تقديرات استخبارية تتحدث عن مقتل وجرح آلاف الجنود الروس

المساعدات الأميركية لأوكرانيا تتضمن طائرات «كاميكاز» مسيّرة لتوجيه «لكمة» إلى روسيا

جنود روس قُبض عليهم من قبل القوات الأوكرانية (إ.ب.أ)
جنود روس قُبض عليهم من قبل القوات الأوكرانية (إ.ب.أ)
TT

تقديرات استخبارية تتحدث عن مقتل وجرح آلاف الجنود الروس

جنود روس قُبض عليهم من قبل القوات الأوكرانية (إ.ب.أ)
جنود روس قُبض عليهم من قبل القوات الأوكرانية (إ.ب.أ)

إذا صحت تقديرات الاستخبارات العسكرية الأميركية لحجم الإصابات التي تعرض لها الجيش الروسي خلال 3 أسابيع فقط من حربه في أوكرانيا، فقد تكون مؤشراً على أن تلك الحرب في طريقها للتحول إلى مستنقع كبير لروسيا. بيد أن إعلان إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن عن تقديم مساعدة أمنية غير مسبوقة، تتضمن بالدرجة الأولى أسلحة دفاعية فتاكة، وأخرى هجومية، على رأسها طائرات مسيّرة من نوع «كاميكاز»، يعني أن الولايات المتحدة قررت «معاقبة» روسيا بشكل قاس على مغامرتها غير المحسوبة «لتغيير» النظام الدولي؛ أو على الأقل لتغيير ميزان القوى في القارة الأوروبية.
وبحسب تقييمات استخبارية، نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز»، نقلاً عن مسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية، وعن مصادر روسية وأوكرانية ومن «حلف شمال الأطلسي (ناتو)»، فقد مُني الجيش الروسي بخسائر بشرية فادحة، قدرت بنحو 7 آلاف جندي؛ بينهم 3 جنرالات كبار، وجرح ما بين 14 ألفاً و21 ألف جندي؛ أي ما يعادل 10 في المائة من عدد القوات الروسية المشاركة في «العملية العسكرية». وهو ما عدّ رقماً «مذهلاً»، مع ما يترتب عليه من آثار على الفاعلية القتالية للوحدات الروسية وتشكيلاتها المختلفة؛ الأمر الذي يجعل تلك الوحدات غير قادرة على تنفيذ المهام القتالية. وإذا أضيف إلى تلك التقديرات، تقرير استخباري بريطاني، يتحدث عن «تعثر» روسي إلى حد كبير على كل الجبهات العسكرية في أوكرانيا، وعن الفشل، بعد 3 أسابيع، في السيطرة على أي مدينة أوكرانية كبرى، فإن التساؤل يصبح مشروعاً، ليس فقط عن وجهة هذه الحرب، بل وعن مدى فاعلية الجيش الروسي نفسه. فقد جرى تصوير التحديث الذي خضع له منذ وصول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى السلطة عام 2000 على أنه الأكبر، ووضعه تبعاً للدعاية الروسية نفسها، في مصاف الجيوش الأكثر قوة في العالم. وبحسب المسؤولين الدفاعيين الأميركيين، فإن خسائر الجيش الروسي فاقت ما تعرض له الجيش الأميركي من خسائر خلال 20 عاماً من الحرب في العراق وأفغانستان.
وكشفت «وزارة الدفاع الأميركية (بنتاغون)»، يوم الأربعاء، عن أنها ستوسع حجم الأسلحة التي يجري نقلها إلى أوكرانيا ونطاقها؛ بما في ذلك تسليم طائرات مسيّرة مسلحة للمرة الأولى، قادرة على إلحاق أضرار كبيرة بالوحدات الأرضية الروسية، في الوقت الذي يواصل فيه المسؤولون الأميركيون البحث عن أنظمة دفاع جوي متطورة من الحلفاء الأوروبيين، لتمكين الجيش الأوكراني من مواجهة التفوق الجوي الروسي، خصوصاً في الارتفاعات العالية، بحسب مصادر في البنتاغون.

