فنان من أذربيجان يدخل الفن الإسلامي لعالم «الميتافيرس»

عمل «مرقع» لأورخان مامادوف أثناء عرضه في بينالي فينيسيا 2019
عمل «مرقع» لأورخان مامادوف أثناء عرضه في بينالي فينيسيا 2019
TT

فنان من أذربيجان يدخل الفن الإسلامي لعالم «الميتافيرس»

عمل «مرقع» لأورخان مامادوف أثناء عرضه في بينالي فينيسيا 2019
عمل «مرقع» لأورخان مامادوف أثناء عرضه في بينالي فينيسيا 2019

الفنان الأذربيجاني أورخان مامادوف، له طريقته الخاصة في الإبداع ومزج التراث بآخر صيحات الفن الرقمي. في عام 2019 مثل بلاده في بينالي البندقية، وقدم أعمالاً يمكن أن تصف بالمذهلة أو بـ«الثورية»، وهي كلمة يحب الفنان استخدامها. في فينيسيا قدم ترجمة الواقع الافتراضي لفن المنمنمات العتيق، قدمها على هيئة أعمال بصرية متحركة. تخرج المنمنمة من تحت يد وكومبيوتر مامادوف لتخاطب العالم الحديث، تمزج ما بين الرسومات القديمة، حيث نرى الشخصيات وهي ترتدي الملابس التقليدية لأناس عاشوا في بلاد فارس وما جاورها في القرون الوسطى، نرى تقسيمات الرقعة كالمعتاد، حيث تتميز المنمنمات بطريقة سرد فريدة، كل منها تقدم قصة على مراحلها الزمنية المختلفة. غير أن النسخ الرقمية منها تترك عالمها القديم وتخطو داخل القرن الـ21. الشخصيات الموجودة في عمله ترتدي الملابس نفسها، ولكنها تمارس حياتها الرقمية أمامنا، فمن مجموعة من النساء يسبحن في بركة مزينة إلى حفل راقص وعازف عود يتمايل، وفي ركن آخر من المنمنمة تصور خارج القصر هناك فلاح يقوم بالعمل في أرضه وداخل القصر مجلس السلطان بأشخاص يحنون رؤوسهم ويقدمون الهدايا له. يضيف مامادوف من خياله أيضاً مشاهد حديثة، حيث نجد مجموعة من الرجال يمارسون رياضة الكرة الطائرة على سبيل المثال.


سجاد شرقي بصيغة «إن إف تي» من معرض «التفرد في التراث» للفنان الأذربيجاني أروخان مامادوف

يعرج فن مامادوف من المنمنمات إلى السجاد العتيق وإلى نقوشه وألوانه المميزة، وهنا أيضاً يصطحب تصاميم السجاد المعروفة في بلده أذربيجان إلى العالم الرقمي، ويعرضها في «آرت دبي» من خلال غاليري «غازيل أي أو» (GAZELL.iO)، ويسحر جمهور المعرض بقطع سجاد تتحرك وتتضافر ألوانها وتتماوج زخارفها على الشاشات.
العرض حمل عنوان «التفرد في التراث»، ومن خلاله قدمت مقاطع الفيديو التي طورها الفنان للعالم الافتراضي معتمداً على خوارزميات صممها بنفسه في محاولة لتصوير التشابهات بين تصاميم السجاد والزخارف التراثية. وللوصول للشكل الرقمي كما نراه قام بإدخال أكثر من 150 ألف صورة أرشيفية لقطع السجاد والأبسطة والكليم والمنمنمات وأشكال زخرفية من المتاحف والمكتبات العالمية من خلال نظام حوسبة يقدم التراث من خلال عدسات رقمية. يحاول مامادوف إحياء التراث الثقافي الملموس وتحويله إلى سجاد وتصاميم حائط رقمية لعالم الميتافيرس من خلال هذا المعرض، الذي اختار صيغة «إن إف تي» (الرموز غير القابلة للتداول) له.
من دبي، حيث عرض الفنان سجاداته الرقمية لجمهور «آرت دبي»، تحدث الفنان مع «الشرق الأوسط»، وتطرق الحديث لبداياته وأعماله وطريقة عمله التي يمكن أن يطلق عليها «اللغة الجديدة للفن الاستشراقي».


أورخان مامادوف (غيتي)

- البدايات مع الخوارزميات
أسأله في البداية إن كان بدأ عمله الفني من خلال العالم الرقمي، ويجيب قائلاً بأن بدايته كانت عبر الكومبيوتر: «بدأت في عمر الـ15 تعلمت البرمجة وطورت مهاراتي بتعلم تقنيات تطوير وتصميم البرامج»، بعدها درس علوم الكمبيوتر في الجامعة، ولكنه طمح للمزيد: «فكرت في تلك المرحلة بأني تعلمت البرمجة، ولكن ذلك لم يكن كافياً، فقد كان عندي شغف لصناعة الأعمال الفنية». توجه مامادوف بعد ذلك لإسطنبول لدراسة وسائل التواصل البصرية، التي تمكنه من إنشاء أعمال فنية تفاعلية، وبعد ذلك التحق الفنان بجامعة براغ لدراسة الفنون، «بعد أن تخرجت قررت دمج كل المهارات التي تعلمتها في مجال واحد».
أما عشق السجاد، فله قصة أخرى معه، يروي لي أنه شارك في معرض فني عام في مدينة باكو عاصمة أذربيجان، وكانت المرة الأولى التي يشارك فيها بمعرض عام، كان أمامه تحدٍ لتحقيق عمل فني على طريق سريع في العاصمة، وهو طريق مشهور بكثرة الحوادث، فكر الفنان حينها في استخدام السجاد كمادة رئيسية لفكرته: «استخدمت قطعة طويلة من السجاد الأحمر وضعتها على الأرض، وأحطتها بأشخاص يرتدون ملابس رسمية، وكأن السائق يمر على السجاد الأحمر المخصص لكبار الشخصيات. النجاح الذي قوبلت به الفكرة دفع الفنان للتركيز على السجاد لاستكشاف تراثي ووسيلتي الفنية».

