عماد الأرنب ركب «قوارب الموت» إلى لندن ... وحقق حلمه

ترك دمشق وذاكرته تحمل وصفات أمه التي يطبقها اليوم في «مطبخ عماد السوري»

الشيف السوري عماد الأرنب  -  طبق المحمرة والقرنبيط من أشهر الأطباق على لائحة الطعام  -  مجموعة من أطباق الشيف عماد المميزة
الشيف السوري عماد الأرنب - طبق المحمرة والقرنبيط من أشهر الأطباق على لائحة الطعام - مجموعة من أطباق الشيف عماد المميزة
TT

عماد الأرنب ركب «قوارب الموت» إلى لندن ... وحقق حلمه

الشيف السوري عماد الأرنب  -  طبق المحمرة والقرنبيط من أشهر الأطباق على لائحة الطعام  -  مجموعة من أطباق الشيف عماد المميزة
الشيف السوري عماد الأرنب - طبق المحمرة والقرنبيط من أشهر الأطباق على لائحة الطعام - مجموعة من أطباق الشيف عماد المميزة

عماد الأرنب طاهٍ سوري هرب من الحرب في بلده سوريا بعدما دمر القصف مطاعمه ولم يعد أمامه أي أمل غير الرحيل وبدء رحلة الخوف والمجهول من لبنان وصولاً إلى مخيم «كاليه»، وكان حلمه الوصول إلى لندن، تحدى الموت أكثر من مرة وهو وفي القارب الذي تقاذفته أمواج الخوف، ولكنه لم يفقد الأمل.
انتظر في مخيم اللاجئين في فرنسا 65 يوماً يصفها بالأيام السوداء التي تتشابه بلونها الداكن ومرارتها، مرارة الغربة والمصير والمجهول ووجع العيش في السراب بعيداً عن عائلته المؤلفة من زوجته وبناته الثلاث.
خلال أيام الانتظار وتقرير المصير أراد أن يكون لاجئاً مفيداً، فبدأ بطهي الطعام البسيط للاجئين أمثاله الذين ينتظرون مصيرهم مثله تماماً، لم يملك إلا وعاءً واحداً وملعقة وسكيناً، ولكنه كان يملك في جعبته المخفية وصفات أمه السورية التقليدية والبسيطة، الذي حلم في الوقت الذي لم يكن لديه الحق بالحلم وهو يعيش أسير القرار والوجهة التي سينتهي به المطاف ليحط رحاله الأخيرة فيها، حلمه كان الوصول إلى لندن وفتح «مطبخ» يطبق فيه وصفات والدته.
وأخيراً تحقق الحلم ووصل إلى لندن عاصمة الأمل عام 2015، عمل في مجالات كثيرة عدة، من بينها بيع السيارات، ولكنه لم يتخل عن شغفه في الطهي حتى بدأ بالتعاون مع مؤسّسات خيريّة تدعم اللاجئين عام 2017، مثل مشروع «الجيل الجديد» التابع لـ«يونيسيف»، وجمعية «اختر الحب» لمساعدة اللاجئين في المملكة المتحدة. وبموجب هذا التعاون، أُطلقت سلسلة مطاعم مؤقتة، ونوادي عشاء، بالإضافة إلى أكشاك لبيع الفلافل.
ذاع صيته في العاصمة البريطانية ونفدت تذاكر نوادي العشاء بسرعة غير مسبوقة، وتجمهر الناس أمام أكشاك الفلافل التي يقوم بتحضيرها بعدما أصبحت نكهتها على كل لسان.
مهارته في الطهي جعلت شهرته تسبقه، فاستضافته أهم برامج الطهي التي تذاع على القناة البريطانية الرسمية، عرّف العالم من خلال إطلالاته الإعلامية على المطبخ السوري الذي أراد الاحتفال به من خلال افتتاح «مطبخ» وليس «مطعماً» ليحيي فيه ذكرى والدته التي توفيت مباشرة بعد وصوله إلى بر الأمان في المملكة المتحدة.

