابات الرئاسية، واستعادته بالتالي منصب الرئاسة. وبفوزه هذا يخلف ماركوس الرئيس الحالي رودريغو دوتيرتي، الذي تقتصر ولايته وفق نص الدستور على فترة واحدة فقط. مع العلم أن ابنة دوتيرتي كانت على قائمة ماركوس مرشحة لمنصب نائب الرئيس.
ومن ثم تتردد التساؤلات على ألسنة كثيرين حول العالم بخصوص كيف صوتت الفلبين، الدولة الأرخبيل في شرق آسيا، وبغالبية كبيرة لابن الديكتاتور السابق فرديناند ماركوس «الأب»، الذي أطيح به وبنظامه الديكتاتوري قبل 36 سنة.
في أحد أكبر الانتصارات الانتخابية في تاريخ الفلبين، تمكن فرديناند ماركوس «الابن»، أو «بونغبونغ»، من تحقيق فوز لافت بانتخابات رئاسة الجمهورية في الفلبين حاصداً ما يقرب من 60 في المائة من الأصوات. ونقل المتحدث باسم الرئيس المنتخب عنه قوله: «أقول للعالم: لا تحكموا علي بما فعله أهلي، وإنما احكموا على أفعالي!».

ماركوس «الابن» كان قد شغل في الماضي منصب نائب حاكم وحاكم وعضو الكونغرس في إلوكوس نورتي، معقل عائلة ماركوس منذ عقد الثمانينات فصاعدا. كما انضم إلى مجلس الشيوخ عام 2010، لكنه خسر بفارق ضئيل مقعد نائب الرئيس أمام محامية حقوق الإنسان السابقة ليني روبريدو عام 2016، التي كانت أقرب منافسيه في السباق الرئاسي لعام 2022.
مع هذا الفوز الانتخابي الأخير تعود عائلة ماركوس إلى قصر مالاكانيانغ الرئاسي في العاصمة مانيلا، الذي أمضى فيه «بونغبونغ» فترة طويلة من عمره، وهرب منه والداه عام 1986، ويومذاك كان «بونغبونغ» في سن الثامنة والعشرين من العمر. وفي خضم ثورة شعبية تاريخية طالب فيها الملايين بإطاحة الحكم القائم، لقبت بـ«الثورة الصفراء»، نقلت طائرة هليكوبتر عائلته من القصر الرئاسي في الفلبين. ومن ثم طردت العائلة من البلاد لتستقر بعد نجاح الثورة في منفاها بجزر هاواي (ولاية هاواي الأميركية).
ولكن، مع تأهب ماركوس «الإبن» لتولي مهام الرئاسة، تدور حوله تساؤلات كثيرة مثل: هل سيوفر حياة أفضل للفلبينيين ويوحد دولة تعاني الاستقطاب؟
هل سيتمكن من تهدئة المخاوف المتزايدة بخصوص عودة الديكتاتورية، وضمان حماية حقوق الإنسان وانتصار الديمقراطية؟
هل سيضمن ألا تمس سيادة البلاد ومصالحها الوطنية في مواجهة مخاوف من التعرض لعدوان الصيني؟
هل بمقدوره استعادة الثقة وطمأنة الشركاء الخارجيين للبلاد، خاصة الولايات المتحدة واليابان، بخصوص التزام الفلبين بنظام دولي قائم على القواعد؟
وحده الزمن كفيل بالإجابة عن كل هذه التساؤلات، وتبين ما إذا كان الرئيس المنتخب سيرتقي إلى مستوى التحدي. غير أن الأمر الذي يستحق البحث والتأمل يتمثل بالعوامل التي ساعدت الرجل، رغم الإرث العائلي السلبي والمزعج، على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء واستعادة الحكم في بلد نفي وعائلته منه ذات يوم.
- حقبة آل ماركوس
كان «بونغبونغ» في الثامنة من العمر عندما انتخب والده رئيساً عام 1965، ولقد استفاد المحامي فرديناند ماركوس «الأب» من خدمته العسكرية خلال الحرب العالمية الثانية للارتقاء عبر السلم السياسي في الفلبين. وأثناء ترشحه للمنصب، عمد إلى سرد قصص عنه كبطل حرب، رغم أن ملفات الحكومة الأميركية أنكرت في وقت لاحق الرواية القائلة بأنه قاد مجموعة قتال ضد اليابانيين.
حكم فرديناند ماركوس «الأب» الفلبين 21 سنة، من عام 1965 حتى عام 1986، ولكن بين 1972 و1981 أحكم ماركوس قبضته على البلاد من خلال الأحكام العرفية، التي زعم أنها «ضرورية» لمكافحة تهديدات تواجه البلاد من جانب الشيوعيين والانفصاليين المسلمين. إلا أن جماعات حقوق الإنسان تقول إنه إبان تلك الفترة، تعرض المعارضون السياسيون للسجن التعذيب ومختلف أشكال التنكيل. وبالإضافة إلى القيود المفروضة على الحقوق المدنية والممارسات الوحشية للشرطة العسكرية، اتسم نظام ماركوس بالفساد على نطاق واسع، وجرى بالفعل نهب ما يقدر بنحو 10 مليارات دولار أميركي من أموال الشعب الفلبيني.
