جنرال روسي يكشف أهداف «معركة دونباس»

ممر بري إلى القرم وضغط على مولدوفا... ومنافع اقتصادية استراتيجية

جنود أوكرانيون يستعدون لهجوم روسي قرب مدينة هورليفكا في منطقة دونيتسك أمس (إ.ب.أ)
جنود أوكرانيون يستعدون لهجوم روسي قرب مدينة هورليفكا في منطقة دونيتسك أمس (إ.ب.أ)
TT

جنرال روسي يكشف أهداف «معركة دونباس»

جنود أوكرانيون يستعدون لهجوم روسي قرب مدينة هورليفكا في منطقة دونيتسك أمس (إ.ب.أ)
جنود أوكرانيون يستعدون لهجوم روسي قرب مدينة هورليفكا في منطقة دونيتسك أمس (إ.ب.أ)

كشف قائد عسكري بارز في الجيش الروسي للمرة الأولى عن الأهداف التي تعمل روسيا على إنجازها في المرحلة الثانية من عملياتها العسكرية، التي بدأت في 19 أبريل (نيسان) وحملت تسمية «معركة الدونباس». ونقلت وكالة «تاس» الحكومية عن نائب قائد المنطقة العسكرية المركزية، اللواء رستم مينكاييف، حديثاً لافتاً خلال الاجتماع السنوي لاتحاد الصناعات الدفاعية في منطقة سفيردلوفسك. إذ قال مينكاييف، إنه يجب على الجيش الروسي خلال المرحلة الثانية من العملية الخاصة فرض سيطرة كاملة على الدونباس.
ووفقاً له، «منذ بداية المرحلة الثانية من العملية الخاصة، التي بدأت بالفعل، قبل يومين، تم وضع أهداف محددة، وأبرز مهام الجيش الروسي فرض سيطرته الكاملة على الدونباس وجنوب أوكرانيا»، مشيراً إلى أن هذا الهدف يوفر لموسكو إنشاء ممر بري إلى شبه جزيرة القرم.
وفي إشارة إلى الهدف الثاني الأساسي، قال الجنرال «ستوفر (السيطرة على الدونباس) ممراً برياً لشبه جزيرة القرم، بالإضافة إلى السيطرة الكاملة على المرافق الحيوية للقوات العسكرية الأوكرانية وموانئ البحر الأسود التي يتم من خلالها تصدير المنتجات الزراعية والمعدنية إلى البلدان الأخرى». أما الهدف الثالث الذي لا يقل أهمية بالنسبة إلى موسكو، فهو أن «السيطرة على جنوب أوكرانيا هي طريقة أساسية للوصول مباشرة إلى ترانسنيستريا (بريدنيستروفيه - مولدافيا)، حيث توجد أيضاً حقائق عن اضطهاد السكان الناطقين بالروسية». وختم الجنرال حديثه بالقول «يبدو أننا الآن في حالة حرب مع العالم بأسره، كما كان الحال في الحرب الوطنية العظمى (العالمية الثانية)، كان العالم كله ضدنا. والآن يتكرر الشيء نفسه، هم لم يحبوا روسيا قط».

