بعد 90 يوماً حفلت بالفن والإبداع وإثارة الدهشة، يصل بينالي الدرعية للفن المعاصر إلى محطة الختام، وفي جعبته تسجيل أكثر من 100 ألف زائر من عشاق الفن الذين استوقفتهم أعمال 60 فناناً مشاركاً من السعودية ومختلف أنحاء العالم، في حراك فني غير اعتيادي شهدته الرياض، داخل حي جاكس بمنطقة الدرعية، ليُسدل الستار أمس على هذا الحدث الكبير الذي ترك بصمة واضحة في الحراك الفني.
وتوضح آية البكري، الرئيس التنفيذي لمؤسسة بينالي الدرعية، لـ«الشرق الأوسط»، أن بينالي الدرعية استطاع أن يصنع مجتمعاً فنياً وإبداعياً فريداً من نوعه، مضيفة: «النسخة الثانية من بينالي الدرعية للفن المعاصر ستكون عام 2023، وستحظى بنجاح بزخم أكبر، بناء على النجاح الذي حققته النسخة الأولى»، مشيرة إلى أن الحدث المقبل الآن هو بينالي الفنون الإسلامية الأول من نوعه عالمياً.
ورغم أن عدد الزوار تجاوز حدود الـ100 ألف خلال الثلاثة أشهر الماضية، إلا أن البكري تفصح عن أن عدد زوار اليوم الأخير تجاوز حدود الألفي زائر خلال الأربع ساعات الأولى فقط، مع توقع أن يكون هذا العدد تضاعف مع ختام اليوم الأخير الذي شهد توافد العديد من الزوار من مختلف الفئات العمرية، الراغبين في اقتناص آخر فرصة لتذوق حلاوة الفن قبل ختام البينالي.
بينالي الدرعية جاء بنسخته الأولى تحت شعار «عبور النهر من خلال تتبع الحجارة»، وهو المصطلح الذي ظهر خلال فترة الثمانينات تعبيراً عن مرحلة زاخرة بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية، إلا أنه استطاع أن يعبر بالفن المعاصر إلى منطقة جديدة، ليشكل محطة فنية مختلفة في تاريخ كل فنان شارك فيه، عبر باقة من الأعمال والتحف الفنية، بما في ذلك أعمال تكليفية مصممة خصيصاً للبينالي تحمل توقيع نخبة من الفنانين الدوليين.
راكان الطوق: قطعنا شوطاً طويلاً
يدعم بينالي الدرعية المساعي المبذولة في رسم ملامح مستقبل الحراك الفني المحلي، وترسيخ مكانة المملكة على الخريطة الثقافية العالمية، كما يفيد راكان الطوق، وهو المشرف العام على الشؤون الثقافية والعلاقات الدولية بوزارة الثقافة، ونائب رئيس مجلس أمناء مؤسسة بينالي الدرعية، مردفاً: «قطعنا شوطاً طويلاً في هذا الصدد».
ويتابع الطوق قائلاً: «شكلت النسخة الأولى من بينالي الدرعية للفن المعاصر إضافة رائعة إلى المشهد الفني، بعدما احتفت بأعمال المبدعين والفنانين السعوديين، وأتاحت لنا فرصة رائعة لمواصلة مسيرة التعاون مع الشركاء في جميع أنحاء العالم، الذين نفخر بهم ونعتبرهم أصدقاء وسفراء لأهداف البينالي».
آية البكري: لم يكن مجرد معرض بل ملتقى ملهم
ترى آية البكري، الرئيس التنفيذي لمؤسسة بينالي الدرعية، أن البينالي جاء منصة جديدة تدعو المبدعين والملهمين من داخل السعودية وجميع أنحاء العالم لاستشراف مستقبل الفنون والإبداع وبحث سُبل التعاون مع المشهد الفني السعودي ومجتمعه الإبداعي. وتضيف: «لم يكن البينالي في مفهومه وفكرته مجرد معرض، بل كان ملتقى ملهماً تعلو فيه قيم الاستكشاف والحوار والتبادل المعرفي».
