23 فيلم «وسترن» جديداً... وفي كل استوديو سيناريو ينتظر

مرّت بمتغيرات وترفض أن تموت

«السقوط الصعب»
«السقوط الصعب»
TT

23 فيلم «وسترن» جديداً... وفي كل استوديو سيناريو ينتظر

«السقوط الصعب»
«السقوط الصعب»

في سابق زمانه، كان نهر كولورادو من العمق والعرض بحيث لا يمكن اجتيازه إلا مجازفة وفي مناطق محددة. نهر كبير بطول 2330 كلم من الماء المتدفق من جبال روكي، شمالي ولاية كولورادو، وصولاً لمصبّه النهائي في خليج ولاية كاليفورنيا ماراً بولايات يوتا ليشق طريقه في أريزونا ونيفادا وكاليفورنيا قبل أن يصب في البحر على بعد 15 كلم من مدينة يوما في ولاية أريزونا.
سكنت أراضيه قبائل هندية عديدة من بينها هنود يوتا (اسم الولاية مشتق منها) وهوهوكم ونافايو وموهافي وكويشان وأباتشي، القبيلة الأشهر بينها. هذا إلى جانب ستة قبائل أخرى موزّعة على طول خط سيره.
اليوم يعاني النهر جفافاً ناتجاً عن قلة الأمطار ومساحات المزارع الواسعة التي تحيط به والتي تتطلب الكثير من الري.
الجفاف الموازي لهذا الوضع هو ذاك الذي تعيشه سينما الوسترن الأميركية. مثل ذلك النهر، كانت نشطة ومتدفقة ومتعددة. قبل نهاية الخمسينات كانت هناك نسبة عالية من أفلام الوسترن، رئيسية وغير رئيسية، تقدر بنحو 300 فيلم في السنة. النسبة بدأت تقل في الستينات. في الثمانينات أصاب الوسترن جفاف ملحوظ ما زال مستمراً إلى اليوم، مقارنة بما كان عليه هذا النوع من الأفلام سابقاً. ما بقي يشبه مستنقعات مائية قليلة حاضرة لكي تشي بالماضي أكثر مما تعد بمستقبل زاهر.

206 جوائز
لم يتوقف إنتاجها خلال السنوات القليلة الماضية. في كل عام هناك ما بين 20 و25 فيلماً وسترن أميركي جديد. في العام الماضي، 2021. بلغ العدد 23 فيلماً بعضها شهد عروضاً في صالات السينما، لكن معظمها توجه للعروض المنزلية إما من على المنصّات مباشرة أو بطرحها على أسطوانات.
ثلاثة أفلام رئيسية من بين هذه المجموعة تداولها الجمهور أكثر من سواها واهتم بها النقاد: «قوّة الكلب» لجين كامبيون وهو وسترن حديث (أي أن أحداثه تقع في القرن الماضي وليس ما قبله) و«السقوط الصعب (The Harder They Fall) لجيمس سامويل (بطولة سوداء) و«هنري العجوز» لبوتسي بونسيرولي الذي شهد إعجاباً عندما تم عرضه في دورة مهرجان «فينيسيا» الأخيرة.
‫«قوّة الكلب» وسترن حديث، أي أن أحداثه تقع في القرن الماضي وليس قبله. وهو كأفلام كلينت إيستوود في الثمانينات وكفن كوستنر في التسعينات عزز حضور النوع بنجاح ملحوظ (نال 206 جوائز من مناسبات سنوية ومحافل وجمعيات نقدية ومهرجانات. ‬ ويُنتظر له أن يكون حصاناً صعب المراس في سباق الأوسكار المقبل، ‬لجانبه والفيلمان الآخران، هناك أفلام جيدة ولو أنها لم تستطع استيعاب حجم إقبال كبير من بينها «الابن الأخير» (The Last Son) لتيم ساتون و«آخر مبارزة»» (The Last Shoot Out) لمايكل فايفر و«المرأة التي سرقت العربة» (The Woman Who Robbed the Stagecoach) لترافيز ميلز و«مجرم مفقود» (Lost Outlasw) لداريل مابسون و«ذا بلزنت فالي وور» (The Pleasant Valey War) لترافيز ميلز أيضاً.
رغم أن معظم هذه الأفلام لا تحقق انتشاراً مرضياً لمنتجيها، فإنها توفرت في السنة الماضية وتوفرت طوال العشرين سنة السابقة كما لو أن صانعيها مصرّون على تحقيقها لأسباب عاطفية ونوستالجية أكثر منها واقعية.
لكن هذا بدوره غير مؤكد بالنظر إلى الإقبال الكبير الذي حظي به مسلسلان تلفزيونيان في العام الحالي وهما «يَلو ستون» مع كفن كوستنر («دانسينغ وذ وولفز») و«1883» مع سام إليوت (بدوره أحد وجوه الوسترن المخضرمة).

