النقد الروائي... مفاهيم ومصطلحات ملتبسة

بين ضمائر الأنا والغائب والمخاطب

فؤاد التكرلي  -  أرنست همنغواي  -  تشارلز ديكنز  -   جين أوستن
فؤاد التكرلي - أرنست همنغواي - تشارلز ديكنز - جين أوستن
TT

النقد الروائي... مفاهيم ومصطلحات ملتبسة

فؤاد التكرلي  -  أرنست همنغواي  -  تشارلز ديكنز  -   جين أوستن
فؤاد التكرلي - أرنست همنغواي - تشارلز ديكنز - جين أوستن

رغم سعة الدراسات النقدية الحديثة، الأجنبية، والعربية، حول السرد، واتضاح الكثير من المفاهيم والمصطلحات الخاصة بالعملية السردية، ومنها استخدام أصوات السرد الثلاثة: ضمير المتكلم (أنا)، وصيغته الجماعية (نحن)، وضمير الغائب (هو) وضمير المخاطب (أنت)، فضلاً عن تنويعات سردية أخرى، منها السرد بعين الكاميرا، والسرد عبر بناء المشهد وغير ذلك، فما زال بعض النقاد يخلط بين الكثير من هذه الصيغ والأصوات السردية.
وربما يتعرض ضمير الغيبة، من بين هذه الأصوات، أكثر من غيره، إلى اللبس والخلط، لأنه قد يكون أكثر الضمائر شيوعاً وتوظيفاً وقدماً. وقد لاحظت أن بعض النقاد يصف السارد أو الراوي في بعض القصص والروايات الحديثة، بأنه يمثل الراوي أو السارد كلي العلم أو العليم، بينما هو، في الجوهر، سارد «مبأر»، لا علاقة له بالسارد العليم.
ومن المعروف أن السرد العليم أو كلي العلم omniscient narration هو أقدم أنواع السرد التقليدي، وأكثرها انتشاراً أو توظيفاً، وهو في الغالب سردٌ خارجي يقدمه المؤلف، أو ذاته الثانية، دونما شخصية قصصية أو روائية متموضعة داخل النص القصصي أو الروائي. ولهذا فإن هذا اللون من السرد هو سرد غير مبأر ويسميه الناقد الفرنسي جيرار جينيت بالسرد في درجة الصفر. ومن المعروف أن جينيت يقسم الرأي إلى ثلاثة أقسام: السرد العليم، والرؤية مع، الرؤية من الخارج، ويشير الناقد إلى أن التبئير الصفري يعادل ما يسميه النقد المكتوب بالإنجليزية، بالسرد العليم، كما يلتقي مع صيغة (جان بويون) الثلاثية «السرد من الخلف، ويقترب أيضاَ من صيغة تودوروف (السارد أكبر من الشخصية) أي أن ما يسرده السارد هو أكبر مما تعرفه الشخصية.
والسرد العليم، كما أشرنا هو أقدم أنماط السرد، وهو يقوم على وجود سارد خارجي يمنح نفسه سلطة معرفة كل شيء عن دخائل الشخصيات، وأفعالها، وينتقل بحرية بين الأزمنة والأمكنة والشخصيات، ولهذا يسمى أحياناً بالسرد الرباني. ويتفق معظم النقاد على أن سرد هوميروس في «الإلياذة» هو من النماذج الكلاسيكية الأولى للسرد العليم، حيث يتحدث سارد هوميروس العليم في آنٍ واحد عما يجري في أماكن متباعدة، وشخصيات متنوعة، ويمتلك القدرة على التنبؤ بأحداث المستقبل. ومثل هذا السرد يتمثل في الكثير من قصص الأطفال التي تستهل عادة بعبارة «كان ما كان في قديم الزمان».
كما يرى أغلب النقاد أن همنغواي يوظف السارد العليم في قصته القصيرة «تلال مثل فيلة بيضاء» لضمان المزيد من الرؤية الموضوعية والمحايدة التي يتسم بها سرده الذي ينتمي إلى ما يسمى بـ«الواقعية الموضوعية». كما أن رواية «قصة مدينتين» لتشارلز ديكنز أنموذج آخر على السرد العليم، إذْ يبدأ الروائي سرده: «كان أفضل الأزمنة، كان أسوأ الأزمنة. كان عصر الحكمة، وكان عصر الحماقة».
