أوروبا في عين عاصفة أزمة اللجوء الأوكراني

دولها تستعد لـ«حالة طوارئ مستدامة» لمواجهة تداعيات الحرب... وتحذير من «سيناريو أفغانستان»

لاجئون فارون من أوكرانيا عقب وصولهم إلى معبر ميديكا الحدودي في بولندا في 12 أبريل الجاري (رويترز)
لاجئون فارون من أوكرانيا عقب وصولهم إلى معبر ميديكا الحدودي في بولندا في 12 أبريل الجاري (رويترز)
TT

أوروبا في عين عاصفة أزمة اللجوء الأوكراني

لاجئون فارون من أوكرانيا عقب وصولهم إلى معبر ميديكا الحدودي في بولندا في 12 أبريل الجاري (رويترز)
لاجئون فارون من أوكرانيا عقب وصولهم إلى معبر ميديكا الحدودي في بولندا في 12 أبريل الجاري (رويترز)

منذ العقد الأخير من القرن الماضي كان قاموس الهجرة في الاتحاد الأوروبي مقصوراً على الموجات المتعاقبة من المهاجرين الذين يتدفقون عبر الحدود الجنوبية، البحرية والبرية، ومشاهد الغرقى الذين تنتشلهم زوارق الإنقاذ في البحر المتوسط، والجدال المحتدم الذي كان يثيره استيعابهم في العديد من البلدان الأعضاء، خصوصاً من لدن الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة التي ساهمت معارضتها الشديدة لظاهرة الهجرة في ارتفاع شعبيتها بعد أن أصبحت العنوان الرئيسي الدائم لحملاتها الانتخابية.
وبعد مرور أكثر من شهر على اندلاع الحرب في أوكرانيا وما تسببت به من تدفقات للنازحين واللاجئين لم تشهد لها أوروبا مثيلاً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبعد مظاهر التضامن غير المسبوق الذي استقبلت به البلدان الأوروبية مئات الآلاف من المدنيين الأوكرانيين الفارين من أهوال الحرب، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه اليوم في عين العاصفة، في ظل مشهد يتجاوز كل التوقعات التي وضعها خبراؤه، ما يفرض إعادة نظر جذرية في سياسة اللجوء والهجرة التي يواجه صعوبة كبيرة في التوافق عليها منذ سنوات. وتشاء المفارقات أن بلدان الاتحاد الشرقية التي شكلت معارضتها الشديدة لتسهيل وتنظيم تدفق اللاجئين وتوزيعهم حصصاً على الدول الأعضاء، هي التي تجد نفسها اليوم على الخط الأول من تدفقات النازحين على امتداد الحدود الأوروبية مع أوكرانيا، وبدأت تستنجد بالشركاء ومؤسسات الاتحاد لاستيعاب هذه الأعداد التي تجاوزت خمسة ملايين حسب البيانات الأخيرة، والتي قد تصل إلى عشرة ملايين إذا اشتدت المعارك وطالت، أو إذا اتسعت دائرتها.
تشهد المؤسسات الأوروبية منذ أيام حالة غير مسبوقة من التعبئة لمواجهة تداعيات طويلة الأمد للغزو الروسي لأوكرانيا في ضوء التقارير التي أعدتها مؤخراً أجهزة الاتحاد الاستراتيجية والأمنية، والتي تتوقع أن تمتد هذه الحرب لأشهر أو لسنوات في «سيناريو يماثل أفغانستان أو قبرص»، كما جاء في الدراسة التي وضعها جهاز العلاقات الخارجية أمام الاجتماع الأخير لمجلس وزراء العدل والداخلية، والتي تعمل دوائر المفوضية بموجب توصياتها التي تدعو إلى الاستعداد لحالة طوارئ مستدامة في بلدان الاتحاد.
وكان المجلس الأوروبي لوزراء العدل والداخلية أقر وضع قائمة بالبلدان الأعضاء حسب قدراتها على استيعاب اللاجئين وتوفير الخدمات الأساسية لهم، بهدف تشجيعهم على التوجه إليها، كما وضع خطة مشتركة لمكافحة أعمال المنظمات الإجرامية للاتجار بالأشخاص التي كانت أصلاً ناشطة في تهريب الأوكرانيين إلى بلدان الاتحاد الأوروبي. وكانت منظمات غير حكومية رصدت في الفترة الأخيرة نشاطاً كثيفاً وواسعاً لهذه الشبكات في عدد من عواصم البلدان المتاخمة لأوكرانيا مثل وارسو وبودابست وبوخارست وبعض المدن الأخرى. ويذكر أن نسبة الفتيات والنساء بين النازحين الأوكرانيين تقارب 80 في المائة وفقاً لبيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
