الغرب يعرض في بروكسل رؤيته الجديدة للعالم

(تحليل إخباري)

قادة «حلف شمال الأطلسي» خلال قمتهم الاستثنائية في بروكسل أول من أمس (أ.ف.ب)
قادة «حلف شمال الأطلسي» خلال قمتهم الاستثنائية في بروكسل أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

الغرب يعرض في بروكسل رؤيته الجديدة للعالم

قادة «حلف شمال الأطلسي» خلال قمتهم الاستثنائية في بروكسل أول من أمس (أ.ف.ب)
قادة «حلف شمال الأطلسي» خلال قمتهم الاستثنائية في بروكسل أول من أمس (أ.ف.ب)

منذ أن أصبحت عاصمة المؤسسات الأوروبية، لم تشهد بروكسل مثل هذا الحشد السياسي والأمني والدبلوماسي الرفيع الذي شهدته خلال اليومين الماضيين، وحوّلها إلى مسرح كبير يعرض الغرب على خشبته رؤيته الجديدة للعالم في مواجهة الحرب التي شنّتها روسيا ضد أوكرانيا، والتي يخشى كثيرون من أنها ليست سوى بداية لمحاولة إعادة رسم الخرائط والتوازنات التي تسعى أوروبا منذ عقود لترسيخها وتجهد الولايات المتحدة لعدم المساس بها.
انقضى اليوم الأول في أجواء استعراضية وتوافقية حول العقوبات المفروضة على روسيا وتدابير التصدّي لاحتمالات التصعيد العسكري، في حال لجأ الكرملين إلى استخدام أسلحة غير تقليدية، وبقيت المواضيع الشائكة لليوم الثاني الذي افتتحه الرئيس الأميركي جو بايدن بلقاء مبكر مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين طرح فيه العرض الذي تنقسم حوله الآراء بشدة داخل الاتحاد، والذي تعتزم واشنطن من خلاله خنق الاقتصاد الروسي وتجفيف منابع التمويل التي من شأنها أن تساعد موسكو في مقاومة العقوبات.
منذ أن بدأ الحلفاء الغربيون بفرض حزم متتالية من العقوبات الاقتصادية والمالية على موسكو في أعقاب اجتياح القوات الروسية أراضي أوكرانيا، كانت بلدان الاتحاد الأوروبي تتجاوب صفّاً واحداً مع الاقتراحات التي كانت واشنطن تحددها وتضبط إيقاعها وتحرص على تدرّجها وعدم إحراج حلفائها الذين تدرك مدى اعتماد اقتصاداتهم على مصادر الطاقة الروسية وتأثرها بالعقوبات على شريك تجاري كبير بالنسبة لكثير من البلدان الأوروبية.
لكن بعد شهر من المعارك وتعثّر المخططات الحربية الروسية، ومع ظهور المؤشرات الأولى على بداية التصدّع في الحلقة الضيّقة المحيطة بفلاديمير بوتين وعدم وجود أدلة على استعداد الصين لمساعدته، رأت واشنطن أن الوقت حان لتوجيه ضربة قاضية إلى النظام الذي يمّول آلة الحرب الروسية ويعتمد بشكل أساسي على صادرات النفط والغاز والفحم الحجري إلى الاتحاد الأوروبي. يضاف إلى ذلك أن ثمّة إجماعاً في أوساط المحللين الغربيين على أن العقوبات الأشدّ إيلاماً، مثل تجميد احتياطي المصرف المركزي الروسي من العملات الصعبة في المصارف الغربية والتدابير التي أدّت إلى انهيار قيمة الروبل، تفقد تأثيرها إذا استمر الأوروبيون باستيراد المحروقات من روسيا بقيمة تتجاوز 18 مليار دولار شهرياً.
