«كلب» جين كامبيون يقود المتنافسين على أهم جائزة سينمائية حول العالم

جردة وافية لاحتمالات الأوسكار المقبل

جيسي بليمونز وكيرستن دنست في «قوة الكلب»
جيسي بليمونز وكيرستن دنست في «قوة الكلب»
TT

«كلب» جين كامبيون يقود المتنافسين على أهم جائزة سينمائية حول العالم

جيسي بليمونز وكيرستن دنست في «قوة الكلب»
جيسي بليمونز وكيرستن دنست في «قوة الكلب»

بالم سبرينغز: محمد رُضا

بعد أربعة أيام من إعلان «الأكاديمية البريطانية للفيلم والتلفزيون» (BAFTA) ترشيحاتها تتقدم ترشيحات الأوسكار الأميركي في مناسبته الرابعة والتسعين. موعد توزيع الجوائز البريطانية هو الثالث عشر من الشهر المقبل، بفارق 10 أيام على حفل توزيع الأوسكار.‬
هناك أفلام مرشّحة لكلا الحفلين، وشخصيات سينمائية مختلفة كذلك. هناك تغييب لبعضها في السباق البريطاني، وحضورها في السباق الأميركي. هذا طبيعي. ما هو أكثر صلة بينهما هو أنّ كلا الحفلتين الكبيرتين ستقع على ناصية الوباء المتأجج، كما كان الحال في العامين الماضيين.
المشهد العام يكاد يكون سوريالياً: أهم احتفالات فن السينما، التي هي فن الجماهير حول العالم، محاطة بوباء «كورونا» الذي اختطف منها البهجة والضحايا والكثير من القدرة على الخيار. ما لم يستطع «كورونا» منه هو إصابة التحدّي بمقتل. نعم خلق فوضى عارمة، وتسبب في إفلاس شركات ومؤسسات وصالات. آخر تصوير بعض الأفلام. أجل العديد من العروض، لكن السينما، سواء تلك الموجهة للجمهور السائد أو تلك التي تقصد الفوز في المهرجانات، ما زالت قائمة.
بعض المخاطر كانت في أن تميد الأرض بالصناعة فينتقل المشاهدون من صالات السينما إلى شاشات المنازل على نحو مطلق. لكن «سبايدر - مان: طريق العودة» وضع حدّاً لمثل هذه التكهنات باستحواذه على أكثر من مليار دولار من العروض العالمية (من بينها قرابة 780 مليون دولار من صالات السينما الأميركية).
رغم ذلك لا يمكن الاستخفاف بقدرة شركات الإنتاج المرتبطة بمنصات العروض المنزلية على الإطلاق. مهرجانات السينما الكبيرة (باستثناء «كان») تعرضها. والأوسكار والبافتا يضمّانها إلى الإنتاجات المتنافسة على الجوائز الثمينة.
هذا واضح من الوضع المنتعش لفيلم «قوة الكلب» الذي أنتجته «نتفليكس». ستة ترشيحات لهذا الوسترن المعاصر في سباق البافتا و12 ترشيحاً له في الأوسكار. وكل الدلائل وأعلى الاحتمالات تُشير إلى أنّه هو الفائز بمعظم ما رُشح له في المحفلين.
يلي «قوّة الكلب» في عدد ترشيحات الأوسكار فيلم «ديون» (10)، من ثمّ كل من «قصة الجانب الغربي» و«بلفاست» (7 لكل منهما)، و«الملك ريتشارد» (6)، و«لا تنظر إلى الأعلى (4) وهذا الأخير أيضاً من إنتاج «نتفليكس».