- اغتيال بنينيو أكينو
غير أن مسار الأمور أمام عائلة ماركوس بدأ في التحول عندما اغتيل السياسي المعارض اللامع بنينو أكينو، المنافس السياسي الأخطر لماركوس، عام 1983، وبعد ثلاث سنوات، نافست كورازون أكينو، أرملة أكينو، ماركوس على منصب الرئيس في انتخابات شابها التزوير.
ولكن عندما أعلن فوز ماركوس، تدفق المتظاهرون على شوارع العاصمة مانيلا لعدة أيام في ثورة شعبية حماسية (الثورة الصفراء). وعلى الأثر انشق ضباط الجيش لدعم أكينو، التي أدت اليمين رئيسة للبلاد في 25 فبراير (شباط) 1986.
في تلك الليلة، استسلم ماركوس أمام أكينو، وفر مع عائلته إلى هاواي. ولكن عندما هرب آل ماركوس وحاشيتهم من الفلبين، كانوا يحملون معهم ثروة طائلة من الأموال والأحجار الكريمة والمجوهرات، بما في ذلك تاج ذهبي وثلاثة تيجان مرصعة بالألماس. بيد أن ماركوس توفي في المنفى بمدينة هونولولو، (عاصمة هاواي) في سبتمبر (أيلول) 1989 بسبب أمراض الكلى والقلب والرئة عن عمر يناهز 72 سنة. ويومذاك، سُمح لعائلة ماركوس بالعودة إلى الفلبين عام 1991 بقرار من الرئيسة (آنذاك) كورازون أكينو، التي بحكم ماركوس وعائلته.
- طريق العودة
بعد هذا القرار بدأت عائلة ماركوس تتأهب لاستعادة السلطة. وظل أفراد العائلة يتبادلون المناصب داخل معقلها الجغرافي والسياسي ولاية إلوكوس نورتي، ما بين منصب الحاكم ونائب الحاكم ومقاعد في مجلسي النواب والشيوخ.
وحقاً، عاد كل من ماركوس «الابن» (بونغبونغ) ووالدته إيميلدا بسرعة إلى السياسة، وأعادا بناء شبكاتهما السياسية، وخاضا عشرات القضايا لاستعادة ثروة العائلة. وانتخبت إيميلدا ماركوس لعضوية في الكونغرس لأربع فترات. وأيضاً، أمضى ابنها 21 سنة في المناصب العامة، فخدم في الكونغرس وعمل حاكماً داخل معقل الأسرة ولاية إلوكوس نورتي. وترشح لمنصب نائب الرئيس عام 2016، لكن لم يحالفه الحظ. أما شقيقته، إيمي، فهي عضو في مجلس الشيوخ.
لقد عاشت عائلة ماركوس أسلوب حياة باذخ أثناء وجودها في السلطة، وأغدقت الأموال على أعمال الفنية باهظة الثمن وممتلكات في الخارج ومجوهرات، حتى مع تفاقم الديون ومعاناة الملايين من الفقر. كما صارت إيميلدا تجسيداً لنظام «الكليبتوقراطية» العائلية واكتسبت شهرة عالمية بمجموعتها الضخمة من الأحذية الفاخرة. وحتى اليوم، لم تستعد الفلبين بعد مليارات الدولارات التي تُتهم العائلة بنهبها.
- العلاقة بعائلة دوتيرتي
عموماً، تهيمن الشخصيات والأسر الحاكمة على المشهد السياسي الفلبيني، حيث تتركز السلطة في أيدي عدد قليل من أفراد النخبة والعائلات المؤثرة. وفي الحقيقة، كانت عائلة ماركوس وما زالت قوة سياسية بارزة في الفلبين واحتفظت بشبكة واسعة من العلاقات. ومن أجل الفوز في انتخابات 2022 تحالف «بونغبونغ» مع سارة دوتيرتي، ابنة الرئيس المنتهية ولايته رودريغو دوتيرتي. ومن ثم، كان الجمع بين إمكانيات هاتين العائلتين السياسيتين القويتين أكبر من أن تتغلب عليه منافسته روبريدو والحزب الليبرالي. وهنا يرى معلقون سياسيون أن «الابن» اتبع خطى «الأب» عبر تولي مجموعة متنوعة من المناصب العامة، والاستفادة من اسم عائلته والولاءات العائلية والإقليمية في تحقيق طموحاته الرئاسية.