قوّة النوع
التقيت مؤخراً في بلدة بالم سبرينغز، ومن دون موعد، مع روجر فرابيير، أحد منتجي فيلم «قوّة الكلب» المحتفى به. لم يدم الحديث بيننا أكثر من عشر دقائق قبل أن يستأذن لركوب سيارته والانطلاق عائداً إلى لوس أنجليس. عشر دقائق كانت كافية لأن أطرح عليه السؤال الأكبر في بالي: ما سر قوّة الاستمرار في إنتاج أفلام الوسترن.
الأفلام الموسيقية قليلة. التاريخية قليلة. البوليسية التي تعتمد على الألغاز قليلة… لكن لماذا الوسترن ما زال يحظى بهذا الاهتمام… 23 فيلماً ليس بالعدد القليل.
أجاب: «أسأل كل من يخرج أو يمثل فيلم وسترن اليوم وغالباً سيقول لك لو توفر لي الاكتفاء بتحقيق هذا النوع من الأفلام للأبد، لما رفض. إنه الإرث الأميركي. تاريخنا الوحيد ثم حب وضع الصراع بين الخير والشر متقابلين بكل بساطة ومن دون عقد».
يرى فراميير أن الموجة ليست موجة بالفعل: «لو كانت موجة لتوقفت منذ سنوات. لكنه حب العزوف عن مواضيع الحاضر والعودة إلى الأمس. عندي حالياً سيناريوهان من هذا النوع وأعلم أن أكثر منها متوفر عند كل منتج وستوديو. معظمها ينتظر عودة النجاح التجاري للنوع لكي ينطلق. لكنها ليست موجة مطلقاً».
الوسترن هو إرث أميركي بالتأكيد ولأنه كذلك يبقى فيها أكثر مما يخرج للعرض خارجها.
هذا الإرث كانت له صولاته وجولاته لدى جماهير الفيلم العربي في الأربعينات والخمسينات والستينات. في الستينات بدأ النقد السينمائي عندنا ينظر إلى هذه الأفلام بتعالٍ واضح. لم يجد فيما تقصّه تلك الأفلام إلا حكايات الصراع على الأرض والذهب والمعارك بين قبائل المواطنين الأصليين والجنود الزرق. بالنسبة للنقد، تلك الأفلام لم تكن أكثر من اجترار لمفهوم البطولة فارغاً من أي معنى أو قيمة باستثناء قيمة البطولة الفردية في فيلم «يخدم الإمبريالية الأميركية»، كما كان يذهب البعض للقول.
لم يواجه أحد هذا المفهوم بإيضاح حقيقة أن أفلام الخمسينات اختلفت عن أفلام الأربعينات وما قبلها. تلك البعيدة كانت قريبة تماماً من مفاهيم القوّة المفرطة، حيث كان على الهندي الأحمر أن يُقتل لأنه متوحش ويرفض المدنية التي جاء بها الرجل الأبيض. عدائي لا يؤمن له وغزواته العشوائية التي تنتهي بقتل الأبرياء كان لا بد من مواجهتها بالقوّة.
لكن الخمسينات اختلفت. تميّزت بعدد من الأفلام التي تجاوزت «الستيريوتايب» المعمول به سابقاً وذلك بدءاً من «سهم مكسور» لأحد كبار مخرجي النوع دلمر ديفيز. هنا يحاول جيمس ستيوارت (واحد من وجوه الوسترن الأهم) ينقذ صبياً هندياً من الموت وينقله إلى خيام القبيلة، حيث يلتقي بحبه الأول ويجد نفسه في وسط شعب لا يعتدي على أحد إلا إذا اُعتدي عليه. الفيلم حمل مفهوماً جديداً ونال إعجاباً كبيراً (نال غولدن غلوبز ورشح لثلاثة أوسكارات).
لم تكن النظرة المختلفة للصراع بين الأميركيين الأصليين والأميركيين الآتين من أوروبا هي الوحيدة التي تغيّرت، بل دخلت سينما الوسترن في الخمسينات مرحلة تحوّل فني بحيث أنجبت أكبر عدد من الأفلام ذات المكانة الفنية بصرف النظر عما تطرحه.
من بين هذه الأفلام «البلد البعيد» (The Far Country) لأنطوني مان (أحد ستة أفلام وسترن رائعة لهذا المخرج في تلك الحقبة)، و«مبارزة عند أوكي كورال» (Gunfight at O‪.‬K Corral) لجون ستيرجز و«شَين» (Shane) لجورج ستيفنز و«سبع رجال من الآن» (Seven Men From Now) و«بوكانن يرحل وحيداً» (Buchanen Rides Alone)، كلاهما لبد بويتيكر (اسم كبير آخر في صنع أفلام الوسترن) و«منتصف الظهيرة» (High Noon) لفرد زنيمن من بين أفلام عديدة أخرى.‬