وبرغم تراجع العدد اليومي لتدفق النازحين الأوكرانيين في الفترة الأخيرة، حيث انخفض من مائتي ألف إلى أربعين الفاً، حسب بيانات المفوضية الأوروبية، إلا أن عواصم البلدان المتاخمة لأوكرانيا تخشى أن يتجاوز الضغط قريباً قدراتها على توفير المسكن والخدمات الصحية والاجتماعية والتعليمية للنازحين. وكانت وزارة التربية البولندية أفادت بأن عدد الطلاب في بعض المدارس الابتدائية والثانوية في العاصمة والمدن الكبرى ازداد بنسبة 40 في المائة في الفترة الأخيرة، وأنها بدأت بتوجيه الطلاب الأوكرانيين إلى مدارس المناطق الريفية، وأن ثمة حاجة متزايدة لمعلمين ومتخصصين في مواكبة الحالات النفسية الصعبة التي يعاني منها النازحون.
وتعترف المفوضية الأوروبية بأن اللاجئين لم يتوزعوا طوعاً على بلدان الاتحاد المجاورة لأوكرانيا كما كان متوقعاً، إذ لا يخضع المواطنون الأوكرانيون إلى أي قيود للتنقل داخل منطقة شنغن بموجب اتفاق سابق بين الاتحاد وأوكرانيا، وأن معظمهم اختار البقاء في البلدان التي وصلوا إليها أملاً بالعودة قريباً إلى ديارهم أو بانتظار أقرباء يتوافدون تباعاً.
وكانت المفوضية الأوروبية رصدت 17 مليار يورو لمواجهة حالة الطوارئ الإنسانية التي تسببت بها الحرب في أوكرانيا، اقتطع معظمها من الموارد المخصصة لتنشيط الاقتصاد وتعزيز الخدمات العمومية في الدول الأعضاء بعد جائحة «كوفيد - 19». لكن ناطقاً بلسان المفوضية صرح بأن هذا المبلغ ليس كافياً لتغطية نفقات خطة الطوارئ أكثر من ثلاثة أشهر، وأنه لا بد من إيجاد مصادر تمويل إضافية إذا استمرت الحرب وارتفع عدد اللاجئين الذي تتوقع مصادر الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر أن يصل إلى عشرة ملايين في الأشهر المقبلة.
وكانت القمة الأوروبية الأخيرة كلفت المفوضية تحديد مصادر إضافية لتمويل الخطط والمقترحات التي وضعتها لدعم الدول الأعضاء ومساعدتها على توفير الخدمات الأساسية اللازمة إلى اللاجئين الذين تؤويهم. وكانت وزيرة الداخلية الألمانية نانسي فايزر صرحت في ختام أعمال المجلس الأوروبي بقولها: «من الواضح أن مواردنا وقدراتنا الاستيعابية لن تكون كافية في مواجهة التدفق المتنامي للنازحين، خصوصاً في الأمدين المتوسط والبعيد». وكانت ألمانيا وبولندا طالبتا بتخصيص مبلغ ألف يورو عن كل لاجئ تستضيفه دول الاتحاد خلال الأشهر الستة الأولى من الحرب، ووضع آلية لتأمين تجديد هذا التمويل في الفترات اللاحقة.
وفيما أعلنت الحكومة البولندية أنها أنفقت حتى الآن 2.2 مليار يورو لاستقبال اللاجئين وإيوائهم، قال ناطق بلسان المفوضية إن الاتحاد لا ينوي في الوقت الراهن تفعيل أي آلية إلزامية لتوزيع اللاجئين وفق نظام الحصص على البلدان الأعضاء، والاكتفاء بتحفيزهم على الانتقال الطوعي عبر تزويدهم بمعلومات عن البلدان التي تتوفر فيها قدرات الاستيعاب وتقديم الخدمات الأساسية. ويذكر أن البلدان التي تستقبل النازحين اليوم على الحدود مع أوكرانيا، مثل بولندا والمجر وسلوفاكيا، هي التي منذ سنوات تعترض على نظام الحصص في توزيع المهاجرين الذي تطالب به الدول الواقعة على الحدود الخارجية الجنوبية للاتحاد مثل إيطاليا وإسبانيا واليونان ومالطا.
وتجدر الإشارة إلى أن أزمة النازحين من أوكرانيا وضعت الاتحاد الأوروبي أمام حالة غير مسبوقة استدعت اللجوء للمرة الأولى إلى تفعيل مبدأ «توجيه الحماية الدولية المؤقتة» الذي يسمح بدخول الهاربين من الكوارث إلى بلدان الاتحاد بأعداد غير محدودة. ورغم أن الاتفاقات الموقعة بين الاتحاد وأوكرانيا تمنح المواطنين الأوكرانيين حق الإقامة في بلدان الاتحاد ثلاثة أشهر قابلة للتجديد مرة واحدة، فإن التوجه المذكور يمدد هذه الفترة إلى سنة كاملة قابلة للتجديد التلقائي مرتين، ويسمح بالحصول على خدمات السكن والصحة والتعليم وفرص العمل أسوة بالمواطنين الأوروبيين. وكانت المفوضية أفادت بأن 800 ألف لاجئ طلبوا حتى الآن الاستفادة من هذا التوجيه.
