أوروبا في عين عاصفة أزمة اللجوء الأوكراني

دولها تستعد لـ«حالة طوارئ مستدامة» لمواجهة تداعيات الحرب... وتحذير من «سيناريو أفغانستان»

لاجئون فارون من أوكرانيا عقب وصولهم إلى معبر ميديكا الحدودي في بولندا في 12 أبريل الجاري (رويترز)
لاجئون فارون من أوكرانيا عقب وصولهم إلى معبر ميديكا الحدودي في بولندا في 12 أبريل الجاري (رويترز)
TT

أوروبا في عين عاصفة أزمة اللجوء الأوكراني

لاجئون فارون من أوكرانيا عقب وصولهم إلى معبر ميديكا الحدودي في بولندا في 12 أبريل الجاري (رويترز)
لاجئون فارون من أوكرانيا عقب وصولهم إلى معبر ميديكا الحدودي في بولندا في 12 أبريل الجاري (رويترز)

منذ العقد الأخير من القرن الماضي كان قاموس الهجرة في الاتحاد الأوروبي مقصوراً على الموجات المتعاقبة من المهاجرين الذين يتدفقون عبر الحدود الجنوبية، البحرية والبرية، ومشاهد الغرقى الذين تنتشلهم زوارق الإنقاذ في البحر المتوسط، والجدال المحتدم الذي كان يثيره استيعابهم في العديد من البلدان الأعضاء، خصوصاً من لدن الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة التي ساهمت معارضتها الشديدة لظاهرة الهجرة في ارتفاع شعبيتها بعد أن أصبحت العنوان الرئيسي الدائم لحملاتها الانتخابية.
وبعد مرور أكثر من شهر على اندلاع الحرب في أوكرانيا وما تسببت به من تدفقات للنازحين واللاجئين لم تشهد لها أوروبا مثيلاً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبعد مظاهر التضامن غير المسبوق الذي استقبلت به البلدان الأوروبية مئات الآلاف من المدنيين الأوكرانيين الفارين من أهوال الحرب، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه اليوم في عين العاصفة، في ظل مشهد يتجاوز كل التوقعات التي وضعها خبراؤه، ما يفرض إعادة نظر جذرية في سياسة اللجوء والهجرة التي يواجه صعوبة كبيرة في التوافق عليها منذ سنوات. وتشاء المفارقات أن بلدان الاتحاد الشرقية التي شكلت معارضتها الشديدة لتسهيل وتنظيم تدفق اللاجئين وتوزيعهم حصصاً على الدول الأعضاء، هي التي تجد نفسها اليوم على الخط الأول من تدفقات النازحين على امتداد الحدود الأوروبية مع أوكرانيا، وبدأت تستنجد بالشركاء ومؤسسات الاتحاد لاستيعاب هذه الأعداد التي تجاوزت خمسة ملايين حسب البيانات الأخيرة، والتي قد تصل إلى عشرة ملايين إذا اشتدت المعارك وطالت، أو إذا اتسعت دائرتها.
تشهد المؤسسات الأوروبية منذ أيام حالة غير مسبوقة من التعبئة لمواجهة تداعيات طويلة الأمد للغزو الروسي لأوكرانيا في ضوء التقارير التي أعدتها مؤخراً أجهزة الاتحاد الاستراتيجية والأمنية، والتي تتوقع أن تمتد هذه الحرب لأشهر أو لسنوات في «سيناريو يماثل أفغانستان أو قبرص»، كما جاء في الدراسة التي وضعها جهاز العلاقات الخارجية أمام الاجتماع الأخير لمجلس وزراء العدل والداخلية، والتي تعمل دوائر المفوضية بموجب توصياتها التي تدعو إلى الاستعداد لحالة طوارئ مستدامة في بلدان الاتحاد.
وكان المجلس الأوروبي لوزراء العدل والداخلية أقر وضع قائمة بالبلدان الأعضاء حسب قدراتها على استيعاب اللاجئين وتوفير الخدمات الأساسية لهم، بهدف تشجيعهم على التوجه إليها، كما وضع خطة مشتركة لمكافحة أعمال المنظمات الإجرامية للاتجار بالأشخاص التي كانت أصلاً ناشطة في تهريب الأوكرانيين إلى بلدان الاتحاد الأوروبي. وكانت منظمات غير حكومية رصدت في الفترة الأخيرة نشاطاً كثيفاً وواسعاً لهذه الشبكات في عدد من عواصم البلدان المتاخمة لأوكرانيا مثل وارسو وبودابست وبوخارست وبعض المدن الأخرى. ويذكر أن نسبة الفتيات والنساء بين النازحين الأوكرانيين تقارب 80 في المائة وفقاً لبيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
