محطات خاركيف تتحوّل ملاجئ لسكانها... وتخشى الاستهداف

متطوعون يروون لـ«الشرق الأوسط» صعوبة إغاثة المدنيين

جزء من فريق «مكتب إغاثة خاركيف» (الشرق الأوسط)
جزء من فريق «مكتب إغاثة خاركيف» (الشرق الأوسط)
TT

محطات خاركيف تتحوّل ملاجئ لسكانها... وتخشى الاستهداف

جزء من فريق «مكتب إغاثة خاركيف» (الشرق الأوسط)
جزء من فريق «مكتب إغاثة خاركيف» (الشرق الأوسط)

السادسة صباحا في خاركيف، تقصف الطائرات الروسية مناطق متعددة في أطراف المدينة، ثم تفتح المدفعية نيرانها على المناطق الشمالية والشرقية من ثاني كبرى مدن أوكرانيا. سالتيفكا في الشمال، والمنطقة الصناعية في الشرق تحصلان على الحصة الكبرى من القصف، بينما يتوزع عدد من القذائف على مناطق متفرقة. لا تزال القوات الروسية تحاول تطويق المدينة، والتمدد شرقا لعزل خاركيف عن مدينة أزيوم (جنوب شرقي خاركيف).
تمتنع سيدة أربعينية في إحدى محطات المترو قرب المنطقة الصناعية من التحدث، ومثلها يرفض كل الموجودين في المحطة تبادل الحديث مع الصحافيين. ولولا مرافقتنا من الشرطة الأوكرانية، لكان الجو أكثر توترا، فلا أحد يريد كشف مكان وجوده. الخوف يتسرب إلى نفوس الجميع هنا، ومع المعلومات عن احتمال وجود 300 قتيل مدني في ملجأ مسرح ماريوبول، بات الناس أكثر حذرا وخشية. توتر الليل والقصف المتواصل نهارا يجعلان الجميع بحال استنفار، حتى عناصر الشرطة المبتدئين يفضلون مراجعة مسؤوليهم قبل التعاون مع الصحافة.
تحوّلت محطّة المترو إلى حيّ سكني. في الخارج، يجلس رجال ونساء على الطريق يدخنون ويأخذون جرعة من شمس الربيع، ويتحدثون بأصوات منخفضة ويراقبون القلة المارة من جنبهم. أما داخل المترو، يجلس العديد من الأطفال والمسنين، تكدست أغراضهم وفرش النوم هنا وهناك. أول الواصلين إلى المحطة يحجز عربة له ولعائلته، أما البقية فاكتفت بالأرصفة لتمد عليها الفرش وتحوّلها إلى منامات وغرف طعام وأماكن جلوس.

مستودع تجاري تحول إلى منزل في المنطقة الصناعية في خاركيف (الشرق الأوسط)

أحد القاطنين في المترو يقول: «نحن نعتبر مكان سكننا الآن من المعلومات السرية، لا نريد أن نقول أي شيء، الروس سيقصفوننا». يرفض الرجل التحدث باسمه أو إعطاء عمره أو حتى سبب مجيئه للمترو.
يشرح فاتيسلاف (32 عاما)، المتطوع في «مكتب إغاثة خاركيف»، أن أغلب الموجودين هنا هم من سكان الطوابق العليا في مجمعات سكنية، وبعضهم من سكان منازل في المنطقة الصناعية التي تضم عشرات المجمعات السكنية. ويضيف أن هؤلاء تركوا منازلهم وأتوا إلى محطات المترو القريبة مخافة تعرضها للقصف، كما أن الكهرباء مقطوعة عن أغلب مباني المنطقة، والوصول إلى الطوابق العليا من البنايات لم يعد بالأمر اليسير. على أطراف الوسط التجاري لخاركيف، عمد العديد من العائلات إلى اللجوء لمحطات المترو أيضا، إذ تعتبر أكثر أمنا من أي مكان آخر، بفضل عمق المحطات وتجهيزها من السلطات في حقبة الاتحاد السوفياتي كملاجئ نووية. البعض ممن فقد منازله لا يريدون مغادرة المدينة، والسبب ببساطة هو أنها مدينتهم. آخرون لا يملكون المال الكافي للمغادرة، والبعض لا يزال مترددا. فاتيسلاف متخصص في توصيل المساعدات للأفراد في المناطق الخطرة. كان يعمل قبل الحرب كمستشار قانوني لإحدى شركات الهاتف الخليوي، وهو اليوم يسافر يوميا على طرقات المدينة نحو سالتيفكا، يرافقه كلبه «غراف». يقول فاتيسلاف إنه لا يعلم إلى أي مدى يمكنه الاستمرار. «حين أملك المال، أشتري سجائر. وحين لا أملك، أتوقف عن التدخين. أنا وكلبي نحصل على الطعام الكافي. أما وقود سيارتي، فأحصل عليه من التبرعات لأعمال الإغاثة». لكن ما يريده فاتيسلاف فعلا، هو الالتحاق بقوات الجيش، «لكنهم لا يقبلون متطوعين جددا».
وبانتظار تطوّعه في الجيش، يُحمّل فاتيسلاف سيارته بأكياس أدوية وطعام وغيرها من مواد تبرعت بها دول غربية. ويحمل كل كيس اسم المستفيد وعنوانه ورقم هاتفه، فيصل الأوكراني الشاب وكلبه إلى المنزل ويتصل بالمستفيد ليتسلم أغراضه.
يشمل «مكتب إغاثة خاركيف» حوالي ثلاثين متطوعا. جزء منهم يعمل في تلقي الاتصالات، وآخر في تحضير الطلبات، والجزء الأكثر مغامرة هو المكلف توصيل الطلبات إلى أصحابها.

