تقديم المنتخبات الصغيرة مستويات مثيرة للإعجاب يطغى على صدمة خروج الجزائر وغانا

من كان يتصور أن غامبيا في مشاركتها الأولى في «الأمم الأفريقية» تتأهل إلى دور الثمانية؟

المهاجم موسى بارو (وسط) وهدف تأهل غامبيا إلى دور الثمانية (أ.ف.ب)
المهاجم موسى بارو (وسط) وهدف تأهل غامبيا إلى دور الثمانية (أ.ف.ب)
TT

تقديم المنتخبات الصغيرة مستويات مثيرة للإعجاب يطغى على صدمة خروج الجزائر وغانا

المهاجم موسى بارو (وسط) وهدف تأهل غامبيا إلى دور الثمانية (أ.ف.ب)
المهاجم موسى بارو (وسط) وهدف تأهل غامبيا إلى دور الثمانية (أ.ف.ب)

هناك سؤال يُطرح بقوة في الوقت الحالي – في أوروبا على الأقل - حول كرة القدم الأفريقية ولماذا لم تبدأ في العقدين الماضيين من النقطة التي وصلت فيها الكاميرون والسنغال إلى ربع نهائي كأس العالم في غضون 12 عاماً، وبالتحديد بين عامي 1990 و2002، وفازت فيها الكاميرون ونيجيريا بالميدالية الذهبية لدورة الألعاب الأولمبية. ومنذ ذلك الحين، لم تصل أي دولة أفريقية إلى الدور ربع النهائي للمونديال سوى مرة واحدة فقط، وهو الأمر الذي لا يعد تقدما كبيرا كما كان متوقعا.
ورغم استمرار تأثير العديد من المشاكل المتعلقة بالبنية التحتية وسوء الإدارة على أعلى مستوى في كرة القدم الأفريقية، فإن التقدم الأبرز والأكثر وضوحا كان في أسفل الهرم الكروي، أي المنتخبات الصغيرة التي تنمو وتتطور بشكل مستمر. ولم يمض وقت طويل على الفترة التي كان يُنظر فيها إلى زيادة عدد المنتخبات المشاركة في نهائيات كأس الأمم الأفريقية من 16 إلى 24 منتخبا على أنها تسببت في انخفاض مستوى البطولة بشكل ملحوظ، لكن الأمر لم يعد كذلك الآن.
لقد واصلت غامبيا مفاجآتها وكتابة التاريخ وفازت 1 - صفر على غينيا، لتبلغ دور الثمانية في مشاركتها الأولى بكأس الأمم الأفريقية.
وفي دور المجموعات قدمت مستويات رائعة ولعبت بشكل منظم للغاية، وحققت فوزا مستحقا على تونس لتتأهل لدور الـ16، كما تأهلت جزر القمر إلى دور الـ16 أيضا في مشاركتها الأولى في البطولة الأفريقية، التي ودعتها بالخسارة أمام الكاميرون الدولة المضيفة 2 - 1 وهي منقوصة من حراسها وقائدها إثر طرد مبكر. وكانت موريتانيا هي المنتخب الصغير الوحيد الذي قدم مستويات سيئة.
وبالنظر إلى الشكل العجيب لوجود ست مجموعات تضم كل منها أربعة منتخبات، وبالنظر إلى المستويات التي قدمتها المنتخبات الصغيرة، ربما يكون من الأفضل زيادة عدد منتخبات البطولة إلى 32 منتخبا. قد يكون هذا الأمر صعبا من الناحية اللوجيستية والبنية التحتية، لكن نظراً لفشل كل من زامبيا وجنوب أفريقيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية في التأهل، فمن الصعب الاعتراض على هذه الخطوة أو القول إنها ستؤدي إلى تراجع مستوى البطولة.