وبرغم تراجع العدد اليومي لتدفق النازحين الأوكرانيين في الفترة الأخيرة، حيث انخفض من مائتي ألف إلى أربعين الفاً، حسب بيانات المفوضية الأوروبية، إلا أن عواصم البلدان المتاخمة لأوكرانيا تخشى أن يتجاوز الضغط قريباً قدراتها على توفير المسكن والخدمات الصحية والاجتماعية والتعليمية للنازحين. وكانت وزارة التربية البولندية أفادت بأن عدد الطلاب في بعض المدارس الابتدائية والثانوية في العاصمة والمدن الكبرى ازداد بنسبة 40 في المائة في الفترة الأخيرة، وأنها بدأت بتوجيه الطلاب الأوكرانيين إلى مدارس المناطق الريفية، وأن ثمة حاجة متزايدة لمعلمين ومتخصصين في مواكبة الحالات النفسية الصعبة التي يعاني منها النازحون.
وتعترف المفوضية الأوروبية بأن اللاجئين لم يتوزعوا طوعاً على بلدان الاتحاد المجاورة لأوكرانيا كما كان متوقعاً، إذ لا يخضع المواطنون الأوكرانيون إلى أي قيود للتنقل داخل منطقة شنغن بموجب اتفاق سابق بين الاتحاد وأوكرانيا، وأن معظمهم اختار البقاء في البلدان التي وصلوا إليها أملاً بالعودة قريباً إلى ديارهم أو بانتظار أقرباء يتوافدون تباعاً.
وكانت المفوضية الأوروبية رصدت 17 مليار يورو لمواجهة حالة الطوارئ الإنسانية التي تسببت بها الحرب في أوكرانيا، اقتطع معظمها من الموارد المخصصة لتنشيط الاقتصاد وتعزيز الخدمات العمومية في الدول الأعضاء بعد جائحة «كوفيد - 19». لكن ناطقاً بلسان المفوضية صرح بأن هذا المبلغ ليس كافياً لتغطية نفقات خطة الطوارئ أكثر من ثلاثة أشهر، وأنه لا بد من إيجاد مصادر تمويل إضافية إذا استمرت الحرب وارتفع عدد اللاجئين الذي تتوقع مصادر الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر أن يصل إلى عشرة ملايين في الأشهر المقبلة.
وكانت القمة الأوروبية الأخيرة كلفت المفوضية تحديد مصادر إضافية لتمويل الخطط والمقترحات التي وضعتها لدعم الدول الأعضاء ومساعدتها على توفير الخدمات الأساسية اللازمة إلى اللاجئين الذين تؤويهم. وكانت وزيرة الداخلية الألمانية نانسي فايزر صرحت في ختام أعمال المجلس الأوروبي بقولها: «من الواضح أن مواردنا وقدراتنا الاستيعابية لن تكون كافية في مواجهة التدفق المتنامي للنازحين، خصوصاً في الأمدين المتوسط والبعيد». وكانت ألمانيا وبولندا طالبتا بتخصيص مبلغ ألف يورو عن كل لاجئ تستضيفه دول الاتحاد خلال الأشهر الستة الأولى من الحرب، ووضع آلية لتأمين تجديد هذا التمويل في الفترات اللاحقة.
وفيما أعلنت الحكومة البولندية أنها أنفقت حتى الآن 2.2 مليار يورو لاستقبال اللاجئين وإيوائهم، قال ناطق بلسان المفوضية إن الاتحاد لا ينوي في الوقت الراهن تفعيل أي آلية إلزامية لتوزيع اللاجئين وفق نظام الحصص على البلدان الأعضاء، والاكتفاء بتحفيزهم على الانتقال الطوعي عبر تزويدهم بمعلومات عن البلدان التي تتوفر فيها قدرات الاستيعاب وتقديم الخدمات الأساسية. ويذكر أن البلدان التي تستقبل النازحين اليوم على الحدود مع أوكرانيا، مثل بولندا والمجر وسلوفاكيا، هي التي منذ سنوات تعترض على نظام الحصص في توزيع المهاجرين الذي تطالب به الدول الواقعة على الحدود الخارجية الجنوبية للاتحاد مثل إيطاليا وإسبانيا واليونان ومالطا.
وتجدر الإشارة إلى أن أزمة النازحين من أوكرانيا وضعت الاتحاد الأوروبي أمام حالة غير مسبوقة استدعت اللجوء للمرة الأولى إلى تفعيل مبدأ «توجيه الحماية الدولية المؤقتة» الذي يسمح بدخول الهاربين من الكوارث إلى بلدان الاتحاد بأعداد غير محدودة. ورغم أن الاتفاقات الموقعة بين الاتحاد وأوكرانيا تمنح المواطنين الأوكرانيين حق الإقامة في بلدان الاتحاد ثلاثة أشهر قابلة للتجديد مرة واحدة، فإن التوجه المذكور يمدد هذه الفترة إلى سنة كاملة قابلة للتجديد التلقائي مرتين، ويسمح بالحصول على خدمات السكن والصحة والتعليم وفرص العمل أسوة بالمواطنين الأوروبيين. وكانت المفوضية أفادت بأن 800 ألف لاجئ طلبوا حتى الآن الاستفادة من هذا التوجيه.