وتستهل الروائية جين أوستن رواية «الكبرياء والهوى» برؤية السارد العليم، حيث تكشف عن العالم الداخلية لبطلة الرواية «إليزابيث» فضلاً عن بقية الشخصيات الروائية الأخرى.
ومن المؤسف أن يخلط بعض النقاد والدارسين بين توظيف ضمير الشخص الثالث الغائب غير المبأر المنتمي لرؤية «السارد العليم» في السرد الكلاسيكي التقليدي مع توظيف ضمير الشخص الثالث المبأر الشائع في السرد الحداثي وما بعد الحداثي. وإذا ما كان السرد العليم بتوظيف ضمير الغائب (هو) يقدم دونما وسيط أو وكيل ينوب عن المؤلف، متموضع داخل البنية السردية، فإن السرد المبأر عبر ضمير الشخص الثالث يتحقق عبر وسيط أو وكيل للمؤلف يكون عادة شخصية متموضعة داخل البنية السردية بوصفه شخصية مشاركة أو مراقبة. ومثل هذا السرد نجده في الروايات التي تعتمد على المونولوج الداخلي أو تيار الوعي، حيث يغوص الروائي داخل أعماق الشخصية الروائية ويستبطن عالمها الداخلي، فتكون انثيالات الكلام واسترجاعاته صور الماضي جزءاً من المنظور الداخلي للشخصية الروائية، وبذا يكون السرد مبأراً وليس في درجة الصفر.
ففي قصة «تلال كالفيلة البيضاء» للروائي الأميركي آرنست همنغواي، يستهل المؤلف سرده هذا بتوظيف ضمير الغيبة، دونما سارد داخلي متموضع داخل النص، بوصفه مشاركاً أو مراقباً، مما يجعله ينتمي إلى المؤلف، وربما إلى ذاته الثانية أو السارد الضمني: «كانت التلال الواقعة على الجهة الأخرى من وادي (إيبرو) بيضاء، أما هذه الجهة، فلم يكن هناك ظل ولا أشجار. ويتضح هذا المنحى بشكل أكثر وضوحاً في رواية «الحرب والسلام» للروائي الروسي (ليو تولستوي):
«ذات صباح من شهر حزيران 1805. بعثت آنا بابلوفنا شير، وصيفة الإمبراطور فيودوروفنا، المحظية، أحد الخدم، الذي كان يلبس بزة رسمية، ذات لون أحمر، وبيده بطاقات دعوة إلى جميع معارفها».
وربما تتمثل صيغة السارد العليم بشكل رئيس في حكايات الأطفال وقصص الحيوان والقصص الفوكلوري، كما نجد ذلك في هذا السرد من «حكايات إيسوب» الإغريقية، وهو سرد لحكاية شائعة بعنوان «في الاتحاد قوة»: «كان في عائلة أولاد يتخاصمون دائماً فيما بينهم، وأخفقت جميع مساعي الأب في وضع حد لمنازعاتهم بالموعظة الحسنة، فعزم العقد أن يريهم صورة واقعية لشرور الفرقة».
وعمد الكثير من الروائيين إلى توظيف السارد العليم في أعماله الروائية، ومنهم الروائي الإنجليزي (تشارلز ديكنز، والروائية الإنجليزية جين أوستن، التي استهلت روايتها المعروفة «الكبرياء والهوى» بهذا المطلع:
«الكل يعلم، وهذا صحيح لا بد أن رجلاً يمتلك ثروة جيدة، يحتاج إلى زوجة».
واستهل ديكنز روايته المعروفة «قصة مدينتين» بهذا الصوت السردي:
«كان أفضل الأزمنة، كان أسوأ الأزمنة، كان عصر الحكمة، كان عصر الحماقة».
وهناك تحديدات كثيرة لوظيفة السارد العليم منها التمييز الذي قدمه الناقد (بيرسي لبوك) بين أسلوبي العرض showing والحكي telling، إذ يتحقق في «العرض» حكي القصة نفسها بنفسها، بينما في (الحكي) فهناك في الأغلب ساردٌ عالم بكل شيء، وهو الذي ينهض بتقديم الحكاية، وهو قرين السارد العليم. كما يميز الناقد الفرنسي (جان بويون) بين ثلاثة أنواع من «وجهة النظر» view of point أو السرد:
