قالت المخرجة الأردنيّة دارين سلام، إن فيلمها الروائي الطويل الأول «فرحة»، الذي حصد ثلاثة جوائز (أحسن فيلم يورومتوسطي، وأفضل دور، وأحسن إخراج)، في مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة، ليس فيلماً سياسياً، وإنما هو قصة إنسانية تستند إلى واقعة حقيقية تعرضت لها صبية فلسطينية على خلفية أحداث حرب 1948، وقالت في حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «يرمز عنوان الفيلم إلى الفرحة المسلوبة قسراً من الفلسطينيين، فقد كبرْتُ وأنا أستمع إلى أجدادي يتحدّثون بحسرة عن فلسطين وأيامها، كأنّها فرحة لم تكتمل، لذا، أسميتُ فيلمي باسم الشخصية الرئيسية من دون تفكير».

«فرحة» أحد أهم الأفلام الأردنية التي أنتجت عام 2021 للمخرجة دارين سلّام (الشرق الأوسط)
يعد «فرحة» أحد أهم الأفلام الأردنية التي أنتجت عام 2021. وشهد عرضه العالمي الأول مهرجان «تورونتو»، كما جاء عرضه العربي الأول بمهرجان البحر الأحمر السينمائي، وشارك في مهرجان أسوان السينمائي لأفلام المرأة ضمن مسابقة الأفلام الطويلة، إضافة لمهرجانات أخرى عديدة، ويطرح قصة «فرحة» الفلسطينية البالغة من العمر 14 عاماً، والتي تحلم بتلقي تعليمها رافضة فكرة الزواج المبكر مثل قريناتها في ذلك الحين، وحينما تنجح في إقناع والدها وتتسلم ورقة تسجيلها بالمدرسة، تقع أحداث حرب 1948 حيث تتوالى عمليات التهجير القسري للفلسطينيين والقتل على أيدي القوات الإسرائيلية، ويدفع خوف الأب عليها إلى حبسها داخل بدروم المنزل لتراقب من خلال الشقوق تحول القرية إلى خراب.
قصة الفيلم تعد إحدى الحكايات التي يتوارثها الأجداد ويروونها للأحفاد حتى لا تُنسى، وهكذا وصلت إلى كاتبة ومخرجة الفيلم. وتقول سلام: «قصة الفيلم حقيقية وهي عن الفتاة الفلسطينية (رضية) التي نزحت إلى سوريا خلال نكبة فلسطين 1948، وحكت أمي عن القصة لأن القضية الفلسطينية تعيش معنا منذ طفولتنا، فأنا أردنية من أصول فلسطينية، ومنذ صغري كنت أستمع لحكايات جدتي وجدي وقد كان ممن أخرجوا من فلسطين خلال النكبة بعد أن تعرض للسجن، وكثيراً ما سمعت عن قوة النساء الفلسطينيات، لذا أردت فيلماً عن المرأة وعن القضية الفلسطينية، وكيف استطاعت طفلة صغيرة أن تواجه هذا القهر وتستمر».
تتابع المخرجة الشابة، قائلة: «بفضل حكايات أمي، كنت مشغولة دائماً بمعرفة تفاصيل حياة (رضية) التي تزوجت وأصبح عندها بنت، وحينما أصبحت سينمائية قررت أن يكون فيلمي الروائي الطويل الأول عنها، لم أرغب في أن أحكي فيلمي من منظور سياسي، ورأيت أن أطرح النكبة بعيون هذه الطفلة التي أجبرت على أن تخسر حلمها وأن تستمر برغم كل هذه الخسارات، لقد عاشت بعد أن ماتت فيها أشياء كثيرة، طفولتها وحلمها بالتعلم، وجمعتني بها أشياء مشتركة، منها الخوف من الأماكن المغلقة فقد تعاطفت معها وتصورت نفسي مكانها».
تكتب دارين كل أفلامها، وقد بدأت رحلتها مع الفيلم قبل ست سنوات، وتحكي عن تجربتها، قائلة: «كتبت أول نسخة سيناريو عام 2016 ولم يكن لدي الرفاهية لأظل أكتب، فاضطررت أن أعمل على مشاريع أخرى، وخلال السنوات الماضية كتبت ثمانية نسخ للسيناريو، أما التصوير فقد استغرق شهراً واحداً وتم في الأردن، كنا نصور في الشتاء والطقس بارد جداً، ونضطر لإنهاء التصوير مبكراً، وكان غياب ضوء النهار سريعاً هو عدوي الأول طوال فترة التصوير التي كانت ملهمة جداً وأعدت كتابة مشاهد جديدة من وحي اللحظة».

