«شاهد على مجزرة» يفر من الجنود الروس «عبر حقل ألغام»

أولكسي وعائلته قبل الانطلاق نحو بولندا
أولكسي وعائلته قبل الانطلاق نحو بولندا
TT

«شاهد على مجزرة» يفر من الجنود الروس «عبر حقل ألغام»

أولكسي وعائلته قبل الانطلاق نحو بولندا
أولكسي وعائلته قبل الانطلاق نحو بولندا

«لم أنظر في عيون الجنود الروس، حملت ابنتي ذات الأعوام الستة، ومشيت بينهم نحو حقل الألغام مباشرةً». يضيف أولكسي (43 عاماً) القادم من بوتشا قرب كييف يوم الاثنين الماضي: «سرت نحو حقل الألغام، سبق أن شاهدت كلاباً تنفجر في هذا الحقل، والروس يعلمون أن المنطقة مزروعة بالألغام، حين وصلت إلى الحقل قلت لزوجتي: سيري خلفي مع الجميع، ابقوا على مسافة عدة أمتار. سرت أولاً، عبرت حقل الألغام وخلفي عائلتي حتى وصلت إلى طريق فرعية صغيرة أعرفها». كان أولكسي يروي قصة الفرار من بوتشا بينما زوجته داخل غرفة ملجأ تُلبس الطفلة الصغيرة وتوضب ما حصلوا عليه من أغراض من التبرعات استعداداً لمغادرة منطقة سوفيسكا بورشاهيفكا الواقعة على مسافة 12 كيلومتراً من بوتشا.
أولكسي وزوجته ووالدتها وثلاثة أطفال بقوا في الملجأ الرطب والبارد تحت الأرض في بوتشا حتى بعد أن وقعت في أيدي الروس. لأيام طويلة اختفوا تحت الأرض. كانوا يسمعون أصوات الاشتباكات والقصف، ثم هدير الدبابات الروسية. بعد أيام قرر أولكسي أن يخرج ليحاول الحصول على الطعام. «حينها رأيت قرب سكة الحديد في شارع كييفو مروتسكا الكثير من الجثث. مدنيون. رجال وامرأة وثلاثة أطفال». يقول وهو يتحدث كالمنوّم مغناطيسياً: «جميعهم قتلى وجثثهم بعضها قرب بعض على جانب طريق المحطة. ثم قرب المدرسة في شارع فوكسالنا شاهدت المزيد من الجثث».

الجيش الأوكراني يمنع الاقتراب من نقطة القصف في كييف

قرر الرجل عندها مغادرة القرية حيث يعيش ويعمل. «نحن فلاحون بسطاء، قررت البقاء على الرغم أنني علمت أن القوات الأوكرانية تتراجع. أنا أثق بالجيش، اعتقدت أنه سيعود إلى قريتنا خلال أيام، ولكن مضت أيام ونحن نعيش تحت الأرض، وحين رأيت الجثث قررت المغادرة. خفت على زوجتي وأطفالي».
وحدها حماة أولكسي تبدو متماسكة. زوجته تبدو كأنها تتحرك في عالم آخر، والأطفال يتحركون دون هدف. يذهبون ويجيئون من غير هدى. المرأة الأكبر سناً تشير لابنتها الأم بكيفية توضيب الشنط، وتضبط الأطفال، ويعلو مواء قطة تنتظر بصبر في قفص بلاستيكي.
أولكسي يتابع سرد القصة، ثم يستطرد ويعود للسياق بعد دقيقة ليتابع من حيث توقف ليستطرد، مضيفاً فوق صعوبة اللغة صعوبة في المتابعة: «نعم رأيت الجثث فتوجهت إلى المنزل. أخذت العائلة ومررنا أمام الجنود الروس، تحاشيت النظر في وجوههم أو عيونهم، توجهت مباشرة نحو حقل الألغام، سرت في المقدمة، وخلفي الجميع، كنت أنتظر أن ينفجر بنا لغم، ثم وصلت إلى طريق فرعية أعرفها، سلكتها وبقيت أسير لأكثر من نصف ساعة، وصلت إلى منعطف آخر وعبرت باتجاه إربين. هناك أوقفني جنود أوكرانيون، طلبوا منّا التخلي عن كل ما نحمله لأننا سنضطر للركض. ركضنا لمسافات طويلة حتى نبتعد عن نيران الروس».
بعد الوصول إلى أطراف إربين نقله الجنود الأوكرانيون إلى منطقة سوفيسكا بورشاهيفكا، حيث حصل على مساعدة وطعام واهتمّ المتطوعون به وبعائلته، وبقي يومين ليرتاح قبل تأمين انتقاله في حافلة خاصة لنقلهم مباشرة إلى بولندا.
«ربما أكثر من 15 جثة»، يقول الرجل مؤكداً أنه لم يستطع أن يميز أي شخص يعرفه، كونه لم يدقق. رأى الضحايا بسرعة واعتقد أنهم على الأرجح كانوا يحاولون عبور القرية إلى إربين، خصوصاً أنه شاهد سيارات مهجورة في أماكن مختلفة. وحين يُسأل إن كان يعلم أنه يصف جريمة حرب، وأن الاتهام قد يحمّله تبعات، وأن مثل هذه الشهادة قد تؤدي إلى استدعائه لاحقاً أمام محاكم محلية أو دولية، يهز رأسه بالإيجاب ويقول: «نعم أعلم ماذا أقول».
في مركز المتطوعين لا يبدو ما يقوله أولكسي غريباً عنهم. لم يشاهد أحد من المتطوعين أي جريمة مشابهة ولكنهم سمعوا من قادمين من مناطق مختلفة قريبة من كييف أخباراً وشهادات مشابهة.