نضج فني
موقف النقد العربي المستعلي على النوع منع نفسه من النظر إلى الفوارق بينما استرعى اهتمام النقاد الأوروبيين ذلك المنحى الفني والإنساني الذي أخذت أفلام الوسترن تتمتع به. في بريطانيا وفرنسا وإسبانيا والدول الاسكندنافية أخذت الأنظار تتوجه إلى مخرجي هذه الأفلام بإعجاب ملحوظ. هنري هاذاواي وهوارد هوكس وراوول وولش وجون فورد ورعيلهم الذي بدأ الإخراج من الثلاثينات أصبحوا موضع دراسات النقاد في «كاييه دو سينما» و«بوزيتيف» و«سينما» وما صاحبها من مجلات نقدية رصينة.
نقاد السينما الغربيون هم من اكتشف كذلك قيمة أعمال بد بوويتيكر وجورج ستيفنز ودلمر ديفز وأنطوني مان وأندريه دتوث وروبرت ألدريتش وفريتز لانغ وغيرهم من الذين نشطوا في الخمسينات ومنحوا سينما النوع ملامح جديدة.
الفارق بين أفلام ما قبل الخمسينات وما بعدها كبير، لكنه ينضوي تحت حقيقة أن المخرجين المذكورين (سواء بدأوا العمل في الثلاثينات كما هوكس وفورد وسواهما أو من الذين أمّوا تحقيق أفلام الوسترن في فترة لاحقة (ديفز، ألدريتش، مان... إلخ) اشتغلوا على أنفسهم وعلى المعالجة وما استطاعوا حشده من حكايات جديدة.
في «ونشستر 73» لأنطوني مان (1950) حكاية تتمحور حول بندقية فاز بها جيمس ستيوارت وسرقها منه ستيفن مكنالي، لكنه خسرها في لعبة قمار لرجل ثالث، وهذا خسرها لرئيس قبيلة. البندقية سريعة الطلقات وقعت بين يدي ضابط في الجيش لفترة وجيزة لكنه أهداها لرجل ساعد صد الهجوم الذي قام به الهنود وهذا خسرها لشرير (دان دوراي) وهذا خسرها لمكنالي مرّة أخرى. كل هذا وبطل الفيلم يلاحقها من مكان لآخر.
في فيلم آخر لمان «المهماز العاري»، The Naked Spur سنة 1953) حكاية رجل قانون (جيمس ستيوارت) ينوي القبض على الشرير (روبرت رايان) طمعاً في المكافأة وكيف تتدخل عوامل عديدة تفرض حلولاً مفاجئة. أما في «القانون وجاك وايد» (The Law and Jake Wade) لجون ستيرجز (1958) نجد روبرت تايلور أسير رتشارد ودمارك الذي يريد استعادة مال مسروق.
في هذه الأفلام- العيّنات الثلاث هناك هنود حمر، لكن المسألة لم تعد أخياراً بيض وأشراراً حمر، بل تفعيلة لا تخلو من واقعية الحياة في تلك الآونة. والإخراج في قممه دوماً ليس على طريقة الأفلام الأوروبية ذات المنحى الذاتي والمنتمية إلى سينما المؤلف بخطوطها العريضة، بل على نحو تقديس فن سرد الرواية ومضامينها المختلفة على أفضل وجه.
في الستينات انتشر «الوسترن سباغتي»، سُمي هكذا رغم أن العديد من الإنتاجات كان ألمانياً وإسبانياً لجانب ما هو إيطالي. معظمها شوه الغرب ولم يفهم ثقافته مكتفياً بقصص بطولية عنيفة مع لقطات زووم وأخرى قريبة. حتى صوت الرصاص فيها كان مزيّفاً بالمقارنة.
لكن الاستثناء الأنجح كان من نصيب سيرجيو ليوني الذي جلب كلينت إيستوود لبطولة ثلاثة أفلام حققها تباعاً وباتت كلاسيكية. بعدها عاد إيستوود للوسترن الأميركي تحت إدارة دون سيغل وجون ستيرجز ثم تحت إدارته نفسها بعدما أم الإخراج ولا يزال.


