خاركيف ثكنة عسكرية استعداداً لـ«حرب شوارع»

«الشرق الأوسط» ترصد نزوحاً متزايداً للمدنيين مع تصاعد القصف الروسي على ثاني أكبر مدن أوكرانيا

عمال البلدية ومتطوعون بين حطام أبنية تعرضت للقصف الروسي في خاركيف أمس (رويترز)
عمال البلدية ومتطوعون بين حطام أبنية تعرضت للقصف الروسي في خاركيف أمس (رويترز)
TT

خاركيف ثكنة عسكرية استعداداً لـ«حرب شوارع»

عمال البلدية ومتطوعون بين حطام أبنية تعرضت للقصف الروسي في خاركيف أمس (رويترز)
عمال البلدية ومتطوعون بين حطام أبنية تعرضت للقصف الروسي في خاركيف أمس (رويترز)

عاشت خاركيف، ثاني أكبر المدن الأوكرانية، ليلة طويلة من القصف المتواصل والعشوائي، ليلة الأحد - الاثنين، وسط استعدادات لـ«حرب شوارع» محتملة، إذا ما حاول الروس من جديد اقتحام المدينة أو حصارها.
فمنذ ساعات المساء الأولى، يوم الأحد، بدأت المدفعية الروسية استهداف أغلب الأحياء السكنية في خاركيف، لا سيما النواحي الشرقية والشمالية منها، وهو ما ردت عليه المدفعية الأوكرانية بالمثل. لم يتوقف تبادل القصف مع ساعات الصباح الأولى؛ لكن حدته خفّت بعض الشيء، رغم أن أصوات المدفعية ظلت مسموعة خلال نهار الاثنين.

دمار في خاركيف أمس (رويترز)

وتقول وزارة الدفاع الأوكرانية إن القوات الروسية تحاول، دون جدوى، إطباق الحصار على خاركيف؛ لكن المدافعين عنها مستمرون في المقاومة.
وعلى الرغم من حدة القصف الليلي، واستمراره حتى ساعات النهار، فإن فرق الصيانة الأوكرانية خرجت باكراً لإزالة آثار الدمار، وهو أمر بدا عبثياً أحياناً، في ظل تعرّض مناطق قريبة من مواقع عمل فرق الصيانة للقصف خلال إزالتها الركام والزجاج المتناثر، أو إعادة وصلها الأسلاك الكهربائية المتقطعة.
وحدها قوات الجيش والشرطة من يمسك بالشوارع. لا وجود هنا لعناصر متطوعة تدقق في هويات المارة أو توفر الحماية في الشوارع، كما يحصل في مدن أخرى، بما في ذلك العاصمة كييف.

متطوع يجمع ما يمكن استخدامه من بين أنقاض أبنية تعرضت للقصف في خاركيف (رويترز)

خاركيف، في الواقع، تحوّلت إلى ثكنة عسكرية فعلية وبها بعض السكان المدنيين. آلاف من عناصر الجيش انتشروا في مناطق المدينة استعداداً للخطوة التالية. والحقيقة أن العابر في المدينة لن يشاهد مظاهر عسكرية واضحة. فقد اختفى الجنود عن الأنظار. وحدها نقاط الحراسة قرب بعض المباني تشير إلى أن عناصر إضافية موجودة في نقاط قريبة بانتظار دخول القوات الروسية، وبدء حرب شوارع لصدها.
والظاهر أن التكتيك الروسي الجديد المتمثل باستهداف المناطق وقصفها بعنف بهدف إخضاعها، بات يخيف سكان خاركيف أكثر مما كان عليه الوضع سابقاً، إذ بات يُسجَّل نزوح متزايد لمواطنين كانوا قد أصروا على البقاء حتى الآن في مدينتهم. كما أن الوضع الجديد يُنهك الجنود المتأهبين، ويصعّب عمليات التموين المدنية والعسكرية.

جندي في الضواحي الشمالية لمدينة خاركيف أمس (أ.ف.ب)

ويمثّل التكتيك الروسي الجديد عملية واسعة لبث الرعب قبل محاولة الاقتحام المقبلة التي قد تأتي عقب الانتهاء من السيطرة على مدينة ماريوبول بجنوب شرقي البلاد. ولكن، في المقابل وحتى اللحظة، ما زالت عمليات تدفق السلع المدنية، والإمداد العسكري طبعاً، متواصلة إلى خاركيف، وهو ما يعطي انطباعاً بأنه في مقابل إصرار الجيش الروسي على حصار المدينة واقتحامها، هناك استعداد أوكراني على جعله يدفع كلفة عالية.
- مشاهد على هامش الحرب
على رصيف في قلب مدينة كييف، تشرع فتاة صغيرة في البكاء. تشد يد أمها وتحاول الإمساك بسترة أبيها. أصوات القصف المدفعي أرعبت الفتاة ذات المعطف الزهري والقبعة الحمراء. يركع والدها ويحضنها فتشرع في البكاء. يحاول والدها تهدئتها بصوت ناعم، يضمها ويربت على ظهرها؛ إلا أن الفتاة تواصل البكاء، وصوت المدافع لا يتوقف عن الهدير فوق رؤوس الجميع.