وتتابع البكري قائلة: «رحب البينالي بالجمهور المحلي والدولي، الذين كانوا على موعد مع باقة متنوعة من الفعاليات والأنشطة شملت معارض وعروضاً سينمائية وحوارات وورش عمل وغيرها من التجارب والجولات الغامرة»، مشيرة إلى أنه كان من بين الحضور زوار لم يسبق لهم تجربة بينالي للفنون المعاصرة، إلى جانب عشاق الفنون والثقافة.
تيناري: انبهرنا من الجمهور السعودي
كانت النسخة الأولى من البينالي قد انطلقت تحت قيادة القيم الفني فيليب تيناري، المدير العام والرئيس التنفيذي لمركز «UCCA» للفن المعاصر في الصين، بدعم فريق عمل مؤلف من نخبة دولية من القيمين الفنيين بمن فيهم وجدان رضا (مؤسِس سحابة للاستشارات الفنية)، وشيشوان لوان (قَيم فني في مركز «UCCA» للفن المعاصر في الصين)، ونيل جانغ (قَيم فني في مركز «UCCA» للفن المعاصر في الصين).
وهنا يقول القيم الفني فيليب تيناري، «عندما نتأمل في أهمية البينالي، فأول ما يتبادر إلى الأذهان هو دور الفنانين السعوديين ومساهماتهم في دعم الحوار العالمي حول الفنون المعاصرة. وحقيقة، لقد انبهرنا من الجمهور السعودي الذي كان حريصاً على استكشاف ما قدمناه والتعرف على مختلف محتويات البينالي، وأجد أن الطرفين، زواراً وفنانين، قد استمتعوا بهذه التجربة الإبداعية الغامرة».
بينالي الدرعية... منصة ملهمة
لم تكن الأعمال وحدها هي الحاضرة في المشهد، حيث جاء بينالي الدرعية بمثابة المنصة الملهمة للحوار العالمي والتبادل المعرفي والفني، من خلال توفير تجربة فنية تفاعلية عززت أوجه التقارب بين المشهد الفني السعودي والمبدعين الدوليين. وضمن الأنشطة المصاحبة للبينالي، نظمت مؤسسة بينالي الدرعية برنامجاً ثقافياً عاماً تخللته سلسلة من الفعاليات والأنشطة، استوحيت مكوناته من قوالب فنية وثقافية مختلفة من داخل المملكة وخارجها.
وشارك فنانون سعوديون ودوليون في سلسلة الحوارات والجلسات النقاشية التي أقيمت على هامش فعاليات بينالي الدرعية، بمن فيهم ريتشارد لونج ولولوة الحمود وأحمد ماطر وهان منيوين. كما شارك في المعرض استوديو بريك لاب للهندسة المعمارية ومقره جدة، الذي استند فنه التركيبي على الهندسة المعمارية لمبنى بينالي الدرعية الذي تم تجديده مؤخراً.
وانضم الزوار إلى ورش العمل والجولات وغيرها من الدورات التعليمية التي قدمها البينالي، وسط حضور أبرز قادة المؤسسات الدولية، بمن فيهم سيمون كاستيتس (المعهد السويسري للفن المعاصر، نيويورك) وإيريك تشين (المعهد الجديد، روتردام) وكريس ديركون (القصر الكبير، باريس) ومايا هوفمان (مؤسسة لوما) وألكساندرا مونرو (غوغنهايم، نيويورك) وشينا واجستاف (متحف المتروبوليتان للفنون، نيويورك).
كما قدم بينالي الدرعية للفن المعاصر مخيم أنشطة فنية للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و14 عاماً.
وصممت هذا المخيم منصة «فانتازيا»، وهي منصة تعليمية رائدة في التعلم التفاعلي والاجتماعي العاطفي الذي أُنشئت على يد مؤسسة إليزا صيدناوي. ليحصد بينالي الدرعية ثمار كل هذه الجهود الكبيرة، التي استهدفت مختلف الأجيال، مودعاً عشاق الفن والثقافة بعد أن غرس في أذهانهم تجارب ثرية لن تُنسى.