النقطة الأخيرة للمدنيين قبل مناطق الجبهات في إربين

- كييف... ليل طويل ونهار صعب وحظر تجول
لم يبدأ يوم كييف بهدوء. طوال الليل كانت صفارات الإنذار تطلق دويها المتوتر، والهواتف الخليوية تستقبل أوامر حكومية بالنزول إلى الملاجئ نظراً لتحليق الطيران أو استهداف الصواريخ للعاصمة. الخامسة فجراً يدوّي انفجار كبير. صباحاً يُسمع دوي انفجار آخر، لكن انفجار الليل لم يكن يبعد عن ساحة الاستقلال في قلب العاصمة سوى نحو كيلومترين.
قبل التوجه نحو مكان الانفجار تبدأ المعلومات بالوصول حول صحافي آخر جريح. ليس من «نيويورك تايمز» ولا من «سكاي نيوز»، ولكنه من «فوكس نيوز». عثرت القوات الأوكرانية على الصحافي المصاب، الذي تردد أنه فقد ساقه، بينما فشلت هذه القوات في العثور على سائقه ومترجمه. «مصيرهما مجهول أتمنى ألا يكونا قد قُتلا»، يقول أحد الذين شاهدوا عملية إخراج الصحافي المصاب من مناطق الاشتباكات. لكن المسعفين فشلوا في إنقاذ حياته. فقد أعلنت «فوكس نيوز» مقتل مصورها بيار زاكرزوسكي وجرح زميله بنجامين هول عندما أُصيبت العربة التي كانا بداخلها بإطلاق نار في هورنيكا، قرب كييف. ولا يزال هول، وهو بريطاني يعمل مراسلاً للمحطة لدى وزارة الخارجية، في مستشفى في أوكرانيا، وفق ما أعلنت «فوكس نيوز» التي أعلنت أن «بيار كان مصوراً حربياً غطى كل الأخبار الدولية لـ(فوكس نيوز) تقريباً من العراق إلى أفغانستان إلى سوريا خلال فترة عمله الطويلة معنا»، مضيفة أن «شغفه وموهبته كصحافي لا مثيل لهما». وبدأ زاكرزوسكي العمل في أوكرانيا منذ فبراير (شباط). والأحد قُتل برنت رونو (50 عاماً) الصحافي الأميركي المختص في الفيديوهات الوثائقية، في إربين، قرب كييف.
وجاءت الأنباء عن مقتل الصحافيين زاكرزوسكي ورونو في ظل انفجارات هزت كييف نفسها، فجر أمس. ويقول أوليك (68 عاماً): «استيقظت على دويّ انفجار. أعتقد أن هناك إصابتين، أو ربما قتيلين، لا أعلم تحديداً، ولكن لم نتمكن من النزول إلى الملاجئ إلا بعد حصول الانفجار، وخرجنا بعدها لنجد المبنى التجاري مدمراً، والأضرار تعم الشارع».
ويروي أوليك الذي كان في القوات الخاصة السوفياتية قبل انهيار المنظومة الاشتراكية، أن المبنى كان فيما مضى مصنعاً عسكرياً قبل أن يتحول إلى مبنى يضم مكاتب وبعض الصناعات الخفيفة. ويبتسم بمرارة حين يُسأل: كيف لمصنع عسكري أن يكون بين منازل المدنيين، فيقول: «إنها الاشتراكية».
تزداد الحواجز في العاصمة الأوكرانية مع مرور الوقت ومعها أعمال التحصين. الجديد هو إنشاء حفر في بعض النواحي على أطراف العاصمة. ويبدو أن هذه الحفر ستشكّل خط الدفاع الأول عن العاصمة. ومع انتشار المزيد من حواجز المتطوعين عمدت الشرطة إلى المشاركة في كل الحواجز بعنصرين نظاميين لضبط الأمور ومنع خروجها عن سياقها. وحتى على حواجز الجيش النظامي أصبح مألوفاً رصد عناصر من الشرطة المحلية أيضاً.
