بوتين يسعى للسيطرة على مناطق الشرق الأوكراني وتقويض قدرات كييف

استعداداً لمواجهة الضغوط الغربية والأصوات المعارضة للحرب في الداخل

بوتين خلال خطابه الذي أجاز فيه الهجوم العسكري على أوكرانيا (إ.ب.أ)
بوتين خلال خطابه الذي أجاز فيه الهجوم العسكري على أوكرانيا (إ.ب.أ)
TT

بوتين يسعى للسيطرة على مناطق الشرق الأوكراني وتقويض قدرات كييف

بوتين خلال خطابه الذي أجاز فيه الهجوم العسكري على أوكرانيا (إ.ب.أ)
بوتين خلال خطابه الذي أجاز فيه الهجوم العسكري على أوكرانيا (إ.ب.أ)

فور انتهاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، من تلاوة خطابه المطول الذي بثّته قنوات التلفزة الروسية أمس، في الساعة السادسة صباحاً، وأعلن فيه الحرب على أوكرانيا، بدأت القطاعات العسكرية الروسية تحركاً شاملاً استهدف رزمة من الأهداف التي وُضعت مسبقاً ضمن الخطة العسكرية للهجوم. بدا ذلك واضحاً من خلال الإعلانات المتتالية منذ ساعات الصباح عن وقوع انفجارات ضخمة في عدد من المدن الأوكرانية، وكان لافتاً أن الهجمات لم تقتصر على مناطق الشرق الأوكراني الذي حملت العملية العسكرية الروسية عنوانه عبر تسميتها «الدفاع عن دونباس» بل امتدت لتشمل أهدافاً في كل الأراضي الأوكرانية بما في ذلك منشآت في كييف العاصمة وأخرى تقع قرب مدينة لفوف (لفيف) في أقصى الغرب، التي شهدت تدمير مطار بالقرب منها. وعلى الرغم من أن وزارة الدفاع الروسية أعلنت أنها لا تستهدف المدن والتجمعات السكنية وأن المدنيين «لن يتم استهدافهم» لكن تقارير مراسلين أجانب من أوكرانيا أشارت إلى أن غالبية القواعد العسكرية أو المنشآت التي تعرضت للقصف تقع داخل المدن أو على مقربة منها، ما يعرّض حياة المدنيين لخطر.

- خريطة المعركة
بالتوازي مع توجيه الضربات الجوية التي استخدمت روسيا فيها قدرات الطيران وأنظمة صاروخية حديثة، بدأت منذ ساعات الصباح عملية توغل واسعة من عدة مناطق وبشكل متزامن. إذ تحركت آليات مدرعة ودبابات من الشمال وعبرت الحدود البيلاروسية متوغلة عدة كيلومترات قرب الشريط الحدودي باتجاه الجنوب الشرقي، في مسعى كما يبدو لتطويق مدينة خاركوف التي شهدت توغلاً أيضاً من الأراضي الروسية قرب مدينة فورونيج. وعلى الرغم من أن كييف تعد أقرب المدن الأوكرانية إلى الأراضي البيلاروسية (نحو 200 كيلومتر عن الحدود) لكن بدا أن توغل الآليات لا يستهدف كييف العاصمة، بل خاركوف التي تقطنها غالبية سكانية ناطقة بالروسية. وفي وقت لاحق خلال ساعات النهار وقعت مواجهات مباشرة في خاركوف وتداول ناشطون صوراً لمعدات روسية تم تدميرها، ما عكس وقوع مواجهات داخل المدينة. كما ترددت معطيات عن رفع العَلم الروسي فوق مبنى البرلمان المحلي في المدينة، لكنّ هذه المعطيات لم يتم تأكيد صحتها.