وكان الرئيس الأميركي تعمّد الإعلان عن تفاصيل العرض الذي قدّمه صباح أمس إلى رئيسة المفوضية قبل أن تبدأ جلسات اليوم الثاني من قمة الاتحاد المخصص لموضوع العقوبات على موسكو ومعالجة أزمة أسعار الطاقة والمحروقات في البلدان الأوروبية. وبعد إعلانه أن واشنطن وبروكسل توصلتا إلى اتفاق لزيادة الصادرات الأميركية من الغاز المسيّل إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 68 في المائة، توجّه إلى فون دير لاين وقال: «حضرة الرئيسة، أعرف أن التخلي عن الغاز الروسي مكلف بالنسبة للاتحاد الأوروبي. لكن هذه الخطوة ليست هي الصائبة أخلاقياً فحسب، فهي ستضعنا في موقع استراتيجي أفضل، والهدف هو زيادة الصادرات الأميركية لتصل إلى 50 مليار متر مكعّب سنوياً في عام 2030». وقالت رئيسة المفوضية إن الاتحاد الأوروبي يسعى لخفض اعتماده على الغاز الروسي بنسبة الثلثين بحلول نهاية العام الحالي، وهو يجري حالياً مفاوضات مع النرويج وقطر والإمارات العربية المتحدة لتأمين مصادر بديلة. ومن جهته، صرّح وزير الاقتصاد الألماني بأن واردات النفط من روسيا ستنخفض إلى النصف قبل نهاية هذا العام، لكن بالنسبة للغاز سيستغرق الأمر فترة أطول قد تمتد حتى أواخر عام 2024. وتجدر الإشارة إلى أن ألمانيا تستورد من روسيا 54 في المائة من الغاز الذي تستهلكه. ويأتي العرض الأميركي لتزويد أوروبا بقسم كبير من الغاز الذي تستهلكه ليعمّق الانقسام داخل الاتحاد حول موضوع الذهاب بعيداً في محاصرة الاقتصاد الروسي، إذ هو مشروط بتشديد إضافي في العقوبات من شأنه أن يؤدي إلى قطيعة شبه كاملة مع روسيا. وقد بدأ الأوروبيون يشعرون بأنهم أمام معضلة مفاضلة صعبة بين عدم التجاوب مع رغبات واشنطن التي أظهرت الأزمة الراهنة أنها الوحيدة القادرة حالياً على حماية أوروبا، أو قطع العلاقات نهائياً مع روسيا، ما سيؤدي إلى زيادة الاعتماد على الولايات المتحدة وما يستتبعه من تضييق في هامش المناورة واستقلالية المشروع الأوروبي.
تجدر الإشارة في هذا المجال إلى أن الولايات المتحدة هي المصدّر الأول للغاز المسيّل إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 44 في المائة من احتياجات السوق الأوروبية، وفقاً لبيانات يناير (كانون الثاني) الماضي. وكانت هذه الصادرات قد ارتفعت بشكل عامودي بعد الاتفاق الذي تم توقيعه بين المفوضية الأوروبية وإدارة دونالد ترمب في يوليو (تموز) 2018، حيث كانت بمعدّل 3 مليارات متر مكعّب سنوياً لتصبح 22 ملياراً في العام الماضي. لكن الغاز المسيّل لا يشكّل سوى 18 في المائة من إجمالي الاستهلاك الأوروبي من الغاز، وبالتالي فإن الصادرات الأميركية الحالية لا تغطي سوى 6.6 في المائة من الاحتياجات الأوروبية التي يغطّي الغار الروسي 45.6 في المائة منها.
وفي بداية كلمته أمام قادة الاتحاد، قال بايدن: «إن فكرة وحدة أوروبا بكاملها، ليست فقط الحلف الأطلسي ومجموعة السبع والاتحاد الأوروبي، هي أهم ما يمكن أن نفعله لوقف هذا الرجل الذي تعتقد بلادي أنه ارتكب جرائم حرب». وبعد أن تحدّث في الجلسة المغلقة أمام القمة الأوروبية عن أهمية تشديد العقوبات وعدم تضييع الفرصة التي يوفّرها هذا الزخم الناجم عن وحدة الصف بين الحلفاء الغربيين، استفاض في الحديث عن موضوع اللاجئين الذين قال إن عددهم قد يصل إلى عشرة ملايين، وإن الولايات المتحدة مستعدة لاستقبال مائة ألف منهم كحد أقصى. وكانت واشنطن قد نجحت حتى الآن في دفع حلفائها الأوروبيين لمواكبتها في تصعيد العقوبات ضد موسكو، لكن الاتحاد الأوروبي لا يبدو مستعداً في الوقت الحاضر لفرض مزيد منها بعد الحزم الأربع التي أقرّها بالإجماع، والتي هي في رأي كثيرين خطوة تاريخية ويعدها آخرون كافية، وأنه لم يعد ثمّة مجال لفرض عقوبات إضافية غير وقف الواردات الروسية من الطاقة التي تضخّ 750 مليون دولار يومياً في خزائن الكرملين.