عند العاشرة صباحاً يصل المزيد من المواطنين من مناطق محيطة بالعاصمة إلى آخر نقطة آمنة قبل الجبهات. على طرف نوفو بليتسكي (لا تزيد المسافة من الطريق إلى نقطة الاشتباك على خمسة كيلومترات)، هناك يدقق المتطوعون بإشراف الشرطة والجيش بهويات القادمين من النواحي الواقعة تحت سيطرة القوات الروسية. «نحاول التأكد من هوياتهم، يمكن لعملاء روس أو عناصر من القوات الخاصة التسلل بسهولة إلى داخل كييف. اللغات مشتركة واللهجات مختلطة بيننا»، حسبما قال فلوديمير (43 عاماً) وهو يناقش تفاصيل التفتيش مع بعض عناصره.
فلوديمير المدني المتطوع ضمن قوات الدفاع الوطني يدير نقطة المعبر هذه تحت إمرة وزارة الداخلية والشرطة، وعناصر قليلة من الجيش موجودة بهدف التنسيق، فيما عشرات من الواصلين يحصلون على العلاج والماء والطعام الساخن والثياب قبل أن يتم التدقيق في هوياتهم وتفتيش أغراضهم بدقة. عناصر من الصليب الأحمر وهيئات الإسعاف المحلية تساعد في عمليات الإخلاء بعد موافقة الدفاع الوطني، وتنقل المصابين وكبار السن نحو مراكز إيواء مؤقتة قبل تحويلهم إلى الوجهات التي يريدون الذهاب إليها.
تقف الشرطية قرب زجاج سيارتنا: «ممنوع المرور، هذه الطريق تتعرض لعمليات حربية»، تقول. في العادة كان يكفي إظهار بطاقة الاعتماد من الجيش الأوكراني ليتم فتح الطريق نحو نقاط الجيش، ولكن هذه المرة حين رأت الشرطية البطاقة طلبت منّا العودة من حيث أتينا: «الصحافيون يموتون هنا، عليكم العودة فوراً، هذه أوامر الجيش، ممنوع أن تتابعوا الطريق».
الواحدة ظهراً. أغلقت الشرطة كل الطرق المؤدية إلى إربين. أصبحت أوامر الإغلاق أكثر تشدداً، ومن مبعدة بضعة مئات من الأمتار لا يتوقف صوت المدفعية الأوكرانية عن الهدير. المَرابض القريبة تقصف الخطوط الروسية دعماً لقوات المشاة. معارك قاسية تحصل على مسافة نحو خمسة كيلومترات من حيث نقف، بينما المدنيون يتحركون بغير اكتراث. يقول أحدهم (رافضاً إعطاء اسمه): «هذه مدفعيتنا. الروس لن يتمكنوا من الوصول إلى هنا». لكنّ مظاهر التدشيم والتحصين على طول الطرق تقول إن القوى المسلحة الأوكرانية تستعد لتقدم الروس.
خبران عاجلان يصلان: إعلان حظر التجول لـ35 ساعة متواصلة بغية تسهيل عمليات القبض على عملاء للروس وبعض المتسللين من الجبهات. والخبر الآخر دعوة عمدة كييف لكل الشبان في العاصمة للعودة فوراً إلى المدينة والدفاع عنها في حال حصول أي تقدم.
دقائق قليلة بعد شيوع خبر منع التجول وتزدحم المحال التجارية والصيدليات بالزبائن، تبدأ الصفوف بالاستطالة. المستهلكون يكدسون البضائع في عربات التسوق، وتبدأ حركة السير بالازدياد فتزدحم الحواجز. الآن أصبحت إشارة الصحافة الظاهرة على السيارة مدعاة تدقيق. لقد بدأت عمليات التأكد من حمل سائقي هذه السيارات والعابرين فيها لبطاقات الاعتماد الصادرة عن الجيش، مخافة أن يستغل المتسللون الإشارات الصحافية لتسهيل حركتهم.
لا يتوقف الهاتف عن إعطاء إشارات التحذير من غارت الطيران الحربي الروسي، بينما تتحول العاصمة تدريجياً أمام أنظارك إلى حصن من أكياس الرمل البيضاء والجنود المتطوعين والعوائق الحديدية المصنّعة على عَجَلٍ محلياً. إنها كييف في يوم مشمس تستعد للمرحلة المقبلة.


