كيف تجاهلت كرة القدم مصدر أموال رومان أبراموفيتش كل هذه الفترة الطويلة؟

الحقائق المتعلقة بأصول مالك تشيلسي كانت واضحة دائماً ويمكن إدراكها من قبل أي شخص

أبراموفيتش ولاعبو تشيلسي يطوفون شوارع لندن بعد الفوز الأول بدوري الأبطال عام 2012 (رويترز)
أبراموفيتش ولاعبو تشيلسي يطوفون شوارع لندن بعد الفوز الأول بدوري الأبطال عام 2012 (رويترز)
TT

كيف تجاهلت كرة القدم مصدر أموال رومان أبراموفيتش كل هذه الفترة الطويلة؟

أبراموفيتش ولاعبو تشيلسي يطوفون شوارع لندن بعد الفوز الأول بدوري الأبطال عام 2012 (رويترز)
أبراموفيتش ولاعبو تشيلسي يطوفون شوارع لندن بعد الفوز الأول بدوري الأبطال عام 2012 (رويترز)

أصبح رومان أبراموفيتش الآن شخصية غير مرغوب فيها لدرجة أن الحكومة البريطانية فرضت عليه عقوبات بعد 19 عاماً من استحواذه على نادي تشيلسي، تم خلالها تكريمه بصفته متبرعاً وشخصاً يقوم بأفعال الخير! وبالنسبة للمملكة المتحدة، وللدوري الإنجليزي الممتاز، ولكرة القدم - وبالنسبة لنا جميعاً - سيكون الأمر أفضل قليلاً لو تم الاعتراف بأن عدم معرفة ما يكفي عن أبراموفيتش طوال هذه السنوات يعد صدمة كبيرة للغاية. لكن للأسف، هذا النوع من الطمأنينة سيكون مجرد خداع للذات، والأوقات التي نمر بها الآن تتطلب بالتأكيد الحديث بكل صراحة.
بالطبع كان من المذهل أن نرى الحكومة البريطانية تجمد بالفعل أصول أبراموفيتش، من خلال فقرة مكتوبة تدين قربه من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. لكن الصدمة في الحقيقة كانت تتمثل في الاعتراف ببعض الحقائق المجردة التي كانت تظهر للعيان طوال الوقت. إن إجراءات المحكمة المشار إليها من قبل وزارة الداخلية البريطانية، في تلك الوثيقة التي قرأها عضو البرلمان كريس براينت في مجلس العموم قبل أسبوعين، تمت في عام 2012، وبحلول عام 2019، بعد تسميم الجاسوس الروسي السابق سيرجي سكريبال بمادة نوفيتشوك السامة في مدينة سالزبوري الإنجليزية، تبنت الحكومة وجهة النظر التالية:
«لا يزال أبراموفيتش محل اهتمام حكومة صاحبة الجلالة بسبب صلاته بالدولة الروسية وارتباطه العام بأنشطة وممارسات فاسدة... ومثال على ذلك اعتراف أبراموفيتش في المحكمة بأنه دفع أموالاً مقابل النفوذ السياسي». ونص حكم المحكمة الذي أصدرته القاضية غلوستر على أن قضية أبراموفيتش نفسها تتمثل في أن أنشطة الضغط السياسي لشريكه السابق، بوريس بيريزوفسكي، التي زودته بالحماية السياسية كانت: «فاسدة بطبيعتها، وبالمثل، فإن الصفقة بين الرجلين، التي وافق أبراموفيتش بموجبها على الدفع لبيريزوفسكي مقابل خدماته للحماية، كانت فاسدة أيضاً». وأشار الحكم أيضاً إلى أن أبراموفيتش كانت له «علاقات جيدة جداً» مع بوتين، بما في ذلك «الوصول المميز» إلى الرئيس الروسي.
وعلاوة على ذلك، فإن الطريقة التي جمع بها أبراموفيتش الأموال كانت معروفة وتم الإبلاغ عنها بحلول عام 2003، عندما اشترى أبراموفيتش نادي تشيلسي، وتم تمويل نجاحات النادي بأمواله التي جمعها نتيجة نفوذه السياسي. وتم شراء اللاعبين بشكل لم يكن يحدث من قبل، وقام أبراموفيتش بعقد صفقات جديدة بمبالغ مالية كبيرة، ودفع أجوراً لم يكن النادي قادراً على دفعها من قبل. وبهذه الطريقة، اشترى الدوري الإنجليزي الممتاز ودوري أبطال أوروبا، وقبل أيام فقط من غزو بوتين لأوكرانيا، اشترى كأس العالم للأندية. قد يكون من المريح أيضاً إلقاء اللوم في ذلك على الدوري الإنجليزي الممتاز أو الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم أو سلسلة من الحكومات المتعاقبة التي يسعدها أن تستقطب بريطانيا الأموال من أي مكان. لكن لن يكون من الإنصاف القيام بذلك، نظراً لأن الحقائق كانت موجودة لأي شخص يكلف نفسه عناء الاهتمام.