وتزامن هذا الكشف مع توقيع الرئيس بايدن على مساعدة أمنية إضافية لأوكرانيا بقيمة 800 مليون دولار، بعد ساعات على النداء العاطفي الذي وجهه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إلى الكونغرس، طالباً من الولايات المتحدة إما إنشاء منطقة حظر طيران فوق بلاده، وإما توفير طائرات مقاتلة ومنظومات دفاع جوي قوية، من شأنها أن تمكن جيشه من إسقاط الطائرات الروسية. وقال زيلينسكي: «أنا بحاجة لحماية سمائنا»، داعياً الولايات المتحدة إلى «بذل المزيد» في «أحلك الأوقات لبلدنا».
وطلب على وجه الخصوص الحصول على منظومات «إس300» و«أنظمة أخرى مماثلة» غربية يمكنها إخراج الطائرات التي تحلق على ارتفاعات عالية. وشكر بايدن زيلينسكي على «رسالته العاطفية» وقال إنها كانت «مقنعة» و«مهمة»، ليعلن عن حزمة جديدة من تلك المساعدات «ستوفر من تلقاء نفسها مساعدة غير مسبوقة لأوكرانيا». وعدّ أن إدراج الطائرات من دون طيار «يوضح التزامنا بإرسال أنظمتنا الأكثر تطوراً إلى أوكرانيا للدفاع عن نفسها».
وبحسب مسؤول دفاعي أميركي، فإن حزمة المساعدات الجديدة التي جرت الموافقة عليها يوم الأربعاء، تشمل 100 طائرة من دون طيار من طراز «سويتش بلاد»، وهي طائرة صغيرة من دون طيار محملة بالمتفجرات لتصطدم بالأهداف بطريقة «كاميكاز» الانتحارية. وهذه الطائرات ذات الاستخدام الواحد تعدّ أرخص من معظم الطائرات الأميركية من دون طيار، وتصنعها شركة «أيرو فايرومنت»، وتأتي بحجمين، وهي مصممة لتُحمل في حقيبة ظهر، لمساعدة وحدات المشاة الصغيرة على تتبع تحركات الجنود الروس. ويزن الحجم الصغير منها نحو 3 كيلوغرامات ويطير نحو 15 دقيقة، فيما يزن الحجم الأكبر نحو 10 كيلوغرامات ويطير نحو 40 دقيقة، ويمكنها استهداف المركبات المدرعة. لكن لم يتضح ما النسخة التي ستسلم إلى أوكرانيا.
وأكد المسؤول الدفاعي أنه «من الآمن افتراض» أن أحد أغراض الطائرات من دون طيار هو «توجيه لكمة». وأضاف أنه لن يستبعد إرسال الولايات المتحدة مزيداً من الطائرات من دون طيار إلى أوكرانيا بطريقة متدرجة، كما حدث مع قيام البنتاغون بإرسال صواريخ «جافلين» المضادة للدبابات، وصواريخ «ستينغر» المحمولة على الكتف المضادة للطائرات على مستوى منخفض.
وقال البيت الأبيض في «بيان حقائق»، الأربعاء، إن العناصر الأخرى التي ستُضمّن في أحدث حزمة من المساعدات العسكرية المعتمدة، تشمل 800 صاروخ «ستينغر»، و9 آلاف سلاح مضاد للدروع. وتشمل الفئة الأخيرة 2000 صاروخ «جافلين»، و6 آلاف صاروخ «إيه تي4»، وألف سلاح «خفيف» مضاد للدروع. كما سيرسل البنتاغون 100 قاذفة قنابل يدوية، و5 آلاف بندقية، وألف مسدس، و400 رشاش، و400 بندقية، وأكثر من 20 مليون طلقة من ذخيرة الأسلحة الصغيرة، بالإضافة إلى قاذفات القنابل وقذائف الـ«هاون»، و25 ألف مجموعة من الدروع الواقية، و25 ألف خوذة.
وأضاف بيان البيت الأبيض أنه بالإضافة إلى أنظمة الدفاع الجوي قصيرة المدى، التي تنتجها الولايات المتحدة وتستخدمها أوكرانيا بشكل كبير، حددت الولايات المتحدة أيضاً «أنظمة إضافية طويلة المدى» سبق أن تلقت القوات الأوكرانية التدريب عليها بصفتها ذخائر إضافية لتلك الأنظمة، وتساعد الأوكرانيين في الحصول عليها، في إشارة على ما يبدو إلى جهود واشنطن لتوفيرها من حلفائها الأوروبيين ومن دول «حلف وارسو» السابق، وهو الأمر الذي رفض بايدن خلال توقيعه على حزمة المساعدات التحدث عنه علناً.