في الحقيقة، يعد النظام الحالي للبطولة سيئا للغاية، في ظل تأهل أفضل أربعة منتخبات صاحبة المركز الثالث في دوري المجموعات إلى دور الستة عشر، لأن هذا النظام يعطي ميزة كبيرة للمنتخبات التي تلعب في المجموعات الأخيرة التي تعرف جيدا ما يتعين عليها القيام به من أجل ضمان التأهل، بالإضافة إلى أن هناك ظلما كبيرا فيما يتعلق بالمقارنة بين مستويات المجموعات المختلفة - من الواضح أن الفرق التي تضمن التأهل بعد أول مباراتين لا تدفع بلاعبيها الأساسيين في المباراة الثالثة. لكن من المؤكد أن النسخة الحالية شهدت إثارة كبيرة ونتائج لم تكن متوقعة على الإطلاق.
ربما تكون الجولة الأخيرة من مباريات المجموعات في بطولة كأس الأمم الأوروبية – هدف فيكتور كلايسون القاتل في الوقت المحتسب بدل الضائع ليؤهل السويد على حساب بولندا، وهدف ليون غوريتزكا المتأخر في مرمى المجر الذي أنقذ ألمانيا من الخروج - أكثر إثارة، لكن ما حدث في مباريات كأس الأمم الأفريقية ربما كان أكثر أهمية، بخروج منتخب الجزائر حامل اللقب، ومنتخب غانا الذي سبق له الفوز بلقب البطولة أربع مرات.
لقد كانت الجزائر هي المفاجأة الكبرى في البطولة. وكانت غانا تعاني من حالة من الفوضى العارمة قبل البطولة، حيث أقيل المدير الفني تشارلز أكونور من منصبه في نوفمبر (تشرين الثاني) لإفساح المجال لعودة المدير الفني ميلوفان راجيفاتش.
وكان المدير الفني الصربي قد قاد غانا للوصول إلى المباراة النهائية في عام 2010، لكن أسلوبه الحذر الذي يعتمد على الاستحواذ على الكرة، والذي حقق نتائج جيدة مع المنتخب الغاني الذي كان يضم عددا من الوجوه الشابة في عام 2010 بقيادة أندريه أيو، لم ينجح في تقديم مستويات جيدة هذه المرة.
وعلاوة على ذلك، استقبل المنتخب الغاني أهدافا في الدقائق العشر الأخيرة ليخسر أمام المغرب ويتعادل أمام الغابون، وهي المباراة التي انتهت بمشاجرة عكست الإحباط الكبير الموجود في معسكر الفريق، وطرد اللاعب بينجامين تيتيه. ومع ذلك، كان بمقدور غانا أن تتأهل لدور الستة عشر في حال الفوز على جزر القمر، لكن المهمة أصبحت أكثر صعوبة بعد التأخر بهدف وطرد أندريه أيو بعد تدخله على حارس مرمى جزر القمر.
وتبع ذلك هدف ثانٍ لجزر القمر، ورغم الروح القتالية التي أظهرها لاعبو غانا وتمكنهم من إدراك التعادل، إلا أن جزر القمر عادت لتسجل هدفا ثالثا في الدقيقة 85، ليخرج المنتخب الغاني من دور المجموعات للمرة الأولى منذ عام 2006.
ودافع رئيس الاتحاد الغاني لكرة القدم، كورت أوكراكو، عن المدرب راجيفاتش، مشيراً إلى أنه لم يحصل على الوقت الكافي مع الفريق - لكن هذا أثار التساؤل عن سبب إقالة الاتحاد الغاني لكرة القدم لأكونور قبل انطلاق البطولة بوقت قصير. وفي صباح اليوم التالي للخروج من البطولة، تأكد خبر إقالة المدير الفني الصربي بتكلفة تبلغ 275 ألف دولار.
ومع ذلك، كان الوضع مختلفا تماما بالنسبة لمنتخب الجزائر، الذي دخل تلك البطولة دون أن يتكبد أي خسارة في 34 مباراة على التوالي، وكان هناك اتفاق بين الجميع على أنه أقوى منتخب في القارة.