ديكور المطعم بسيط ويذكرك بمقاهي سوريا

سمعت الكثير عن هذا الطاهي «اللاجئ» فهذه الصفة كانت ولا تزال ملاصقة له، افتتح مطعمه الذي أطلق عليه اسم «مطبخ عماد السوري »Imad’s Syrian Kitchen في شارع «كارنابي» في منطقة سوهو في مايو (أيار) عام 2021 متحدياً الجائحة والإغلاق، شدتني قصة نجاحه لزيارته في مطعمه الذي يحلو له تسميته بالمطبخ، استقبلني صوت فيروز الذي كان يصدح بنغماته الهادئة إلى المطعم الواقع في الطابق العلوي من مبنى «كينغلي كورت»، وكان الشيف عماد في الاستقبال وراء الباب الأزرق وبابتسامة عريضة وترحيب شامي حار دخلت إلى واحة تنسيك أنك في لندن، وتأخذك إلى رياض المنازل السورية و«قهوة الزجاج» في بيروت، كراسي بسيطة من الخشب ونوافذ واسعة تتسلل إليها أشعة الشمس اللندنية الخجولة، بلاط بنقشة الأرابيسك الشرقية المميزة وجدران باللون الأبيض تزينها صور عائلية خاصة بالشيف عماد وزوجته وبناته الثلاث.
في مستهل الحديث الذي كان لا بد من التسليط الضوء فيه على مجيئه إلى لندن كلاجئ لفتني رد الشيف عماد بالقول: «اللاجئون ليسوا من كوكب آخر، بل إنهم (أولاد عالم)». وبالفعل ومعه كل الحق بالتنويه بذلك لأن الإعلام في أوروبا عندما يتكلم عن اللاجئين تشعر وكأنهم من مجرة أخرى فننسى أنهم بشر وكانت لهم أوطانهم وحياتهم، ولكن الظروف دفعتهم للهرب بحثاً عن السلم والطمأنينة والسلام.
شغف الأرنب بالطهي واضح وحبه للندن جلي، والسبب - وبحسب قوله - هو اللغة؛ لأنه يرى بأن العيش يسهل في بلد تفهم لغته، وعند وصوله إلى مخيم اللاجئين في كاليه كان يحلم بأن يستطيع العيش والاستقرار في لندن، وليس في ألمانيا بسبب اللغة.
وعن الأيام التي عاشها في كاليه وصفها بأيام صعبة للغاية لأنه كان يستيقظ وحيدا ولم يكن يعرف ما سيخبئه له النهار. صبر وتأمل خيراً إلى أن استطاع الوصول إلى لندن التي يصفها ببيته الآمن بعدما فقد كل شيء في بلده الأم.
حبه واعتزازه بأفراد عائلته الصغيرة واضح من طريقة كلامه، فالبسمة لا تترك معالم وجهه عندما يشير إلى بناته في الصور المعلقة على الجدار وهو يصف ذكاءهن وتفوقهن في المدرسة. ويقول «أهم إنجازاتي في حياتي هي عائلتي واليوم الذي استطعت بأن ألمّ شملنا في لندن بعد طول غياب».
وعندما بدأت الروائح الجميلة تنبعث من المطبخ تحضيراً لوصول الزبائن في تمام منتصف النهار، كان قد حان الوقت للتكلم عن الأطباق التي يقدمها الشيف عماد في مطبخه، فقال، إنه يحب الأكل البسيط والتقليدي، ولائحة الطعام لديه قصيرة قوامها 15 طبقاً فقط تتبدل كل شهر، ولكنها جميعها وصفات أمه التي علّمته الطهي وأشياء كثيرة أخرى. توقف هنا وقال «توفيت أمي بعد وصولي إلى هنا وكأنها كانت تنتظر بأن يطمئن قلبها على ابنها البكر، أمي كانت حياتي ومدرستي التي علمتني كل شيء، من اللغة الإنجليزية التي أتقنتها إلى حب الطهي، والأهم أنها علمتني دروساً في الإنسانية وكيف أكون إنساناً فعالاً في المجتمع».
أطباق عماد مختصرة ومفيدة، ويصفها بأكل البيت؛ لأنه في هذا المكان يشعر وكأنه في بيته في دمشق، فاستخدم مفردات كثيرة مثل اللون الأزرق والشبابيك الخشبية لتذكره دائماً بالمكان الذي جاء منه.
وعن الأكل الشرق أوسطي في لندن، يرى الشيف عماد، أن المطاعم المتوفرة هنا لم تنصف المطبخ اللبناني أو الشرقي بشكل عام؛ لأنها لم تستطع أن تقدم ما يمكنك أن تتناوله في لبنان أو أي بلد عربي آخر يشتهر بمطبخه اللذيذ.ويسعى الأرنب في مطبخه إلى استخدام المنتجات السورية التي يأتي بها من محال في لندن تستوردها من الخارج أو من سوريا مباشرة.
اللافت في قائمة الطعام في «مطبخ عماد السوري» هو عدم وجود الأطباق الشامية التقليدية مثل المشاوي، إنما استعاض عنها بطبق من القرنبيط المشوي مع صلص الطحينة والدجاج بالبرغل، وشدد على لحم الضأن الذي يفضله في الطهي، والصفة المشتركة في الأطباق كلها أنها لذيذة وبسيطة، بالوقت نفسه لا يكثر الشيف من استخدام المنكهات القوية مثل الثوم أو البهارات، ولكن ما يجب تذوقه في مطبخه هو طبق الفلافل الذي لا يشبه سواه، ويقدمه الشيف عماد على شكل دوائر «دونات» مفرغة من الوسط، فهي مقرمشة ولذيذة وقريبة من قلب الطاهي وفأل خير عليه؛ لأنه اشتهر في لندن بسببها، وهي بمثابة مفتاح الخير والبركة بالنسبة له.