مسنّة تسير بجوار مبنى تعرض للقصف في الضواحي الشمالية لمدينة خاركيف أمس (أ.ف.ب)

قرب مدخل محطة مترو تجلس سيدتان القرفصاء، تبحثان في أكوام من الثياب المستعملة عن حاجتيهما. إحداهما تبدو من المشردين، ومعها أكياس بلاستيكية تضم أغراضاً وأطعمة وبعض الأواني، بينما الأخرى ترتدي ثياباً فاخرة، وتحمل جزداناً عليه العلامة التجارية الشهيرة «لوي فيتون» (قد تكون ماركة مقلدة)، إلا أن قبعة الفرو النظيفة والمعطف الأسود الطويل المعتنى به جيداً، لا يتركان مجالاً للشك في أن هذه المرأة ليست من فئة المشردين، وربما قبل الحرب كانت تبلي البلاء الحسن في الحياة والمال، وهي الآن تبحث بين الثياب المخصصة للإغاثة والمتروكة على الرصيف، عن حاجات أطفال لا تتجاوز أعمارهم بضعة أعوام.
تعثر المرأة ذات الثياب الرثة على ما تريد. تضع «غنيمتها» في كيس بلاستيكي، ثم تقف وتبتعد خطوات قليلة. تخرج سيجارة من جيبها وتشعلها، وتستند إلى حافة حديدة وتدخن بهدوء. درجات الحرارة تنخفض بعد الظهر إلى 5 تحت الصفر، ولكن المرأة لا تبالي كثيراً؛ بل تراقب ما حولها بهدوء، قبل أن تنهي سيجارتها وتترك رفيقتها تتابع بحثها بين أكوام ملابس الأطفال.
في المتجر المزدحم، يقترب رجل من فريق إسعاف. يقترب الرجل زاحفاً. ينظر إليه رجل وامرأة مرتديين الثياب الحمراء للمسعفين، فيطلب المساعدة منهما. يحار الرجل والمرأة في كيفية إنهاضه. لا أحد يمد يد العون لهما. تسيطر على الجميع غريزة البقاء. يمر مواطنون من أمام المسعفين مسرعين ويتجاوزونهما. وحدهما المسعف والمسعفة يحاولان نقل الرجل إلى أقرب نقطة؛ حيث يمكنهما استخدام الحمالة المدولبة.
في مركز للمساعدات، يقف رجل أربعيني يروي بعينين ساهمتين حكايته. يتوقف من حوله عن الإنصات. ينصرفون عنه، إلا أنه يتابع التحديق في الجدار أمامه ورواية حكايته. يداه إلى جانبيه. وحده صوته الآن يُسمع في أرجاء المركز تحت الأرض.
وغير بعيد، ولكن في الشارع، يبتسم سائق سيارة أجرة حين يعثر على راكب. يفاوض على السعر بشراسة. ما يطلبه هو 4 أضعاف السعر التقليدي، ثم تتسع ابتسامته حين يوافق الرجل على دفع الأجرة، كما طلبها السائق، إلا أن الرجل يقول: «لا تستعجل المال، جميعنا سنموت في هذه المدينة». يتوقف السائق ويبصق أرضاً، ثم يطلق شتيمة ويصعد إلى سيارته.
تقف سيدة مسنة أمام ما كان محلاً تجارياً، وأصبح مجرد مركز تقديم خدمات بسيطة للسكان. تلتقط من الأرض كوباً ورقياً، وتقدمه إلى الشاب المتطوع. يملؤه الشاب بالشاي ويعيده إليها. تنظر السيدة إلى الشاي ثم تطلب مزيداً من السكر قبل أن تتناول أول رشفة. تنهي احتساء الشاي بهدوء وترمي بالكوب حيث عثرت عليه، وتتابع طريقها.
في محله التجاري الخالي، والمخصص الآن لتوزيع الخبز المجاني، يرفض أحد التجار تسلم صناديق من موزع مواد غذائية: «هذه مساعدات، وعليها طباعة باللغات الأجنبية، كيف تريد أن تبيعني إياها وأنا أعيد بيعها للسكان؟». يدير ظهره للموزع ويتشاغل بتنظيف رف خال من أي مواد مخصصة للبيع.
في حديقة الحيوانات في خاركيف، يجلس عدد من الجنود الشبان تحت الشمس ويدخنون، بينما تركوا بنادقهم داخل مبنى قريب. الحيوانات في الحديقة متروكة لمصيرها ما عدا قلة من الموظفين الذي يحاولون إطعامها. الليلة قبل الماضية تعرضت الحديقة للقصف. يقول أحد الجنود إنه لم يتمكن من معرفة هل مات أي من الحيوانات في الحديقة. وحين يُسأل: هل يمكن الدخول؟ يجيب قائلاً: «الحديقة مغلقة بسبب القصف».
- كلب يبحث عن أصحابه
وفي مكان آخر بخاركيف، يركض كلب من فصيلة الراعي الألماني؛ بلون أسود، يحافظ على شكله النبيل والمتعالي في ركضه، خافياً مأساته خلف شكله المهيب. يدخل محطة قطارات فوكزال خاركيف، ثم يطلق لعوائه العنان في داخلها، فتردد الجدران صوته الممزوج بالحزن. يتعيّن على المرء أن يعرف هذه الفصيلة مسبقاً، ليعلم إن كان هذا الكلب «يبحث عن الشر» فعلاً، وإلى أي مدى سيكون مسالماً في هذه اللحظات التي يدوّي فيها القصف العنيف على خاركيف وضواحيها.
يطرد حراس الأمن الكلب خارج مبنى المحطة الكبير، فيعود إلى الركض خارج المحطة. يشم الرصيف هنا. يتوقف قرب المارة هناك. يشمّ الطعام الذي يقدمه له أحد العابرين، ولكنه يرفضه. يعاود الركض هذه المرة باتجاه الطريق المبتعد عن المحطة. لا شك في أن الكلب يبحث عن أصحابه الذين تخلوا عنه في لحظات الفرار من خاركيف.
هو اليوم الثالث لمصادفة هذا الكلب المتجول بحثاً عمن فقد، وهو لا يتوقف عن العودة دائماً إلى محطة القطارات. فهنا، كما يبدو، اختفت رائحة أصحابه. يمضي فيها ساعات ثم يختفي، ليعود في الليل، وأحياناً في ساعات الصباح الأولى، متجولاً كما يحلو له قبل رفع حظر التجول.
هذه الفصيلة من الكلاب شهيرة بإخلاصها لأصحابها من البشر، وعادة ما ينتظر الكلب منها موافقة صاحبه بحال قدّم له شخص غريب الطعام، وبعضها لا يتناول طعامه إن لم يكن صاحبه بقربه. تغفو الكلاب قرب أصحابها، ومكانها المفضل للنوم إما تحت أقدام صاحبها وإما في زاوية تكشف مداخل الغرف، وخصوصاً غرف الأطفال، لحمايتهم والاستيقاظ سريعاً بحال حاول أحدهم التسلل وإيذاء أصحاب البيت. والآن هذا الكلب الأسود هنا في خاركيف يركض باحثاً عن مهمته في الحياة: عن أصحابه الذين فقدهم دون أن يعلم لماذا.
لا يلتفت الكلب إلى عديد من القطط المتوزعة على الأرصفة أو حافات الأبنية، تراقب من مكانها بضجر هرولة الكلب هنا وهناك، ومرور البشر الباحثين عن سبل الفرار من أصوات القصف والأعمال الحربية. شعور القطط بالفقدان أقل حدة من شعور الكلاب، ولكنها قد تعتقد أن أصحابها سيعودون في أي لحظة ويحملونها ويقدمون لها الطعام، وفي الانتظار فإنها تكتفي بالمراقبة والانتقال ببطء من جهة إلى أخرى.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: التركيز العالمي على الشرق الأوسط «ليس في صالح أوكرانيا»

أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي يتبادلان التحية خلال اجتماع في طهران - 19 يوليو 2022 (أرشيفية - أ.ب) p-circle

زيلينسكي: التركيز العالمي على الشرق الأوسط «ليس في صالح أوكرانيا»

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إنه يتفهم تحول انتباه العالم إلى الشرق الأوسط، لكن ذلك «ليس في صالح أوكرانيا». وأضاف زيلينسكي للطلاب في باريس، خلال…

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث إلى طلاب في باريس

زيلينسكي: التركيز العالمي على الشرق الأوسط ليس في مصلحة أوكرانيا

​قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الجمعة، إنه ‌يتفهم تحول انتباه ‌العالم إلى ​الشرق ‌الأوسط، ⁠لكن ​ذلك «ليس في ⁠مصلحة أوكرانيا».

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا المستشار الألماني لدى عقده مؤتمراً صحافياً في قاعدة «باردوفوس» بالنرويج يوم 13 مارس (أ.ف.ب)

المستشار الألماني ينتقد قرار واشنطن إعفاء النفط الروسي من العقوبات

وصف المستشار الألماني فريدريش ميرتس قرار واشنطن اعتماد إعفاءات على صادرات النفط الروسي، بأنه «خاطئ»، داعياً إلى عدم التلهي بالحرب في إيران لتخفيف دعم أوكرانيا.

راغدة بهنام (برلين)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (رويترز) p-circle

ماكرون يشدد على أن الحرب الإيرانية لن تخفف الضغط على روسيا

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الجمعة، خلال استقباله نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن روسيا «تُخطئ» إذا اعتقدت أن الحرب على إيران ستخفف الضغط عليها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (أ.ب)

ترخيص أميركي «مؤقت» يسمح للدول بشراء النفط الروسي العالق في البحر

أصدرت وزارة الخزانة الأميركية ترخيصا مؤقتاً يسمح للدول بشراء النفط الروسي العالق حالياً في البحر لزيادة النطاق العالمي للإمدادات الحالية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.