«ظلال السرد في الخليج»: للبحريني فهد حسين

«ظلال السرد في الخليج»: للبحريني فهد حسين
TT

«ظلال السرد في الخليج»: للبحريني فهد حسين

«ظلال السرد في الخليج»: للبحريني فهد حسين

في كتابه الأخير، الصادر عن دائرة الثقافة في الشارقة، يتناول الباحث البحريني الدكتور فهد حسين، موضوع الرواية، والقصة القصيرة، والقصة القصيرة جدًا في الخليج العربي، بدءا بتعريف المصطلح، والإطلالة التاريخية، مرورًا بالعوامل التي شكلت الإرهاصات لظهور هذه الأنواع الأدبية، ووصف البدايات الأولى، وصولا إلى ملامح تكوين وتشكل السرد في الخليج، مع توصيف للملامح الفنية لمجمل هذه الأعمال، وأبرز التقنيات التي تم توظيفها فيها. واختار حسين، في قراءته للنتاج السردي الخليجي، أن يجلس في المساحة الوسطى، التي لا هي مضاءة ولا هي معتمة، مساحة الظلال، المساحة التي تمكن الباحث من قراءة المادة الأدبية بحيادية. من الفصول اللافتة في الكتاب، هو الفصل الذي خصصه الباحث للرواية النسائية في الخليج، وأبرز ملامحها، وأهم الموضوعات التي تضمنتها.
وكذلك الفصل الذي قرأ فيه الباحث أعمال (جيل الشباب)، وهي الأعمال التي تحتاج من الباحثين أن ينزلوا لها قليلًا ليستمعوا لمؤلفيها الشباب، الذين لا يمكن قراءة أعمالهم بالأدوات نفسها التي قُرئت بها أعمال الرعيل الأول من الأدباء. كما تناول الكتاب بشكل أكثر اتساعًا، سبعة نماذج لأعمال روائية خليجية، منها (الشيخ الأبيض) للشيخ الدكتور سلطان القاسمي، و(الباغ) لبشرى خلفان، و(طريق العنكبوت) لعبد الحميد القائد، وغيرها من الأعمال التي تكشف عن التنوع الجغرافي، والموضوعاتي، والأدواتي، في الرواية الخليجية، هذا التنوع الذي يؤكد أهمية الحراك الأدبي في المنطقة، ودور كتابها في مجمل المشهد الثقافي الخليجي والعربي.
كما أنها تكشف ما تتصف به هذه المنطقة من ملامح ثقافية، وتضيء على الجانب التنويري الذي سعى إليه أدباء المنطقة.
الكتاب هو إذن أشبه بتقديم مراجعة للمنجز السردي الخليجي، ويشكل قاعدة مهمة للدارسين الذي يرغبون في معرفة الكتابة السردية في منطقتنا. وكان قد صدر للناقد فهد حسين في نهاية العام الفائت كتاب بعنوان «تاريخ السرد وفنونه في البحرين (1941 - 2018)»، كما صدر له عدة دراسات، ونشرت له عدة مقالات نقدية تنصب حول السرد العربي بشكل عام والخليجي بشكل خاص.



هل لا تزال الناس تقرأ؟

هل لا تزال الناس تقرأ؟
TT

هل لا تزال الناس تقرأ؟

هل لا تزال الناس تقرأ؟

يكاد يكون هذا أكثر الأسئلة تكراراً كلما اشتكى أحد من هيمنة الهاتف المحمول أو وسائل التواصل الاجتماعي: هل ما زالت الناس تقرأ؟ ويأتي الجواب عادة حاسماً: لم يعد أحد يقرأ. لكن هذه الإجابة العجلى، على شيوعها، تخفي مفارقة تستحق التأمل. فربما لم يقرأ الإنسان في تاريخه كما يقرأ اليوم كثرة. نحن نستيقظ على الكلمات، ونعمل بالكلمات، ونتواصل بالكلمات، وننام والكلمات لا تزال تلاحقنا على شاشات الهواتف. الأخبار، والرسائل، والتعليقات، والإعلانات، والتعليمات، والإشعارات، كلها تجعل القراءة النشاط الأكثر حضوراً في حياتنا اليومية. لذلك؛ فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ما زالت الناس تقرأ؟ بل: ماذا تقرأ؟ وكيف تقرأ؟