وحسب المحلل الهندي أكاش ساهو، المحلل لدى مركز جنوب شرقي آسيا في نيودلهي، «رغم هزيمة ماركوس الابن عام 2016، قيل إن محاولته الفوز بمنصب نائب الرئيس كانت مجرد جولة تجريبية لحملة رئاسية عام 2022 وقبل ذلك بكثير، كان من الواضح أن ماركوس يتمتع بأفضلية على خصومه. والحقيقة أنها عودة غير عادية لعائلة اشتهرت ذات يوم بانتهاكات حقوق الإنسان على نطاق واسع ونهب ما يقدر بنحو 10 مليارات دولار... ولقد عملت العائلة لعقود على إحياء سمعتها، بالإضافة إلى محاولة تسليط الضوء على أوجه القصور في الحكومات المتعاقبة. وساعدت ضربة سياسية بارعة في بناء توافق مع ابنة الرئيس الحالي دوتيرتي في تيسير عودة آل ماركوس التي لم يكن من الممكن تصورها في السابق إلى الرئاسة. وبالفعل، فازت سارة دوتيرتي ـ كاربيو بمنصب نائب الرئيس. وفي ظل توافر موارد هائلة وشراكة استراتيجية مع آل دوتيرتي المدعومة بآلة سياسية قوية، لم يكن انتصار بونغبونغ أمراً مستبعداً».
أكثر من هذا، لعب الشباب دوراً مهماً في عودة «بونغبونغ»، ذلك أنه يتمتع الفلبين. بل، ويشكل الشباب الذين ولدوا بعد عام 1986، ما لا يقل عن نصف 65 مليون ناخب في الفلبين في الفئة العمرية من 18 إلى 30 سنة. وطبعاً لم يعش هؤلاء في عهد ماركوس «الأب»، وبالتالي ليس لديهم ذاكرة شخصية عن الأحكام العرفية أو خلفيات سقوط ديكتاتوريته. كذلك، حسب المحلل السياسي الهندي راغو مالهوترا «بما أن الكتب المدرسية صامتة عن هذه الفترة من تاريخ الفلبين، فغالباً ما لا يكون لدى هؤلاء الشباب معلومات عن العنف الذي شنته حكومة ماركوس ضد منتقديها». في المقابل، كتب باتريسيو أبيناليس، البروفسور الفلبيني المتخصص بمجال الدراسات الآسيوية بجامعة هاواي الأميركية، أن «شعبية ماركوس تستند إلى حنين الرخاء المزعوم والعصر الذهبي للمجتمع الفلبيني إبان ديكتاتورية والده في الثمانينات. ويدعي مؤيدو العائلة أن سنوات حكم ماركوس كانت نعمة للبلاد، مع بناء مشاريع البنى التحتية الكبرى، كالمستشفيات والطرق والجسور. أما «بونغبونغ» نفسه فقد صورته حملته الانتخابية «نصيراً للفقراء»، بينما حوالي خُمس الفلبينيين يعيشون في فقر مدقع. وكان قد تعهد خلال الحملة ببناء طرق أفضل، وتوفير خدمة إنترنت أفضل، والعمل على تقليل تكاليف المرافق والغذاء، وشددت الحملة على رغبته بتوحيد الفلبين، ما بدا أنه يؤثر على الناخبين».
أخيراً، بينما كانت حملة ماركوس «الابن» خلال عام 2022 كانت صامتة تقريباً، إذ لم يشارك في أي نقاش عام ولم يطرح أي بدائل سياسية حقيقية، كانت الأداة الأكثر فاعلية في حملته الأخيرة وسائط «تيك توك» و«فيسبوك» و«يوتيوب». ولقد تمكن من خلالها من إعادة تأهيل تاريخ عائلته وتقديم عهد والده باعتباره «فترة ذهبية» للفلبين.
- كيف ستكون السياسة الخارجية للفلبين في عهد ماركوس «الابن»؟
> ثمة تساؤلات عديدة حول التحالفات الدولية للفلبين في عصر الاضطرابات الاستراتيجية المتزايدة. إذ من المقرر أن يتولى فرديناند ماركوس «الابن» (بونغبونغ) منصبه بعد ست سنوات شارك فيها الرئيس المنتهية ولايته رودريغو دوتيرتي في التودد إلى الصين إبان عهد شي جينبينغ، وخاطر بخلق فجوة مع الولايات المتحدة، الحليف الأمني التقليدي للفلبين.
ولكن عدداً من المحللين السياسيين يعتقدون أن السياسة الخارجية لـ«بونغبونغ» ستتماشى مع تحالفه الحالي مع ابنة دوتيرتي. وبالتالي، ستقر عناصر من الاستراتيجية الدبلوماسية للكل من والده ودوتيرتي الأب.
ومثل والده من قبله، أيد «الابن» الحفاظ على علاقات جيدة مع واشنطن. ومع أنه وعائلته يحافظون على علاقات وثيقة مع الحزب الشيوعي الصيني، أعرب الرئيس المنتخب عن قلقه بخصوص التوجهات القوية المتزايدة من جانب بكين في مواجهة الفلبين في بحر الصين الجنوبي. وجاءت تصريحاته بشأن الصين أقوى بكثير من تصريحات دوتيرتي عبر معظم فترة ولايته.