«كان» في الميدان
بداية، هناك ثلاثة خطوط قلّما يعترض أحدها الآخر. واحد هو ما يصوّت له أعضاء الأكاديمية (أكثر من 9 آلاف عضو حالياً)، والآخر ما يتمنّى النقاد فوزه، ثم ما يتحمّس الجمهور لفوزه. على سبيل المثال تم ترشيح «ريش» ممثلاً مصر في الترشيحات الأولى. لم ينل ما يكفي من أصوات ولم يدخل الترشيحات الرسمية التي نتحدث عنها الآن، لكن العديد من المشاهدين العزّل من نعمة التأثير تمنوا له دخول الترشيحات ولو دخل لتمنوا له الفوز كذلك. أمّا النقاد فإنّ نسبة ضئيلة منهم (قياساً بأعدادهم) شاهدت الفيلم وانقسمت حوله.
مثال آخر مختلف بعض الشيء: «قوّة الكلب» لجين كامبيون شغل المحافل والمؤسسات السينمائية والنقدية وفاز بأكثر من 200 جائزة معظمها من جمعيات نقدية (آخرها جائزة «حلقة نقاد لندن» التي أعلنت في الأسبوع الماضي). الواضح هنا أنّ النقاد ليسوا الوحيدين الذين تحلّقوا حول الفيلم (نسبة المؤيدين 7 من كل عشرة وأنا كنت من الثلاثة غير المؤيدين)، بل كذلك مهرجانات السينما ومؤسساتها ومحافلها السنوية. الجمهور في هذه الحالة لم يستمتع كثيراً به حين عُرض على نحو موجز في الصالات وليس هناك من وسيلة لمعرفة مدى نجاح عروضه المنزلية.
«قوّة الكلب» كان واحداً من تلك الأفلام التي انتخبها مهرجان فينيسيا (حيث شوهد الفيلم لأول مرّة)، وحيث نال الجائزة الفضية (الثانية). الفيلم الذي فاز بالأولى، هو الفرنسي «حدث» (Happening) لأودري ديوان. لكنّ الفيلم الذي مثّل السينما الفرنسية في ترشيحات الأوسكار كان «تيتان» الذي نال السعفة الذهبية في مهرجان «كان». لكن لا هو ولا أي فيلم فرنسي آخر استطاع التسلل هذه السنة إلى ترشيحات الأوسكار في سباق أفضل فيلم دولي.
كان من الغريب إذن، أن تلجأ إدارة المهرجان الفرنسي، بعد ساعات قليلة من الإعلان عن الترشيحات الرسمية يوم أول من أمس، لتوزيع «برس ريليز» بعنوان «الاختيارات الرسمية لمهرجان كان في أوسكار 2022». وفي التفاصيل أنّ ثلاثة أفلام عرضها المهرجان في دورته العام الماضي، جمعت فيما بينها سبعة ترشيحات في سباق الأوسكار. هذه الأفلام هي «قد سيارتي» للياباني ريوزوك هاماغوتشي، وكان نال في «كان» جائزة أفضل سيناريو، وهو مرشّح الآن لأربع أوسكارات في السيناريو وفي قسم الأفلام الأجنبية (العالمية) والإخراج وسباق أفضل فيلم.
الثاني «اهرب» للدنماركي يوناس بورهر راسموسن الذي كان فاز بجائزة أفضل فيلم تسجيلي في مهرجان «كان» والآن هو متسابق في الميدان نفسه بالأوسكار كذلك في سباقين آخرين: أفضل رسوم طويل وأفضل فيلم عالمي.
الفيلم الثالث ما عرض في «كان» وانزلق إلى الأوسكار «أسوأ شخص في العالم» للدنماركي أيضاً يواشيم تراير وهو إنتاج للدنمارك وفنلندا والسويد مع مشاركة فرنسية. خرج من «كان» بجائزة أفضل ممثلة (نالتها ريناتي راينزف) ومرشح لأوسكار أفضل سيناريو أصلي (غير مقتبس) وأفضل فيلم عالمي.
هذا التأكيد على دور المهرجان الفرنسي في لعبة الجوائز ليس بريئاً من محاولة التذكير بالأنا الذاتية للمهرجان الذي كثيراً ما يضن على الأفلام الأميركية المشتركة فيه بما تستحقه من جوائز!. سابقاً ما كان الأمر على اتساع المحيط الأطلنطي بين فرنسا والولايات المتحدة في هذا الشأن. السعف الذهبية للقيم الفنية، الأوسكار - حسب المنتقدين - هو زينة لأهل الصناعة فقط.