لقد تغيرت القراءة أكثر مما تراجعت. ففي الماضي كانت القراءة حدثاً استثنائياً، يختار الإنسان كتاباً، ويجلس إليه ساعات، ويمنحه انتباهه الكامل. أما اليوم، فقد أصبحت القراءة تياراً متصلاً لا يكاد ينقطع. غير أن هذا التيار لا يمنح القارئ دائماً فرصة التوقف أو التأمل. إنه يدفعه إلى الانتقال المستمر من نص إلى آخر، ومن فكرة إلى أخرى، حتى أصبحت السرعة إحدى خصائص القراءة الحديثة.

ومن هنا ينبغي التمييز بين كمية القراءة وطبيعتها. فكمية القراءة تشير إلى عدد الكلمات التي يمر بها الإنسان في كل يوم، أما طبيعتها فتتعلق بالعلاقة التي يقيمها مع النص ومدى حميميتها. قد يقرأ المرء آلاف الكلمات في يوم واحد، لكنه لا يتوقف عند فكرة واحدة توقفاً كافياً يسمح لها بأن تعيد تشكيل نظرته إلى العالم وللحياة.

ليست المشكلة إذن في نقص المعلومات، فنحن نعيش أكثر العصور امتلاءً بها. المشكلة أن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة كثرة الفهم أو عمقه. فالمعرفة ليست حصيلة ما نجمعه من بيانات، وإنما هي القدرة على إقامة العلاقات بينها، واكتشاف المعنى الذي يجمعها. ولهذا؛ كان الكتاب، في أفضل صوره، لا يقدم أجوبة جاهزة بقدر ما يعلّم القارئ كيف يطرح أسئلة أفضل.

لقد غيرت الوسائط الرقمية مفهوم القراءة نفسه. ففي الكتاب الورقي كانت البداية والنهاية واضحتين يمكن تحسسهما باليد، وكانت العلاقة بالكتاب علاقة حميمية حقاً، وكان القارئ يسير في طريق واحد رسمه المؤلف. أما على الشاشة، فإن كل صفحة تقود إلى عشرات الصفحات، وكل فكرة تستدعي إشعاراً جديداً أو رابطاً آخر، وقد تقاطعك الإعلانات أثناء ذلك. وهكذا أصبحت القراءة أشبه بالتجوال في مدينة لا تنتهي شوارعها. ولا ينبغي أن يكون تصورنا لهذه القضية مأساوياً؛ فهذه الحرية الهائلة في الوصول إلى النصوص هي إحدى أعظم منجزات العصر، لكنها في الوقت نفسه جعلت المحافظة على الانتباه تحدياً ثقافياً غير مسبوق.

ولهذا؛ فإن أخطر ما يهدد القراءة ليس قلة الكتب، ولا عزوف الناس عنها، بل تآكل القدرة على المكوث مع فكرة واحدة حتى تبلغ مداها. هذا هو مربط الفرس. فالقراءة العميقة تحتاج إلى الصبر، والصبر أصبح لا يطاق في زمن الإيقاع المتسارع، وفي زمن الكم الهائل من النصوص الذي يريد أن يقتحم وعينا في كل لحظة. وحين يعتاد العقل القفز السريع بين النصوص، فإنه يربح اتساعاً في الاطلاع، لكنه قد يخسر القدرة على التعمق والخروج من دائرة الفهم السطحي. وهنا لا تنقص كمية القراءة، بل يتغير شكلها ووظيفتها.