من ناحية أخرى، منذ فوزه في وقت سابق من هذا الأسبوع، تلقى «بونغبونغ» تهاني كل من الرئيسين جو بايدن والرئيس الصيني شي جينبينغ. وذكر بيان صادر عن البيت الأبيض المكالمة الهاتفية بين بايدن وماركوس الابن، أن بايدن أكد أنه يتطلع إلى العمل مع الرئيس المنتخب لمواصلة تعزيز التحالف الأميركي - الفلبيني، مع توسيع نطاق التعاون الثنائي في مجموعة واسعة من القضايا، بما في ذلك احترام حقوق الإنسان. كذلك خلال المحادثة الهاتفية بين شي وماركوس الابن أخبر الزعيم الصيني الرئيس المنتخب أن بلديهما كانا «شركاء في السراء والضراء». وبالنظر إلى أن شي وبايدن كانا بين أوائل قادة العالم الذين هنأوا الرئيس المنتخب على فوزه، فهذا مؤشر إلى أن القوتين الكبريين تنظران إلى الفلبين على أنها ركيزة محورية واستراتيجية مهمة في منطقة المحيطين الهندي والهادي ذات الأهمية الاستراتيجية.
أما الهند، إلى جانب الحلفاء داخل الرباعي، فستراقب عن كثب العلاقات بين مانيلا وبكين. وبالنظر إلى خلفية ماركوس «العالمية»، فإنه ربما يكون أقل انعزالاً وأكثر ميلاً لمواصلة علاقات أوثق مع واشنطن، في حين يتبنى موقفاً متوازناً تجاه التنافس المحتدم بين واشنطن وبكين. ووفق الصحافي شارو سودان كاستوري، فإن لدى معظم الفلبينيين نظرة أكثر إيجابية تجاه واشنطن مقارنة مع بكين. وسيكون من المثير متابعة كيف سيتفاعل جيران الفلبين في منظمة «آسيان» مع الإدارة الجديدة في مانيلا. ومع تصريحات إعادة الفلبين إلى «مجدها الماضي» كدولة رائدة في جنوب شرقي آسيا، ربما يرغب ماركوس في اعتباره أكثر حضوراً من دوتيرتي في اجتماعات المنظمة الإقليمية الكبرى على مستوى المنطقة، وأن يضيف صوت بلاده إلى القضايا الإقليمية والعالمية. ولا شك، ستعتمد العديد من قرارات السياسة الخارجية لماركوس الابن على من يأتي به إلى حكومته، لا سيما في حقيبتي السياسة الخارجية والدفاع.
- بين التحديات الأبرز
ومع ذلك، أثار النقاد العديد من الأسئلة حول عودة ماركوس «الابن»، سواء على المدى القريب أو على المدى الطويل. ويتعلق السؤال الفوري بكيفية قيادة هذا الرجل للفلبين بمجرد أن يبدأ ولايته التي تبلغ ست سنوات في 30 يونيو (حزيران). والواضح أن الرئيس المنتخب سيرث من سلفه دوتيرتي التحديات التي تبدو دائمة، مثل الفقر والبطالة. كذلك سيواجه حركات تمرد إسلامية وشيوعية عنيدة فشلت سلسلة من الرؤساء بشكل كاف في التصدي لها. وفي هذا الصدد، يقول مالهوترا: «كرئيس، سيكون لماركوس تأثير كبير على الوكالات الحكومية التي تسعى لاسترداد 10 مليارات دولار سُرقت خلال فترة حكم والده. وبصفته حاكماً وعضواً في مجلس الشيوخ، فإنه كان قد بذل جهوداً كبيرة لحماية ثروة عائلته وعرقلة الجهود المبذولة لاسترداد ما سُرق من أموال البلاد. ولا تزال عائلة ماركوس تواصل تحدي أوامر المحكمة، وغالباً ما تستأنف الأحكام غير المواتية لها. وتستأنف إيميلدا ماركوس أحكام الإدانة الصادرة ضدها 7 اتهامات سنة.
من جانب آخر، يأتي فوز «بونغبونغ» بشرى طيبة لدوتيرتي، ذلك أنه من غير المحتمل أن يستجيب الرئيس المنتخب لمطالب محاكمة الرئيس المنتهية ولايته على آلاف عمليات القتل خلال حملته الدموية ضد المخدرات. وأيضاً، من غير المرجح أن يتعاون مع التحقيق الجاري في جرائم القتل من قبل المحكمة الجنائية الدولية. ويكاد يكون في حكم المؤكد أن عودة عائلة ماركوس إلى قصر مالاكانيانغ الرئاسي ستنهي الجهود طويلة الأمد لتعقب مليارات الدولارات المنهوبة من خزائن الدولة في الفترة من 1965 إلى 1986.