ويرى الأرنب، أنّ «العمل مع المؤسسات الخيرية يُشكل إضافة للمهنة، ولا يأخذ من طريقها». وهذه هي قناعته الشخصية التي يؤمن بها؛ ولذا قرر بأن يقدم جنيهاً واحداً من قيمة كل فاتورة تذهب لمساعدة اللاجئين في المؤسسات التي يدعمها والتي دعمت مشواره في لندن.
وعن تحديه فترة الجائحة واختياره أصعب الظروف لافتتاح مطعمه، قال الأرنب، إن الوضع كان ملائماً لأنه خلال تلك الفترة كان من الممكن الحصول على إيجارات منخفضة الأسعار فاقتنص الفرصة وحقق حلمه في مطبخه الصغير الذي ينوي بأن يجعله أكبر لكي يتسنى له تقديم الفطور الشامي التقليدي على أنغام فيروز إلى جانب الغداء والعشاء، فحالياً يستقبل المطعم زبائنه من الساعة 12 ظهراً ولغاية الساعة الثامنة والنصف مساءً، والإقبال على المكان واضح جداً؛ فهو محجوز بالكامل على مدى ساعات الأيام، ويقوم الشيف بنفسه باستقبال جميع الزبائن وغالبيتهم من الغرب، ويقول هنا «أنا ممتن جداً لهذا البلد ولشعبه؛ فالقرارات الحكومية المتعلقة بقانون الهجرة واللاجئين لا تمثل الشعب وإنسانيته». وتابع، أن «زبائنه يأتون إليه بعد قراءتهم عن المكان، وهذا الأمر يميزهم عن الزبائن العرب الذين يزورون مطاعم جديدة بعد سماعهم عنها من الأصدقاء والأقرباء».
عندما تكلمنا عن هوية المنتج الشرقي والأطباق العربية، دافع الأرنب عن هذا الموضوع بشدة لأنه يعتقد بأن الطعام هو بمثابة إرث وطني لا يمكن التلاعب به ولفته في لندن إكثار العديد من الطهاة الأجانب من استخدام الزعتر في وصفات لا تمت للزعتر بصلة، فضحك هنا وقال «لم سمحتم اتركوا الزعتر بحاله أو ضعوه في مكانه الصح، وإلا فاتركوه لنا».
الفلافل برأي الأرنب هي أقدم من بعض المدن ولا يجوز التلاعب بوصفتها على الإطلاق، وتابع بأنه يحاول جاهداً بأن يشعر الزبائن وكأنهم في سوريا وليسوا في لندن من خلال تطبيق الكرم السوري في المطعم تماماً مثلما يقوم به الطهاة وأصحاب المطاعم في بلاد الشام، كما أنه من المهم جداً التركيز على النكهة والنوعية وليس فقط على طريقة التقديم، مشيراً إلى أنه ليس من أنصار المطاعم التي تشدد فقط على شكل الطبق وليس النكهة، وعن النكهة قال، إن القدرة على الحصول عليها بالطريقة نفسها في كل مرة هو سر النجاح.
ولفتنا في المطبخ وجود جنسيات مختلفة، فعلق الأرنب عن الموضوع بالقول إنه يعمل معه في المطبخ نحو 13 شخصاً من جنسيات مختلفة، الغالبية منهم هم بالأصل لاجئون من بلدان مختلفة، منها البيرو، وسوريا، والجزائر، وسريلانكا... وعلق الأرنب هنا «هذا أقل ما يمكن أن أقوم به لأثبت بأن اللاجئ هو إنسان طبيعي يحق له العيش والعمل بسلام مثل باقي البشر».
أكثر البهارات والمنتجات التي يفضّل الشيف عماد استخدامها هي الكمون، والثوم، والنعناع المجفف، وقال، إن المطبخ الشرق أوسطي ليس معقداً، وإنما سمته المميزة هي البساطة، فيكفي أن تخلط زيت زيتون جيد النوعية مع القليل من الشطة لتكون ألذ نوع طعام مع قطعة خبز طازجة؛ فالطعام الجيد هو الذي يعتمد على المنتج الجيد. وبرأي الأرنب، فالمطبخ الشرق أوسطي يعتمد على التقنية وليس على المعدات؛ لأنه يمكن أن تقدم ألذ طبق شرقي إذا توفر لديك المنتج والسكين الحاد.
الحديث مع الشيف عماد الأرنب شيق وبسيط يشبه مطبخه الذي اكتظ بالزبائن أثناء حديثنا الذي أخذنا إلى الرياض السوري والبيوت الشامية الجميلة، ونقلنا إلى أجواء العائلة واللقمة الطيبة، وحب الأم التي كانت مدرسة بالنسبة للشيف عماد، كيف وهي من علمته كل شيء وهي تعيش معه في هذا المكان ويشعر وكأنها ترافقه في مشواره الذي كان محفوفاً بالعذاب والخوف والرعب من شبح الهجرة واللجوء، إلا أن النهاية كانت سعيدة؛ لأن عماد الأرنب هو اليوم من أشهر اللاجئين الذين يقدمون شيئاً بالمقابل للمدينة التي احتضنته والتي فتحت أمامه الفرص وجعلت عائلته سعيدة وتنعم بالأمان والطمأنينة.