ولعل أهم ما تمنحه القراءة العميقة أنها تعيد إلى الإنسان ملكة الانتباه. والانتباه ليس مجرد تثبيت النظر على الكلمات، بل هو القدرة على الإقامة مع فكرة واحدة حتى تستنفد ما تقوله. فالإنسان لا يفهم النصوص لأنه يقرأها بسرعة، وإنما لأنه يمنحها الزمن الذي يسمح لها بأن تكشف عن طبقاتها الخفية. وربما كانت الأزمة الثقافية اليوم أقل ارتباطاً بندرة الكتب منها بندرة الانتباه.

فنحن نعيش في اقتصاد جديد تتنافس فيه التطبيقات والمنصات ووسائل الإعلام على الاستحواذ على أعيننا وعقولنا، حتى أصبح الانتباه نفسه مورداً نادراً. ولهذا تغدو القراءة، في أعمق معانيها، مقاومة لهذا التشظي، فهي ليست مجرد وسيلة لاكتساب المعرفة، بل تدريب يومي على استعادة السيادة على الذهن، وعلى تحريره من الإيقاع الذي تفرضه وفرة المعلومات.

ولعل هذا يفسر ظاهرة لافتة في حياتنا الثقافية. فنحن نتداول اليوم اقتباسات أكثر من أي وقت مضى، لكننا نناقش أفكاراً كبرى أقل من ذي قبل. أصبحت الجملة القصيرة أكثر انتشاراً من الحجة الطويلة، والعنوان أكثر تأثيراً من الكتاب، والملخص أكثر رواجاً من النص الكامل. وليس في ذلك ما يدعو إلى الحنين للماضي بقدر ما يدعو إلى إعادة التفكير في معنى القراءة نفسها. فالقراءة ليست مجرد استقبال للمعلومات، وإنما هي تدريب على الإصغاء، وعلى تحمّل التعقيد، وعلى مقاومة الإغراء الدائم بالانتقال إلى الشيء التالي.

ولهذا؛ فإن مستقبل القراءة لن يتحدد بعدد الكتب المطبوعة، ولا بعدد الساعات التي نقضيها أمام الشاشات، بل بقدرتنا على استعادة القراءة بوصفها فعلاً من أفعال الانتباه. فالثقافة لا تُقاس بما نستهلكه من كلمات، وإنما بما تتركه تلك الكلمات فينا من أثر. قد نقرأ كثيراً ولا يتغير فينا شيء، وقد نقرأ صفحة واحدة فتغيّر طريقة نظرنا إلى العالم بأسره.

لذلك؛ فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: هل ما زالت الناس تقرأ؟ بل: هل ما زالت تقرأ بالكيفية التي تجعل القراءة تجربة تُعيد بناء الإنسان، لا مجرد عادة يستهلك بها الكلمات والوقت؟ فبين كثرة القراءة وجودتها، وبين وفرة النصوص وعمق التلقي، تتحدد ملامح الثقافة في عصرنا، ويتحدد معها نوع الإنسان الذي نصنعه بقراءاتنا.

* كاتب سعودي


«ساق تحدق»... الذاكرة تقاوم الخراب

«ساق تحدق»... الذاكرة تقاوم الخراب
TT

«ساق تحدق»... الذاكرة تقاوم الخراب

«ساق تحدق»... الذاكرة تقاوم الخراب

عن منشورات «الاتحاد العام للأدباء والكتاب» في العراق، 2026، صدرت للكاتب جمال العتابي مجموعة قصصية بعنوان «ساق تحدق» في «127» صفحة، تضم 27 قصة قصيرة، تنعكس فيها خبرة العتابي الإبداعية التي تمتد لأكثر من نصف قرن، زاوج فيها بين النقد التشكيلي، والموسيقى، والسرد، وهو ما يفسر الكثافة والعمق البصري في قصصه.

في قصص العتابي هذه، تتحول الذاكرة إلى وسيلة للمقاومة، حيث يوزع الكاتب الأحداث على شكل شذرات دافعاً بالقارئ إلى إعادة تركيبها. يتجلّى هذا في قصة «دليل الهاتف»؛ حيث يعثر البطل «كامل» على دفتر هاتف قديم يتحوّل إلى بوابة لاستعادة تاريخ من الخراب. يقول السارد: «حدق في السجل الذي ظل يبحث عنه طوال تلك المدة التي شهدت موجة من العنف... اضطر بسببها إلى الهرب والإفلات من الجحيم» (المجموعة 5).