لكن رغم أن الاتحاد الأوروبي يستورد 90 في المائة من الغاز الذي يستهلكه، منها 40 في المائة من روسيا، فضلاً عن 27 في المائة من النفط ونصف احتياجاته تقريباً من الفحم الحجري، فإن بعض البلدان في الاتحاد الأوروبي، خصوصاً منها تلك المحاذية لروسيا، مستعدة لمثل هذه الخطوة وما يتأتى عنها من تداعيات. لكن دولاً أخرى مثل ألمانيا وهولندا وإيطاليا تعتبر أن خطوة كهذه من شأنها أن ترتدّ سريعاً، وبشكل كارثي على أوروبا، إذ قد تؤدي إلى إقفال عدد كبير من المصانع وتعقيد المشهد الراهن المعقد أصلاً. من هنا كان إصرار هذه المجموعة الأخيرة على الاكتفاء بالعقوبات الراهنة وتشديد المراقبة لمنع موسكو من الالتفاف عليها. وكانت مداخلة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أمام القمة ليلة الخميس، قد أثارت بعض الحرج في الأوساط الأوروبية، عندما أشار إلى كل دولة بمفردها والدعم الذي تقدمه لبلاده، منوّهاً بشكل خاص ببولندا ودول البلطيق، وغامزاً من قناة ألمانيا التي قال إن دعمها كان بطيئاً بعض الشيء. وكان لافتاً جداً توقفه عند المجر ومخاطبته رئيس الوزراء فيكتور أوربان شخصياً بالقول: «أريد التحدث بصراحة كاملة هذه المرة. المجر دولة سيّدة وعليها أن تقرّر إلى جانب من ستقف. أعرف بودابست جيداً وزرتها مرات عديدة، أعرف ما عانته في تاريخها من عنف واغتيالات جماعية. اسمع يا فيكتور، هل تعرف ماذا يحصل في ماريوبول؟ هذا ما تفعله روسيا ويمكن أن يتكرر في العالم اليوم».


مقالات ذات صلة

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

أوروبا جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدي» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز بولندا... 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

تعتزم بولندا إنشاء فئة جديدة من احتياطي الجيش، يمكن تعبئتها في غضون مهلة قصيرة جداً في حالات الطوارئ، وذلك في إطار خطتها لتوسيع جيشها.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم إن رد الولايات المتحدة على الفكرة التي روجت لها دول أوروبية بشأن نشر قوات في أوكرانيا «لن يكون إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين في جورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

أظهرت ​وثيقة أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا  مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

انطلاق مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية ضخمة تحت اسم «أوريون 26» بمشاركة 24 بلداً وحتى نهاية أبريل المقبل تحسباً لمغامرات روسية جديدة في أوروبا

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا لقطة مأخوذة من فيديو تم إصداره 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)

الجيش الروسي يضغط على بوكروفسك الأوكرانية مع احتدام المعارك

قال الجيش الأوكراني، الاثنين، إن القوات الروسية تحاول التقدم حول مدينة بوكروفسك بشرق البلاد، على أمل إنهاء حملة استمرت شهوراً للسيطرة على المركز الاستراتيجي.

«الشرق الأوسط» (كييف)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