ويتحسب الاتحاد الأوروبي لموجة جديدة كثيفة من الأرياف الأوكرانية إذا صحت التوقعات بأن روسيا ستتعمد استهداف البنى التحتية الزراعية لإضعاف قدرة الأوكرانيين على الصمود واطالة المواجهة. وكان المفوض الأوروبي للشؤون الزراعية، البولندي جانوز فودجيشوفسكي، اتهم الاتحاد الروسي باستخدام الأساليب السوفياتية للتوسع والسيطرة على الدول الأخرى بإخضاع شعوبها للمجاعة، وقال في تصريحات إن روسيا تتعمد ضرب البنى التحتية لقطاعي الزراعة والأغذية، على غرار ما فعله النظام السوفياتي على عهد ستالين في ثلاثينات القرن الماضي عندما قضت المجاعة على الملايين من سكان المناطق التي كان يسعى لبسط سيطرته عليها. وقال المفوض الأوروبي: «علينا أن نمنع ذلك مهما كلف الأمر، لأن قطاع الزراعة في أوكرانيا أساسي لتوفير الأمن الغذائي في العالم».
ويقول المسؤولون في أجهزة المفوضية إن القدرات اللوجيستية متوفرة لمواجهة تدفق النازحين من أوكرانيا في الأشهر المقبلة حتى نهاية الصيف، لكن إذا طالت الحرب أو اشتدت المعارك فإن الدول المتاخمة لن تكون قادرة على استيعاب اللاجئين، ولا بد من وضع آلية لتوزيعهم على الدول الأخرى، وخطط لتنظيم بقائهم وتوفير الخدمات الأساسية لهم. وفيما تنكب هذه الأجهزة منذ أسابيع على وضع خطة شاملة لاستيعاب النازحين الأوكرانيين في الأمدين المتوسط والطويل لعرضها على القمة الأوروبية الأخيرة التي ستعقد تحت الرئاسة الدورية الفرنسية أواخر يونيو (حزيران) المقبل، تطالب دول الجنوب الأوروبي بأن تتواكب هذه الخطوة مع إقرار ميثاق الهجرة الأوروبي الذي تتعثر المفاوضات حوله منذ سنوات بسبب الانقسامات السياسية الحادة التي يثيرها بين الدول الأعضاء.
واللافت اليوم أن بولندا التي تقود كتلة الدول المتشددة في المفاوضات حول ميثاق الهجرة واللجوء في الاتحاد، وترفض بشكل قاطع مبدأ توزيع الأعباء بين الدول الأعضاء بعد أن امتنعت، إلى جانب المجر، عن استقبال اللاجئين السوريين الفارين من الحرب، هي التي تطالب اليوم الشركاء الأوروبيين بالدعم المالي واللوجيستي وقبول توزيع النازحين الأوكرانيين الذين زاد عدد الذين دخلوا منهم إلى أراضيها على 2.4 مليون شخص، أي ما يعادل 62 في المائة من مجموع الذين دخلوا إلى بلدان الاتحاد الأوروبي. وكانت بولندا، مدعومة بقوة من ألمانيا والمجر ورومانيا، فاجأت شركاءها عند افتتاح أعمال المجلس الأوروبي الاستثنائي لوزراء العدل والداخلية نهاية الأسبوع الماضي عندما تقدمت باقتراح يعيد النظر بصورة جذرية في المقاربة التي اعتمدها الاتحاد حتى الآن حول سياسات اللجوء والهجرة، وأبدت استعدادها لتذليل العقبات التي تحول، منذ فترة طويلة، دون التوصل إلى اتفاق لاعتماد الميثاق المشترك. وكانت الحكومة البولندية طلبت، إضافة إلى تخصيص مساعدات مالية عن كل لاجئ تستقبله البلدان المجاورة لأوكرانيا، بتغطية نفقات سفر النازحين لمغادرة البلد الذين يصلون إليه بعد عبورهم الحدود، وتنقلهم داخل الدول الأعضاء.
وفيما أبدت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تجاوباً من مطالب الدول المتاخمة لأوكرانيا، والمدعومة من ألمانيا التي تعرف أن نسبة كبيرة من النازحين سوف تتوجه إليها في نهاية المطاف، خاصة إذا طالت الحرب، تتركز الجهود حالياً على وضع آلية مشتركة لتوزيع اللاجئين على الدول الأعضاء في الاتحاد، خاصة أن تطبيق مثل هذه الآلية معقد جداً من الناحية القانونية إذ لا يمكن، حسب التشريعات الأوروبية واتفاقات الهجرة الدولية، إجبار اللاجئ على تغيير المكان الذي يختاره لإقامته. وتتجه المفوضية حالياً إلى إنشاء منصة موحدة لإدارة وتنظيم وصول النازحين إلى بلدان الاتحاد، وتزويدهم بالمعلومات والإرشادات اللازمة، وأيضاً بالمحفزات، لإعادة توزيعهم على الدول الأعضاء وفقاً لقدراتها الاستيعابية.