وكان الشك الحقيقي الوحيد بشأن منتخب الجزائر هو فشل منتخبات شمال أفريقيا في الفوز بلقب هذه البطولة في المسابقات التي تقام في بلدان خارج شمال أفريقيا، إذ لا تزال مصر هي الدولة الوحيدة من شمال أفريقيا التي فازت بكأس الأمم الأفريقية المقامة في بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، وكان ذلك في عامي 2008 و2010.
وواجه المنتخب الجزائري سوء حظ في الكاميرون، وهو الشعور الذي تفاقم عندما أصدر الاتحاد الجزائري بيانا ينفي فيه الاستعانة براق شرعي لمساعدة الفريق على التخلص من سوء الحظ. وكان المنتخب الجزائري هو صاحب أكبر عدد من اللمسات في الثلث الأخير من الملعب في دور المجموعات بأكمله، كما جاء في المركز الثالث خلف نيجيريا ومالي من حيث أكبر عدد من التسديدات على المرمى، ولا يوجد أدنى شك في أن سوء أرضية الملعب الذي كان يستضيف مباريات الجزائر قد أثر كثيرا على مستوى الفريق.
لقد أثبت المدير الفني لمنتخب الجزائر، جمال بلماضي، قبل عامين في مصر أنه يمتلك قدرات كبيرة كمدير فني بارز، حيث قاد المنتخب الجزائري للعب بطريقة حديثة والاعتماد على الضغط العالي على حامل الكرة، وهي الخطة التي تبدو مثالية لكرة القدم على مستوى المنتخبات. وكان المنتخب الجزائري تحت قيادة بلماضي قد تعرض لخسارة واحدة فقط في 44 مباراة قبل مواجهة سيراليون، لكنه بعد ذلك اليوم خسر مرتين في أسبوع واحد - أمام غينيا الاستوائية وساحل العاج.
وفي هاتين المباراتين، ظهر خط وسط المنتخب الجزائري بشكل سيئ وسمح للاعبي الفريق المنافس بشن هجمات مرتدة سريعة في غاية الخطورة. وكانت الدقائق العشر الأخيرة ضد غينيا الاستوائية خير مثال على تفكك الفريق وعجزه عن اللعب بنفس الطريقة التي مكنته من حصد اللقب في 2019، حيث كان أربعة مهاجمين من منتخب الجزائر يقفون على خط المنتصف وينتظرون وصول الكرة لهم، بينما كان لاعبو غينيا الاستوائية يستغلون المساحات الخالية في خط وسط المنتخب الجزائري أفضل استغلال.
وحدث نفس الأمر أيضا خلال الدقائق الـ15 من بداية الشوط الثاني أمام ساحل العاج، التي سجلت هدفين وأهدرت ثلاث فرص أخرى محققة.
من المؤكد أن أي منتخب جيد قد يواجه صعوبات أو سوء حظ خلال البطولات، لكن من المثير بنفس القدر أن نعلم أن طرفي المباراة النهائية لكأس الأمم الأفريقية في 2019 - الجزائر والسنغال – اللذين كانا يلعبان بشكل منظم للغاية في تلك البطولة، لم يحرزا سوى هدفين فقط فيما بينهما خلال ست مباريات في البطولة الحالية! ربما تأثر المنتخبان بقصر وقت التحضير للبطولة، وهو الأمر الذي ازداد سوءا بسبب تداعيات تفشي فيروس «كورونا» - وقد لوحظ مدى تحسن مستوى المباريات بشكل عام مع تقدم دور المجموعات – لكن الشيء المؤكد هو ظهور عدد من المنتخبات الصغيرة بشكل جيد للغاية، وهو الأمر الذي يتسبب في مشاكل كبيرة لعمالقة القارة.