ولاحظت وسائل إعلام حكومية روسية، أن هذا الترتيب في أهداف المرحلة الثانية للعمليات العسكرية الروسية يحمل أبعاداً مهمة، وهو يمكن أن يلخص عملياً الأهداف الأساسية للحرب منذ انطلاقتها في 24 فبراير (شباط). وعلى الرغم من أن الأهداف التي أُعلنت في ذلك الحين انحصرت في نزع سلاح أوكرانيا و«تقويض النازية» وفرض الحياد العسكري على أوكرانيا وحماية سكان الدونباس، لكن الأهداف العملياتية الأساسية تمثلت في بسط السيطرة على المناطق الشرقية والجنوبية (بما فيها الدونباس) وتأمين حماية شبه جزيرة القرم، والسيطرة على أهم مرافئ أوكرانيا (ماريوبول وأوديسا)، بما يعني فرض سيطرة مطلقة في بحر آزوف والبحر الأسود والوصول إلى حدود مولدافيا (جنوب غرب) لتوسيع المعركة بضم إقليم بريدنيستروفيه الانفصالي المدعوم من جانب موسكو، عندما تستدعي الحاجة ذلك.
وفي هذا الصدد، وضع محللون عسكريون مسألة محاصرة المدن الكبرى في المرحلة الأولى من الحرب في إطار تحقيق هدفين أساسيين. الأول: تقليص قدرات الجيش الأوكراني على التحرك شرقاً وجنوباً لعرقلة تقدم القوات الروسية في هذه المنطقة. والآخر: تدمير القدرات العسكرية الأوكرانية لمنع كييف لاحقاً ولفترة طويلة من إمكانات الرد العسكري على التحركات الروسية.
ووفقاً للمحللين، فقد تم تحقيق الهدفين برغم كل الصعوبات التي واجهتها موسكو والخسائر الكبرى التي مني بها الجيش الروسي، ما مهّد لإطلاق المرحلة الثانية الأساسية في هذه الحرب. وبالنظر إلى تصريحات القائد العسكري البارز، يبدو أن المهام الموضوعة أمام الجيش الروسي لا تقتصر على العناصر الدفاعية (حماية شبه جزيرة القرم وتوفير ممر بري إليها عبر خيرسون وماريوبول)، ولا على العناصر الاستراتيجية العسكرية والسياسية (السيطرة بالكامل على جنوب أوكرانيا وحرمانها من الوصول إلى البحر وإضعاف قدرات الغرب على استخدامها لتطويق روسيا)، بل تمتد أيضاً إلى النواحي الاقتصادية (فرض سيطرة على المرافئ وعلى الثروات الكبرى الصناعية والمواد الخام في مناطق الشرق والجنوب).
وفي هذا الإطار، يمكن ملاحظة أن حرص روسيا على عدم اقتحام مجمع آزوف الصناعي العملاق في ماريوبول رغم تحصن مئات الجنود الأوكرانيين فيه يعود إلى عدم الرغبة في تدمير المجمع الذي كان يعد أضخم منشأة للتعدين في الاتحاد السوفياتي السابق، وكما قال المحلل السياسي مكسيم شيفشينكو في قناته على «يوتيوب»، فإن الحرس الرئاسي الروسي الذي يقود العمليات العسكرية في هذه المنطقة يضع عينه على المنافع الاقتصادية الضخمة التي سوف توفرها السيطرة على هذا المجمع من دون تدميره.
العنصر الآخر المهم الذي أشار إليه القائد العسكري هو موضوع الإقليم الانفصالي في بريدنوستروفيه. وهو أمر يخيف حالياً مولدوفا التي ترى أنها ستكون هدفاً لاحقاً لتحرك عسكري محتمل من جانب موسكو. وقد برزت خلال الأيام الأخيرة هذه المخاوف بشكل جلي، بعدما تزايد السجال بين موسكو وكيشينوا حول رموز الحرب العالمية الثانية ودور الاتحاد السوفياتي في هذه الحرب. إذ بالتزامن مع دخول قانون حظر شريط «سانت جورج» في جمهورية مولدوفا حيز التنفيذ في 21 أبريل، وقّع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرسوماً يحظر الإساءة لروسيا أو الاتحاد السوفياتي عبر تشبيه الدولة العظمى في السابق بسياسات ألمانيا النازية، وهو أمر تقوم به بلدان حوض البلطيق وأوكرانيا وجورجيا ومولدوفا وجزء كبير من أوروبا الشرقية التي ساوت قانونياً بين الشيوعية والنازية.
أهمية قانون مولدوفا حول حظر شريط سان جورج، أن هذا الشريط الذي يحمل اللونين الأصفر والأسود، بات يشكل رمزاً للتضحيات العسكرية السوفياتية في مواجهة النازية، وحظر رفعه في مولدوفا يعني انضمام هذا البلد إلى التحرك الغربي الواسع ضد روسيا في إطار ما تصفه موسكو «تزوير تاريخ الحرب العالمية» والمساواة بين الاتحاد السوفياتي وألمانيا النازية.
النقطة الثانية المهمة تكمن في زيادة وتيرة حديث روسيا عن اضطهاد الأقلية الناطقة بالروسية في مولدوفا وهي الأقلية التي تقيم في بريدنوستروفيه؛ ما يعيد سيناريو الحديث الروسي عن اضطهاد سكان الدونباس في أوكرانيا.
وقد اتهمت وزارة خارجية جمهورية مولدوفا روسيا بتجنيد مواطنين مولدوفا يعيشون في المنطقة في المجموعة العملياتية للقوات الروسية المتمركزة في ترانسنيستريا. وهو أمر لم تنفِ القوات الانفصالية المدعومة من روسيا في الإقليم صحته. إذ قال رئيس ترانسنيستريا فاديم كراسنوسيلسكي لـصحيفة «نيزافيسيمايا غازيتا»، إن المجندين هم من السكان المحليين – وهم مواطنو الاتحاد الروسي، أي يحملون الجنسية الروسية. في المقابل، قالت وزارة الخارجية المولدافية إنها تدين محاولات تجنيد مواطنين مولدوفا من منطقة ترانسنيستريا في الجيش الروسي. وقال وزير الخارجية نيكو بوبيسكو، إن كيشيناو يتفاوض مع الجانب الروسي وقد أوضح موقفه الثابت بشأن هذه القضية، مضيفاً أن ممثلين عن الوزارة يناقشون هذا الموضوع مع السفير الروسي.


مقالات ذات صلة

روسيا: المشتبه في إطلاقه الرصاص على الجنرال أليكسييف اعتقل في دبي

أوروبا الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية) p-circle

روسيا: المشتبه في إطلاقه الرصاص على الجنرال أليكسييف اعتقل في دبي

أعلنت روسيا، الأحد، أن الرجل الذي يشتبه في إطلاقه النار على مسؤول المخابرات العسكرية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف اعتقل في دبي وجرى تسليمه إلى موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة

«الشرق الأوسط» ( لندن)
أوروبا جانب من عملية تبادل الأسرى في موقع غير معلن بأوكرانيا الخميس (إ.ب.أ) p-circle

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا وتبادل قصف البنى التحتية ومرافق الطاقة

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو (رويترز)

روسيا لاستجواب اثنين من المشتبه بهم في محاولة اغتيال جنرال بالمخابرات

اثنان من المشتبه بهم في محاولة اغتيال مسؤول المخابرات العسكرية الروسية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف «سيتم استجوابهما قريباً»، وفقاً لوسائل إعلام روسية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها... ولا تقدم في مفاوضات «شنغن» أو تحديث الاتحاد الجمركي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».