دارين سلّام خلال كواليس تصوير فيلم «فرحة» (الشرق الأوسط)
مرحلة تمويل الفيلم تعد أصعب مراحل العمل، وبحسب دارين: «نظراً لأن الفيلم يحكي عن قضية حسّاسة، جعلني أواجه أزمة في إنتاج الفيلم وتسويقه، لكننا بعد جهد حصلنا على بعض المنح من داعمين، وأنتجته من خلال شركتي (صندوق الحكايا)، وبمشاركة سويدية، كما حصل على دعم الهيئة الملكية الأردنية للأفلام، ودعم آخر من مستثمرين، والمنتجتين ديمة عزار وأي جردانة».
يعتمد الفيلم بشكل أساسي على الطفلة الأردنية كرم طاهر، التي تجسد شخصية «فرحة»، وقد برعت في التعبير عن لحظات الخوف والصدمة وغياب الأمل.
وتؤكد دارين سلّام أن اختيار الطفلة لم يكن سهلاً: «أجريت اختبارات أداء لعدد كبير من الفتيات، لأنه لا توجد ممثلات محترفات في هذا العمر الذي يقع بين الطفولة والمراهقة، ووقع اختياري على كرم لأنني شعرت بارتياح لها، وقمت بتدريبها على الأداء لمدة 5 أشهر متواصلة، لأن جزءاً كبيراً من الفيلم يعتمد عليها، ولم أطلعها على السيناريو، بل كنت أحكي لها المشهد لتتدرب عليه قبل التصوير، هناك مثلاً جملاً في الحوار كان من الضروري التدريب عليها لإتقان اللهجة الفلسطينية، لكن مشاهد الحوار لها كانت قليلة، وتعمدت أن أحصل على أدائها الأول بعفويته، كما أن الشعور بالحالة من الأشياء التي كنت أركز عليها، لكي تتعايش مع الموقف الدرامي تماماً قبل أن تدور الكاميرا».
ردود الأفعال التي تلقتها دارين، لم تختلف في كل مهرجان شاركت به، وبابتسامة تعكس فرحتها، تقول: «سعدت كثيراً بردود الأفعال، التي لم تكن عادية، وقد تأثرت بهذه الحالة كثيراً في (تورونتو) لأن الجمهور أغلبه غربي وأخذ يصفق طويلاً، وظل يناقشني كثيراً حول العمل، وكانت سعادتي كبيرة بذلك، فقد عرف هذا الجمهور حقيقة ما جرى، لأن حرب 1948 بكل ما شهدتها من وحشية لن تمحى من الذاكرة، وكان يهمني أن أصنع فيلماً يبقى ويعيش لتعرف الأجيال الجديدة الحقيقة، ولقي الفيلم كذلك اهتماماً كبيراً من الجمهور السعودي في مهرجان البحر الأحمر».
قبل «فرحة»، أخرجت دارين سلاّم عدة أفلام قصيرة، حازت جوائز، من بينها «لا زلت حياً»، و«بلكون»، و«الظلام في الخارج»، و«الببغاء»، وحصلت على منحة لدراسة السينما، وتنطلق كل أفلامها من فكرة إنسانية تمس الناس، لذلك يهمها رد فعل الجمهور على أفلامها، وهي ما عبرت عنه بعدما حصدت ثلاثة جوائز دفعة واحدة من أسوان لأفلام المرأة، أخيراً وقالت بحماس: «في الحقيقة رغم أن أفلامي فازت بالعديد من الجوائز العالمية، فإنه عند مشاركة أعمالي بالمهرجانات لا أضع في حسباني الجائزة أو المنافسة، فكل ما يهمني حقاً هو مدى تفاعل الجمهور وعدد المقاعد التي حضرت فيلمي، والأيادي التي صفقت، ووعي الناس برسالتي، هذا كله يسبق أي جوائز».