حفاة الأقدام... كيف خسرت الهند صراع المونديال منذ خطيئة 1950؟

منتخب الهند في أولمبياد لندن 1948 (ويكيبيديا)
منتخب الهند في أولمبياد لندن 1948 (ويكيبيديا)
TT

حفاة الأقدام... كيف خسرت الهند صراع المونديال منذ خطيئة 1950؟

منتخب الهند في أولمبياد لندن 1948 (ويكيبيديا)
منتخب الهند في أولمبياد لندن 1948 (ويكيبيديا)

تحتفظ الذاكرة الرياضية الآسيوية بمفارقة لافتة، ففي الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم كل أربعة أعوام صوب المحفل الكروي الأكبر، يظل ثاني أكبر تكتل بشري على وجه الأرض خارج دائرة الضوء.

الهند، هذا العملاق الديموغرافي والجغرافي الذي يتنفس رياضة الكريكيت بشغف يصل حد التقديس، يواصل غيابه اللغز عن نهائيات كأس العالم لكرة القدم.

ورغم أن القارة الصفراء باتت تحظى بنصيب وافر من المقاعد، ورغم التاريخ المنسي الذي يربط «النمور الزرقاء» باللعبة، فإن الهوة بين الطموح والواقع لا تزال سحيقة.

فما الذي يحرم دولة يقطنها أكثر من مليار وأربعمائة مليون نسمة من حجز مقعد لها في محفل الساحرة المستديرة؟

اللغز البرازيلي عام 1950: خطيئة «الفرصة المهدرة»

تبدأ السردية التاريخية لكرة القدم الهندية من مفترق طرق دراماتيكي عام 1950. في ذلك العام، كان المونديال يعود إلى الحياة في البرازيل بعد مخاض الحرب العالمية الثانية.

ووضعت الأقدار منتخب الهند على أعتاب التاريخ بتأهل تلقائي بعد انسحاب منافسيه في المجموعة الآسيوية (إندونيسيا والفلبين وميانمار). لكن الرحلة لم تكتمل، وانسحبت الهند قبل أيام من ركل الكرة الأولى.

عقود طويلة عاشت الجماهير على أسطورة تزعم أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) منع الهنود من اللعب لأنهم اشترطوا خوض المباريات «حفاة الأقدام» كما فعلوا قبلها بسنتين في أولمبياد لندن 1948، لكن الحقيقة التاريخية الموثقة في أروقة الاتحاد الهندي لكرة القدم تكشف عن حسابات مغلوطة؛ إذ اعتبرت الإدارة الرياضية آنذاك أن تكلفة السفر الباهظة عبر المحيطات إلى أميركا الجنوبية لا تبرر المشاركة في بطولة كانت تنظر إليها نيودلهي بوصفها حدثاً أقل شأناً من دورة الألعاب الأولمبية أو الألعاب الآسيوية، كانت خطيئة استراتيجية دفعت الكرة الهندية ثمنها تهميشاً دام عقوداً.

العصر الذهبي المنسي: صدمة فرنسا ومباركة ملك بريطانيا

لم تكن الهند نكرة في عالم كرة القدم، بل عاشت «عصراً ذهبياً» امتد بين عامي 1951 و1964 تحت قيادة المدرب الأسطوري سيد عبد الرحيم. غير أن الشرارة الحقيقية التي أبهرت الغرب سبقت ذلك العصر بقليل، وتحديداً في أولمبياد 1948، حين واجه المنتخب الهندي منتخب فرنسا العتيد، وخسر بصعوبة بالغة بنتيجة (2 - 1) بعد إهدار ركلتي جزاء

قائد الهند (يمين) في أول مباراة دولية للمنتخب بوصفهم مواطنين يمثلون دولة الهند المستقلة في أولمبياد لندن 1948 (الاتحاد الهندي لكرة القدم)

في تلك الملحمة، لعب أغلب عناصر الهند حفاة الأقدام برباط طبي، ونالوا إعجاب الصحافة البريطانية.

وعندما سُئل قائد الفريق تاليميرن آو عن سر غياب الأحذية، أطلق جملته الشهيرة الساخرة: «نحن نلعب كرة القدم بينما أنتم تلعبون كرة الأحذية».