مقالات ذات صلة

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

يوميات الشرق الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

بعد أصداء دولية واسعة رافقت عروضه في المهرجانات السينمائية الكبرى، يصل فيلم «صوت هند رجب» إلى منصة «شاهد» التابعة لشبكة «MBC»، في عرض رقمي حصري انطلق يوم…

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

لا يُعدّ الفيلم اللبناني «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» فيلماً وثائقياً تقليدياً يتوقف عند لحظة احتجاج عابرة، ولا محاولة لتأريخ مدينة عبر سرد زمني خطي.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)

9 أفلام نسائية في مسابقة برلين

تتوالى الأيام سريعاً صوب بدء الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الذي ينطلق في الثاني عشر من هذا الشهر.

محمد رُضا (بالم سبرينغز (كاليفورنيا) )
يوميات الشرق يوثق الفيلم رحلة صديقين من الوطن إلى المنفى (الشركة المنتجة)

«حلفاء في المنفى»... صداقة وسينما في مواجهة الحرب السورية واللجوء

المنفى ليس مكاناً فحسب، بل حالة نفسية مستمرة تتطلّب أدوات جديدة للتكيّف، وكانت السينما إحدى هذه الأدوات.

أحمد عدلي (القاهرة )
سينما مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» مهرجانات عديدة، حصد فيها، ما يزيد على 35 جائزة.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
TT

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» (It Was Just an Accident) مهرجانات عديدة (39 مهرجاناً بالتحديد)، حصد فيها، وفي مناسبات احتفائية أخرى، ما يزيد على 35 جائزة. ما هو بالقدر نفسه من الأهمية أن الفيلم (الذي دخل مسابقتي بافتا والأوسكار أيضاً) تربَّع في قوائم عشرات النقاد حول العالم بوصفه واحداً من أفضل أفلام السنة الماضية.

حين شاهد الناقد كاتب هذه السطور الفيلم خلال عرضه في ذلك المهرجان، تبلور لديه تأثير سلبي مردُّه تكرار مشاهد أكثر من التقدّم بها فعلياً، ما جعل الفيلم يبدو حوارياً أكثر منه حدثياً. كذلك لم يكن بإمكان بناهي (على الأرجح) أن ينبري لتحقيق فيلم يقطع المسافة كاملة ما بين الإيحاء والاتهام، بانياً نهاية فيلمه على أساس أن المجموعة التي اختطفت رجلاً لاعتقادها بأنه هو من كال لهم التعذيب في أحد سجون طهران بناءً على مواقفهم السياسية عادت عن اعتقادها في النهاية وتركت الرجل وشأنه.

المخرج جعفر بناهي (MK2 بيكتشرز)‬

مخرج وحيد

أبقى المخرج الدراما دون مستوى التفعيل. هذا القرار يلتقي تلقائياً مع أفلامه السابقة مثل «تاكسي» و«هذا ليس فيلماً» و«دائرة»، ومع أسلوب عمله. من هذه الزاوية يلتقي وأسلوب الراحل عبّاس كياروستمي والمعتزل محسن مخملباف، لكن هذا الالتقاء لا يتجاوز الهامش العريض لأن لكل واحد من هؤلاء أسلوبه الخاص ضمن ذلك الأسلوب العام.

في حين أن تقتير الدراما في أفلام بناهي قد لا يلتقي وحب كثيرين (بينهم هذا الناقد) لسينما تجمع حسنات العناصر الفنية كاملة (سيناريو وتصوير وتمثيل وتوليف وموسيقى وإخراج شامل مع تصميم فني ملتحم وفاعل)، غير أنه تعبير ذاتي ليس فقط في المضمون، بل في طريقة توظيف اللغة السينمائية المستخدمة أيضاً.

بناهي هو المخرج الوحيد عالمياً الذي خرج من المهرجانات الرئيسية الأربعة، كان و«برلين» و«ڤينيسيا» و«كارلوڤي ڤاري»، بجائزة أولى من كل واحد منها: «البالون الأبيض» نال جائزة «الكاميرا الذهبية» في 1995، و«الفهد الذهبي» في «لوكارنو» عن «المرآة» 1997، و«الأسد الذهبي» في مهرجان «ڤينيسيا» عن «الدائرة» سنة 2000، و«الدب الذهبي» في مهرجان «برلين» عن «تاكسي» (2015).