تتحول الأرقام الباردة إلى شواهد على حيوات تلاشت. ففي إحدى القصص، يتصل كامل بصديقه «نزار»، فيكتشف أنه أصيب بالشلل وفقد النطق، ومع ذلك يقول نزار: «تحولت إلى نصف رجل الآن... لكن ذاكرتي ما تزال حية» (المجموعة 10). وتختصر هذه اللحظة فكرة المجموعة: «قد ينهار الجسد، لكن الذاكرة تبقى المعقل الأخير لمقاومة الخراب».

وتستمر هذه المقاومة في قصة «بائع الشاي الأخير»، حيث يلتقي الصديقان «حسن وكريم» بعد سنوات من الفراق والقمع، ليكشف كريم أن الخوف جعله ينكر اسمه طويلاً: «كنت أخشى حتى من اسمي يا حسن، صار ظلي يلاحقني». ثم يختم اللقاء بعبارة تفيض بالوجع: «حسن... لو جئت لي غداً، وقلت لي مرحباً كريم مرة، أعدك سأرد... لكن لا تتأخر، فأنا بدأت أنسى شكل الحلم» (ص 32).

لا يتناول العتابي الحرب عبر البيانات العسكرية، بل بوصفها حالة وجودية تتغلغل في حيوات البسطاء. في قصة «ذات صباح»، نعيش حلم الشاب «خالد السلمان» الذي جاء إلى العاصمة ليدرس، وكان يردد بخوف: «أخاف كثيراً... أخاف أموت قبل ما (أوفي) بوعدي لأمي...». لكن حلمه يتبدد بانفجار سيارة مفخخة، وتأتي الصدمة من البرود الإعلامي الذي نقل الكارثة بعبارة: «انتهى الخبر» (ص 19).

وفي قصتي «خط النار»، يرفع الكاتب القناع عن الشعارات السياسية الكبرى التي تحول الحروب إلى مقبرة للفقراء، بينما يجلس صناع القرار خلف مكاتبهم الفارهة، واصفاً أجساد الجنود البسطاء بأنها «تتناثر مثل الطيور الذبيحة» (العتابي 43). وفي «فرصة العمر»، تواجه السلطة الأب بسؤال مخادع: «كيف تقبل تحرم الولد من فرصة العمر في المشاركة لمواجهة العدو؟» (العتابي 45).

وتكتمل المأساة في «إجازة تأجيل الموت»، حيث يقدم الجندي سالم خروفاً رشوةً لضابطه ليشتري أياماً إضافية من الحياة. ويبلغ المشهد ذروته عندما يكتب اسمه باللون الأحمر على ظهر الخروف (ص 53)، فيغدو الخروف معادلاً رمزياً للجندي؛ فكلاهما يُساق إلى الذبح بلا إرادة، ويصبح الاسم المكتوب محاولة أخيرة لإثبات الوجود في مواجهة موتٍ يقترب. وفي قصة «بابا نائم»، تبلغ المفارقة ذروتها عندما تسحب طفلة الغطاء عن جثمان أبيها قائلة: «بابا نائم» (ص 93). وفي «موت جميل»، يفضح الكاتب تجميل القتل بسخرية سوداء؛ إذ توصف الرصاصة بأنها «مغلفة بطبقة ناعمة من مركب زهري» ص 89).

ومن جهة أخرى، تحضر المدينة في المجموعة كائناً حياً يتألم ويشيخ بفعل الحصار؛ إذ تظهر بغداد في «بائع الشاي الأخير»، وهي ترزح تحت وطأة الاغتراب، ويصف الكاتب شارع المتنبي بقوله: «كان شارع المتنبي يتنفس بصعوبة ينوء بثقل الحصار... كانت الكتب كالأشلاء تئن من الجوع معروضة على أرصفة الشارع» (ص 29). إن تشبيه الكتب بالأشلاء يوضح عمق الانهيار الثقافي والاقتصادي.