وامتدت الأصداء إلى قصر باكنغهام عندما استقبل الملك جورج السادس الفريق، ورفع مازحاً طرف سروال اللاعب سيلين مانا ليتأكد إن كانت ساقاه من فولاذ حقاً كما يُشاع، وكان النجم سارنغاباني رامان هو صاحب الهدف الهندي الوحيد بـ«الأقدام العارية».

صورة من أرشيف صحيفة «إكسبريس» الهندية الصادرة في الأول من أغسطس 1948

هذا المشهد التاريخي استغلته الفضاءات الرقمية في السنوات الأخيرة؛ إذ ضجت بمنشورات تزعم أن لاعبي الهند خاضوا المباراة حفاة لأن الحكومة حديثة الاستقلال لم تكن تملك الموارد لشراء أحذية رياضية.

غير أن التحقيقات التوثيقية لـ«تقصي الحقائق» فككت هذه الرواية المزيفة بالكامل؛ إذ لم تكن الأزمة شحاً مالياً، بل مسألة «راحة واعتياد فني» للاعبين ترعرعوا على اللعب دون أحذية لرؤيتهم أنها تمنح مرونة أكبر للتحكم بالكرة. الأرشيف البصري يفضح هذا المجاز، فالصورة الشهيرة المتداولة نُشرت مجتزأة لإثبات الفقر، بينما تُظهر نسختها الأصلية الكاملة المدافع الشهير «ثينمادوم ماثيو فارغيز» (بابان) وهو يرتدي حذاءه الرياضي كاملاً على اليمين إلى جوار زملائه.

المنتخب الهندي لكرة القدم خلال مباراة ضد فرنسا في أولمبياد لندن 1948 وهم حفاة الأقدام (الاتحاد الهندي لكرة القدم)

وبحسب تقارير صحيفة «إكسبريس الهندية» الصادرة في الأول من أغسطس 1948، فإن 8 لاعبين فقط من أصل 11 فضلوا اللعب بلا أحذية طواعية.

ورغم نجاح تجربة الحفاء أولاً، فإن قرار فرض الأحذية قسرياً صدر سريعاً بعد صدمة أولمبياد هلسنكي 1952، عندما تجمدت أقدام الهنود من البرد وخسروا بنتيجة ثقيلة أمام يوغوسلافيا (10 - 1).

منتخب يوغوسلافيا يسجل في شباك الهند على ملعب «تولون بالوكينتا» في هلسنكي خلال أولمبياد 1952 (ويكيبيديا)

ومع التزامهم بالدخول في «عصر الأحذية»، لم تقف معجزات تلك الحقبة، ففي الجولة الأوروبية التمديدية صدمت الهند نادي أياكس أمستردام الهولندي العريق وهزمته بنتيجة (5 - 1).

تلاها الإنجاز التاريخي الأبرز في أولمبياد ملبورن 1956، باحتلال الهند المركز الرابع آسيوياً، وشهدت البطولة تسجيل النجم نيفيل ديسوزا لأول «هاتريك» آسيوي في تاريخ الأولمبياد، وكان ذلك في شباك أستراليا.

منتخب الهند لكرة القدم في أولمبياد 1956 خلال مباراة ضد بلغاريا (ويكيبيديا)

أسر الكريكيت: كيف التهمت اللعبة الواحدة ميزانيات الرعاية؟

لا يمكن فهم المشهد الرياضي في شبه القارة الهندية دون تلمّس «السطوة الطاغية» للعبة الكريكيت، منذ التتويج التاريخي للهند بكأس العالم للكريكيت عام 1983، تحولت هذه الرياضة من مجرد إرث استعماري بريطاني إلى «دين وطني» يجمع الأمة.