ألا يُنظر إلى هذا الإنجاز بتقدير كبير هو نوع من الجهل أو التجاهل، لكن حقيقة أن كل واحد من هذه الأفلام (لجانب «مجرد حادثة») ارتبط بموقف سياسي ضد السلطة الإيرانية تساهم في طرح سؤال حول ما إذا كانت الجوائز سياسية أكثر منها فنية، خصوصاً حين النظر إلى ما عرضه كل مهرجان من أفلام في السنة التي شهدت عرض أحد أفلام بناهي. القول إنه لم يكن هناك أفلام أفضل صُنعاً هو بدوره غير صحيح.

كمثال لا بدّ منه، هل كان «تاكسي» فعلاً أهلاً للجائزة؟ فيلم عن بناهي يقود سيارة تاكسي يصعد إليها ويخرج منها زبائن، كلّ يحكي شيئاً عن نفسه؟ هل يبرر الموقف السياسي الغربي (إليه ينتمي معظم أفراد لجان التحكيم) منح هذه الأفلام الجائزة الكبرى، أم أن هناك بنوداً غير معلنة تتبعها بعض هذه المهرجانات؟

«ذهب قرمزي» (جعفر بناهي برودكشنز)

جوانب شخصية

كثيراً ما وصف بناهي أفلامه بأنها «مجتمعية وليس سياسية» رغم أن الخيط رفيع بين هذين الجانبين، طالما أن ما طرحه في تلك الأفلام، وفي أخرى من بينها «ذهب قرمزي» (2003)، لا يعرض لما تفضّل السلطة أن تراه، بل لما يريد هو عرضه عن حالات الناس في بلده.

«ذهب قرمزي» (Crimson Gold) الذي فاز بجائزة أفضل فيلم في قسم «نظرة ما» في «كان» في سنة إنتاجه، هو الوحيد بين أفلامه الذي يختلف في طريقة سرده مقترباً من تفعيل الأحداث حسب وقائع درامية وليس وصفية. فيلم ممتاز من حيث حبكته (شاب في مواجهة فساد شائع ما يدفع به لارتكاب جريمة) وينتمي إلى السنوات الأولى من مهنة المخرج، تلك التي كان يعمل فيها على ملاحقة قضايا إنسانية. لاحقاً، ومنذ «هذا ليس فيلماً» (2011)، وهو ينتقي أن يتكلم ذاتياً حتى عندما يضع في البطولة ممثلين آخرين كما الحال مع «ستارة مسدلة» (Closed Curtain) في 2013.

الفيلم المحتفى به حالياً حُقِّق بعد السماح لبناهي بالإخراج والسفر، لكن بناهي صوّر الفيلم بلا إذن رقابي، مدركاً أنه لن يحصل عليه لو تقدّم بالسيناريو إلى الجهات المعنية. هذا ما أعاده إلى دائرة المواجهة مع السلطة التي تنتظر عودته إلى البلاد لمحاكمته (حالياً متنقّلاً ما بين أوروبا والولايات المتحدة، منتظراً نتائج جوائز بافتا والأوسكار).

يتكلم «مجرد حادثة» عن سنوات التعذيب في السجن. ليس حكاية ذاتية كون بناهي لم يدخل بنفسه هذه التجربة، بل عبر شخصيات خرجت بذاكرة موجوعة مما حدث لها، وعندما يُتاح لها خطف من اعتقدت أنه هو الذي كان يعذّبها تبحث في أمر تعذيبه أو قتله. لكنها في النهاية ليست موقنة بأنه الفاعل، والفيلم يترك شخصياته من دون يقين، وكذلك جمهوره.

ما لم يدخل في اعتبار السلطة والرقابة الإيرانية حين توعَّدت بمعاقبة المخرج (وألقت القبض مؤخراً على محمد محموديان، أحد المشاركين في كتابة السيناريو) حقيقة أن الفيلم يصوّر شخصياته التي تريد الانتقام في ضوءٍ اتهاميٍ مماثل. ليس فقط على أساس أنهم في النهاية ليسوا واثقين من الرجل الذي كاد أن يموت بين أيديهم، بل أيضاً لأنهم شخصيات ذات عواطف هشّة وبلا خصال يمكن الإعجاب بها. يحملون قضية، لكنهم أقل قدرة على الدفاع عنها. من ناحية يضع بناهي أبطاله في موقع الضحية، وفي ناحية أخرى لا يرفعهم إلى درجة منحهم حق الانتقام، ويتركهم في النهاية بعيدين عن قرار بعدما دخلوا التجربة بثقة وخرجوا منها ملتبسين.


شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
TT

شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)

WHO IS STILL ALIVE

★★★1/2

إخراج:‫ نيكولاس واديموف‬

سويسرا | تسجيلي غربي بقلب فلسطيني

خلال زيارة للقاهرة في مطلع سنة 2025، وجد المخرج السويسري نيكولاس واديموف نفسه في واجهة المأساة الفلسطينية. سمع وشاهد كل ذلك الدمار الذي لحق بغزّة والضحايا التي كانت قد بدأت تتساقط منذ ذلك الحين. فكّر مع صديق فلسطيني له نزح إلى القاهرة في تحقيق فيلم عن الموضوع، وارتأى أن يكون فيلماً يجمع في أحد الاستوديوهات مجموعة من النازحين الفلسطينيين ليتحدّث كل منهم عن آلامه وما حدث له أو لعائلته.

بعض هؤلاء خرج بثيابه التي كان يرتديها، والبعض كان ناجياً وحيداً أو برفقة فرد واحد من عائلته. يقول واديموف إن شريكه الفلسطيني في الفيلم (جودت خضري)، الذي كان يعرفه منذ سنوات، بدا شخصاً مختلفاً: «للمرّة الأولى كنت أمام شخص يعكس الإبادة الجماعية».

جمع هؤلاء لم يكن سهلاً، والمخرج رغب في نقلهم إلى بلد آخر لضمان عمل مستقل. تبعاً لحقيقة أن معظم دول الأرض لا تمنح تأشيرات دخول للفلسطينيين، توجَّه المخرج بمجموعته إلى دولة جنوب أفريقيا، التي هي شبه الوحيدة التي يمكن للفلسطيني دخولها من دون «فيزا» مسبقة.

نتيجة اللقاء هي تحقيق فيلم يقوم على 9 أشخاص فلسطينيين نازحين يتحدّثون، لنحو ساعة و10 دقائق، عن كيف استيقظوا يوماً من دون مأوى نتيجة القصف، وكيف كان وقع ذلك على حياتهم وما بعد نزوحهم. خسروا البيت كما الحياة الآمنة (نسبياً)، ليجدوا أنفسهم في العراء.

الفيلم ليس عبارة عن مقابلات منفردة مزوّدة بمشاهد من غزّة كما قد يتوقّع البعض، بل عمد المخرج إلى مقابلات جماعية، حيث يقوم كل من هؤلاء برسم مربّعات ودوائر وخطوط ليشرح ما حدث له.

بساطة هذا اللجوء إلى هذا الحل تبدو دخيلة في البداية، قبل أن تبدأ بتأسيس رابط بين الذاكرة المروية كلاماً والمرسومة تنفيذاً.

الطباشير والأقلام المستخدمة هي اللون الأبيض الوحيد في الفيلم، إلى جانب ألوان الملابس الداكنة، لأن كل شيء آخر (الخلفية والأرض والصورة نفسها) أسود. هذا فيلم ليس مهتماً بأصوات الطائرات والقذائف وصراخ الضحايا، بل بالمضيّ عميقاً في التجربة الإنسانية لمن استطاع البقاء حياً محمّلاً بتلك الذكريات وآلامها. الأسلوب المعتمد لا ينجو من التبسيط بصرياً، لكن البساطة في الشكل هي التي تمضي عميقاً في البال من كلمات شخصياته الأولى وحتى النهاية.

:GREENLAND2

MIGRATION ★★★ إخراج:‫ رِك رومان ووف‬

الولايات المتحدة | عن الأرض

والمجتمعات بعد هجوم النيازك

على عكس المتوقَّع، لن تنتهي الحياة على الأرض بسبب حرب نووية ولا بسبب وباء يحوّل البشر إلى وحوش، بل لأن أمطاراً من النيازك ستهاجم كوكبنا الصغير وتفتك به. بعض ذلك شوهد في الجزء الأول Greenland، حيث بدأ هطول النيازك الآتية من عمق السماء. ذلك الجزء كان بداية تصوير الخراب الذي ستسبّبه النيازك بأحجامها المختلفة. كل واحد منها سيدمّر جسراً أو مدينة أو أكثر

«غرينلاند 2: هجرة» (ليونز غايت)

الجزء الجديد يُكمل من حيث انتهى الأول. الناجون مختبئون في ملاجئ يعدّونها محصّنة، إلى أن يقرّر السيناريو أن ذلك ليس صحيحاً. جون غاريتي (جيرالد بتلر) وعائلته (زوجته بكارين وابنهما الشاب ناتان) وقلّة آخرون يفرّون عندما يُصيب الدمار ذلك الملجأ إلى مركب كبير لقطع المسافة بين القارتين الأميركية والأوروبية. لا مانع إذا ما نفد الوقود في عرض البحر، فلربما أدَّت النيازك إلى تقريب القارّتين من بعضهما. المهم أنهم تركوا أرضاً مدمّرة إلى أخرى.