مقالات ذات صلة

العلا ضمن دليل «ميشلان» السعودية لعام 2026

مذاقات العلا ضمن دليل «ميشلان» السعودية لعام 2026

العلا ضمن دليل «ميشلان» السعودية لعام 2026

تواصل العلا توسيع حضورها في قطاعي الضيافة والمطاعم، مع إدراج عشرة فنادق ومطاعم في نسخة 2026 من دليل «ميشلان» للمملكة العربية السعودية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
مذاقات نهضة البيتزا في روما

نهضة البيتزا في روما

كانت مستطيلات بيتزا «أل تاليو» المعروضة خلف منصة التقديم في مطعم «فرومنتاريو» الصغير للغاية، في حي «سان جيوفاني» الصاخب بمدينة روما

أنيا بريمزن (روما)
مذاقات الحمضيات تعيد رسم مذاق الأطباق

الحمضيات تعيد رسم مذاق الأطباق

قد تكفي قطرات قليلة من عصير الليمون، أو قدر من بشر البرتقال، أو شرائح من اليوسفي المحمص لتغيير ملامح ومذاق طبق كامل.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
مذاقات جولة على ألذ أطباق الحلوى بباريس

جولة على ألذ أطباق الحلوى بباريس

رغم أن الكثير من حواضر العالم تزخر بمخابز وحلويات من الطراز الأول، تظل باريس الوجهة الأولى لعشاق الحلويات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
مذاقات سندويشات الذكريات... حين تختبئ الطفولة بين طبقات الخبز

سندويشات الذكريات... حين تختبئ الطفولة بين طبقات الخبز

يتعلّق المرء أحياناً برائحة أو ملمس أو طعمٍ ما، فيجد نفسه يستعيد ذكرياتٍ دفينة تنبشها الذاكرة من طفولةٍ مضت، ويحتلّ الطعام صدارة ما يوقظ هذه الذكريات

فيفيان حداد (بيروت)

العلا ضمن دليل «ميشلان» السعودية لعام 2026

هابيتاس العلا (الشرق الأوسط)
هابيتاس العلا (الشرق الأوسط)
TT

العلا ضمن دليل «ميشلان» السعودية لعام 2026

هابيتاس العلا (الشرق الأوسط)
هابيتاس العلا (الشرق الأوسط)

تواصل العلا توسيع حضورها في قطاعي الضيافة والمطاعم، مع إدراج عشرة فنادق ومطاعم في نسخة 2026 من دليل «ميشلان» للمملكة العربية السعودية. وشملت القائمة ثلاثة فنادق حصلت على «مفتاح ميشلان»، إلى جانب مطاعم حازت تصنيف «بيب غورماند» وأخرى اختيرت مجدداً ضمن الدليل، فيما سجَّل مطعم «ساموير» حضوره للمرة الأولى.

تاما في هابيتاس (الشرق الأوسط)

فحصل فندق «دار طنطورة ذا هاوس» على مفتاح ميشلان واحد، ويقع في بلدة العلا القديمة ضمن مجموعة من المنازل الطينية التاريخية التي خضعت للترميم، فيما حصل «شيدي الحِجر» على مفتاح ميشلان واحد أيضاً. ويقع الفندق داخل موقع الحِجر، المدرج على قائمة التراث العالمي لليونيسكو، ويضم مباني تاريخية وأسواراً للحصن ومحطة سكة حديد العلا السابقة.

واحتفظ «بانيان تري العلا» بمفتاح ميشلان واحد لعام 2026. ويقع المنتجع في وادي عشار بين التكوينات الصخرية الرملية، ويعتمد في تصميمه على وحدات إقامة متناغمة مع البيئة المحيطة.

جونتوس في دار طنطورة (الشرق الأوسط)

وتضم قائمة الفنادق كذلك «أور هابيتاس العلا»، الذي يركز على تجارب العافية والإقامة في البيئة الصحراوية، و«كرافان من هابيتاس العلا»، الذي يقدم وحدات إقامة في الهواء الطلق مستوحاة من أجواء الرحلات والمغامرات الصحراوية.

وعلى مستوى المطاعم، أدرج دليل ميشلان «طوفريه» ضمن تصنيف «بيب غورماند»، وهو تصنيف يمنحه الدليل للمطاعم التي تقدم وجبات ذات جودة جيدة وبأسعار مناسبة نسبياً. ويقع المطعم في منزل تقليدي ببلدة العلا القديمة، ويقدم أطباقاً تعتمد على مكونات محلية، من بينها برتقال العلا والتمور المنتجة في واحة العلا.

إحدى الغرف في دار طنطورة (الشرق الأوسط)

كما احتفظ «خونتوس»، الواقع في فندق دار طنطورة ذا هاوس، بتصنيف «بيب غورماند». ويقدم المطعم أطباقاً مستوحاة من المطبخ السعودي التقليدي ضمن معالجة معاصرة.

وانضم «ساموير» إلى دليل «ميشلان» للمرة الأولى في عام 2026. ويقع المطعم في واحة العلا، ويقدم أطباقاً من مطابخ الشرق الأوسط بلمسات معاصرة، في موقع تحيط به بساتين النخيل.

إحدى غرف جونتوس (الشرق الأوسط)

وتشمل قائمة المطاعم المختارة مجدداً كلاً من «حرّة» في بانيان تري العلا، الذي يقدم أطباقاً مستوحاة من مطابخ عربية مختلفة، و«تاما» في «أور هابيتاس العلا»، الذي يعتمد على مكونات محلية وقوائم موسمية ونهج «من المزرعة إلى المائدة».

دار طنطورة في العلا (الشرق الأوسط)

وبذلك تضم قائمة دليل ميشلان السعودية لعام 2026 عشرة فنادق ومطاعم في العلا، تشمل الفنادق الحاصلة على مفاتيح ميشلان، والمطاعم المصنفة ضمن «بيب غورماند»، إضافة إلى مطاعم جرى اختيارها مجدداً ومطعمٍ انضم إلى الدليل للمرة الأولى.

ويأتي إدراج هذه المنشآت ضمن نسخة 2026 من دليل «ميشلان» في وقت تشهد فيه العلا توسعاً في قطاع الضيافة والمطاعم، بالتزامن مع تطوير وجهتها السياحية واستقبالها مزيداً من الفنادق والمطاعم التي تستهدف الزوار المحليين والدوليين.