فوق وتحت
عشرة أفلام مرشحة لأوسكار أفضل فيلم (عوض تسعة في العام الماضي) يتقدّمها، في خانة الاحتمالات، «قوّة الكلب». مخرجته النيوزيلندية (ولو أنّها تعيش غالباً في أستراليا) هي المرأة الأولى في تاريخ الأوسكار التي تحظى بترشيحين واحد لأفضل فيلم وآخر لأفضل مخرج ولديها ترشيح ثالث هو أفضل سيناريو مقتبس.
منافس صعب اسمه كينيث برانا وذلك عن فيلمه «بلفاست». هذا بدوره أول مرشح يفوز بسبعة ترشيحات أوسكارية في سبعة ميادين بتاريخ الجائزة. هذه المرة مرشح في ثلاث مسابقات (أفضل فيلم وأفضل مخرج وأفضل كاتب سيناريو أصلي). وكان سبق له أن دخل ترشيحات الأوسكار والإخراج والتمثيل وأفضل ممثل مساند من قبل.
لجانب «قوّة الكلب» و«بلفاست» فإنّ الأفلام الأخرى المتسابقة على أوسكار أفضل فيلم هي «كودا» لشيان هَدَر. هذا إنتاج فرنسي - أميركي وأحد أبطاله، تروي كوتسور، ثاني ممثل أطرش يتم ترشيحه للأوسكار بعد الأميركية مارلي ماتلن عن دورها في «أطفال الله الصغار» (1986).
«لا تنظر إلى فوق» الكوميديا السياسية الراقية لآدام مكّاي، موجودة لجانب «ديون» لدنيس فلنييف، و«الملك ريتشارد» لرينالدو مرقص غرين، و«بيتزا بعرق السوس» لبول توماس أندرسن، و«زقاق الكابوس» لغويلرمو دل تورو، و«قد سيارتي» لريوزكي هاماغوتشي، و«قصة الجانب الغربي» لستيفن سبيلبرغ.
هاماغوتشي وسبيلبرغ وكامبيون وبراناه وتوماس أندرسن، هم الوحيدون من مخرجي هذه الأفلام المتسابقين في سباق الإخراج. الباقون خارج هذا الحقل من الترشيحات وهم بالتالي أقل حظوة رغم أنّه حدث سابقاً أن فاز فيلم بالأوسكار ولم يفز مخرجه، بل فاز مخرج لم يدخل فيلمه الأوسكار كذلك.
لم نتوقع دخول أي فيلم عربي سباق أوسكار أفضل فيلم عالمي وهذا ما حدث بالفعل. الأفلام الخمسة هنا هي دنماركية («اهرب»)، ويابانية («قد سيارتي»)، وإيطالية («يد الله»)، ونرويجية («أسوأ شخص في العالم»)، ومن بوتان («لونانا: ثور في غرفة الصف»).
أيضاً نلاحظ أنّ كل الأفلام الواردة في سباقي أوسكار أفضل سيناريو (أصلي أو مقتبس)، وردت في سباق أفضل فيلم باستثناء فيلمين هما «الابنة المفقودة» الموجود في سباق أفضل سيناريو مقتبس، و«أسوأ شخص في العالم» في مجال أفضل سيناريو مكتوب خصيصاً.
الأفلام الأربعة الأخرى في سباق أفضل سيناريو مقتبس هي: «ديون»، و«قوة الكلب»، و«قد سيارتي»، و«كودا». تلك التي في القسم الآخر هي «بلفاست»، و«لا تنظر لفوق»، و«الملك ريتشارد»، و«بيتزا بعرق السوس».
يختلف الأمر عندما نصل إلى سباق أفضل تصوير: غريغ فرايزر عن «ديون». دان لاوستسن عن «زقاق الكابوس». آري وغنر عن «قوّة الكلب». برونو دلبونل عن «تراجيديا مكبث». وهؤلاء الأربعة ترشّحوا لجائزة «جمعية السينماتوغرافيين الأميركية» كما ورد في صفحة السينما في الأسبوع الماضي. الخامس هو يانوش كامينسكي، مدير التصوير المفضل لدى المخرج ستيفن سبيلبرغ وذلك عن فيلم «قصّة الجانب الغربي».