وفي قصة «أمل في سروال»، يتناول الكاتب التحولات الطبقية عبر سوق الملابس المستعملة (البالة)، حيث «كل قطعة تحمل قصة» (العتابي 48) صاحبها الأول. فيجد المشتري الفقير نفسه مجبراً على ارتداء تاريخ شخص مجهول. وفي مقابل هذا الخراب، يلتفت الكاتب في قصة «فقدان سلسلة» إلى دفء الريف ممثلاً بنهر الغراف ومدرسته القديمة التي «ليست بناية من حجر، إنما روح حية تنبض وسط الطبيعة، على ضفاف نهر لا يعرف التوقف» (ص 100).

يبلغ جمال العتابي ذروة اشتغاله الفني حين يمنح الأشياء والأعضاء المبتورة القدرة على الكلام، فتغدو شخصيات فاعلة تكشف ما عجز الإنسان عن قوله. ففي قصة «ساق تحدق» لا تبقى الساق المبتورة مجرد عضو مفقود، بل تتحول إلى شاهد حي على الخراب العراقي؛ إذ تخاطب الطبيب بقولها: «هذا وطني يتناثر في أبهاء الريح ما بين قتيل في الساحات وبين جريح» (ص 118). بهذا الخطاب تنتقل الساق من أنَّها جزءٌ من الجسد إلى ضمير جمعي يستحضر الوطن الجريح، ثم تستعيد ذكريات الركض وصعود الجبال لتغدو عيناً ساهرة تحدق في بشاعة الحرب وتدين صُنّاعها.

* كاتب عراقيوتتكرر هذه الأنسنة في قصة «لسان يترنح»، إذ لا ينجح القمع في إسكات الحقيقة رغم بتر اللسان: «أنتم تقطعون اللحم، أما الحقيقة فهي تسكن في العظام» (ص 115). وهنا تتحول الإعاقة الجسدية إلى فعل مقاومة، حين يبتكر الناس لغة بديلة، فيغدو مشهد «صار الناس يشيرون بأصابعهم إلى أفواههم المغلقة، ثم إلى قلوبهم» (ص 115) دالاً على أن التواصل الإنساني أوسع من حدود اللغة المنطوقة، وأن الحقيقة تستطيع أن تجد دائماً وسيلة جديدة للتعبير.

ولا يقتصر هذا الحس الإنساني على الإنسان وحده، بل يمتد إلى الكائنات الأخرى. ففي قصة «تيمة كلب» يغدو الكلب رمزاً للوفاء، ويصبح غرس شجرة في مكانه بعد موته فعلاً يحفظ الذاكرة ويقاوم الفناء (ص 115).

أما في قصة «اتحاد النمل»، فإن العتابي يمنح النمل صوتاً أخلاقياً يواجه استعلاء الإنسان، حين يعلن: «لسنا ضدك، لكننا لسنا دونك، نحن نعيش على هذه الأرض كما تعيش... لكن لا نملك حذاءً لنسحق به أحداً» (ص 111).

ومن التقنيات البارزة في المجموعة اعتماد النهايات المفتوحة التي تجعل القارئ مشاركاً في إنتاج الدلالة. ففي قصة «الوردة المجففة» لا يحسم السارد معنى الاحتفاظ بالوردة، بل يتركه معلقاً عبر قوله: «ربما لتحتفظ بالرائحة. وربما لتتذكر أن بعض الرسائل تعرف طريقها، حتى في العتمة» (ص 40). إن تكرار لفظة «ربما» يوسع أفق التأويل، ويمنح المتلقي حرية استكمال المعنى وفق خبرته ووعيه.