مقالات ذات صلة

روسيا تتجه إلى الهند بحثاً عن عمال وسط أزمة عمالية فاقمتها الحرب

أوروبا صورة لمطار دوموديدوفو الدولي خارج موسكو (أرشيفية-أ.ف.ب)

روسيا تتجه إلى الهند بحثاً عن عمال وسط أزمة عمالية فاقمتها الحرب

تتجه موسكو إلى مصدر جديد من الحصول على عمالة أجنبية بعد تفاقم النقص بسبب ضغوط الحرب في أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا رجل إطفاء في أحد المواقع التي استُهدفت بقنابل روسية موجهة في سلوفيانسك (د.ب.أ)

أوكرانيا: مقتل أربعة أشخاص في ضربة روسية... وزيلينسكي يبحث تحسين الدفاعات الجوية

قتل أربعة أشخاص بينهم ثلاثة أطفال في ضربة جوية روسية استهدفت مدينة بوغودوخيف في شرق أوكرانيا، وفق ما أفاد مسؤول أوكراني الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير 2026 (رويترز)

موسكو: الطريق لا يزال طويلاً أمام السلام الأوكراني

هوّن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من الضغوط التي يمارسها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أوروبا وأوكرانيا، مشيراً إلى أن الطريق لا يزال طويلاً أمام تحقيق.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا جنود روس في شبه جزيرة القرم (رويترز - أرشيفية)

رئيس استخبارات إستونيا: لا يمكن لروسيا مهاجمة «الناتو» هذا العام... لكنها تخطط لتعزيز قواتها

قال رئيس استخبارات إستونيا إن روسيا لا تستطيع شن هجوم على حلف «الناتو» هذا العام، لكنها تخطط لزيادة قواتها بشكل كبير على طول الجناح الشرقي للحلف.

«الشرق الأوسط» (تالين)
أوروبا جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ من نظام متعدد باتجاه القوات الروسية بالقرب من بلدة بوكروفسك الواقعة على خط المواجهة بأوكرانيا يوم 9 ديسمبر 2025 (رويترز) p-circle

بين «ضمانات» موسكو و«مهلة» واشنطن... الميدان يكتب سطور التفاوض قبل الدبلوماسية

بين «ضمانات» موسكو و«مهلة» واشنطن: الميدان يكتب سطور التفاوض قبل الدبلوماسية، والكرملين لم يحدد موعداً لمحادثات أوكرانيا ويرى أن «الطريق لا تزال طويلة».