وختم بيان البيت الأبيض بالقول إن الولايات المتحدة «تواصل تسريع تفويض المساعدة الإضافية لأوكرانيا وتسهيلها من حلفائنا»، وأن «30 دولة قدمت على الأقل مساعدة أمنية لأوكرانيا منذ بدء الغزو الروسي»، وأن «وزارة الخارجية أذنت هذا العام بنقل معدات دفاعية من طرف ثالث، من أكثر من 14 دولة»، وأن «هذا العدد يرتفع، ويزيد الحلفاء والشركاء دعمهم أوكرانيا».
وجاء بيان البيت الأبيض في الوقت الذي كان فيه وزير الدفاع الأميركي، لويد أوستن، يشارك في اجتماعات وزراء دفاع دول «حلف الناتو» في بروكسل، ومع زيارته المتوقعة لكل من سلوفاكيا وبلغاريا، وهي دول في «الناتو» وتمتلك أنظمة «إس300» المضادة للطائرات على ارتفاعات أعلى.
ورفض البنتاغون الإفصاح عن تفاصيل صواريخ «أرض - جو» الأوروبية الإضافية التي يمكن إرسالها إلى أوكرانيا. كما كشف البيت الأبيض عن اتصال مستشار الأمن القومي جيك سوليفان، بنظيره اليوناني، ثانوس دوكوس، يوم الأربعاء. وقالت إميلي هورن، المتحدثة باسم مجلس الأمن القومي، إن اليونان (التي تمتلك أيضاً صواريخ «إس300)، «كررت التزامها بالجهود الدولية لمحاسبة موسكو على أفعالها ولضمان أن أوكرانيا لديها القدرة على الدفاع عن نفسها».


مقالات ذات صلة

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

أوروبا جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدي» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز بولندا... 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

تعتزم بولندا إنشاء فئة جديدة من احتياطي الجيش، يمكن تعبئتها في غضون مهلة قصيرة جداً في حالات الطوارئ، وذلك في إطار خطتها لتوسيع جيشها.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم إن رد الولايات المتحدة على الفكرة التي روجت لها دول أوروبية بشأن نشر قوات في أوكرانيا «لن يكون إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين في جورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

أظهرت ​وثيقة أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا  مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

انطلاق مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية ضخمة تحت اسم «أوريون 26» بمشاركة 24 بلداً وحتى نهاية أبريل المقبل تحسباً لمغامرات روسية جديدة في أوروبا

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا لقطة مأخوذة من فيديو تم إصداره 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)

الجيش الروسي يضغط على بوكروفسك الأوكرانية مع احتدام المعارك

قال الجيش الأوكراني، الاثنين، إن القوات الروسية تحاول التقدم حول مدينة بوكروفسك بشرق البلاد، على أمل إنهاء حملة استمرت شهوراً للسيطرة على المركز الاستراتيجي.

«الشرق الأوسط» (كييف)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