مقالات ذات صلة

الولايات المتحدة تتعهد بالدفاع عن الفلبين في بحر الصين الجنوبي

الولايات المتحدة​ الولايات المتحدة تتعهد بالدفاع عن الفلبين في بحر الصين الجنوبي

الولايات المتحدة تتعهد بالدفاع عن الفلبين في بحر الصين الجنوبي

تعهدت الولايات المتحدة أمس (الثلاثاء)، بالدفاع عن الفلبين في بحر الصين الجنوبي حيث يُجري الحليفان التاريخيان أكبر مناورات عسكرية مشتركة بينهما تهدف إلى مواجهة نفوذ الصين في المنطقة. ويشارك نحو 18 ألف جندي، أي نحو ضعف عدد العسكريين في مناورات العام الماضي، في هذه التدريبات السنوية التي تستمر أسبوعين وتسمى «باليكاتان» («جنباً إلى جنب» باللغة الفلبينية). وللمرة الأولى ستشمل العمليات إطلاق ذخيرة حية في بحر الصين الجنوبي الذي تطالب بكين بالسيادة عليه بأكمله تقريباً. وفي مؤتمر صحافي مشترك نادر في واشنطن، شدد وزيرا الخارجية والدفاع الأميركيان أنتوني بلينكن ولويد أوستن، ونظيراهما الفلبينيان على متانة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم الفلبين والولايات المتحدة تباشران أكبر مناورات عسكرية مشتركة