نهضة البيتزا في روما

نهضة البيتزا في روما
TT

نهضة البيتزا في روما

نهضة البيتزا في روما

كانت مستطيلات بيتزا «أل تاليو» المعروضة خلف منصة التقديم في مطعم «فرومنتاريو» الصغير للغاية، في حي «سان جيوفاني» الصاخب بمدينة روما، أشبه بلوحات فنية رائعة؛ إذ غُطيت إحداها ببيض مخفوق بلطف يتوهج بلون الزعفران تحت ندف من الكراث الأندلسي، بينما زُينت أخرى بأعشاب برية رفيعة تُعرف باسم «أغريتي» تتشابك فوق أشرطة وردية من شرائح اللحم المقدد. أما الثالثة فكانت فسيفساء من الألوان الترابية: فطر «كاردونشيلي» متناثر عبر قشرة ذهبية وتتخلله شظايا ياقوتية من طماطم «كونفي» المطهوة ببطء.

بيتزا بالخضار والنكهات المختلفة (نيويورك تايمز)

وعقب ذلك، أضفى صانع البيتزا الشاب أليساندرو سانتيلي لمسة أخيرة ساحرة على كل طلب؛ حيث وضع مربى البصل و«غوانشالي» (اللحم المقدد) فوق البيض، ورش صوص «الديمي غلاس» فوق لوحة من الخرشوف المقلي ولحم البقر مع جبن «ريكوتا» المصنوع من حليب الغنم. ويشير اسم «فرومنتاريو» إلى قوانين الحبوب التي كانت روما القديمة تزود الجماهير من خلالها. وقال سانتيلي، الذي يقدم عادة نحو 20 نوعاً من الإضافات يومياً (بدءاً من 3 يورو، أي حوالي 3.50 دولار للقطعة الواحدة): «أردت تقديم شيء إبداعي، ولكن بأسعار شعبية تناسب الجميع».

الجبن من أهم المكونات التي ترافق البيتزا (نيويورك تايمز)

ولسنوات طويلة، هيمنت البيتزا النابولية المستديرة ذات الحواف المنتفخة على المشهد العام للبيتزا الإيطالية. غير أن روما باتت اليوم تسحب البساط من تحت أقدامها عبر إعادة إحياء وتطوير تقاليدها الخاصة، بدءاً من بيتزا «أل تاليو» المحلية، التي تعني حرفياً «البيتزا بالقطعة»، وهي تلك الألواح المستطيلة الطويلة أو البيضاوية التي تُقطع حسب الطلب وتُباع بالوزن.

نكهات لذيذة ومختلفة (نيويورك تايمز)

يقول بييرلويجي روشولي، وهو الخباز من الجيل الثالث القائم على مخبز «أنتيكو فورنو روشولي» وأحد أفراد العائلة التي قدمت لنا مطعم «سالوميريا روشولي» الشهير، إن بيتزا «رومانا» نشأت في مخابز الخبز كوجبة خفيفة متواضعة، تُقدم إما بيضاء (سادة) أو حمراء بصلصة الطماطم. وأضاف أنه في ستينات وسبعينات القرن الماضي، جلب المهاجرون من إقليم أبروتسو بيتزا «إين تيليا» (البيتزا المطهوة في صينية حديدية) إلى العاصمة الإيطالية، ليتحد المساران معاً. وواصل روشولي مسيرته ليحول البيتزا البيضاء إلى أكثر أنواع البيتزا رغبة في روما، وذلك بفضل فترات التخمير الطويلة للعجين والاهتمام الفائق بالتفاصيل. وفي عام 2003، أطلق صانع البيتزا النجم غابرييل بونتشي حركته الخاصة الجديدة عندما افتتح مطعم «بيتزاريوم» بقشرة سميكة من العجينة المخمرة مع إضافات مثل البطاطس المنكهة بالفانيليا.

بيتزا بنكهات مختلفة (نيويورك تايمز)

والآن، يعمل جيل «بيتزا روما 3.0» على إحداث ثورة في هذا المجال. وبناءً على ذلك، واستسلاماً لشغف النشويات اللذيذة خلال إقامتي الأخيرة في روما، انطلقتُ في رحلة لاستكشاف أكثر تطورات البيتزا إثارة في المدينة.

وقالت سارة بوناميني، الشريكة المؤسسة لمخبز «توليباني» والمحررة السابقة لدليل «بيتزيري ديتاليا» الصادر عن مؤسسة «غامبيرو روسو»: «اليوم، لا تقتصر أفضل بيتزا (أل تاليـو) في روما على مجرد العرض الجذاب خلف منصة التقديم؛ وإنما تتعلق بأخذ شيء بسيط وإعداده بعناية فائقة، بحيث تحمل كل قطعة قصتها وتراثها الخاص».

البيتزا في روما تضاهي بيتزا نابولي (نيويورك تايمز)

وكان يمكن لسارة بوناميني أن تصف عمل فرانشيسكو أرنيسانو في مطعم «ليفياتو»؛ إذ أبلغني الخباز وصانع البيتزا البالغ من العمر 31 عاماً، الذي يملك متجرين في حي «إي أور»، أن بيتزا «أل تاليو» العظيمة تتمحور حول استخلاص أقصى درجات التعبير والنكهة من مجرد مكونات مميزة قليلة.