الرؤية مع: وهنا تتساوى معرفة الشخصية بمعرفة الراوي.
الرؤية من الخارج: ويكون الراوي فيها أقل معرفة من الشخصية.
الرؤية من الخلف: ويكون فيها الراوي عليماً بكل شيء يحيط بالأحداث.
ومن الواضح أن النمط الثالث، وأعني به «الرؤية من الخلف» عند (بويون) يقابل السارد كلي العلم الذي نحن بصدد تحديد إشكالياته. والسارد العليم هنا مثل المؤلف المسرحي الذي يضع بعض «الإرشادات المسرحية» لتأطير العرض المسرحي، وهو أيضاً الذي يعرف كل أحداث القصة وشخصياتها، ما خفي منها، وما ظهر، وهو يتنقل بحرية بين الأزمنة والأمكنة، ويدخل عقول شخصياته ليكشف عن أسرارها وخباياها.
ومن المهم أن نشير هنا إلى اتجاهات الحداثة وما بعد الحداثة، قد وضعت السارد كلي العلم موضع المساءلة النقدية الصارمة، وشجعت على إقصائه، وإحلال السارد المبأر بدله، والذي يتحدث عبر وعي شخصية محددة. ولذا راحت الكثير من الأعمال القصصية والروائية تتجنب توظيف السارد كلي العلم وتميل إلى تقديم الأحداث عبر لا وعي أو عبر عيون الشخصيات المشاركة بالفعل السردي، أو حتى المراقبة، الهامشية، التي تستطيع أن تقدم «وجهة نظر» عما يدور من أحداث وما يتفجر من صراعات داخل الفعل القصصي أو الروائي.
وكنت شخصياً قد اعتمدت على مصطلح وظفه تودوروف في قراءتي لتجربة القاص والروائي فؤاد التكرلي هو مصطلح «أنا الراوي الغائب»، وذلك في دراسة خاصة نشرتها في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، وأعدت نشرها في كتابي «مدارات نقدية» (1987)، أشرت فيها إلى كيفية توظيف «أنا الراوي الغائب» الذي يغلب في القصص ذات الطابع الموضوعي، حيث يختفي السارد وراء الأحداث، لكن اختفاء السارد لا يعني الغياب، لأن الراوي الأصيل، هو حاضر دائماً، حيث يمكن التعويض عن ضمير الغائب (هو) بضمير المتكلم (أنا) لتكوين (أنا الراوي الحاضر):
«أنا الراوي الغائب»: «أحس بانقباض شديد».
«أنا الراوي الحاضر»: «أحسست بانقباض شديد».
وقد أشرت آنذاك إلى تركيز فؤاد التكرلي على توظيف أنا الراوي الغائب، ويمكن لنا أن نلاحظ أن هذه التنويعة من تكنيك تيار الوعي، ونعني بها استخدام «أنا الراوي الغائب» قد حررت القاص من الالتزام بالسياق الزماني التقليدي، ومنحته حركة أكبر للتحرك في الزمان والمكان في آنٍ واحد. ولذا يمكن لنا أن نرى في تجربة التكرلي القصصية تجسيداً لأنساق الزمن الثلاثة: النسق الزمني الصاعد والنسق الزمني الهابط والنسق الزمني المتقطع.
ولذا فقد آن الاوان لتصحيح مثل هذا الخلط بين السارد العليم والسارد المبأر، لأن مثل هذا الخلط سوف يلحق الضرر بفهم البنية السردية، كما وجدنا ذلك على سبيل المثال في كتاب الناقد الأكاديمي د. سمير الخليل «الرواية سرداً ثقافياً»، الذي ذهب فيه إلى أن السرد في بعض الروايات التي تناولها بالتحليل ومنها «ملائكة الجنوب» للروائي (نجم والي) و«الطريق إلى منزل هانا» للروائي الراحل (سعد محمد رحيم) وغيرهما، هو سرد عليم، ويتم عبر سارد كلي العلم، بينما نجد أن هذا اللون من السرد هو سرد مبأر لأنه ينثال عبر وعي الشخصيات القصصية ذاتها، وهي في الأغلب شخصيات مشاركة ومتموضعة داخل النصوص الروائية والقصصية.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
TT