وتبلغ هذه التقنية ذروتها في قصة «رفعت الجلسة»؛ إذ لا تنتهي المحاكمة بقرار القاضي، وإنما تنقضها صرخة درويش: «لا... لم ترفع الجلسة، ما زالت مستمرة» (ص 126). وبهذه النهاية يتحول الحكم القضائي إلى محاكمة أخلاقية مفتوحة، ويغدو القارئ طرفاً فيها، مطالباً بإصدار موقفه من الظلم بدل الاكتفاء بمراقبته.

وخلاصة القول: تنحاز مجموعة «ساق تحدق» بوضوح إلى الإنسان المقهور والمهمش؛ فالجندي، وبائع الشاي، والكادح، واليتيم، جميعهم يمثلون وجوهاً لمعاناة واحدة. من خلال المفارقة، والرمز، وأنسنة الأشياء، والنهايات المفتوحة.


من يملك حق تمثيل فرنسا؟

صورة لمنتخب فرنسا قبل مباراته ضد الباراغواي (أ.ف.ب)
صورة لمنتخب فرنسا قبل مباراته ضد الباراغواي (أ.ف.ب)
TT

من يملك حق تمثيل فرنسا؟

صورة لمنتخب فرنسا قبل مباراته ضد الباراغواي (أ.ف.ب)
صورة لمنتخب فرنسا قبل مباراته ضد الباراغواي (أ.ف.ب)

في الليلة التي أقصت فيها فرنسا باراغواي من مونديال 2026 بهدفٍ نظيف، لم يكن الخبر الأبرز ما جرى في الملعب، بل ما كُتب بعده على منصّة «إكس». فقد انهالت السيناتورة الباراغوانية سيليستي أماريّا، عضوة الحزب الليبرالي الراديكالي، على قائد المنتخب الفرنسي كيليان مبابي بوابلٍ من الشتائم العنصرية الفاضحة: وصفته بأنّه «كاميروني خاضع للاستعمار يتظاهر بأنّه فرنسي»، و«أحمق لم يتعلّم حتى الكتابة»، بل بلغت حدّ القول إنّه «رضع جوز الهند بدل حليب أمّه، وإنّ أكثر ما سمعه ثقافةً كان أصوات الشمبانزي». وقد يبدو الأمر مجرّد انفعالٍ فرديّ عابر صدر عن سياسيةٍ معروفة بإثارة الجدل. غير أنّ قراءةً أعمق تكشف عن أنّ ما التقطته السيناتورة من الخارج ليس اختراعاً جديداً، بل صدى لخطابٍ ظلّ يلاحق المنتخب من الداخل منذ عقود: خطابٌ يُنكر على لاعبين من أصولٍ أفريقية أو مغاربية حقّهم في تمثيل الأمة، رغم أنّهم يحملون جنسيّتها ويرتدون قميصها. وليست حادثة مبابي إلا الحلقة الأحدث في سلسلةٍ جعلت من كرة القدم مرآةً مكبّرة لجدلٍ فرنسيّ لا ينتهي حول الانتماء.

من الملعب إلى المختبر السياسي

لفهم هذا الجدل؛ ينبغي تجاوز الرياضة. فالمنتخب الوطني ليس فريقاً فحسب؛ إنّه تمثيلٌ رمزيّ للأمة على شاشة العالم؛ ما يجعل تركيبته البشرية موضوعاً سياسياً بامتياز. وقد بيّنت دراسات لعلم الاجتماع الرياضي أنّ تشجيع المنتخب فعلٌ سياسيّ صامت يعبّر فيه الجمهور عن تصوّره لمن يمثّله ولشكل الأمة التي يريدها. وفي هذا الاتّجاه، ذهب عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي كريستيان برومبرجيه، في دراساته الرائدة عن «شغف الجماهير»، إلى أنّ كرة القدم «واقعةٌ اجتماعية كاملة» ومرآةٌ تعكس انتماءات المجتمع وتوتّراته؛ فالجمهور حين يهتف للفريق إنّما يهتف لصورةٍ عن ذاته الجماعية، ويعلن عبر اللعبة عمّن يَعُدّه منتمياً إلى «الـنحن». ويؤكّد الكتاب الجماعي «كرة القدم والهويّات»، بإشراف الباحث جان ميشيل دو ويل، هذا المعنى حين يبيّن أنّ المنتخبات أصبحت أدواتٍ لصياغة الهوية الوطنية أو للتنازع حولها. فمن يقف على أرض الملعب ومن يغيب، وكيف يُقرأ حضوره أو غيابه، هي أسئلةٌ تتحوّل سريعاً مادّةً للصراع حول تعريف «الفرنسي الحقيقي» في مقابل «الفرنسي المشكوك في فرنسيّته».