بعد ذلك سيحصر الفيلم اهتمامه في تلك العائلة بعد أن قدّم شخصيات أخرى تعيش التراجيديا نفسها. سيقود جون عائلته الصغيرة صوب مدينة نموذجية آمنة (لسبب يتعلّق بوجودها وسط مرتفعات فرنسية) من خلال رحلة خطرة تنطوي، مثلاً، على المشي فوق جسر من الحبال فوق ما كان يُعرف ببحر المانش ما بين إنجلترا وفرنسا، الذي أصبح الآن مجرّد وادٍ عميق.

رغم سذاجة المواقف وثغرات الكتابة، يوفِّر الفيلم دراما حول وحدة العائلة وصلابتها رغم المخاطر، إلى جانب أن مؤثّراته البصرية جيّدة في غالبيّتها. ترفيه يشترط القبول به مع ثغراته غير العلمية وغير المنطقية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
TT

«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)

بعد أكثر من 4 عقود على عرضه الأول، يصل فيلم «ذا شاينينغ» (The Shining) إلى دور السينما السعودية في إطار عرض محدودة، يبدأ يوم الخميس المقبل؛ ما يمنح الجمهور المحلي فرصة التفاعل مع أحد أكثر أفلام الرعب النفسي تأثيراً، بتقنية «آيماكس (IMAX)»، وذلك ضمن تجربة مشاهدة كاملة على الشاشة الكبيرة، حيث تتجلى قوته البصرية والفكرية كما صُممت في الأصل.

وربما حتى الذين لم يشاهدوا الفيلم، مرُّوا بلقطات أيقونية منه، حيث يترسخ حضور «ذا شاينينغ» من خلال مشاهد عدة، يتقدمها المشهد الشهير الذي يُعد من أكثر اللقطات تداولاً في تاريخ السينما، ويظهر فيه الممثل جاك نيكلسون وهو يكسر باب الحمام بفأسه، قبل أن يُدخل رأسه من الفتحة الخشبية مبتسماً بجنون. وتحوَّلت هذه اللقطة إلى رمز بصري يُستعاد باستمرار في وسائل التواصل الاجتماعي، مع حضور الفيلم الدائم في قوائم أفضل الأفلام، وفي الكتابات النقدية؛ ما يعكس قدرته على التجدّد والتفاعل مع تحولات الذائقة السينمائية.

كذلك أصبح الرقم 237 خالداً في ذاكرة عشاق السينما، وهو رقم أهم غرفة في الفيلم، وواحدة من أكثر عناصره رسوخاً في الأذهان، لارتباط هذا الرقم بمشهد بالغ الكثافة النفسية، واستمر تداول الرقم في النقاشات والتحليلات السينمائية، ليصبح علامة على قدرة الفيلم على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى رموز ذات دلالات مفتوحة.

ويمثل عرض «ذا شاينينغ» في السعودية جزءاً من حركة أوسع لإعادة قراءة السينما الكلاسيكية بعيداً عن الحنين العاطفي، وبمنظور نقدي معاصر يضع الفيلم في سياقه التاريخي والجمالي، حيث يفتح حضور هذا العمل المجال أمام جيل جديد لاكتشافه، وأمام جمهور أقدم لإعادة تأمله ضمن شروط مشاهدة مختلفة، تُبرز تفاصيله الدقيقة وإيقاعه المتأمل.

الممثلة شيلي دوفال في مشهد من الفيلم (المصدر: IMDb)

ستانلي كوبريك.. سينما التفاصيل

الفيلم الذي أُنتج عام 1980، من إخراج المخرج الأميركي ستانلي كوبريك، أحد أبرز صُناع السينما في القرن العشرين، وصاحب مسيرة اتسمت بالتنوع والصرامة الفنية؛ إذ عُرف كوبريك الذي توفي عام 1999 باهتمامه الشديد بكل تفصيلة في العمل السينمائي، من حركة الكاميرا إلى تصميم الديكور، ومن الإيقاع السردي إلى اختيار الموسيقى، وفي «ذا شاينينغ»، بلغ هذا الهوس بالكمال ذروته، حيث تحولت كل لقطة إلى جزء من بناء نفسي متكامل.

واستند كوبريك في عمله إلى رواية الكاتب «ستيفن كينغ» التي تحمل العنوان نفسه، لكنه قدّم معالجة سينمائية مستقلة ركزت على الأبعاد الذهنية للشخصيات أكثر من التزامها بحبكة رعب تقليدية، وهذه المقاربة جعلت الفيلم عملاً قابلاً لإعادة القراءة عبر أزمنة مختلفة.