ورغم ذلك، كان هناك إغفال متعمد للحقائق المعروفة عن كيفية تحوله إلى أوليغارشي (رجل أعمال ثري جداً يتمتع بقدر كبير من التأثير السياسي)، وكيف شرع في ترسيخ وجوده ومكانة نادي تشيلسي في الوقت الذي تكيفت فيه كرة القدم ككل مع إنفاقه الضخم. وفي عام 2012، قال ممثلو أبراموفيتش إن القاضية غلوستر لم تقيم الأمور بشكل صحيح، وقللوا من شأن علاقة أبراموفيتش ببوتين، مشيرين إلى أدلة على أنه «ليس في الدائرة المقربة» من الرئيس الروسي.
وفي الآونة الأخيرة، بدأ أبراموفيتش حتى في النزول إلى أرض الملعب للاحتفال بالبطولات التي يحصل عليها الفريق. وبالنسبة لأولئك الذين اهتموا بالأمر، كان من المؤلم رؤية سيزار أزبيليكويتا، ذلك المحترف الرائع الذي يحمل شارة قيادة الفريق على ذراعه، وهو يشير إلى مالك النادي الروسي لكي يصعد إلى المنصة ويحمل كأس دوري أبطال أوروبا الموسم الماضي. لم تكن الصور التي تم بثها عالمياً لأبراموفيتش، بابتسامته الواسعة المنتصرة ويديه على أكبر جائزة في عالم كرة القدم، مظهراً جيداً لكرة القدم أو لبريطانيا أو لأوروبا.
وأخيراً، أشارت الحكومة في أسبابها للعقوبات إلى أن أبراموفيتش «أوليغارشي موالٍ للكرملين»، وكانت له «علاقة وثيقة منذ عقود» ببوتين، ولديه «معاملة تفضيلية وتنازلات من بوتين وحكومة روسيا» بما في ذلك عقود في الفترة السابقة لنهائيات كأس العالم 2018، ويمكن لشركته أن تزود الجيش الروسي بالصلب، الذي يمكن استخدامه لإنتاج الدبابات، ويمكن أن يوفر المال أو السلع أو التكنولوجيا «التي يمكن أن تسهم في زعزعة استقرار أوكرانيا».
هناك تحدٍّ واضح لكرة القدم الإنجليزية، وهو أمر مهم حتى في هذا السياق المرعب، حيث إن المكانة والشرعية اللتين تمنحهما كرة القدم الإنجليزية، أمر مرغوب فيه من قبل جميع أنواع الأنظمة ورجال المال. ويجب أن تسأل كرة القدم الإنجليزية نفسها عما إذا كانت تفعل ما يكفي للتأكد من أن رياضتها التي لا تقاوم وأنديتها المعشوقة هي قوى من أجل الخير في العالم أم لا – لأنه بعد أن تم الاستيلاء عليها بالمال، تم الكشف عن أن قواعدها غير كافية بشكل مثير للضحك.
والآن، يبدو أن ملاك الأندية والمديرين الفنيين يوافقون على أن أبراموفيتش «شخص لائق ومناسب». لقد تم وضع القواعد لمنع المحتالين الصغار من الاستيلاء على أندية كرة القدم الصغيرة، ولم يتم وضعها قط لتناسب العصر الحديث للدوري الإنجليزي الممتاز. ويُمنع الأشخاص من الاستحواذ على الأندية إذا صدرت بحقهم إدانة جنائية بتهمة عدم الأمانة أو إذا أفلسوا، لكن أبراموفيتش لم يصدر بحقه أي إدانة جنائية، ولم يعلن إفلاسه قط، لكنه أصبح مليارديراً في «الشرق المتوحش» لروسيا ما بعد الشيوعية، التي لم تكن تحكمها سيادة القانون. ومنذ ما يقرب من عقدين من الزمان، سُمح له بالسيطرة على كرة القدم وإغراقها بأمواله الطائلة والحصول على أعظم الجوائز، قبل أن ينتهي كل ذلك أخيراً بسبب حرب فعلية.



نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.