ويتحسب الاتحاد الأوروبي لموجة جديدة كثيفة من الأرياف الأوكرانية إذا صحت التوقعات بأن روسيا ستتعمد استهداف البنى التحتية الزراعية لإضعاف قدرة الأوكرانيين على الصمود واطالة المواجهة. وكان المفوض الأوروبي للشؤون الزراعية، البولندي جانوز فودجيشوفسكي، اتهم الاتحاد الروسي باستخدام الأساليب السوفياتية للتوسع والسيطرة على الدول الأخرى بإخضاع شعوبها للمجاعة، وقال في تصريحات إن روسيا تتعمد ضرب البنى التحتية لقطاعي الزراعة والأغذية، على غرار ما فعله النظام السوفياتي على عهد ستالين في ثلاثينات القرن الماضي عندما قضت المجاعة على الملايين من سكان المناطق التي كان يسعى لبسط سيطرته عليها. وقال المفوض الأوروبي: «علينا أن نمنع ذلك مهما كلف الأمر، لأن قطاع الزراعة في أوكرانيا أساسي لتوفير الأمن الغذائي في العالم».
ويقول المسؤولون في أجهزة المفوضية إن القدرات اللوجيستية متوفرة لمواجهة تدفق النازحين من أوكرانيا في الأشهر المقبلة حتى نهاية الصيف، لكن إذا طالت الحرب أو اشتدت المعارك فإن الدول المتاخمة لن تكون قادرة على استيعاب اللاجئين، ولا بد من وضع آلية لتوزيعهم على الدول الأخرى، وخطط لتنظيم بقائهم وتوفير الخدمات الأساسية لهم. وفيما تنكب هذه الأجهزة منذ أسابيع على وضع خطة شاملة لاستيعاب النازحين الأوكرانيين في الأمدين المتوسط والطويل لعرضها على القمة الأوروبية الأخيرة التي ستعقد تحت الرئاسة الدورية الفرنسية أواخر يونيو (حزيران) المقبل، تطالب دول الجنوب الأوروبي بأن تتواكب هذه الخطوة مع إقرار ميثاق الهجرة الأوروبي الذي تتعثر المفاوضات حوله منذ سنوات بسبب الانقسامات السياسية الحادة التي يثيرها بين الدول الأعضاء.
واللافت اليوم أن بولندا التي تقود كتلة الدول المتشددة في المفاوضات حول ميثاق الهجرة واللجوء في الاتحاد، وترفض بشكل قاطع مبدأ توزيع الأعباء بين الدول الأعضاء بعد أن امتنعت، إلى جانب المجر، عن استقبال اللاجئين السوريين الفارين من الحرب، هي التي تطالب اليوم الشركاء الأوروبيين بالدعم المالي واللوجيستي وقبول توزيع النازحين الأوكرانيين الذين زاد عدد الذين دخلوا منهم إلى أراضيها على 2.4 مليون شخص، أي ما يعادل 62 في المائة من مجموع الذين دخلوا إلى بلدان الاتحاد الأوروبي. وكانت بولندا، مدعومة بقوة من ألمانيا والمجر ورومانيا، فاجأت شركاءها عند افتتاح أعمال المجلس الأوروبي الاستثنائي لوزراء العدل والداخلية نهاية الأسبوع الماضي عندما تقدمت باقتراح يعيد النظر بصورة جذرية في المقاربة التي اعتمدها الاتحاد حتى الآن حول سياسات اللجوء والهجرة، وأبدت استعدادها لتذليل العقبات التي تحول، منذ فترة طويلة، دون التوصل إلى اتفاق لاعتماد الميثاق المشترك. وكانت الحكومة البولندية طلبت، إضافة إلى تخصيص مساعدات مالية عن كل لاجئ تستقبله البلدان المجاورة لأوكرانيا، بتغطية نفقات سفر النازحين لمغادرة البلد الذين يصلون إليه بعد عبورهم الحدود، وتنقلهم داخل الدول الأعضاء.
وفيما أبدت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تجاوباً من مطالب الدول المتاخمة لأوكرانيا، والمدعومة من ألمانيا التي تعرف أن نسبة كبيرة من النازحين سوف تتوجه إليها في نهاية المطاف، خاصة إذا طالت الحرب، تتركز الجهود حالياً على وضع آلية مشتركة لتوزيع اللاجئين على الدول الأعضاء في الاتحاد، خاصة أن تطبيق مثل هذه الآلية معقد جداً من الناحية القانونية إذ لا يمكن، حسب التشريعات الأوروبية واتفاقات الهجرة الدولية، إجبار اللاجئ على تغيير المكان الذي يختاره لإقامته. وتتجه المفوضية حالياً إلى إنشاء منصة موحدة لإدارة وتنظيم وصول النازحين إلى بلدان الاتحاد، وتزويدهم بالمعلومات والإرشادات اللازمة، وأيضاً بالمحفزات، لإعادة توزيعهم على الدول الأعضاء وفقاً لقدراتها الاستيعابية.