رجالي ونسائي
حين يأتي دور الممثلين العشرين (عشرة في قسمي التمثيل الأول رجالي ونسائي) وعشرة في التمثيل المساند، رجالي ونسائي) فإنّ الخلطة أكبر.
في نطاق أفضل تمثيل نسائي أوّل، نجد جسيكا شاستين عن «عينا تامي فاي»، وأوليفيا كولمن في «الابنة المفقودة»، وبينيلوبي كروز عن «أمهات متوازيات» (إسبانيا)، ونيكول كيدمان عن «أن تكون ريكاردوس»، وكريستين ستيوارت عن «سبنسر».
ليس من بين هذه الأفلام التي تم ترشيح الممثلات عنها، ما يدخل في سباق أوسكار أفضل فيلم أو أفضل مخرج.
الأمر يختلف قليلاً فقط بالنسبة لقسم أفضل ممثل أول. فالممثل ويل سميث مرشّح عن «الملك ريتشارد» الوارد في ترشيحات أفضل فيلم، ينافسه بنديكت كمبرباتش عن «قوّة الكلب». الباقون يمثلون أفلاماً غير واردة وهم خافييه باردم عن «أن تكون ريكاردوس»، و«أندرو غارفيلد» عن «تك، تك... بوم»، ودنزل واشنطن عن «تراجيديا ماكبث». وكانت علامة استفهام كبيرة تبعت خروج ترشيحات بافتا من دون ذكر للممثل دنزل واشنطن عن ذلك الفيلم. المرجح أنّ البريطانيين تحفّظوا حيال فكرة أن يكون ماكبث أفرو - أميركي. إمّا هذا أو أنّهم اعتبروا أنّ واشنطن سقط في حمل إرث الدور ذاته.
في ساحة التمثيل المساند نجد ثلاثة ممثلين من طاقم «قوّة الكلب»، هم جيسي بليمونز (الموجود في قائمة بافتا الموازية) وج. ك. سيمونز. وكودي سميت - ماكفي، وهذا الأخير يبدو الأقرب إلى نيل الحظوة من زميليه ومن تروي كوتسور عن «كودا» (أو «شيفرة»)، وشياران هيندس عن «بلفاست».
في المقابل النسائي نجد جودي دنش عن «بلفاست»، وكيرستن دنست عن «قوّة الكلب»، أونجانو إيليس عن «الملك ريتشارد»، وأريانا ديبوز عن «قصة الجانب الغربي»، كما جيسي باكلي عن «الابنة المفقودة».
لا بد من القول إنّ لا أحد من وجوه فيلم «لا تنظر إلى فوق»، نال ترشيحاً في أي مجال. لا بطل الفيلم ليوناردو ديكابريو، ولا أي من الممثلين المساندين: جنيفر لورنس، وميريل ستريب، ومارك ريلانس، وكايت بلانشيت أو جونا هِل.
سترتفع أسهم وتهبط أخرى وتتلوّن الاحتمالات كل بحسب قراءة النقّاد وتوقعاتهم. هنا سنتابع رصد هذه التحوّلات المرتقبة وتزكيتنا لكل مسابقة رئيسية.


مقالات ذات صلة

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

يوميات الشرق الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

بعد أصداء دولية واسعة رافقت عروضه في المهرجانات السينمائية الكبرى، يصل فيلم «صوت هند رجب» إلى منصة «شاهد» التابعة لشبكة «MBC»، في عرض رقمي حصري انطلق يوم…

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

لا يُعدّ الفيلم اللبناني «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» فيلماً وثائقياً تقليدياً يتوقف عند لحظة احتجاج عابرة، ولا محاولة لتأريخ مدينة عبر سرد زمني خطي.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)

9 أفلام نسائية في مسابقة برلين

تتوالى الأيام سريعاً صوب بدء الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الذي ينطلق في الثاني عشر من هذا الشهر.

محمد رُضا (بالم سبرينغز (كاليفورنيا) )
يوميات الشرق يوثق الفيلم رحلة صديقين من الوطن إلى المنفى (الشركة المنتجة)

«حلفاء في المنفى»... صداقة وسينما في مواجهة الحرب السورية واللجوء

المنفى ليس مكاناً فحسب، بل حالة نفسية مستمرة تتطلّب أدوات جديدة للتكيّف، وكانت السينما إحدى هذه الأدوات.

أحمد عدلي (القاهرة )
سينما مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» مهرجانات عديدة، حصد فيها، ما يزيد على 35 جائزة.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».