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)

افتتح الرئيس السوري أحمد الشرع، الخميس، «معرض دمشق الدولي للكتاب 2026»، في قصر المؤتمرات بالعاصمة، واستقبل وزيرَ الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، الذي تشارك فيه بلاده ضيفةَ شرف.

وتمثّل هذه الدورة من المعرض، محطة إشعاع ثقافي مهمة، تعيد الاعتبار للكتاب بوصفه حاملاً للمعنى ومساحة للحوار.

وخلال زيارته الرسمية، التقى وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، وقدَّم له التهنئة بمناسبة إقامة المعرض.

ودشّن الوزير السعودي جناح بلاده في المعرض، بحضور نظيريه السوري والقطري الشيخ عبد الرحمن بن حمد آل ثاني. وتستمر فعاليات المعرض حتى 16 فبراير (شباط) الحالي، في حضور ثقافي عربي يعكس دور السعودية الريادي في المشهد الثقافي العربي والدولي.


«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
TT

«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)

يغوص الفنان التشكيلي جوزيف أفرام في الذات، كاشفاً مشاعر وأحاسيس تكتنفها لعبة الحياة. ومن هذا المنطلق، يُتيح معرضه «القوى الدافعة» في غاليري «آرت ديستريكت» للزائر أن يُسقط قراءته الخاصة على الأعمال. وبين لعبة الحياة ولعبة الدول، يستكشف تركيبات السياسات الدولية المؤثرة في العالم، ويزيح الأقنعة التي تُخفى خلفها حالات الإحباط.

صاحب الغاليري ماهر عطّار يصف أفرام بأنه من المواهب اللبنانية اللافتة، وفنان ذو رؤية مختلفة وأفكار عميقة. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنه يخرج في أعماله عن المألوف، ويأخذ الزائر إلى مساحات فنية مفتوحة على احتمالات لا حدود لها.

يرسم أفرام الثبات والإحباط، كما الصمود والثورة، في لوحات تقوم على التناقض، مستخدماً الأبيض والأسود كلغتين بصريتين أساسيتين. ويرتكز في أعماله على «الأكريليك» والحبر الصيني، المتوَّجين بتقنية الـ«جيسو»، لتتراكم الطبقات وتُسلّط الضوء على موضوعاته. بهذا تتحوّل اللوحات إلى ما يشبه لآلئ لامعة، صاغها الفنان بالفرشاة والمجحاف والإسفنج.

من «القوى الدافعة» لجوزيف أفرام في غاليري «أرت ديستريكت» (الشرق الأوسط)

يشير أفرام إلى أن أعماله تبدأ برسوم تحضيرية تتطوّر لاحقاً إلى لوحات كبيرة. ويقول: «أعتمد هذا الأسلوب انطلاقاً من دراستي الجامعية في الهندسة الداخلية. لكن عندما أقف أمام المساحة البيضاء، حتى أغوص في عالم آخر يجرّني إلى تفاصيل لم أُحضِّر لها مسبقاً».

عناوين اللوحات المعروضة تحمل دلالات نفسية وإنسانية واضحة، وتعكس حالات نمرُّ بها في الحياة. في لوحة «المتأمِّل» تحلِّق في رحلة علاج داخلي، وفي «خيبة أمل في اللعبة» تدرك أن الحياة لا تستحق هذا القدر من التعقيد. أما في «الثوري» و«لا بأس بأن تكون معصوب العينين» فيدفعان المتلقي إلى التوقّف وإعادة النظر.

ويؤكد أفرام أن أكثر ما يشغله في أثناء تنفيذه أي لوحة هو وضوح الرسالة. ويقول: «أضيف تفاصيل صغيرة لتكشف عن نفسها بنفسها. أشكّل لوحتي من مجموعة رسومات يسكنها التجدد. أتناول أعماق الإنسان بصور تُكمل بعضها بعضاً؛ فتأتي أحياناً واضحة، وأحياناً أخرى مخفيَّة تحت وطأة لعبة الحياة التي تتطلّب منّا غضّ النظر».

