الأوروبيون يتشاورون حول مصير «تاكوبا» والدنماركيون يسحبون وحداتهم

مصير القوة المشتركة على المحك... وأسبوعان لبلورة خطط جديدة

الأوروبيون يتشاورون حول مصير «تاكوبا» والدنماركيون يسحبون وحداتهم
TT

الأوروبيون يتشاورون حول مصير «تاكوبا» والدنماركيون يسحبون وحداتهم

الأوروبيون يتشاورون حول مصير «تاكوبا» والدنماركيون يسحبون وحداتهم

لا تريد الدول الأوروبية التي أرسلت وحدات من قواتها الخاصة للمشاركة في قوة «تاكوبا»، أو تلك التي تتأهب لذلك الإسراع في تقرير مصير هذه القوة المشكلة من وحدات كوماندوس لمواكبة القوات المالية في محاربة التنظيمات «الجهادية» والإرهابية، بعد رفض سلطات باماكو بقاء الوحدات الدنماركية على أراضيها. فالخلاف الذي اندلع بين كوبنهاغن وباماكو انتهى بقرار الدنمارك سحب قوتها التي تعد مائة رجل، والتي وصلت حديثاً إلى مالي بعد الخلاف العلني بين الجانبين. ولم تمتثل السلطات العسكرية في باماكو التي وصلت إلى الحكم عقب انقلابين عسكريين لمضمون البيان الصادر عن 15 دولة أوروبية، على رأسها فرنسا، التي دعتها لاحترام الاتفاقيات المعقودة، والتي تجعل انتشار الوحدات الدنماركية «شرعياً». وإزاء العدوانية الواضحة من جانب مالي، أعلنت الدنمارك، أول من أمس، سحب وحداتها ولم تتردد في التنديد بـ«اللعبة السياسية الوسخة» التي تلعبها سلطات باماكو، وفق تصريح لوزير الخارجية الدنماركي يب كوفود، عقب اجتماع البرلمان. وقال الأخير إن الجنود الدنماركيين «موجودون في مالي تلبية لدعوة من جانبها»، مضيفاً أن جنرالات السلطة هناك جددوا الدعوة، لكنهم يلعبون «لعبة وسخة»، لأنهم يرفضون العودة سريعاً إلى اللعبة الديمقراطية، في إشارة لرفضهم إجراء الانتخابات، ومد المرحلة الانتقالية لخمس سنوات. بناءً على هذا التطور الخطير الذي يطرح جدياً مصير قوة «تاكوبا» في مالي، ولكن أيضاً في مجمل بلدان الساحل، عمد وزراء دفاع مجموعة الـ15 أمس إلى إجراء مشاورات عن بعد. وحتى عصر أمس لم يكشف عن محتواها، إلا أن وزيرة الدفاع الدنماركية ترين برامسن، قالت لوكالة «رويترز» عقب الاجتماع، إن الوزراء الـ15 اتفقوا على بلورة خطة خلال الأسبوعين المقبلين، حول كيفية الاستمرار في محاربة الإرهاب في مالي، وما ستكون عليه قوة محاربة الإرهاب في منطقة الساحل. وأضافت وزيرة الدفاع أن المسألة لا تتعلق بالدنمارك، وإنما بانقلابيي مالي الذين يريدون البقاء في السلطة. حقيقة الأمر أن انسحاب القوة الدنماركية مع أسلحتها ومعداتها الذي سيستغرق أسبوعين، وفق وزيرة الدفاع، يطرح أسئلة حساسة بالنسبة للدول الأوروبية التي كانت تخطط لإرسال وحداتها للانضمام إلى قوة «تاكوبا» العاملة حالياً في مالي. وثمة خمس دول تتأهب للانضمام، وهي النرويج والمجر والبرتغال ورومانيا وليتوانيا. وعرقة سلطات باماكو لمشاركة القوة الدنماركية لن يشجع حكومات الدول الخمس المعنية لمواصلة خططها، خصوصاً أن مستقبل «تاكوبا» أصبح اليوم مطروحاً على طاولة البحث ولا أحد يعرف كيف يمكن أن يتم التعاون بين السلطات العسكرية المالية التي تضع العصي في دواليب القوة الأوروبية الموجودة هناك لمساعدة الجيش الوطني في مالي.