هذا الصراع ليس وليد اليوم. فمنذ ثمانينات القرن الماضي، رصد المؤرّخ جيرار نوارييل وعالم الاجتماع ستيفان بو ما سمّياه «أَعرقة الخطاب الاجتماعي» في فرنسا؛ أي ذلك التحوّل الذي جعل السياسيين والإعلاميين والمثقفين يحبسون الأفراد في هويةٍ عرقية جامدة، على حساب هويتهم الاجتماعية والطبقية. وحين انفجرت عام 2011 «قضية الحصص» في مراكز التكوين، إثر كشف موقع «ميديابارت» عن مشروعٍ لتحديد نسبة اللاعبين مزدوجي الجنسية، خلص الباحثان في «ليبيراسيون» إلى أنّ مسؤولي الاتحاد لم يبتكروا هذا المعجم العنصري، بل ورثوه بعد عقودٍ من السجّال حول الهجرة. وفي السياق ذاته، وصف عالم الاجتماع إيريك فاسان المفارقة الفرنسية بأنّها «عنصرية بلا عنصريين»؛ أي أنها بنيةٌ تُنتج التمييز في صمت، دون أن يعترف أحدٌ بأنّه عنصريّ.

ليس اليمين المتطرف وحده

واللافت، أنّ الطعن في انتماء اللاعبين لم يبقَ حبيس خطاب اليمين المتطرّف وحده، بل تبنّاه أحياناً مثقّفون مرموقون. ففي خريف 2005، في حوارٍ مع صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، ذهب الفيلسوف آلان فينكلكروت إلى أنّ «الناس يقولون إنّ منتخب كرة القدم محبوبٌ لأنّه أسود- أبيض -عربي، لكنّه في الحقيقة صار اليوم أسود -أسود -أسود؛ وهو ما يجعله أضحوكةً في عيون أوروبا كلّها». عبارةٌ صادمة لأنّها لم تصدر عن سياسيّ متطرّف، بل عن مفكّرٍ محسوبٍ طويلاً على اليسار، وهي العبارة التي حوّلت لون بشرة اللاعبين مقياساً لـ«فرنسية» الفريق.

على أنّ هذا الخطاب أقدم من ذلك. فمنذ 1996، كان جان ماري لوبن الزعيم التاريخي لليمين المتطرف قد فتح الباب حين اتهم لاعبي المنتخب بأنّهم «أجانب جُنّسوا لغرضٍ واحد هو اللعب في الفريق»، مستدلّاً على ذلك بأنّهم «لا يعرفون النشيد الوطني، وببساطة لا يحفظونه». ومنذ ذلك الوقت، صار أداء «المارسييز» أو النشيد الوطني الفرنسي من عدمه اختباراً علنياً لوطنية اللاعب، تُصنَّف على أساسه الوجوه بين «الصالحين» و«المتمرّدين» غير جديرين بارتداء القميص الأزرق. وقد بلغ هذا المنطق ذروته الرمزية في مباراة فرنسا والجزائر عام 2001، حين قُوطع النشيد الفرنسي بأصوات صفير الجمهور في ملعبٍ باريسي، فصار الحدث ذخيرةً دائمة في يد كلّ من أراد التشكيك في ولاء الفرنسيين من أصولٍ مهاجرة.