وتقود إيطاليا كتلة الدول الأعضاء التي تسعى إلى ربط حزمة التدابير والمساعدات التي تطالب بها الدول المجاورة لأوكرانيا لاستيعاب تدفق النازحين باتفاق نهائي وشامل حول ميثاق الهجرة المجمد في أدراج المفوضية منذ سنوات. ولا يغيب عن هذه الكتلة، التي تدعمها الرئاسة الفرنسية الدورية بقوة، أن الاتفاق حول ميثاق أوروبي مشترك للهجرة واللجوء يوزع الأعباء بصورة منصفة على الأعضاء، من شأنه أن يسحب من التداول السياسي الموضوع الذي يشكل مصدراً أساسيا لصعود الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة، خاصة أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل ضربة قاسية لهذه الأحزاب وقياداتها التي تربطها علاقات وثيقة وتحالفات منذ سنوات بنظام فلاديمير بوتين. وكانت وزيرة الداخلية الإيطالية أوضحت موقف الكتلة بقولها: «نتبنى الاقتراح البولندي بكامل تفاصيله وإبعاده، خاصة ما جاء في مقطعه الأخير بأن الوقت قد أزف لإبداء الدعم الأوروبي الملموس، ليس فقط للدول الأعضاء الشريكة في الاتحاد، بل أيضاً لأوكرانيا ومواطنيها».
وإذ تعتبر المفوضية أن تطبيق خطة المساعدات إلى دول الجوار الأوكراني لا بد أن يمول في المرحلة الراهنة من موارد صندوق الإنعاش الذي أقره الاتحاد الأوروبي للنهوض من تداعيات جائحة «كوفيد»، تدرك أن ذلك سيطرح معضلة المساعدات الأوروبية المجمدة من هذا الصندوق لبولندا والمجر، بقرار من المجلس، بسبب عدم احترام هذين البلدين لسيادة القانون وفصل السلطات والمبادئ والقيم الأساسية في ميثاق الاتحاد. وكان مصدر مسؤول في المفوضية صرح بأن هذا الموضوع الحساس سياسيا والشائك قانونياً ستجري مناقشته في ضوء الآلية التي ستعتمد لتمويل الخطة، لكن القرار النهائي بشأنه سيترك إلى مرحلة لاحقة على مستوى القمة. ويذكر في هذا الصدد أن القمة الأوروبية الأخيرة وافقت على إنشاء صندوق ائتمان للتضامن مع أوكرانيا، لكن من غير تحديد آلية لتمويله. وكانت الرئاسة الفرنسية اقترحت فتح باب تمويل هذا الصندوق للبلدان والجهات الدولية المانحة خارج الاتحاد لدعم جهود الإعمار في أوكرانيا.
إلى جانب ذلك، وافق المجلس الأوروبي الاستثنائي لوزراء العدل والداخلية على حزمة مساعدات لمولدوفا التي تسجل أعلى نسبة من النازحين الأوكرانيين الوافدين إليها مقارنة بعدد السكان، حيث بلغ عددهم 375 ألفا ينتقل معظمهم إلى الدول الأعضاء في الاتحاد. وكانت المفوضية قررت تفعيل آلية الحماية المدنية مع البلدان المجاورة للمرة الأولى منذ عشرين عاماً، والتي تسمح لأجهزة الأمن وإدارة شؤون الهجرة الأوروبية بتقديم الدعم والمساعدة المباشرة إلى الدول الأخرى لتنظيم تدفق اللاجئين إلى بلدان الاتحاد.
وأمام ضخامة التحدي الذي يطرحه ملف اللاجئين الأوكرانيين على الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء، والاحتمالات المتزايدة بتفاقم الأزمة الإنسانية وظهور بؤر جديدة للنزاعات، أبدت الولايات المتحدة استعدادها لاستقبال عدد من النازحين وتسهيل استقرارهم وإقامتهم. وكانت واشنطن أعلنت خلال الزيارة التي قام بها الرئيس الأميركي جو بايدن الأسبوع الماضي إلى أوروبا حيث شارك في القمم الثلاث التي عقدها الحلف الأطلسي ومجموعة السبع والاتحاد الأوروبي وقام بزيارة بولندا، أنها مستعدة لاستقبال مائة ألف لاجئ أوكراني كحد أقصى، مع إعطاء الأولوية لمن لديهم أنسباء يقيمون بصورة شرعية في الولايات المتحدة. كما أعلنت الإدارة الأميركية عن تخصيص مساعدة إضافية قدرها مليار دولار لدعم جهود استقبال النازحين من الحرب في أوكرانيا.
وكانت مفوضية الأمم المتحدة لغوث اللاجئين نبهت إلى أن ثمة أزمة نزوح أخرى بعيدة عن الأضواء، هي أزمة النازحين داخل الأراضي الأوكرانية الذين لأسباب متعددة يتعذر عليهم الوصول إلى حدود أوكرانيا الخارجية، والذين تقدر المنظمات الإنسانية عددهم حالياً بحوالي 6.5 مليون نازح، يعاني معظمهم من نقص في الغذاء والمسكن والخدمات الصحية الأساسية.