الفلبين والولايات المتحدة تباشران أكبر مناورات عسكرية مشتركة

باشرت الولايات المتحدة والفلبين، الثلاثاء، أوسع مناورات عسكرية مشتركة في تاريخهما، فيما يحاول البلدان الحليفان الوقوف في وجه نفوذ الصين المتصاعد في المنطقة. ويشارك نحو 18 ألف جندي في التدريبات التي ستتضمن للمرة الأولى إطلاق نار بالذخيرة الحية في بحر الصين الجنوبي الذي تطالب بكين بالسيادة عليه بصورة شبه كاملة. وتجري هذه المناورات السنوية المعروفة باسم «باليكاتان» ويعني بالفلبينية «جنباً إلى جنب»، بعد تدريبات واسعة أجرتها بكين لثلاثة أيام وتضمنت محاكاة ضربات محددة الأهداف وتطويق جزيرة تايوان التي تتمتع بنظام ديمقراطي وتعتبرها بكين جزءا من أراضيها. وتشمل مناورات «باليكاتان» تدريبات هبوط مروحيات ع

«الشرق الأوسط» (مانيلا)
العالم الفلبين تحدد 4 قواعد عسكرية إضافية يمكن لأميركا استخدامها

الفلبين تحدد 4 قواعد عسكرية إضافية يمكن لأميركا استخدامها

حددت الفلبين، أمس، الاثنين أربع قواعد عسكرية إضافية يمكن للولايات المتحدة استخدامها، إحداها قريبة من بحر الصين الجنوبي المتنازع عليه، وأخرى على مقربة من تايوان. وأوضح الجهاز الإعلامي للرئاسة الفلبينية في بيان أن المواقع الأربعة تعد «مناسبة وذات فائدة متبادلة». وخلال زيارة قام بها وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن إلى الفلبين في مطلع فبراير (شباط)، أعلن الحليفان عن اتفاق يسمح للجيش الأميركي باستعمال أربع قواعد إضافية «في مناطق استراتيجية» من البلد الواقع في جنوب شرقي آسيا. واشنطن ومانيلا حليفتان منذ عقود، وتربط بينهما معاهدة دفاعية أبرمت عام 2014، وتُعرف باسم اتفاق التعاون الدفاعي المعزز، تسمح لل

«الشرق الأوسط» (مانيلا)
العالم تحذير في الفلبين من حطام متوقع لصاروخ صيني

تحذير في الفلبين من حطام متوقع لصاروخ صيني

دعت وكالة الفضاء الفلبينية (فيلسا)، اليوم (الجمعة)، المواطنين، إلى توخي الحذر، بسبب حطام متوقع جراء إطلاق صاروخ صيني، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. وفي تحذير لها، ذكرت الوكالة أنها تراقب الحطام من الصاروخ «لونغ مارش 4 سي»، الذي تم إطلاقه، بعد الساعة الثانية مساء اليوم، طبقاً لما ذكرته صحيفة «ذا ستار» الفلبينية. وأضافت أنه من المتوقع أن يكون الحطام غير المحترق قد سقط على مسافة نحو 398 كيلومتراً من منطقة باجو دي ماسينلوك في زامباليس. وتابعت: «من المستبعد أن يكون الحطام قد سقط على معالم أرضية أو مناطق سكنية، داخل الأراضي الفلبينية.

«الشرق الأوسط» (مانيلا)
العالم قتلى وجرحى بحريق عبّارة في الفلبين

قتلى وجرحى بحريق عبّارة في الفلبين

أفاد مسؤول في خفر السواحل بأن 31 شخصاً&nbsp; لقوا حتفهم وتم إنقاذ 230 بعدما شب حريق في عبّارة مساء أمس (الأربعاء)، قبالة إقليم باسيلان بجنوب الفلبين.<br /> &nbsp;

«الشرق الأوسط» (مانيلا)

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.