«أسود - أبيض - عربي»

في صيف 1998، حين توّجت فرنسا بكأس العالم بمنتخبٍ متعدّد الأصول، بدا أنّ التصوّر الجمهوري قد انتصر نهائياً؛ إذ رُفع شعار «أسود- أبيض- عربي» صورةً لفرنسا التي تتصالح مع تنوّعها، وأعلن الرئيس جاك شيراك أنّذالك أن «هذا الفريق متعدّد الألوان يرسم صورةً جميلة لفرنسا». لكنّ ذلك الإجماع كان أهشّ ممّا بدا، وسرعان ما تحوّل الشعار في نظر كثيرٍ من الباحثين «أسطورةً مستهلكة» تُخفي وراءها استمرار التهميش والتمييز في أحياءٍ بأكملها.

ومنذ ذلك الحين، عاد سؤال الهوية ليطلّ عند كلّ منعطف. ففي كلّ أزمة، من فضيحة إضراب اللاعبين في مونديال 2010 التي أثارت سيلاً من التعليقات عن «فريقٍ فقد روحه الوطنية»، إلى «قضية بنزيمة» حين اتّهم المهاجم الفرنسي من أصلٍ جزائري المدرّب ديدييه ديشان بأنّه «رضخ لضغط جزءٍ عنصريّ من فرنسا» بعد إبعاده عن القائمة؛ ليظلّ السؤال نفسه يفرض ذاته: من يملك حقّ تمثيل فرنسا؟ وهل تكفي الجنسية والموهبة، أم يجب أن يكون اللون واللقب والدين مطابقين لصورةٍ بعينها عن «الفرنسي الأصيل»؟ هذا السؤال الأخير هو ما دأب عليه اليمين المتطرّف، حيث جعل من المنتخب أداةً دائمةً للطعن، بفتح الجدل تارةً حول من لا ينشدون «المارسييز»، وتارةً حول من يرفعون راية بلدٍ آخر، ليبقى السؤال المسموم معلّقاً: «هل هؤلاء يمثّلوننا حقّاً؟».

فخّ الهوية

ما يجعل حادثة مبابي أبلغ من مجرّد إهانةٍ عابرة هو أنّها تكشف «فخّ الهوية» المزدوج الذي تقع فيه كرة القدم وفرنسا معاً. فخ تقع فيه كرة القدم حين تُحمَّل بما لا تحتمل من رموز، فتتحوّل مباراةٌ رياضية استفتاءً على معنى الانتماء، وفخاً تقع فيه فرنسا حين تترك صورتها تتحدّد بلون لاعبيها أكثر ممّا تتحدّد بقيمها المعلنة. واللافت، أنّ الاعتداء هذه المرّة جاء من الخارج، من سياسيةٍ في أميركا اللاتينية، لكنّه استعاد حرفياً المفردات ذاتها التي تتردّد في الداخل الفرنسي؛ وكأنّ الخطاب العنصريّ لغةٌ عابرة للحدود، تجد في جسد اللاعب الأسود شاشةً مشتركة تُسقط عليها مخاوفها من الآخر.

تبقى لردّ مبابي، في حزمه ووضوحه دلالة تتجاوز شخصه. فحين يرفض لاعبٌ أن تُترك الكراهية بلا جواب، يعيد بطريقته طرح سؤال المفكّر إرنست رينان في محاضرته الشهيرة بالسربون عام 1882: هل الأمة إرادةٌ في العيش المشترك تُجسّدها القيم، أم انغلاقٌ على لونٍ وعرق؟ الفيلسوف الفرنسي شرح آنذاك بأن الأمة لا تُبنى على العرق أو اللغة أو الدين، بل على «استفتاءٍ يوميّ» تصنعه الرغبة المشتركة في مواصلة الحياة معاً. وبين هذا التعريف المفتوح وذاك الانغلاق الضيّق، سيظلّ المنتخب الفرنسي مرآةً حسّاسة لصراعٍ لم يُحسم بعد حول مسألة الانتماء والهوية.

عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي كريستيان برومبرجيه: كرة القدم «واقعةٌ اجتماعية كاملة» ومرآةٌ تعكس انتماءات المجتمع وتوتّراته