إيلي يوسف (واشنطن) «الشرق الأوسط» (موسكو)

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
TT

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)

أفادت شبكة «سي بي سي نيوز» بمقتل عشرة أشخاص، بينهم المشتبه به في إطلاق النار، إثر حادث إطلاق نار في منطقة تامبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية يوم الثلاثاء.

وعُثر على ستة جثث داخل مدرسة ثانوية، وجثتين أخريين في منزل تعتقد الشرطة أنه مرتبط بالحادث، وتوفي شخص آخر في طريقه إلى المستشفى، وفقًا لما ذكرته «سي بي سي نيوز»، مضيفةً أنه تم تأكيد وفاة المشتبه به في وقت سابق. وأفادت الشبكة نقلاً عن الشرطة، أن 25 شخصا آخرين يتلقون العلاج من إصابات في مركز طبي محلي.

يذكر أن حوادث إطلاق النار في المدارس نادرة في كندا.

وتقع بلدة تامبلر ريدج، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 2400 نسمة، على بعد أكثر من 1000 كيلومتر شمال فانكوفر، بالقرب من الحدود مع ألبرتا. وقالت الشرطة الملكية الكندية في بيان: «كجزء من الاستجابة الأولية لإطلاق النار، دخلت الشرطة المدرسة لتحديد مصدر التهديد. وأثناء البحث، عثر الضباط على عدة ضحايا. كما عثر على شخص يعتقد أنه مطلق النار ميتا بجروح يبدو أنها ناجمة عن إصابة ذاتية».


حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
TT

حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)

تخاطر الحكومة في مقاطعة كيبيك الكندية التي يقودها «حزب التحالف من أجل مستقبل كيبيك» بوضع آلاف المهاجرين الوافدين أمام مصير مجهول عبر إصلاح نظام الهجرة؛ ما يقلل فرصهم في البقاء والحصول على الإقامة الدائمة، وفق تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ويجد كثير من الطلبة الأجانب والعمال الوافدين مع عائلاتهم من شمال أفريقيا ومن أنحاء العالم، أنفسهم اليوم عالقين في المفترق بعد أن خسروا ما يملكون في دولهم بحثاً عن فرص أفضل للعمل والحياة في المقاطعة الناطقة بالفرنسية.

وعلّقت حكومة المقاطعة رسمياً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 «برنامج الخبرة الكيبيكية» الذي يتيح للطلبة المتخرجين الجدد والعمال الوقتيين الذين يتقنون اللغة الفرنسية، مساراً واضحاً للتقدم بطلب الإقامة الدائمة بعد استيفاء معايير محددة.

وبدلاً من ذلك طرحت الحكومة البرنامج الجديد، «برنامج اختيار العمال الكيبيكيين المهرة» الذي يعتمد على نظام النقاط من بين معايير أخرى، كسبيل وحيد للتقدم بطلب الإقامة الدائمة.

ويعني هذا التحول في سياسات الهجرة أن مصير الآلاف من المهاجرين الذين وصلوا إلى كيبيك قبل سنوات قد بات على المحك مع حالة عدم اليقين بشأن إمكانية البقاء.

ولا يطرح البرنامج الجديد ضمانات فعلية للإقامة الدائمة لاحقاً، على الرغم من حاجة قطاعات حيوية في كيبيك إلى اليد العاملة، والزيادة المطردة في نسب التهرم السكاني.

ووفق موقع «كندا نيوز»، أُجبرت عائلة مكسيكية على مغادرة كيبيك بعد رفض منح الأم تصريح عمل لها بعد التخرج، إثر فشلها في اجتياز اختبار اللغة الفرنسية بفارق نقطة عن الحد الأدنى المطلوب.

مسافرون في أحد مطارات كندا (رويترز - أرشيفية)

وعززت تصريحات وزير الهجرة الكيبيكي جان فرانسوا روبرج مشاعر القلق مع وضعه سقفاً لعدد المهاجرين الذين سيتم قبولهم سنوياً، وفق الشروط الجديدة عند 45 ألف على أقصى تقدير.

وأوضح مكتب الوزير لراديو كندا أنه يتفهم «مخاوف البعض بشأن انتهاء برنامج الخبرة الكيبيكية، لكننا لا ندرس إضافة بند إضافي، وسنواصل معالجة الطلبات الواردة قبل تعليق البرنامج».