في لوحة «الثوري»، يحرِّر أفرام مشاعر مدفونة تراكمت مع الزمن. وفي «المقاومة» يظهر وحيد القرن في مواجهة العواصف، رمزاً للثبات والقوة. ويعلّق: «اخترت هذا الحيوان لما يجسِّده من قدرة على التحمُّل والمواجهة».

لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» (الشرق الأوسط)

أما «الرجل الجنين» فيستحضر الحاجة إلى الأمان؛ يقول: «مرحلة وجود الجنين في رحم أمّه قد تكون الوحيدة التي تعيدنا إلى الأمان المطلق». وفي اللوحة الثنائية «الفائض بالروح» يقف كل قسم منها في مواجهة الآخر، مستحضراً مرحلة الغوص في الذات.

بعض الأعمال يدخل إليها اللونان البرتقالي والأزرق إلى جانب الأبيض والأسود. ويوضح: «في الحياة لا نكشف دائماً عن مشاعرنا الحقيقية، كما تترك السياسات آثارها السلبية علينا. استخدمت البرتقالي لتقديم الإحباط ضمن مساحة مضيئة، والأزرق للدلالة على حقائق زائفة تحتاج إلى مواجهة هادئة».

ويلاحظ أفرام أن المتلقي اليوم يميل إلى مشاهدة العمل الفني بوصفه مساحة تحليل، لا مجرد صورة عابرة. ويقول: «مع تسارع العصر وحضور الذكاء الاصطناعي، تزداد حاجتنا إلى التأمل للحفاظ على تواصلنا مع ذواتنا، لذلك اعتمدت لغة جسد مرنة تمنح الشكل بُعداً إنسانياً».

في لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» يقدِّم رسالة مباشرة: «أحياناً يكون غضّ الطرف ضرورة». ويختم: «المهم أن نبدأ من جديد وألا نستسلم للعتمة، بل نبحث عن الضوء الذي يسمح بالاستمرار».


مصريون في قوائم انتظار لربط مدخراتهم بـ«سبائك الذهب»

تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
TT

مصريون في قوائم انتظار لربط مدخراتهم بـ«سبائك الذهب»

تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)

فشلت عزة حمدي، وهي موظفة في الأربعين من عمرها تعيش في محافظة بني سويف (120 كم جنوب القاهرة)، في شراء سبيكة ذهبية صغيرة، بعدما سحبت جزءاً من مدخراتها المالية لشراء سبيكتين يزن كل منهما غراماً واحداً، مستفيدة من التراجع الجزئي في سعر الذهب. واضطرت في النهاية إلى دفع أموالها والانتظار نحو أسبوعين لتتسلم السبائك الخاصة بها.

طافت عزة محلات الصاغة في مدينتها، لكنها بعد جولة شملت أكثر من 10 محلات لم تجد ما تريد، وعادت إلى منزلها بعدما أخبرها عاملون بعدم وجود سبائك أو جنيهات ذهبية، وأن المتاح يقتصر على أوزان كبيرة من السبائك الذهبية فقط، يتراوح وزنها بين 20 غراماً و100 غرام، وهو ما يفوق قدرتها المالية.

تقول عزة لـ«الشرق الأوسط» إن بعض زميلاتها اشترين الذهب الشهر الماضي بعد انتهاء شهادات بنكية ذات عائد مرتفع، وحققن أرباحاً عند إعادة البيع عقب الارتفاع الكبير في الأسعار. وتشير إلى أنها قررت شراء سبائك صغيرة بجزء من مدخراتها، لكنها لم تتمكن من العثور عليها، ما اضطرها إلى الموافقة على دفع المبلغ والانتظار مدة تصل إلى أسبوعين، وفق ما أبلغها الصائغ، لتتسلم ما طلبته، بغضّ النظر عن ارتفاع سعر الذهب أو انخفاضه.

اختفت السبائك الذهبية ذات الأوزان الصغيرة من الأسواق (شركة بي تي سي)

بلغت مشتريات المصريين من الذهب 45.1 طن في عام 2025، متراجعة بنحو 10 في المائة مقارنة بعام 2024، مع تسجيل زيادة في الربع الأخير من 2025 بنسبة 4 في المائة عن الفترة نفسها من العام السابق. وهي الفترة التي شهدت قفزة قوية في مشتريات السبائك والعملات الذهبية بنسبة 27 في المائة، وفق تقرير صادر عن مؤسسة «جولد بيليون» الشهر الماضي.