لاجئون فارون من أوكرانيا عقب وصولهم إلى معبر ميديكا الحدودي في بولندا في 7 مارس الماضي (أ.ب)

- خريطة توزع اللاجئين الأوكرانيين على دول الجوار
> فرّ أكثر من 4.24 مليون لاجئ أوكراني من بلادهم منذ الغزو الروسي في 24 فبراير (شباط)، وفق تعداد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. ولم تشهد أوروبا مثل هذا التدفق للاجئين منذ الحرب العالمية الثانية.
وأشارت وكالة الصحافة الفرنسية إلى أن نحو 90 في المائة من الذين فروا من أوكرانيا هم من النساء والأطفال، في حين لا تسمح السلطات الأوكرانية بمغادرة الرجال في سن القتال.
وتتحدث المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة عن فرار نحو 205.500 شخص غير أوكراني من البلاد ويواجهون أحياناً صعوبات في العودة إلى بلدانهم الأم. وتقدر الأمم المتحدة عدد النازحين في أوكرانيا بنحو 7.1 مليون. واضطر أكثر من 11 مليون شخص، أي أكثر من ربع السكان، إلى مغادرة منازلهم إما عن طريق عبور الحدود بحثاً عن ملجأ في البلدان المجاورة وإما عن ملاذ آمن آخر في أوكرانيا.
قبل هذا النزاع، كان عدد سكان أوكرانيا أكثر من 37 مليوناً في الأراضي التي تسيطر عليها كييف - ولا تشمل شبه جزيرة القرم (جنوب) التي ضمتها روسيا في عام 2014 ولا المناطق الشرقية الخاضعة لسيطرة الانفصاليين الموالين لروسيا منذ العام نفسه.
وتستقبل بولندا وحدها أكثر من نصف عدد اللاجئين الذين فروا من أوكرانيا منذ بدء الغزو الروسي، أي نحو 6 من كل عشرة لاجئين. ومنذ 24 فبراير دخل 2469657 لاجئاً إلى بولندا وفقاً لإحصاءات المفوضية. وأكدت «اليونيسف» أن نحو النصف، أطفال. وأكد نائب وزير الداخلية أن 1.5 مليون منهم بقوا في بولندا. وحصل 600 ألف منهم على رقم التعريف الوطني (PESEL). ويستخدم هذا الرقم على نطاق واسع في العلاقات مع المؤسسات العامة البولندية، والخدمات الصحية، للحصول على رقم هاتف، والوصول إلى بعض الخدمات المصرفية، وغيرها.
وأشارت مفوضية الأمم المتحدة للاجئين إلى أن 648410 أشخاص لجأوا إلى رومانيا، بحلول 4 أبريل (نيسان). أما مولدافيا التي يبلغ عدد سكانها 2.6 مليون نسمة، فتشجع المفوضية الأوروبية اللاجئين الأوكرانيين الذين يصلون إليها على مواصلة رحلتهم للاستقرار في إحدى دول الاتحاد الأوروبي الأكثر قدرة على تحمل العبء المالي. واستقبلت مولدافيا 396448 لاجئاً، وفق إحصاءات مفوضية اللاجئين.
واستقبلت المجر 394728 أوكرانياً، فيما دخل إلى سلوفاكيا 301405 أوكرانيين، بحسب ما نقلت الوكالة الفرنسية عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
وبلغ عدد مَن لجأوا إلى روسيا نحو 350632 شخصاً حتى 29 مارس (آذار) الماضي، وفق الأرقام المتوافرة. أما بيلاروسيا فقد استقبلت 16274 شخصاً بحلول 3 أبريل.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: الشرق الأوسط في «أزمة إنسانية كبرى»