وتقود إيطاليا كتلة الدول الأعضاء التي تسعى إلى ربط حزمة التدابير والمساعدات التي تطالب بها الدول المجاورة لأوكرانيا لاستيعاب تدفق النازحين باتفاق نهائي وشامل حول ميثاق الهجرة المجمد في أدراج المفوضية منذ سنوات. ولا يغيب عن هذه الكتلة، التي تدعمها الرئاسة الفرنسية الدورية بقوة، أن الاتفاق حول ميثاق أوروبي مشترك للهجرة واللجوء يوزع الأعباء بصورة منصفة على الأعضاء، من شأنه أن يسحب من التداول السياسي الموضوع الذي يشكل مصدراً أساسيا لصعود الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة، خاصة أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل ضربة قاسية لهذه الأحزاب وقياداتها التي تربطها علاقات وثيقة وتحالفات منذ سنوات بنظام فلاديمير بوتين. وكانت وزيرة الداخلية الإيطالية أوضحت موقف الكتلة بقولها: «نتبنى الاقتراح البولندي بكامل تفاصيله وإبعاده، خاصة ما جاء في مقطعه الأخير بأن الوقت قد أزف لإبداء الدعم الأوروبي الملموس، ليس فقط للدول الأعضاء الشريكة في الاتحاد، بل أيضاً لأوكرانيا ومواطنيها».
وإذ تعتبر المفوضية أن تطبيق خطة المساعدات إلى دول الجوار الأوكراني لا بد أن يمول في المرحلة الراهنة من موارد صندوق الإنعاش الذي أقره الاتحاد الأوروبي للنهوض من تداعيات جائحة «كوفيد»، تدرك أن ذلك سيطرح معضلة المساعدات الأوروبية المجمدة من هذا الصندوق لبولندا والمجر، بقرار من المجلس، بسبب عدم احترام هذين البلدين لسيادة القانون وفصل السلطات والمبادئ والقيم الأساسية في ميثاق الاتحاد. وكان مصدر مسؤول في المفوضية صرح بأن هذا الموضوع الحساس سياسيا والشائك قانونياً ستجري مناقشته في ضوء الآلية التي ستعتمد لتمويل الخطة، لكن القرار النهائي بشأنه سيترك إلى مرحلة لاحقة على مستوى القمة. ويذكر في هذا الصدد أن القمة الأوروبية الأخيرة وافقت على إنشاء صندوق ائتمان للتضامن مع أوكرانيا، لكن من غير تحديد آلية لتمويله. وكانت الرئاسة الفرنسية اقترحت فتح باب تمويل هذا الصندوق للبلدان والجهات الدولية المانحة خارج الاتحاد لدعم جهود الإعمار في أوكرانيا.
إلى جانب ذلك، وافق المجلس الأوروبي الاستثنائي لوزراء العدل والداخلية على حزمة مساعدات لمولدوفا التي تسجل أعلى نسبة من النازحين الأوكرانيين الوافدين إليها مقارنة بعدد السكان، حيث بلغ عددهم 375 ألفا ينتقل معظمهم إلى الدول الأعضاء في الاتحاد. وكانت المفوضية قررت تفعيل آلية الحماية المدنية مع البلدان المجاورة للمرة الأولى منذ عشرين عاماً، والتي تسمح لأجهزة الأمن وإدارة شؤون الهجرة الأوروبية بتقديم الدعم والمساعدة المباشرة إلى الدول الأخرى لتنظيم تدفق اللاجئين إلى بلدان الاتحاد.
وأمام ضخامة التحدي الذي يطرحه ملف اللاجئين الأوكرانيين على الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء، والاحتمالات المتزايدة بتفاقم الأزمة الإنسانية وظهور بؤر جديدة للنزاعات، أبدت الولايات المتحدة استعدادها لاستقبال عدد من النازحين وتسهيل استقرارهم وإقامتهم. وكانت واشنطن أعلنت خلال الزيارة التي قام بها الرئيس الأميركي جو بايدن الأسبوع الماضي إلى أوروبا حيث شارك في القمم الثلاث التي عقدها الحلف الأطلسي ومجموعة السبع والاتحاد الأوروبي وقام بزيارة بولندا، أنها مستعدة لاستقبال مائة ألف لاجئ أوكراني كحد أقصى، مع إعطاء الأولوية لمن لديهم أنسباء يقيمون بصورة شرعية في الولايات المتحدة. كما أعلنت الإدارة الأميركية عن تخصيص مساعدة إضافية قدرها مليار دولار لدعم جهود استقبال النازحين من الحرب في أوكرانيا.
وكانت مفوضية الأمم المتحدة لغوث اللاجئين نبهت إلى أن ثمة أزمة نزوح أخرى بعيدة عن الأضواء، هي أزمة النازحين داخل الأراضي الأوكرانية الذين لأسباب متعددة يتعذر عليهم الوصول إلى حدود أوكرانيا الخارجية، والذين تقدر المنظمات الإنسانية عددهم حالياً بحوالي 6.5 مليون نازح، يعاني معظمهم من نقص في الغذاء والمسكن والخدمات الصحية الأساسية.