الرئيس الهندي الأسبق غياني زيل سينغ يستقبل المنتخب الهندي للكريكيت بعد التتويج بلقب كأس العالم 1983 (ويكيبيديا)

هذه الهيمنة أحدثت تجفيفاً كاملاً للمنابع المالية للرياضات الأخرى. تتدفق أموال الشركات الرائدة وحقوق البث المليارية نحو الدوري الهندي الممتاز للكريكيت، بينما تُركت كرة القدم لسنوات طويلة تعاني شح التمويل، وغياب البنية التحتية، وملاعب لا ترقى للمعايير الدولية.

في الهند، يولد الطفل وفي يده مضرب كريكيت، بينما تظل كرة القدم خياراً ثانوياً في المدارس والأكاديميات، باستثناء بعض الجيوب الجغرافية التاريخية مثل ولايات البنغال الغربية، وغوا، وكيرالا.

المعضلة الهيكلية: غياب التكوين وتأخر الاحتراف

على الصعيد الفني، عانت الكرة الهندية طويلاً من غياب الرؤية طويلة المدى، فالدوري المحلي ظل لسنوات يعتمد على الهواة والمؤسسات الحكومية، ولم يدخل نظام الاحتراف الحقيقي إلا متأخراً مع إطلاق «الدوري الهندي الممتاز في العقد الماضي.

ورغم أن هذا الدوري نجح في جذب أسماء عالمية في أواخر مسيرتها وجلب بعض الزخم الجماهيري، فإنه لم يفلح بعد في سد الفجوة الفنية العميقة. المشكلة الأساسية تكمن في «جذور اللعبة»، حيث تفتقر البلاد إلى نظام كشافين محترف يغطي الأقاليم الشاسعة، وتغيب أكاديميات الفئات السنية التي تصنع لاعباً قادراً على المنافسة في الرتم السريع للكرة الحديثة. اللاعب الهندي، وإن امتلك الموهبة الفطرية، يصطدم بنقص التكوين التكتيكي والبدني مقارنة بنظرائه في اليابان، وكوريا الجنوبية، أو دول الخليج العربي.

استشراف المستقبل: هل تكسر زيادة مقاعد المونديال العقدة؟

المنتخب الهندي لكرة القدم خلال مباراة ودية مع بورتو ريكو سبتمبر 2016 (ويكيبيديا)

قد تكمن بارقة الأمل الحالية في التغييرات التي أحدثها فيفا برفع عدد المنتخبات المشاركة في كأس العالم إلى 48 منتخباً، مما منح القارة الآسيوية حصة أكبر. هذا التحول وضع أمام صانع القرار الرياضي الهندي فرصة تاريخية ثانية لترتيب الأوراق.

الوصول إلى المونديال لم يعد حلماً مستحيلاً، لكنه يتطلب ثورة شاملة تبدأ من المدارس، وتمر عبر خصخصة الأندية وتطوير المنظومة التدريبية، وصولاً إلى تغيير العقلية الإدارية لترى في كرة القدم استثماراً قومياً وقوة ناعمة قادرة على وضع الهند على خريطة الثقافة العالمية بجانب ثقلها الاقتصادي والسياسي.

وحتى يتحقق ذلك، سيبقى «العملاق الآسيوي» متفرجاً من مقاعد الجماهير، بانتظار اليوم الذي تزأر فيه «النمور الزرقاء» في المونديال.


خبايا العلاقات الثنائية بين نجوم المغرب وكندا في الملاعب الأوروبية

خبايا العلاقات الثنائية بين نجوم المغرب وكندا في الملاعب الأوروبية
TT

خبايا العلاقات الثنائية بين نجوم المغرب وكندا في الملاعب الأوروبية

خبايا العلاقات الثنائية بين نجوم المغرب وكندا في الملاعب الأوروبية

لا تبدو موقعة «هيوستن» المرتقبة بين المغرب وكندا مجرد صدام عابر بين قارتين كرويتين مخضرمتين، بل هي امتداد لقصص زمالة وصراعات تكتيكية خفية تدور رحاها أسبوعياً في الملاعب الأوروبية الكبرى. فالعديد من الأسماء في كتيبة «أسود الأطلس» لمدربهم محمد وهبي، يتشاركون غرف الملابس أو يتواجهون وجهاً لوجه مع نجوم منتخب كندا «الحُمر» تحت قيادة جيسي مارش، مما يحول مباراة السبت إلى حوار تكتيكي مكشوف ومألوف للاعبين.