وقد استوعبتُ هذه الحكمة وأنا أتذوق مستطيلاته من البيتزا المغطاة بكريات اللحم المطهوة ببطء في النبيذ الأبيض مع البازلاء الموسمية الخضراء، تليها بطاطا إقليم لاتسيو الهشة المطهوة ببطء في الزبدة، ثم البيتزا البيضاء المحشوة بلحم «فايسونا» المشوي محلي الصنع، مع مخلل «جياردينيرا» والمايونيز بنكهة الحمضيات (بدءاً من 3 يورو للقطعة الواحدة).

مقاهي صغيرة لبيع قطع البيتزا في روما (نيويورك تايمز)

ما هو السر وراء عجينة البيتزا شديدة التعقيد لديه؟ إنه مزيج من أنواع الدقيق التي يطحنها خبير الحبوب الصقلي فيليبو دراغو. وأوضح أرنيسانو بهدوء وأسلوب أكاديمي رصين: «هناك القمح اللين للحصول على القوام الهيكلي، والقمح الصلب للحصول على القرمشة، وحبوب القمح الكاملة مع بعض الشلجم للحصول على النكهة والرائحة». وأضاف أن القمح اللين الذي ينتجه دراغو يأتي من «سلالة متطورة»؛ وهو مزيج متنوع جينياً من أصناف تُزرع معاً لتتكيف النباتات طبيعياً مع الظروف المحلية.

بالنسبة لأولئك الذين لا يرغبون في قطع رحلات طويلة إلى الأحياء والضواحي البعيدة، فإن اثنين من أكثر العناوين إثارة في المدينة يقعان حول منطقة «سيركو ماسيمو». وخلال موجة حر شهدها شهر يونيو (حزيران)، كان الموقع الأثري شديد الحرارة بحيث يصعب التجول فيه؛ وبدلاً من ذلك، جلستُ مع رفيقي على مقاعد مظللة خارج مطعم «روفر تيليا فرازيوناتـا» الصغير، تحت لافتة حمراء وبيضاء كُتب عليها: «دراما أقل، بيتزا أكثر».

بيتزا بجبن البارميزان (نيويورك تايمز)

وكان أليساندرو روفر، وهو تلميذ بونتشي السابق، قد افتتح هذا المكان عام 2023 وهو في التاسعة والعشرين من عمره، وسرعان ما جذب الانتباه بإضافاته المبتكرة الشهيرة، مثل رافيولي الريكوتا والسبانخ المُعاد ابتكاره كبيتزا، ولحم «الراغوفر» الذي يتضمن «راغو» غنياً بالنكهة من لحم بقر «التشيانينا» المشوي لساعات طويلة.

مستطيلات البيتزا بنكهات مختلفة (نيويورك تايمز)

وإلهاماً من زياراته الأخيرة إلى إسطنبول، ابتكر روفر بيتزا كباب «أضنة»؛ وقد ذُهلتُ وأنا أتذوق لحم الضأن والبقر المُنكه بالكمون والمتناثر فوق الباذنجان المشوي وفلفل «فريجيتيلي» الأخضر تحت قطرات من لبن «كيفير» الحامضي المصنوع من حليب الغنم. فهل كان هذا أروع مزيج يتجاوز الثقافات يطرأ على البيتزا على الإطلاق؟ أم كانت تلك الرؤية المبتكرة لشطيرة «كروك مدام» مع اللحم المقدد، والبيض العضوي، والذوبان الفاخر والمغري لجبن «كونتيه» المعتق لمدة 30 شهراً (بدءاً من 2.5 يورو للقطعة الواحدة)؟

البيتزا تباع بالقطعة في روما (نيويورك تايمز)

على الجانب الآخر من «سيركو ماسيمو»، يُعد مطعم «فراتيللي تريكا» أحدث مشاريع الأخوين مانويل ونيكولو تريكاستيلي، اللذين يمتلكان قاعدة جماهيرية عريضة بفضل مطعميهما «بانتير بيتزا روستيكا» وطاولة «تريكا روما» في حي «أوستينسي». وقد حل مطعم بيتزا الأخوين الجديدة، بطاولاتها الرخامية وتذكارات نادي «أي إس روما» لكرة القدم، محل بار «سيركوليتو» للأنبذة الطبيعية المملوك لهما. نعم، ذلك المكان الذي ذاب فيه النجم ستانلي توتشي شغفاً بشطيرة «بانينو» اللسان المدخن و«الباسترامي». ولا يزال بإمكانك طلبها هنا، حيث تُقدم مطوية داخل بيتزا بيضاء دافئة، لتمنحك قضمة غنية ولذيذة ومفعمة بالنكهات.

خدمة «نيويورك تايمز»


الحمضيات تعيد رسم مذاق الأطباق

تارت عنب الثعلب ببشر الليمون من شيف ميدو "الشرق الأوسط"
تارت عنب الثعلب ببشر الليمون من شيف ميدو "الشرق الأوسط"
TT

الحمضيات تعيد رسم مذاق الأطباق

تارت عنب الثعلب ببشر الليمون من شيف ميدو "الشرق الأوسط"
تارت عنب الثعلب ببشر الليمون من شيف ميدو "الشرق الأوسط"

قد تكفي قطرات قليلة من عصير الليمون، أو قدر من بشر البرتقال، أو شرائح من اليوسفي المحمص لتغيير ملامح ومذاق طبق كامل.