لاجئون فارون من أوكرانيا عقب وصولهم إلى معبر ميديكا الحدودي في بولندا في 7 مارس الماضي (أ.ب)

- خريطة توزع اللاجئين الأوكرانيين على دول الجوار
> فرّ أكثر من 4.24 مليون لاجئ أوكراني من بلادهم منذ الغزو الروسي في 24 فبراير (شباط)، وفق تعداد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. ولم تشهد أوروبا مثل هذا التدفق للاجئين منذ الحرب العالمية الثانية.
وأشارت وكالة الصحافة الفرنسية إلى أن نحو 90 في المائة من الذين فروا من أوكرانيا هم من النساء والأطفال، في حين لا تسمح السلطات الأوكرانية بمغادرة الرجال في سن القتال.
وتتحدث المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة عن فرار نحو 205.500 شخص غير أوكراني من البلاد ويواجهون أحياناً صعوبات في العودة إلى بلدانهم الأم. وتقدر الأمم المتحدة عدد النازحين في أوكرانيا بنحو 7.1 مليون. واضطر أكثر من 11 مليون شخص، أي أكثر من ربع السكان، إلى مغادرة منازلهم إما عن طريق عبور الحدود بحثاً عن ملجأ في البلدان المجاورة وإما عن ملاذ آمن آخر في أوكرانيا.
قبل هذا النزاع، كان عدد سكان أوكرانيا أكثر من 37 مليوناً في الأراضي التي تسيطر عليها كييف - ولا تشمل شبه جزيرة القرم (جنوب) التي ضمتها روسيا في عام 2014 ولا المناطق الشرقية الخاضعة لسيطرة الانفصاليين الموالين لروسيا منذ العام نفسه.
وتستقبل بولندا وحدها أكثر من نصف عدد اللاجئين الذين فروا من أوكرانيا منذ بدء الغزو الروسي، أي نحو 6 من كل عشرة لاجئين. ومنذ 24 فبراير دخل 2469657 لاجئاً إلى بولندا وفقاً لإحصاءات المفوضية. وأكدت «اليونيسف» أن نحو النصف، أطفال. وأكد نائب وزير الداخلية أن 1.5 مليون منهم بقوا في بولندا. وحصل 600 ألف منهم على رقم التعريف الوطني (PESEL). ويستخدم هذا الرقم على نطاق واسع في العلاقات مع المؤسسات العامة البولندية، والخدمات الصحية، للحصول على رقم هاتف، والوصول إلى بعض الخدمات المصرفية، وغيرها.
وأشارت مفوضية الأمم المتحدة للاجئين إلى أن 648410 أشخاص لجأوا إلى رومانيا، بحلول 4 أبريل (نيسان). أما مولدافيا التي يبلغ عدد سكانها 2.6 مليون نسمة، فتشجع المفوضية الأوروبية اللاجئين الأوكرانيين الذين يصلون إليها على مواصلة رحلتهم للاستقرار في إحدى دول الاتحاد الأوروبي الأكثر قدرة على تحمل العبء المالي. واستقبلت مولدافيا 396448 لاجئاً، وفق إحصاءات مفوضية اللاجئين.
واستقبلت المجر 394728 أوكرانياً، فيما دخل إلى سلوفاكيا 301405 أوكرانيين، بحسب ما نقلت الوكالة الفرنسية عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
وبلغ عدد مَن لجأوا إلى روسيا نحو 350632 شخصاً حتى 29 مارس (آذار) الماضي، وفق الأرقام المتوافرة. أما بيلاروسيا فقد استقبلت 16274 شخصاً بحلول 3 أبريل.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: الضفة الغربية شهدت أعلى نسبة تهجير الشهر الماضي