البريميرليغ يجمع فولهام... حوار عيسى ديوب ولوك دي فوجيرول

عيسى ديوب مثَّل المغرب في مواجهة الإكوادور(منتخب المغرب)

في الدوري الإنجليزي الممتاز، تبرز زمالة مباشرة وحية في خط دفاع نادي فولهام الإنجليزي. حيث يلعب المدافع المغربي عيسى ديوب (البالغ من العمر 29 عاماً) جنباً إلى جنب مع المدافع الكندي الشاب والموهوب لوك دي فوجيرول (صاحب الـ20 عاماً). هذه الزمالة اليومية في تمارين النادي اللندني تمنح ديوب معرفة دقيقة بنقاط قوة وضعف زميله الكندي، وهي أسرار تكتيكية ثمينة سينقلها المدافع المغربي لخط هجوم الأسود لتفكيك الحصون الدفاعية للمنتخب الكندي في هيوستن.

المدافع الكندي لوك دي فوجيرول (ويكيبيديا)

معارك الليغا الإسبانية... صراع لارين وأمرابط في الأندلس

خط الوسط المغربي سفيان أمرابط (غيتي)

بالانتقال إلى الملاعب الإسبانية، يتحول المشهد من الزمالة إلى الصراع المباشر والشرس في خط الوسط والدفاع؛ فالمهاجم الكندي القوي سايل لارين (البالغ 31 عاماً)، والذي يقود خط هجوم نادي ريال مايوركا الإسباني، يجد نفسه دائماً في مواجهات بدنية طاحنة ضد صمام الأمان المغربي سفيان أمرابط (29 عاماً)، الذي ينشط في صفوف نادي ريال بيتيس. هذا الاحتكاك المستمر في الـ«لا ليغا» يجعل من مراقبة لارين مألوفة تماماً لأمرابط، الذي يملك شفرة إيقاف خطورته البدنية ومنعه من المحطة الهجومية التي يعتمد عليها الكنديون.

المهاجم الكندي سايل لارين (ويكيبيديا)

مدرسة ليل وتحديات الكالتشيو... إرث جوناثان ديفيد وأيوب بوعدي

أيوب بوعدي لاعب المنتخب المغربي (أ.ف.ب)

في الدوري الفرنسي، ترك الهداف الكندي التاريخي جوناثان ديفيد (26 عاماً) إرثاً كبيراً في نادي ليل قبل انتقاله الأخير إلى يوفنتوس الإيطالي. وخلال فترته في فرنسا، عاصر ديفيد صعود الموهبة المغربية في خط وسط ليل أيوب بوعدي (المولود عام 2007). رغم انتقال ديفيد إلى الملاعب الإيطالية، فإن بوعدي وبقية زملائه في خط الوسط يدركون تماماً أسلوب تحرك الهداف الكندي وسرعته في التموقع، مما يمنح الدفاع المغربي قراءة مسبقة لخطورة الهداف الأول لمنتخب كندا.

الهداف الكندي التاريخي جوناثان ديفيد (ويكيبيديا)

صراع بلجيكا الساخن... الواحدي يتحدى ساليبا

الدولي المغربي زكرياء الواحدي (فيسبوك)

لا يقتصر الصراع على الدوريات الكبرى، ففي الدوري البلجيكي الممتاز، يشتعل التنافس بصفة مستمرة بين الظهير الأيمن المغربي المتألق زكرياء الواحدي (24 عاماً)، النجم الأبرز لنادي جينك البلجيكي، ومدافع خط الوسط الكندي الصلب ناثان ساليبا (22 عاماً)، الذي يدافع عن ألوان غريمهم التقليدي نادي أندرلخت.