عربات المترو تأوي النازحين من بيوتهم (الشرق الأوسط)

تصل المساعدات من هذا المكتب وحده إلى 500 شخص كل يوم. وهو جزء من شبكة منظمات إنسانية تضم أكثر من عشرين جمعية، تعمل بالتنسيق بينها على توزيع أكبر قدر من المساعدات. كل هذه المنظمات المحلية نشأت مؤخرا لسد النقص في عمليات الإغاثة، بعد أن اتّسعت الحاجة وتجاوزت قدرة المؤسسات الحكومية على الاستيعاب. ورغم جهود المتطوعين، تزيد حاجة السكان كل يوم بحسب ما يقول مخايل (32 عاما)، المتطوع في المكتب نفسه، وهو يعمل على تلقي الطلبات من المحتاجين وتحويلها للتنفيذ. ويشير مخايل إلى أن تقديم المساعدات لا يقتصر فقط على المدنيين، بل إن المكتب يقدم خدماته للجنود والمتطوعين العسكريين عبر تزويدهم بالأدوات القتالية غير الفتاكة، من أحذية وثياب عسكرية ومعدات أخرى.
وصل أوليكس (34 عاما) إلى أوكرانيا قبل شهر عائدا من بعثة مهنية في أوروبا. «صعدت إلى سيارة صديقي في صباح 24 من فبراير (شباط)، وسمعنا أخبارا عن أن روسيا تجتاح أوكرانيا. ولكن الأمر بدا أشبه بالمزاح. وصلنا إلى خاركيف، وسمعنا أصوات القصف والاشتباكات داخل المدينة. عندها فقط صدقنا أن البلد يتعرض للغزو»، يقول وهو يظهر صورا من هاتفه التقطها في اليوم الأول لعودته من الخارج.
أوليكس هو مدير مكتب الإغاثة في خاركيف، القريب من وسط المدينة. يمتلك المكتب عدة مستودعات، أحدها مخصص للأدوية وأخرى للطعام والمواد التموينية. ويسعى أوليكس لتوسيع فريق التطوع. فمع استمرار الحرب، ورفض ثلث السكان مغادرة المدينة، باتت الحاجات تتزايد، خاصة أن المال ينفد من الناس، وأوضاعهم تتدهور، وباتوا يحتاجون إلى المساعدة بعد انتفاء القدرة على الشراء من المحال التجارية والحصول على الأدوية من الصيدليات.
يضيف أوليكس أن عددا من المواد متوافرة بالمجان، وتصل من العديد من الدول الأوروبية بينها إيطاليا وإسبانيا ولاتفيا وغيرها. لكن عملية التوزيع باتت بطيئة وتحتاج إلى توسيع. وفي الوقت نفسه، يستطرد أن زيادة فريق التطوع يعني المزيد من المغامرة بالأرواح. «فالقصف الروسي يطال كثيرا من المناطق، وإرسال مندوبين أو تجميع متطوعين في المستودعات سيعرض المزيد من الناس للخطر. ولكن ليس لدينا حلول سهلة». الحلول الصعبة هي ما يعيشه الأوكرانيون في هذه المدينة. يقيم ألكسندر (55 عاما) مع عائلته في مستودع تجاري أسفل أحد المباني. لا يزال المستودع مليئا بأدوات السباكة، ولكن تم عزل أجزاء منه وتحويلها إلى دورة مياه وغرف للمبيت. تتوافد حوالي عشرين عائلة في المساء عند بدء منع التجول، لتقضي ليلتها في هذا المستودع غير المجهز، والمليء بالرطوبة والغبار.
يقول ألكسندر: «أتينا إلى هنا بعد أن سقطت أول قذيفة على المبنى حيث نقطن. تبعنا العديد من السكان، وبتنا جميعا نتناول العشاء ونسهر وننام في المكان نفسه، إلى أن ينقضي منع التجول في الصباح». يبدي ألكسندر هو الآخر حرصه على ألا يُعرف مكان المستودع حيث يقيم ، ولا حتى عنوان الشارع.
كل هذه الأوضاع الصعبة لا تمنع أبناء خاركيف من إبداء الثقة بأن هذا الوضع مؤقت، وأن البلد سيعود حرا. وحين تسأل السكان المتبقين عن سبب هذه الثقة، يجيب بعضهم «هذا تاريخنا»، بينما يقول آخرون «نثق بأنفسنا» في نفحة اعتزاز بالنفس ربما لا تجد لدى المراقب الأجنبي ما يبررها.


مقالات ذات صلة

روسيا: المشتبه في إطلاقه الرصاص على الجنرال أليكسييف اعتقل في دبي

أوروبا الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية) p-circle

روسيا: المشتبه في إطلاقه الرصاص على الجنرال أليكسييف اعتقل في دبي

أعلنت روسيا، الأحد، أن الرجل الذي يشتبه في إطلاقه النار على مسؤول المخابرات العسكرية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف اعتقل في دبي وجرى تسليمه إلى موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة

«الشرق الأوسط» ( لندن)
أوروبا جانب من عملية تبادل الأسرى في موقع غير معلن بأوكرانيا الخميس (إ.ب.أ) p-circle

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا وتبادل قصف البنى التحتية ومرافق الطاقة

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو (رويترز)

روسيا لاستجواب اثنين من المشتبه بهم في محاولة اغتيال جنرال بالمخابرات

اثنان من المشتبه بهم في محاولة اغتيال مسؤول المخابرات العسكرية الروسية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف «سيتم استجوابهما قريباً»، وفقاً لوسائل إعلام روسية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها... ولا تقدم في مفاوضات «شنغن» أو تحديث الاتحاد الجمركي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».