شؤون إقليمية نازحون يجلسون بجوار ممتلكاتهم على رصيف في بيروت 4 مارس 2026 بعد فرارهم من جنوب لبنان والضاحية الجنوبية إثر إنذارات وغارات إسرائيلية (إ.ب.أ) p-circle

الأمم المتحدة: الشرق الأوسط في «أزمة إنسانية كبرى»

أعلنت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الجمعة، أن الحرب في الشرق الأوسط تُشكل حالة طوارئ إنسانية كبرى.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا سودانيون عائدون إلى وطنهم يستقلون القطار من محطة رمسيس بالقاهرة (مجلس الوزراء المصري)

مصر: وافدون مخالفون يستنفرون لتقنين أوضاعهم أو العودة بعد مطاردات أمنية

منذ حلول شهر رمضان تشهد الحملات المصرية على الوافدين المخالفين هدوءاً نسبياً أرجعها البعض إلى تفاهمات لمنح فرصة لتقنين أوضاعهم أو الانخراط في مبادرات العودة.

رحاب عليوة (القاهرة)
المشرق العربي مجموعة من الدبلوماسيين المنشقين عن النظام الأسد استضافتهم الخارجية السورية نوفمبر الماضي (سانا)

الشيباني يبحث رفع مستوى التمثيل لبعثة الاتحاد الأوروبي في دمشق

استقبل وزير الخارجية والمغتربين، أسعد حسن الشيباني، في العاصمة دمشق، وفداً دبلوماسياً للاتحاد الأوروبي برئاسة روزا ماريا غيلي.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي الأمير هاري وزوجته ميغان خلال اجتماع مع منظمة الصحة العالمية إلى جانب المانحين الرئيسين والشركاء الإنسانيين في عمّان 25 فبراير 2026 (رويترز)

الأمير هاري وزوجته في الأردن لتقديم الدعم الإنساني للاجئين

وصل الأمير هاري وزوجته ميغان إلى الأردن، الأربعاء، في زيارة إنسانية تستمر يومين، تتركز على الجهود الإنسانية الصحية لدعم المجتمعات التي تعاني النزاعات، والنزوح.

«الشرق الأوسط» (عمّان)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (رويترز)

إدارة ترمب تقترح لائحة قد تعلق تصاريح العمل لطالبي اللجوء

أعلنت ‌إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لائحة مقترحة قد يكون من شأنها تعليق تصاريح العمل لطالبي اللجوء «لعدة أعوام».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.