ويقابل هذا التصريح بشكوك واسعة، حيث نقلت تقارير إعلامية في كيبيك عن مصادر حكومية، أنه لن تتم معالجة جميع الطلبات.

وينظر معارضو الخطة على أنها تخلٍّ غير إنساني عن المهاجرين بعد سنوات من الانتظار والاستنزاف المالي لمدخراتهم.

ويشارك الآلاف من المتظاهرين من بينهم ممثلون عن المجتمع المدني، في مظاهرات يومية في مونتريال وكيبيك سيتي وشيربروك، للمطالبة بالإبقاء على «برنامج الخبرة الكيبييكية» وتطبيق المعايير الجديدة على من قدموا حديثاً إلى المقاطعة.

وقال المحامي والنائب في برلمان المقاطعة عن حزب «كيبيك سوليدار» جيوم كليش ريفار: «أمر سيئ أن يتم تغيير قواعد اللعبة في الوقت الذي بات فيه المهاجرون مؤهلون. هم هنا في كيبيك ومندمجون».

وتابع ريفار الذي أطلق عريضة لإسقاط برنامج الهجرة الجديد في مقطع فيديو نشره على حسابه: «تفتقد هذه الخطوة رؤية واضحة والاحترام، وتُخِلُّ بالتزامات كيبيك».

وفي حين تستقطب المظاهرات زخماً متزايداً في الشوارع، تتمسك الحكومة الإقليمية بالقطع نهائياً مع سياسات الهجرة السابقة.

وترى حكومة التحالف أن «برنامج الخبرة الكيبيكية» يهدد قدرة المقاطعة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين وانتشار اللغة الفرنسية، كما يضاعف الضغوط على الخدمات العامة بما في ذلك سوق السكن.

وفي المقابل، تشير منظمات المجتمع المدني إلى أن الأسباب المباشرة للأزمة الحالية تعود إلى تقاعس الحكومة في زيادة الاستثمار في مجالات الإسكان والتعليم والصحة.

ويقول فلوريان بيجيار الذي يعمل مستشاراً للمهاجرين الفرنكوفونيين في مونتريال في وقفة احتجاجية أمام مكتب الهجرة في الكيبيك «يمكن تفهم سياسات الهجرة التي تريد وضعها الحكومة في المقاطعة، لكن من غير المقبول عدم إخطار المهاجرين مسبقاً بهذه الخطوة، ووضع الآلاف من المهاجرين أمام الأمر المقضي».

وهدد فلوريان بتحريك دعوى قضائية ضد الحكومة في حال فشلت المحادثات مع وزير الهجرة في الكيبيك.

وتابع المستشار: «من المهم التعامل مع المهاجرين باحترام وحماية صورة كندا في العالم».


فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
TT

فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)

تعتزم الحكومة الفرنسية تشجيع جميع المواطنين البالغين من العمر 29 عاماً على الإنجاب «طالما لا يزال في استطاعتهم ذلك»، في خطوة تهدف إلى تفادي مشكلات الخصوبة في مراحل لاحقة من العمر، وما قد يرافقها من ندم لدى الأزواج بقولهم: «ليتنا كنا نعلم ذلك من قبل»، بحسب «سكاي نيوز».

ويقول مسؤولون صحيون إن الهدف من هذه الخطوة هو رفع الوعي بمخاطر تأجيل الإنجاب، في ظل تراجع معدلات الخصوبة في فرنسا، على غرار عدد من الدول الغربية الأخرى.

خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

وتندرج هذه المبادرة ضمن خطة وطنية من 16 بنداً تهدف إلى تعزيز معدل الخصوبة في فرنسا، في وقت تتراجع فيه أعداد المواليد بشكل مقلق في دول عدة، من بينها المملكة المتحدة.

وأثار هذا الاتجاه مخاوف حكومية بشأن القدرة على تمويل أنظمة التقاعد، والرعاية الصحية مستقبلاً، في ظل شيخوخة السكان، وتراجع أعداد دافعي الضرائب من الفئات العمرية الشابة.