مدافع خط الوسط الكندي ناثان ساليبا (ويكيبيديا)

المواجهات المباشرة بين الواحدي وساليبا في البطولة البلجيكية تنعكس بوضوح على قمة السبت؛ إذ يعرف كل لاعب منهما مفاتيح السرعة والاندفاع للآخر، مما يجعل الجبهات الجانبية للملعب كتاباً مفتوحاً للطرفين.


دموع خلف خط التماس... الموت يفجع ديشان وديسابر في المونديال

ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا (يمين) وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية (يسار)
ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا (يمين) وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية (يسار)
TT

دموع خلف خط التماس... الموت يفجع ديشان وديسابر في المونديال

ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا (يمين) وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية (يسار)
ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا (يمين) وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية (يسار)

في الوقت الذي تشرئب فيه أعناق الملايين نحو الملاعب وتشتعل المدرجات بهتافات الفوز والهزيمة، أثبتت نهائيات كأس العالم 2026 أن ما وراء الخطوط الفنية ليس مجرد تكتيك وخطط، بل هو مسرح لدراما إنسانية قاسية يتجرعها القادة في صمت وتدبر. هذا ما عاشه المدربان الفرنسيان، ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا، وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية، اللذان خاضا أشرس معاركهما الكروية وهما مثقلان بآلام الفقد الأبدي لأعز ما يملكان.

ديشامب وعزاء الوالدة خلف مستطيل أميركا الشمالية

فقد عاش ديدييه ديشان أياماً عصيبة ومحطمة تماماً بعدما فُجع بنبأ وفاة والدته عقب نهاية الجولة الثانية من دور المجموعات، مباشرة بعد فوز الديوك على العراق بثلاثية نظيفة.

مدرب منتخب فرنسا ديدييه ديشامب (أ.ب)

اضطر ديشان لمغادرة معسكر المنتخب على عجل والعودة إلى فرنسا للوقوف بجانب عائلته وتشييع جثمانها، مما منعه من قيادة فريقه في المباراة اللاحقة ضد النرويج. ومع ذلك، فضّل الرجل العودة سريعاً لقيادة بلاده في دور الـ32 أمام السويد، معترفاً بأن البقاء مشغولاً في معترك المونديال كان متنفساً ضرورياً وملاذاً للتغلب على أحزانه العميقة.

مشهد سريالي لوداع ديسابر المزدوج في أتلانتا

أما السيناريو الأكثر قسوة والتهاماً للمشاعر، فقد كان من نصيب مواطنه سيباستيان ديسابر في مدينة أتلانتا الأميركية، ففي الوقت الذي كان يقاتل فيه على خط التماس ويوجه كتيبة «الفهود» في ملحمة بطولية كادت تقصي إنجلترا قبل أن تخسر الكونغو بصعوبة (2-1)، كان ديسابر يجهل تماماً أن والده فارق الحياة.

سيباستيان ديسابر (إ.ب.أ)

ولم تكن خسارة حلم المونديال هي الصدمة الوحيدة، بل تحول المؤتمر الصحافي اللاحق إلى مشهد سريالي تناقلته وسائل الإعلام العالمية باستهجان وذهول.

فبمجرد انتهاء الأسئلة الفنية، أخذ المنسق الإعلامي الكلمة ليعلن ببرودة تامة أمام الكاميرات: «نعلن أن المدرب فقد والده، خالص تعازينا». اتسعت عينا ديسابر مصدوماً من المفاجأة وإخراج فاجعته الخاصة إلى العلن، قبل أن يتمسك بوقاره ويرد مقتضباً شكراً، ويغادر القاعة بوجه منهار حاملاً في قلبه مرارة وداعين، وداع بطولة تاريخية شرف بها الكرة الكونغولية، ووداع أبدي لوالده الراحل.