وعلى عكس المشغولات الذهبية التي انخفضت مشترياتها بنسبة 18 في المائة في 2025 مقارنة بعام 2024، سجلت مشتريات السبائك والعملات الذهبية خلال الفترة نفسها تراجعاً بنحو 2 في المائة فقط.

يقول مجدي موريس، أحد العاملين في محلات الذهب، لـ«الشرق الأوسط» إن «السبائك اختفت بسبب زيادة الطلب عليها بشكل كبير في الأسابيع الماضية، مع دخول الشهر الثالث على التوالي من تركيز المواطنين على شرائها؛ نظراً لإمكانية إعادة بيعها دون خصم أي نسبة، على عكس المشغولات التي تتراوح نسبة الخصم عند إعادة بيعها بين 1 و3 في المائة، حسب المحل وحالة المشغولات نفسها».

وأضاف أن «السبائك الصغيرة هي الأكثر إقبالاً عليها، وأصبح من الصعب الحصول عليها مع تأخر الشركات في التوريد، مما دفع بعض التجار إلى الاتفاق على تنفيذ عمليات بيع بأسعار اليوم، على أن يجري التسليم في وقت لاحق»، مشيراً إلى أن «هذا الأمر قد يؤدي إلى مشكلات عند تغيّر السعر في ظل حالة الاضطراب صعوداً وهبوطاً بشكل يومي، وقد حدثت بسببه خلافات بين بعض التجار والزبائن».

ولفت موريس إلى أنهم، على مدى 3 أيام تقريباً، لم يستقبلوا شخصاً واحداً يرغب في إعادة بيع سبيكة يملكها، مقابل مئات الاستفسارات اليومية عن الشراء، في حين لم تسلِّمهم الشركة التي يتعاملون معها أي سبائك جديدة منذ 5 أيام تقريباً. وأشار إلى وجود فارق سعري بين البيع والشراء للسبائك يصل إلى 300 جنيه (الدولار يعادل 46.9 جنيه في البنوك)، في إطار سعي التجار إلى تجنب الخسارة بسبب تذبذب الأسعار.

وسجلت أسعار الذهب تذبذباً عالمياً في الأسابيع الماضية، مع تسجيل أرقام قياسية لسعر «أونصة الذهب» التي اقتربت من حاجز 5600 دولار، قبل أن تتراجع بأكثر من ألف دولار. كما تشهد الأسواق العالمية تبايناً في السعر اليومي يصل أحياناً إلى 300 دولار، ما يجعل التسعير في محلات الذهب المصرية يتغير مرات عدّة خلال اليوم الواحد.

تعاني السوق المصرية من نقص في توافر السبائك (شركة بي تي سي)

أرجع رئيس «شعبة الذهب بالاتحاد العام للغرف التجارية» هاني ميلاد، نقص المعروض من السبائك في الأسواق إلى الزيادة الكبيرة في الطلب على الشراء، بما يتجاوز القدرات الإنتاجية والطاقة التشغيلية للمصانع. وأوضح أن هذا النقص ظهر بوضوح خلال الأيام الأخيرة، لا سيما في السبائك صغيرة الحجم والجنيهات الذهبية؛ نظراً لكونها الأكثر جذباً للمشترين.

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الذهب يُعد في الأساس أداة استثمارية طويلة الأجل، لكن موجة الصعود الأخيرة في الأسعار دفعت بعض المتعاملين إلى الشراء بغرض المضاربة قصيرة الأجل، مع تركيز واضح على السبائك والجنيهات الذهبية باعتبارها الأقل من حيث تكلفة «المصنعية»، مع إمكانية استرداد جزء منها عند إعادة البيع.

ونفى ميلاد وجود توجّه لإيقاف أو تعليق التعاملات في محلات الذهب بسبب التذبذب في الأسعار العالمية، مؤكداً أن عمليات البيع والشراء تسير بصورة اعتيادية في معظم الأوقات، رغم التقلبات السعرية.