المشرق العربي مستوطنون إسرائيليون يراقبون في حين يقف جنود إسرائيليون حراساً خلال جولة أسبوعية في الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 31 يناير 2026 (رويترز)

الأمم المتحدة: الضفة الغربية شهدت أعلى نسبة تهجير الشهر الماضي

قالت الأمم المتحدة، الخميس، إن هجمات المستوطنين الإسرائيليين ومضايقاتهم في الضفة الغربية المحتلة تسببت في تهجير نحو 700 فلسطيني خلال شهر يناير.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
أوروبا متظاهر يحمل وشاحاً كُتب عليه «كردستان» خلال مظاهرة في برلين 24 يناير احتجاجاً على الاشتباكات العسكرية الأخيرة بين الجيش السوري وقوات «قسد» (رويترز)

مسؤولون ألمان يأملون بزيارة الشرع قريباً لمناقشة «قسد» وعودة اللاجئين

رغم تأجيل الرئيس السوري أحمد الشرع، الأسبوع الماضي، زيارته إلى ألمانيا بسبب المعارك مع «قسد»، لا تزال برلين تأمل في إتمام الزيارة قريباً لمناقشة ملفات أساسية.

راغدة بهنام (برلين)
العالم مهاجرون على متن قارب مطاطي ينتظرون إغاثتهم من قبل أفراد طاقم سفينة إنقاذ قبالة المياه الدولية لليبيا... 16 يناير 2026 (أ.ف.ب)

الأمم المتحدة: مئات المهاجرين فُقدوا في البحر المتوسط خلال يناير

رجّحت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، الاثنين، أن يكون مئات المهاجرين فُقِدوا أو قضوا في البحر المتوسط خلال شهر يناير نتيجة حوادث غرق القوارب.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
العالم العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يصافح وزير الدولة القطري محمد الخليفي بعد اجتماعهما بالقصر الرئاسي في بعبدا (أ.ف.ب)

قطر تعلن عن حزمة مساعدات للبنان

أعلن وزير الدولة في وزارة الخارجية القطرية محمد الخليفي، الاثنين، من بيروت، عن حزمة مشاريع للبنان بعشرات ملايين الدولارات.

«الشرق الأوسط» (الدوحة - بيروت)
الولايات المتحدة​ مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك (رويترز)

مفوض حقوق الإنسان «مصدوم» من طريقة معاملة المهاجرين في أميركا

عبّر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، عن استيائه الشديد حيال «إساءة المعاملة الروتينية» للمهاجرين واللاجئين في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.