رجل ينعى قريبه بعد قصف مبنى في بلدة شوغويف شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في الأثناء تم الإعلان عن سيطرة مظليين روس على مطار عسكري يبعد عشرات الكيلومترات فقط من العاصمة كييف. ورجحت أوساط عسكرية أن يتم استخدامه لنقل الإمدادات إلى أماكن التمركز داخل العمق الأوكراني. وأثار هذا التطور مخاوف في وقت متأخر أمس، من أن موسكو قد تسعى للسيطرة على كييف في وقت لاحق. في نفس الوقت، تم الإعلان صباحاً، عن تحرك من قوات المظليين الروس من شبه جزيرة القرم لتنفيذ إنزال واسع النطاق في مدينتي ماريوبول أقصى الجنوب على بحر أزوف، ومدينة أوديسا التي تقع على البحر الأسود. ولتحديد أهمية خريطة التحرك الروسي لا بد من الالتفات إلى أن هذه المدن كلها تدخل ضمن التقسيم الإداري لحدود إقليمي دونباس ولوغانسك وفقاً للخريطة السياسية قبل اندلاع الحرب في المنطقة في عام 2014 وسيطرة القوات الانفصالية على نحو ثلث أراضي دونباس. وعلى الرغم من عدم ورود معطيات حول مدى نجاح عمليات الإنزال في المدينتين حتى مساء أمس، فإن الأكيد أنهما شهدتا مواجهات شديدة في ساعات الصباح.
من جانب الانفصاليين في الإقليمين ترافق الهجوم الروسي مع تحرك واسع على طول خطوط التماس، ونجح المسلحون في التوغل داحل خطوط التماس وإحكام السيطرة على مناطق جديدة كان أبرزها بلدة «تشيستيا» قرب دونيتسك.

جانب من مظاهرة رافضة للحرب في سان بطرسبورغ أمس (رويترز)

- أهداف بوتين
كان لافتاً أن بوتين في خطاب إعلان الحرب حدّد هدفين واسعين للعملية العسكرية أولهما نزع سلاح أوكرانيا وتقويض قدراتها العسكرية، والآخر محاسبة «النازيين» الذين استهدفوا المدنيين ومنهم الروس خلال السنوات الثماني الماضية. يفتح الهدفان المعلنان على هوامش واسعة للعملية العسكرية، إذ يعني الأول تقويض البنى التحتية العسكرية الأوكرانية تماماً، وتقليص فرص أوكرانيا لبناء قدراتها مجدداً لسنوات مقبلة، وهذا هدف واسع لا يمكن تحديد متى سيرى الكرملين أنه أنجزه. والهدف الآخر يَفترض القيام بعمليات تمشيط واسعة لملاحقة «النازيين» ومحاسبتهم، وهو أيضاً يتميز بكونه واسعاً ولا يمكن تحديد سقف محدد له.
في المقابل يبدو المجال العملي المحدد للعملية العسكرية محصوراً في مد سيطرة موسكو والمجموعات الانفصالية الموالية لها على كل مناطق الشرق الأوكراني. وهذا يفسّر القيام بعمليات محددة للتوغل والسيطرة في هذه المناطق. سيعني تحقيق هذا الهدف أن تقسيم أوكرانيا غداً أمراً واقعاً، بين شرق موالٍ لروسيا، تتركز فيه الثروات والخامات ووسائل النقل بما في ذلك أهم ميناء بحري على البحر الأسود، وغرب مفكك ومنهك وضعيف لكنه موالٍ لخصوم روسيا الجيوسياسيين في حلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي.
ويمكن أن يقود تثبيت أمر واقع جديد من هذا النوع إلى تعزيز فرص موسكو في مواجهة خطط توسع الأطلسي شرقاً فضلاً عن تعزيز مواقعها في أي عملية تفاوضية قد تنطلق في المستقبل.
وعاد الكرملين ظُهر أمس، لتأكيد أهداف التحرك عبر الإشارة إلى أن موسكو لا تنوي احتلال أوكرانيا لكنّ الناطق الرئاسي ديمتري بيسكوف، ترك في الوقت ذاته الباب موارباً أمام السقف الزمني المحتمل للعمليات الحربية، وقال إن العملية العسكرية ضد أوكرانيا ستستمر ما دامت ضرورية بناءً على «نتائجها» و«جدواها». وقال للصحافيين إن موسكو تهدف إلى فرض «وضع محايد» في أوكرانيا ونزع سلاحها والقضاء على «النازيين».

أهالي العاصمة الأوكرانية يختبئون في محطات القطارات الأرضية (إ.ب.أ)