غير أن تجارب دولية سابقة أظهرت أن السياسات الرامية إلى رفع معدلات الخصوبة حققت نتائج محدودة، فيما يرى منتقدو الخطة الفرنسية أن تحسين سياسات الإسكان، ودعم الأمومة قد يكونان أكثر فاعلية.

وتتضمن الخطة إرسال «معلومات مستهدفة ومتوازنة ومستندة إلى أسس علمية» إلى الشباب، تتناول قضايا الصحة الجنسية، ووسائل منع الحمل، وفق ما أفادت به وزارة الصحة الفرنسية.

وأكدت الوزارة أن هذه المواد «ستشدد أيضاً على أن الخصوبة مسؤولية مشتركة بين النساء والرجال».

توسيع مراكز تجميد البويضات وتعزيز البحث العلمي

وفي إطار الخطة، تسعى الحكومة إلى زيادة عدد مراكز تجميد البويضات من 40 إلى 70 مركزاً، مع طموح لجعل فرنسا رائدة في مجال أبحاث الخصوبة.

ويتيح النظام الصحي الفرنسي حالياً خدمة تجميد البويضات مجاناً للنساء بين 29 و37 عاماً، وهي خدمة تبلغ تكلفتها نحو 5 آلاف جنيه إسترليني للجولة الواحدة في المملكة المتحدة.

أرقام مقلقة... ولكن أفضل من دول أخرى

ويبلغ معدل الخصوبة في فرنسا حالياً 1.56 طفل لكل امرأة، وهو أقل بكثير من المعدل البالغ 2.1 اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان.

ومع ذلك، يبقى هذا المعدل أعلى من المعدلات المتدنية جداً في الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وكذلك في المملكة المتحدة، حيث أظهرت أحدث البيانات أن المعدل انخفض إلى مستوى قياسي بلغ 1.41 في إنجلترا وويلز بحلول عام 2024.

صدمة ديموغرافية ونقاش سياسي أوسع

وقال البروفسور فرنسوا جيمين، المتخصص في قضايا الاستدامة والهجرة في كلية إدارة الأعمال بباريس، إن «الديموغرافيين كانوا على دراية بهذا الاتجاه منذ فترة، لكن تسجيل عدد وفيات يفوق عدد الولادات في فرنسا العام الماضي شكّل صدمة حقيقية».

وأضاف أن «القلق الديموغرافي» في فرنسا يتفاقم بفعل طبيعة نظام التقاعد، إلى جانب «الهوس بقضية الهجرة والخوف من الاستبدال السكاني».

حملات توعية

وتشمل الخطة أيضاً إطلاق حملة تواصل وطنية جديدة، وإنشاء موقع إلكتروني بعنوان «خصوبتي» يقدم إرشادات حول تأثير التدخين، والوزن، ونمط الحياة، إضافة إلى إدراج دروس مدرسية حول الصحة الإنجابية.

واعترفت وزارة الصحة بأن معدلات وفيات الأمهات والرضع في فرنسا أعلى من تلك المسجلة في دول مجاورة، مشيرة إلى بدء مراجعة شاملة لخدمات رعاية ما يتعلق بالولادة لمعالجة هذا الوضع «المقلق».

قرار تحكمه عوامل اجتماعية واقتصادية

من جانبه، قال تشانا جايسينا، أستاذ الغدد الصماء التناسلية في كلية إمبريال بلندن، إن تأخر سن الأمومة نتيجة التغيرات الاجتماعية يعد عاملاً أساسياً في تراجع الخصوبة لدى النساء.

وأشار إلى أن السمنة تمثل عاملاً خطيراً، إذ تزيد من مخاطر الإصابة بتكيس المبايض، وبطانة الرحم المهاجرة لدى النساء، كما تشكل عامل خطر رئيساً للرجال أيضاً.

بدوره، قال ألان بايسي، أستاذ علم الذكورة في جامعة مانشستر، إن قرار الإنجاب لدى معظم الناس «يرتبط بعوامل غير طبية، مثل التعليم، والفرص المهنية، والضرائب، والسكن، والتمويل»، مضيفاً أن «الطب لا يمكنه معالجة هذه الجوانب».