فالحمضيات تأتي إلى المطبخ لتعيد ترتيب النكهات، وتمنح الأطباق قدراً من الانتعاش والتوازن المطلوبين في كل المواسم.

فليست الحمضيات مجرد إضافة جانبية إلى الطعام، لكنها تمنحه أيضاً، حسب خبراء الطهي، توازناً بين الحلاوة والملوحة والحموضة، فضلاً عن رائحة أكثر حضوراً.

الحمضيات ذات القشرة الرقيقة تحقق أفضل النتائج عند التحميص

ومع تنوع أصنافها من الليمون والليمون الأخضر والبرتقال والجريب فروت إلى الأنواع الأقل شيوعاً في المطبخ المصري مثل اليوزو والكمكوات، أصبحت الحمضيات مكوناً مرناً يمكن أن ينتقل بسهولة بين الأطباق الرئيسية والسلطات والمخبوزات والحلويات.

وهي، حسب الشيف المصري سيد إمام، من أكثر المكونات قدرة على إضفاء الحيوية على الطعام. يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الحمضيات متعددة الاستخدامات، وتضفي نكهة مميزة على أي طبق؛ فهذا المكون ذو المذاق اللاذع والحلو في الوقت نفسه يصلح للأطباق الجانبية والرئيسية والحلويات».

ويرى أن الحموضة واحدة من الأدوات الأساسية التي يمكن للطاهي الاعتماد عليها لضبط مذاق الطبق، موضحاً: «إضافة الحموضة إلى طعامك، سواء بالليمون أو الليمون الأخضر أو الجريب فروت أو البرتقال أو أي نوع آخر من الحمضيات، هي طريقك لإضفاء الحيوية على أي طبق».

تحميص الحمضيات يضفي نكهة كراميلية رائعة

وتأتي الحمضيات في هذا السياق بوصفها بديلاً لطيفاً للخل في كثير من الصلصات والتتبيلات؛ فعصير الليمون، على سبيل المثال، يمكن أن يحل محل جزء من الخل في تتبيلة السلطة، فيمنحها حموضة أكثر انتعاشاً، في حين أن عصير الحمضيات يساعد في إبراز النكهات الأخرى بدلاً من طغيانها عليها.

ويضيف إمام أن «رشة من الحمضيات تجعل تتبيلات السلطة أكثر انتعاشاً، والأسماك أكثر طراوة، والمخبوزات أخف، مع نكهة لاذعة لذيذة توازن أي شيء حلو أو مالح».

ومن هنا يمكن استخدام الحمضيات بطرق تتجاوز عصر الثمرة؛ فالقشر نفسه يحمل زيوتاً عطرية مركزة، ويستطيع بشر القليل منه فوق طبق جاهز أن يضيف طبقة من الرائحة والنكهة من دون زيادة واضحة في الحموضة.

اختيار مثالي مع الخضروات

ويمكن استخدام بشر الليمون أو الليمون الأخضر أو البرتقال مع السلطات، والصلصات، وعجائن المعجنات والحلويات، خصوصاً عندما تكون الوصفة شديدة الحلاوة وتحتاج إلى ما يكسر حدتها.

وفي المطبخ الآسيوي، حسب الشيف المصري، تظهر الحمضيات في صور أكثر تنوعاً، ومن بينها «يوزو كوشو»، وهو معجون ياباني تقليدي يجمع اليوزو والفلفل الحار والملح، ويخضع لتخمير غذائي، مشيراً إلى أن اليوزو هو أحد أنواع الحمضيات اليابانية ذات الرائحة القوية والنكهة العطرية الحامضة، التي تجمع في مذاقها ملامح من الليمون واليوسفي والجريب فروت، ويستخدم في الصلصات والتتبيلات والحلويات، كما يمنح الأطباق لمسة حمضية مختلفة عن الليمون التقليدي.

ويقترح إمام كذلك سلطة الحمضيات بوصفها طريقة بسيطة لإظهار الفاكهة في صورتها الطبيعية، من خلال الجمع بين شرائح متنوعة من الحمضيات والفول السوداني والبصل الأحمر وخيوط الزعفران وخلاصة اللوز وزيت الزيتون.

الشيف ميدو (الشرق الأوسط)

وفي مثل هذه التركيبات تصبح الحموضة نقطة التقاء بين مكونات متباينة في الطعم والقوام، ولا تتوقف استخدامات القشر عند البشر أو التزيين؛ إذ يمكن تحويله إلى عنصر أساسي في بعض الصلصات.

ومن الأفكار التي يطرحها إمام معجون يجمع قشر الحمضيات وعصيرها مع الثوم المفروم وزيت الزيتون والتوابل والفلفل الحار، ليصبح خليطاً مركزاً يمكن استخدامه مع اللحوم أو الدجاج أو الخضراوات.

أما في الأطباق النباتية والسلطات، فتفتح الحمضيات مجالاً واسعاً للجمع بين النكهات، ومن بين الأفكار التي يمكن إعدادها حمص محمص بالسمسم والبرتقال والزنجبيل، أو سلطة من الأفوكادو والفراولة والبرتقال مع صلصة حمضية ببذور الخشخاش.