قصة العزلة والانهيار النفسي

تدور أحداث الفيلم حول الكاتب جاك تورانس، الذي ينتقل مع زوجته ويندي وابنهما داني إلى فندق معزول في جبال كولورادو، لتولي مهمة الإشراف عليه خلال فترة الإغلاق الشتوي، والعزلة الطويلة، والطقس القاسي، والتاريخ الغامض للفندق، بيئة نفسية ضاغطة تتكثف فيها الهواجس والمخاوف، ليتحوّل الكاتب فيها إلى شخص مختلف عن صورة الزوج والأب الذي اعتادت عليه أسرته.

في حين يمتلك الطفل داني قدرات نفسية تتيح له رؤية أحداث من الماضي واستشراف ما سيقع، لتتحول إقامته في الفندق إلى تجربة قاسية تضع الأسرة أمام اختبارات متتالية، وهذه القصة، رغم بساطتها، تُستخدم مدخلاً لتفكيك مفاهيم الجنون، والذاكرة، والعنف الكامن في العلاقات الإنسانية.

يتناول الفيلم الانهيار النفسي الذي يعيشه كاتب يُدعى جاك تورانس، في مكان معزول (المصدر: IMDb)

أداء صنع أيقونة سينمائية

وجسّد دور البطولة الممثل جاك نيكلسون، في أداء أصبح علامة فارقة في مسيرته الفنية، مقدّماً شخصية الكاتب جاك تورانس بتدرج نفسي حاد، ينتقل من الاتزان الظاهري إلى الانفجار الداخلي، وأسهم هذا الأداء في ترسيخ الشخصية كإحدى أكثر الشخصيات حضوراً في تاريخ السينما.

كما شاركت شيلي دوفال، في دور زوجته ويندي، في أداء ركّز على الهشاشة والقلق والخوف، وقدّم الطفل داني لويد شخصية ابنهما داني بأداء هادئ وغامض، جعل منه عنصراً محورياً في بناء التوتر النفسي للفيلم، حيث منح تكامل هذه الأداءات العمل عمقاً إنسانياً تجاوز حدود الرعب التقليدي.

أصداء العرض الأول

عند عرضه الأول مطلع الثمانينات، أثار «ذا شايننغ» نقاشاً واسعاً بين النقاد والجمهور، ولفت الانتباه بأسلوبه المختلف وإيقاعه المتأني. ومع مرور السنوات، تزايد حضوره في الدراسات النقدية والجامعية، وظهرت قراءات متعددة تناولته من زوايا نفسية واجتماعية وثقافية وتاريخية. وهذا التحول في الاستقبال النقدي أسهم في ترسيخ مكانته كعمل سينمائي متجدد، يُعاد اكتشافه مع كل جيل، ويُقرأ وفق سياقات فكرية مختلفة، ما جعله أحد أكثر الأفلام تحليلاً في تاريخ السينما الحديثة.

الأم وطفلها يحاولون النجاة من الأمور الغريبة التي تحدث في فندق أوفرلوك داخل الفيلم (المصدر: IMDb)

الفندق... قلب القصة

ويحتل «فندق أوفرلوك» في «ذا شاينينغ» موقعاً مركزياً في السرد، حيث تعامل معه كوبريك بوصفه كياناً حياً، لا مجرد فضاء للأحداث، بما يشمله من الممرات الطويلة، والهندسة المتناظرة، وحركة الكاميرا الانسيابية، حيث بدت كلها عناصر صُممت بعناية لتعزيز الإحساس بالضياع والاختناق النفسي.

ولعبت الموسيقى التصويرية دوراً محورياً في بناء التوتر، عبر نغمات تجريبية حادة تتناغم مع التحولات النفسية للشخصيات، وهذا التوظيف الصوتي والبصري جعل من الفيلم تجربة حسية كاملة، تتضاعف قوتها عند مشاهدته على الشاشة الكبيرة.

الأفلام الكلاسيكية

يأتي عرض «ذا شاينينغ» في دور السينما السعودية ضمن توجُّه متصاعد لبرمجة الأفلام الكلاسيكية وأعمال الرعب النفسي ذات القيمة الفنية العالية، إلى جانب الإنتاجات الجديدة. ويعكس هذا التوجه تطور ذائقة الجمهور المحلي، واتساع مساحة الخيارات السينمائية، حيث باتت الصالات تستضيف عروضاً خاصة لأعمال مفصلية في تاريخ السينما العالمية، وحضور فيلم من وزن «ذا شايننغ» على الشاشة الكبيرة في السعودية يضع الجمهور أمام تجربة سينمائية جديرة بالتوقف والتذكّر.