وأمس، جدد وزير الخارجية الفرنسي هجومه على سلطات مالي التي وصفها أول من أمس بأنها «غير شرعية وتقوم بإجراءات غير مقبولة، وبالتالي هي تتحمل كامل المسؤولية عن انسحاب القوة الدنماركية وتفاقم عزلتها على المسرح الدولي». وتعد باريس المتضرر الأول من التطورات السلبية الجارية في مالي، لأنها كانت تراهن على تنامي قوة «تاكوبا» لتتحمل عنها جانباً من المهمات الرئيسية لمحاربة الإرهاب بعد قرار الرئيس ماكرون إنهاء مهمة قوة «برخان»، وخفض عديد عناصرها إلى النصف. وأجلت باريس قواتها من ثلاث قواعد عسكرية رئيسية شمال مالي. وقال لو دريان، في حديث صباحي، أمس، لإذاعة «أر تي أل»، إنه «بالنظر للوضع الراهن، ونظراً لانهيار الإطار السياسي والعسكري في مالي، فإنه لا يمكننا البقاء على هذا النحو»، وبالتالي، فإن باريس وشريكاتها بصدد دراسة «تكييف» طرق محاربة «الجهاديين» والإرهابيين في منطقة الساحل. وإذ اعتبر لو دريان أن القرار ليس فرنسياً، بل «قرار جماعي وقد بدأنا الآن مناقشاته مع شركائنا الأفارقة ومع شركائنا الأوروبيين لمعرفة كيف يمكننا تكييف نظامنا، وفقاً للوضع الجديد في مالي». ورغم تمسكه بالقرار الجماعي، فإن لو دريان عرض رؤية باريس بتأكيده أنه «يجب أن نواصل مكافحة الإرهاب... الذي انتشر في جميع أنحاء المنطقة، وليس فقط في مالي». وتحذر باريس من تمدد المجموعات «الجهادية» نحو بلدان غرب أفريقيا وخليج غينيا. وخلاصة الوزير الفرنسي أنه «يجب أن ننظم أنفسنا لمواصلة مكافحة الإرهاب مع كل الذين هم على استعداد لمحاربته معنا». كذلك حرص لو دريان على مساندة وزيرة الدفاع فلورانس بارلي، التي أهانتها تصريحات مسؤول عسكري في باماكو الذي دعاها إلى السكوت. وقال لو دريان: «هذا أمر غير لائق لأن بارلي هي وزيرة القوات المسلحة للجمهورية الفرنسية، في الجمهورية التي حشدت جنودها للذهاب والسماح لمالي بالحفاظ على حريتها وسيادتها». وذكر لودريان بأن «هناك قتلى فرنسيين سقطوا من أجل حرية» مالي، معتبراً تصرف مسؤوليها بهذه الطريقة مع مسؤولة فرنسية كبيرة «غير لائق».
ثمة إشكالية عصية على الحل وفحواها تساؤل حول كيفية التعاون مع سلطات عسكرية تضيق على قوة «تاكوبا»، وعلى الدول التي تساهم فيها بحيث تحرمها من تحليق طائراتها العسكرية في أجواء مالي، وترفض انضمام وحدات للقوة الموجودة ميدانياً. ويبدو، وفق مصادر متابعة لتطورات الوضع في مالي، أن باريس ومعها الأوروبيين الآخرين، تراهن على الضغوط التي تمارسها مجموعة غرب أفريقيا الاقتصادية لدفع السلطات المالية لتغيير نهجها. كذلك تدفع باريس، الاتحاد الأوروبي، الذي علق المساعدة المالية المباشرة لميزانية مالي، على فرض عقوبات أوروبية تتناول مسؤوليها من غير أن تصيب الشعب. والحال أن باماكو تزداد تشدداً، وسلطاتها تلعب على وتر العداء لفرنسا القوة المستعمرة السابقة، وتعمد إلى تهيج الشارع، لا بل إنها شككت بشرعية اتفاقية الدفاع الموجودة بين البلدين منذ سنوات طويلة. تجدر الإشارة إلى أن الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولند، استجاب لرئيس مالي بداية عام 2013، لوقف زحف قوات «جهادية» وانفصالية نحو العاصمة باماكو. ومنذ ذلك التاريخ، ما زالت القوات الفرنسية منخرطة في الرحب هناك، ودفعت منذ عام 2020 إلى قيام قوة أوروبية تكون عنواناً للدفاع الأوروبي الذي تدعو إليه باستمرار.
واليوم يتعين على باريس أن تقنع شركاءها بالبقاء». إلا أن قرار السويد بالانسحاب وألمانيا بإعادة النظر بمساهمتها العسكرية وترحيل القوة الدنماركية لا يوفر العناصر التي تشجع على البقاء وسط أوضاع متحولة، وسلطات تحنث بوعودها، وتراهن على وجود ميليشيا «فاغنر» الروسية لحمايتها.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».