ويتابع: «يحتل البرتقال مكانة خاصة في تتبيل اللحوم؛ فعلى خلاف الاعتقاد الشائع بأن الليمون وحده هو الأنسب لهذه المهمة، يمكن لعصير البرتقال أن يؤدي دوراً مهماً في التتبيل».

قد تغير ملامح ومذاق طبق كامل

ويعزو الشيف ذلك إلى أن البرتقال يمنح اللحم حموضة خفيفة، ويساعد على جعله أكثر طراوة وعصارة، خصوصاً عندما يتكامل مع التوابل والزيوت والأعشاب.

أما الليمون فيظل واحداً من أكثر الحمضيات حضوراً في المطبخ اليومي، ويمكن استخدام شرائح رقيقة منه مع الأسماك البيضاء مثل القاروص أثناء الطهي، ثم إضافة القليل من العصير الطازج بعد نضج السمك للحفاظ على نكهته وانتعاشه.

كما يدخل عصيره في صلصات الخل، فيما يمكن استخدام بشره في عجائن المعجنات والحلويات لتخفيف الإحساس بالحلاوة وإضافة رائحة حمضية واضحة.

ويؤكد إمام أن توقيت إضافة الليمون مهم أيضاً؛ فإضافته إلى بعض الأطعمة في وقت مبكر جداً قد يؤثر على لونها أو يمنحها مرارة خفيفة مع طول فترة تعرضها للحموضة.

لذلك يكون من الأفضل في كثير من الوصفات إضافة العصير في المراحل الأخيرة، أو بعد اكتمال الطهي، بحسب طبيعة الطبق.

ولا يتوقف التعامل مع الحمضيات عند استخدامها طازجة؛ فالنار نفسها يمكن أن تكشف عن وجه آخر لنكهتها، وهنا يقترح الشيف المصري أحمد نبيل تحميصها.

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «تعريض شرائح اليوسفي أو البرتقال أو الليمون لحرارة مرتفعة يركز العصارة ويمنح اللب مذاقاً أقرب إلى المربى، بينما تضيف القشرة قدراً من المرارة المحببة؛ لتتشكل في النهاية نكهة تجمع بين الحلاوة والحموضة والعمق».

ويرى نبيل أن «تحميص الحمضيات يضفي نكهة كراميلية رائعة، مع عمق من الحلاوة والحموضة المحمصة»، مشيراً إلى أن الحرارة العالية تجعل الشرائح أكثر تركيزاً، وتمنحها قواماً غنياً يمكن أن يضيف شخصية واضحة إلى الطبق، منوهاً بأن الحمضيات ذات القشرة الرقيقة تحقق أفضل النتائج عند التحميص؛ ولذلك يأتي اليوسفي في مقدمة الخيارات المناسبة.

ويمكن استخدام الشرائح المحمصة فوق السلطات، ومنها سلطة سيزر، أو مع أطباق أخرى تحتاج إلى نكهة مركزة ولمسة حلوة وحامضة في الوقت نفسه، كما يمكن إدخالها في حشوات التاكو مع الفطر؛ لتمنح الطبق تبايناً بين النكهات والقوام.

وتمتلك الحمضيات حضوراً واسعاً في المخبوزات والحلويات كذلك؛ فمن تارت الليمون والتوت الأزرق إلى كعك الليمون وبذور الخشخاش، وكيك الكوسا بالبرتقال وكريمة البرتقال، وصولاً إلى لفائف الشوكولاته والبرتقال، تتحول الحموضة إلى وسيلة لكسر كثافة المكونات الحلوة وإضفاء خفة عليها وفق قول نبيل.

ويتابع: «ويمكن أن تدخل الحمضيات كذلك في خبز الإفطار، مثل توست الريكوتا والليمون والعسل مع التين والفستق؛ حيث يضيف الليمون نغمة عطرية توازن حلاوة العسل وغنى الريكوتا».

ويكمل: «كما يمكن الجمع بين الليمون والتوت الأزرق في الفطائر والخبز، وهي تركيبات تسمح للحموضة والفاكهة بأن تعملا معاً بدل أن تطغى إحداهما على الأخرى».

وتأتي تجربة الشيف ميدو الذي يقدم جانباً منها عبر حسابه على «إنستغرام» لتضيف بعداً بصرياً إلى استخدام هذه الحمضيات؛ فهو يتعامل معها بوصفها جزءاً من بناء الطبق مذاقاً وشكلاً، ويربط ألوانها بأجواء الصيف والبحر، خصوصاً درجات الفيروزي والأزرق المخضر.

ومن أبرز تجاربه موس الشوكولاته بالبرتقال؛ حيث يجد في الجمع بينهما انسجاماً خاصاً، رغم أنه لم يكن من محبي مزج الشوكولاتة بالفواكه الحامضة.

ويضيف ميدو إلى الموس مربى الكمكوات، فتمنحه الثمرة الصغيرة نكهة حمضية مركزة تتكامل مع غنى الشوكولاته وعطر البرتقال.

ويقول ميدو لـ«الشرق الأوسط»: «من أكثر التجارب الناجحة التي خضتها مع الحمضيات، استخدام زيت الزيتون المنكه بالبرتقال».

وينتهي ميدو إلى أن نكهة الليمون تظهر بوضوح في الكب كيك المحشوة بكريمة الليمون، لتؤكد أن الحموضة يمكن أن تمنح الحلويات خفة وانتعاشاً من دون أن تطغى على مكوناتها.