- بينالي فينيسيا والمنممات الرقمية
المحطة الأهم في مسيرة مامادوف كانت تكليفه بتمثيل أذربيجان في بينالي فينيسيا عام 2019، وكان الموضوع العام للبينالي هو «الأخبار الكاذبة والحقائق الزائفة». لجأ مامادوف مرة أخرى للتراث الإسلامي في أذربيجان، وقام بجمع كل أشكال الزخارف المعروفة في التراث الوطني، التي تستخدم في تصميم الأزياء والعمارة وغيرها، «قمت بتحليل كل تلك المعطيات وبها كونت أشكالاً بديلة مزيفة، تستطيعين وصفها بأنها بدائل بصرية أو أشكال مزيفة، ففي النهاية هي أشكال غير حقيقية. لقد طورت نظام ذكاء صناعي مستقل ينتج دائماً أنماطاً ورموزاً جديدة لا نهائية».
أسأله عن عمله الثاني في البينالي، وعنوانه «مرقع»، الذي يمزج الحقيقة والخيال في صورة منمنمات تراثية، يشير إلى أنه جمع محتويات ثلاث منمنمات لتكوين هذا العمل: «فكرة (مرقع) كانت استجابة لموضوع البينالي عن الأخبار الكاذبة، ففي تلك الأزمان كان السلطان أو الشاه يملك المال ليستأجر الكتاب والفنانين لكتابة وصنع ما يريد. وقد خطرت لي فكرة جمع عدد من المنمنمات من العهد الصفوي، وأضفت للقصص المرسومة داخلها قصتين مزورتين مثل تصوير مشهد نادٍ ليلي داخل جناح الحريم، أو مشهد لمباراة كرة سلة. مزجت الحقيقي بالزائف، وأردت ألعب حيلة على ذهن المتفرج الذي يجب أن يقرر لنفسه الفرق بين الحقيقي والكاذب أمامه».

- السجاد الرقمي والمنمنمات بصيفة «إن إف تي»
أعود بالفنان لمشاركته في آرت دبي، الشهر الماضي، الذي قدم فيه من خلال غاليري «غازيل أي أو» (GAZELL.iO)، عمله الغامر المعتمد على تصميمات السجاد الرقمية، وأستعير تعبير «النسج الرقمي» منه: «لنعد للسجاد إذن أو ما تطلق عليه (النسج الرقمي)، اشرح لنا التأثير البصري لتلك الأعمال الغامرة». يجيب: «لنبدأ بالبناء البصري للسجادة، لقد قمت باستنساخ نفس عملية صناعة السجاد، لكن بدل الخيوط استخدمت الخوارزميات لتكوين ألوان وأشكال رقمية، في النهاية ما ترينه أمامك هو مزيج من حوالي 10 سجادات، وهذا ما أطلق عليه مسمى النسج الرقمي».
تبدو كل سجادة رقمية أمام الناظر وكأنها بالفعل منسوجة من خيوط وألوان مختلفة، تتلون وتتغير زخارفها أمامنا في العرض الغامر، يصف تأثير ذلك «صممت محاكاة لسجاد حقيقي، ما نراه يشبه الحلم، حيث تندمج الأشكال وتتشابك ببعضها البعض».
هل فكر يوماً بتصميم السجاد الواقعي والمحسوس؟ أسأله منبهرة بقدرته على خلق كل تلك النماذج البديعة من السجاد التي لا يستطيع الناظر وضعها على الأرض ليمشي عليها، ولكن يمكنه وضعها على الحائط عبر شاشة ضخمة، يقول إنه يصمم بالفعل سجاداً، ويتعامل مع أحد المصانع في أذربيجان، ولكنه يعد ذلك الجانب من عمله عملية «تجارية».


عمل «إن إف تي» يدمج بين الرقمي والتراث

- «إن إف تي» وعالم المستقبل
يتحدث مامادوف عن عالم «إن إف تي» بحب وثقة، يرى فيه المستقبل الأكيد «في خلال سنوات قليلة ستصبح كل مشترياتنا من (إن إف تي)، مثل ما يشتري أحدنا قارورة مياه غازية بنسخة محدودة تذكارية، سنقوم بشراء الصيغة الرقمية لها، أو عندما تشتري تذكرة حفل موسيقي لمغن شهير، سنقوم بشراء التذكرة بصيغة (إن إف تي)، ونستطيع أيضاً بيعها لاحقاً».
مامادوف يحول أشكال الفن الإسلامي للصيغ الرقمية والرموز غير القابلة للتداول «إن إف تي»، على سبيل المثال قام بدمج إحدى الصور الشهيرة من عالم «إن إف تي»، وهي لقرد يرتدي كاب وهو من مجموعة بعنوان «بورد إيب»، دمجها مامادوف على لوحة رقمية لسجادة شرقية، ما هو رد فعل الجمهور؟ يقول ببساطة «في البداية يكرهونها، وبعد ذلك يتحول الكره لإعجاب، فالناس يكرهون ما لا يستطيعون فهمه. البعض يعتقد أني أستهزئ بالتراث، ولكني في الحقيقة أحافظ عليه، فأنا أتواصل مع جمهور أكبر وأوسع وأقدم لهم جماليات تراثنا».



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».