- نتائج أولية
وفي أول رصد للنتائج الأولية للعمليات العسكرية، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن قواتها أخرجت منذ بداية العملية 74 هدفاً برياً للبنى التحتية العسكرية عن الخدمة. وصرح المتحدث باسم الوزارة إيغور كوناشينكوف، في بيان، بأن هذه الأهداف تشمل 11 مطاراً لسلاح الجو الأوكراني وثلاثة مراكز قيادة وقاعدة بحرية و18 محطة رادار خاصة بمنظومات الدفاع الجوي «إس - 300» و«بوك - إم 1».
في الوقت ذاته، أعلنت هيئة الأمن الفيدرالي الروسي أن كل القوات التابعة لحرس الحدود الأوكراني انسحبت من مواقعها على الحدود بين البلدين. وقال الأمن الروسي في بيان: «عناصر حرس الحدود الأوكرانيون يغادرون بشكل جماعي مراكز انتشارهم على الحدود الروسية الأوكرانية. وبحلول الساعة الواحدة بعد ظهر الخميس، أخلى حرس الحدود الأوكرانيون جميع المقرات الواقعة على الحدود الروسية الأوكرانية».
وأضاف البيان أن بعض عناصر حرس الحدود الأوكراني الذين أخلوا أماكن خدمتهم، غادروا إلى أراضي روسيا، حيث وصل 26 جندياً أوكرانياً إلى معبر «ترويبورتنويه» على حدود مقاطعة بريانسك الروسية مع أوكرانيا، إضافةً إلى وصول 16 عسكرياً إلى معبر جانكوي على حدود شبه جزيرة القرم.
وفي دونيتسك أعلن الانفصاليون أنهم فتحوا ممراً آمناً لخروج القوات الأوكرانية التي باتت محاصرة في بعض المناطق بعد إلقاء سلاحها. لكن لم يرد من المصادر الأوكرانية ما يؤكد صحة البيانات الروسية.
في الجانب الأوكراني أعلن أحد مساعدي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، مقتل أكثر من 40 جندياً أوكرانيّاً و10 مدنيين في الساعات الأولى من الغزو الروسي لأوكرانيا. بينما أعلنت السلطات المحلية في جنوب أوكرانيا مقتل 18 شخصاً في «ضربات عسكرية». ولم يُعرف ما إذا كانت الحصيلة الإجمالية تشمل هؤلاء.
- احتجاجات داخلية
أثارت العملية العسكرية موجة استياء واسعة في الداخل الروسي، وهو ما ظهر من خلال انتشار عشرات الدعوات على وسائل التواصل الاجتماعي للنزول إلى الشارع والاحتجاج على الحرب. وأصدر مئات الصحافيين الروس بياناً مفتوحاً أدانوا فيه اللجوء إلى السيناريو العسكري، في ظاهرة فريدة بالنسبة إلى الصحافة الروسية. وقال أحد المبادرين لإصدار البيان، لـ«الشرق الأوسط» إن نحو مائتي صحافي وقّعوه حتى عصر أمس، بينهم مراسلون حربيون ومحررو الشؤون الدولية في أبرز الصحف الروسية.
في الأثناء، أعلنت منظمات حقوقية أن أكثر من 100 شخص اعتُقلوا خلال مشاركتهم في وقفات واعتصامات فردية ضد غزو أوكرانيا، وأوضحت أن الاحتجازات وقعت في عدة مدن روسية.
ووفقاً لمعطيات انتشرت نقلاً عن أقارب المعتقلين والنشطاء المحليين ووسائل الإعلام المحلية فقد تم اعتقال نحو 60 شخصاً في يكاترينبرج، ونحو 50 شخصاً في بيرم، ونحو 10 أشخاص في أوفا.
كما اعتُقلت الناشطة في مجال حقوق الإنسان مارينا ليتفينوفيتش، ومديرة أحد المسارح يفغينيا بيركوفيتش، في موسكو للسبب ذاته.
في حين حذرت لجنة التحقيق المركزية، الروس من المشاركة في نشاطات احتجاجية. وأكدت في بيان متلفز تم بثه على شاشات القنوات الحكومية، أن المشاركين في تجمّعات بشأن «الوضع المتوتر في السياسة الخارجية» سيتعرّضون لملاحقات. وحذرت: «نذكّركم بأن عواقب قانونية خطيرة ستترتب على الدعوات للمشاركة والمشاركة المباشرة في مثل هذه التحركات غير المرخص لها». من جهتها أعلنت النيابة العامة أنها وجّهت «تحذيرات» إلى الأفراد الذين يحضّون على المشاركة في مظاهرات احتجاجية ضد الحرب في أوكرانيا. وحذرت وزارة الداخلية من أن التجمعات ستكون «غير مشروعة» وأن الشرطة «ستتخذ كل الإجراءات اللازمة لضمان فرض النظام العام». وكانت حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي قد دعت الروس إلى التجمع في موسكو وسان بطرسبرغ مساء أمس، للاحتجاج على الحرب.
- استعداد لمواجهة ردود الفعل
بدا أمس، كما قال بوتين، أن الكرملين أجرى حساباته بدقة وهو يطلق عمليته العسكرية. واستعد لكل الاحتمالات، ويدرك الرئيس الروسي أن الغرب لن يتدخل عسكرياً، وكل ما يستطيع فعله يتركز في فرض رزم حازمة من العقوبات التي لن تؤثر كثيراً على روسيا بسبب توافر قناعة بأن «الاقتصاد الروسي سوف يهتز لكنه لن يتعرض لانهيار»، فضلاً عن رهان موسكو على أن «موجة الغضب الحالية» سوف تتراجع شيئاً فشيئاً بعد مرور بعض الوقت، وسوف يتعرض المعسكر الغربي مجدداً لهزات داخلية بين أطراف تطالب بمواصلة التعامل بحزم وأخرى مستعدة لفتح قنوات اتصال مع موسكو. هذا الكلام قاله حرفياً نائب رئيس مجلس الأمن القومي ديمتري مدفيديف، وهو يعكس القناعة الروسية بهذا الشأن.
في المقابل، هذا لا يعني أن الكرملين عبر سيطرته على شرق أوكرانيا قد يتخلص من «الخطر الوجودي»، وفقاً لتعبير بوتين، والمتمثل في اقتراب البنى التحتية للناتو من حدود بلاده. بل على العكس من ذلك فإن هذه الحرب ستقود لنتائج عسكرية وفقاً لخبراء، لأن الحلف سوف يعزز حضوره في بلدان حوض البلطيق المذعورة حالياً من خطوات بوتين التوسعية. ويكفي أن فنلندا التي التزمت الحياد طوال الحرب الباردة أعلنت بعد بدء الحرب أنها قد تفكر في الانضمام إلى الحلف إذا شعرت بتهديد.
بهذا المعنى فإن بوتين قد ينجح في تسجيل «فتح» تاريخي عبر توسيع «إمبراطوريته» مجدداً، كما قال معلق، لكنه سوف يواجه وضعاً أصعب على المدى البعيد على الصعيدين الداخلي والخارجي.



الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية الهندية، السبت، أنَّه جرى استدعاء سفير إيران لاجتماع مع الوزير مساء اليوم، بعد إطلاق النار على سفينتين ترفعان علم الهند في مضيق هرمز.

وأفاد بيان للحكومة الهندية، أن وزير الخارجية الهندي فيكرام ⁠ميسري، عبَّر خلال اجتماع مع السفير الإيراني، عن قلق ​الهند ‌البالغ إزاء ‌حادث إطلاق النار الذي وقع في وقت سابق اليوم، وشمل سفينتين ترفعان العلم الهندي في مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز».

وحثَّ وزير الخارجية الهندي سفير إيران على نقل وجهة نظر الهند إلى السلطات الإيرانية، واستئناف عملية تسهيل عبور السفن.

وكان مصدر حكومي هندي قد ذكر، في وقت سابق اليوم، أنَّ سفينة ترفع العلم الهندي وتحمل شحنةً من النفط الخام تعرَّضت لهجوم، اليوم (السبت)، في أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز. وأضاف المصدر أنَّ اسم السفينة «سانمار هيرالد»، مشيراً إلى أنَّ السفينة وطاقمها بخير.

وذكرت «رويترز»، في وقت سابق اليوم، أن سفينتين تجاريتين على الأقل أبلغتا عن تعرُّضهما لإطلاق نار في أثناء محاولتهما عبور مضيق هرمز، اليوم (السبت).

وأوضح المصدر الحكومي الهندي أنَّ نيودلهي استدعت سفير إيران لدى الهند بشأن الواقعة ذاتها.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس (الجمعة)، إنَّ إيران وافقت على فتح المضيق، بينما قال مسؤولون إيرانيون إنهم يريدون من الولايات المتحدة رفع الحصار المفروض على ناقلات النفط الإيرانية بشكل كامل.

وأظهرت بيانات شحن أنَّ أكثر من 12 ناقلة نفط، من بينها 3 سفن خاضعة لعقوبات، عبرت مضيق هرمز بعد رفع الحصار الذي ظلَّ مفروضاً عليه لمدة 50 يوماً أمس (الجمعة)، قبل أن تعيد إيران فرض قيود، اليوم (السبت)، وتطلق النار على بعض السفن.


متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، ورأى أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

 

تحوّلات ونماذج بديلة

 

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

 

امتحان التكيّف والتعاون

 

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.