شاشة الناقد

{ذات مرة في كالكتا}
{ذات مرة في كالكتا}
TT

شاشة الناقد

{ذات مرة في كالكتا}
{ذات مرة في كالكتا}

* قوة الكلب ★★★
* إخراج: جين كامبيون
* الولايات المتحدة (2022)
* النوع: وسترن | عروض: نتفليكس
«أنت صاحبة خطة رخيصة»، يقول فيليب (بندكت كمبرباتش) لزوجة أخيه روز (كيرستن دنست) صباح ذات يوم في فيلم جين كامبيون الجديد «قوّة الكلب» (ثامن فيلم روائي لها في ثلاثين سنة). العبارة مؤلمة وروز شعرت بألمها. كانت تدرك مسبقاً الشخصية الصعبة لفيليب وعداوته للآخرين. لكنها لم تتوقع أن يحافظ على عداوته لها من بعد أن اختارها شقيقه جورج (جيسي بليمونز) زوجة له. الآن هي غير سعيدة وتجد نفسها مهملة ومعزولة (على الرغم مما يبديه جورج لها من حب) فتلجأ إلى الشرب لكي تنسى وهذا يقود لمزيد من المآسي والمزيد من كراهية فيليب لها.
لكن ما سر عداوة فيليب لها وللآخرين؟ ما هو الدافع المبطّن الذي يوعز له بمعاملة شخصيات عدّة في هذا الفيلم باستعلاء واضح؟ لماذا ينطق ليهين؟ لماذا يصر على مناداة شقيقه بـ«البدين» و«جورج بوي»؟
قد نجد الإجابات في رواية توماس سافاج التي تم اقتباسها لهذا الفيلم، لكن ليس في الفيلم ذاته. كذلك لن نجد تفسيراً لاستدارة فيليب من العداوة لابن زوجة أخيه بيتر (كودي سميت - مكفي) إلى الحب والرعاية. هنا إيحاء بأن فيليب يميل إلى بني جنسه وإنه مثلي مكبوت، لكن ذلك لا يفسر باقي الأسئلة. الفيلم بذلك فيلم حالات تقبلها على هذا النحو لأنها حاضرة. وهي حاضرة بعناية وجمال بصري في أكثر من موقع وبروح شفافية - شعرية على نحو عام.
فيليب وجورج شقيقان يملكان مزرعة خيول في ولاية مونتانا (ولو أن التصوير تم في نيوزيلاندا). بصرف النظر عن الجينيات لا يشبه أحدهما الآخر لا كملامح ولا كجسدين ولا كتصرفات. لكن السينما اعتادت على توسيع الرقعة في مثل هذه التفاصيل. مما يُثير الاهتمام ويبني الفيلم الكثير من خامته عليه هو أنهما مختلفان في التصرف. فيليب (أو «فِل» كما ينادونه اختصاراً) رجل طويل القامة. نحيف واثق من نفسه، قوي ومعتد، يعرف ما يريد ويصل إليه. شقيقه جورج بديناً، أقصر قامة. أرق وألطف ويدير الجانب الإداري من المزرعة في حين يعيش فيليب شخصية راعي البقر الأول. هو الماتشو فوق حصانه وعلى الأرض.
هناك نحو نصف ساعة من التعريف والتمهيد ثم تبدأ الحكاية مع دخول فيليب ورجاله وشقيقه إلى مطعم البلدة الصغيرة لتناول الطعام. هناك تقع عينا فيليب على الشاب بيتر، ابن صاحبة المطعم روز. يهينه أمام الجميع ساخراً من عمله ومن حركاته التي يراها أنثوية. عندما يضع بيتر وروداً صنعها من الورق، يشعل فيليب النار فيها لكي يشعل سيجاره. بيتر يبكي. جورج يلاحظ. فيليب ينصرف. جورج يتقدّم لروز مهدئاً ومعتذراً ثم متقدماً بطلب الزواج منها.
المبرر الوحيد شبه الظاهر هو أنه يريد زوجة، لكن الفيلم لا يعمل على إتاحة الفرصة لكي يأتي طلب جورج من روز بأن تتزوّجه مشفوعاً بأكثر من فكرة وليد لحظتها. تنتقل روز وابنها للعيش في المزرعة، بعد زواجها من جورج. يحافظ فيليب على كرهه لروز واستهزائه (ورجاله) بابنها «الناعم». يقول فيليب له: «لا تدع والدتك تعاملك كمخنث». هنا يبوح بيتر لفيليب بأنه يريد أن يصبح رجلاً مثله فيبدأ هذا بتعليمه ركوب الخيل والعمل في المزرعة. هذا البوح يوقف عداء فيليب ويوطد علاقة عاطفية كاشفة عن اتجاهات نفسية - تراجيدية: بيتر يصبح أكثر قوّة وفيليب أقل خشونة. إنه كمن فرض نفسه بشروط فيليب لكي يغيّر فيليب نظرته إليه، وينجح. في الوقت ذاته وصاعداً يتحوّل وجود روز وجورج إلى استكمال هامشي. خيالان سابحان في هذه الدراما.
جين كامبيون تستخدم جورج وروز وبيتر لتأكيد شخصية فيليب الدامغة. كل واحد منهم يلعب الدور الذي سيرتد على فيليب منعكساً على نحو أو آخر. هم كفراشات الضوء التي تطير حوله وتتساقط مع اختلاف مهم هو أن فيليب سيتساقط بدوره.
مرّة أخرى لا دوافع ناصعة، بل حالات ظاهرة، مما يضعف الفيلم في صميمه. يمر الفيلم بأحداثه القليلة ودقائقه الكثيرة (نحو ساعتين ونصف) ناجحاً في تطريز وحياكة مشاهده بصرياً وخالياً من القدرة على دمج المُشاهِد دمجاً درامياً فعلياً. أسلوب عمل كامبيون يبدو تماثلاً مع سلحفاة تقطع مسافة طويلة. عناية المخرجة بالتفاصيل بصرية غالباً. تحصل من ممثليها على ما يعكس ما يجول في كل منهم من مشاعر بنجاح لكن هذه التفاصيل، وذلك النجاح لا يسد الثغرة الناتجة عن غياب الدوافع.
إنه أمر غريب إلى حد حين نفكّر بالأمر متخذين من أحد المشاهد مما يعكس ما نذهب إليه هنا: في ولاية مونتانا، سنة 1925. كانت الكهرباء موجودة في عموم ربوعها لكن كامبيون تحرص على تصوير المطعم داكناً ويعاونها مدير التصوير آري وغنر على ذلك. الطاولات تحمل شموعاً موزّعة بتباعد. ومعظم أنحاء القاعة مظلم لدرجة تستدعي الملاحظة. إنه تصوير أجواء واقعية بواقعية. لكن اختيار الشموع عوض الكهرباء يدلف بهذا المشهد، على الأقل، لتكلّف واضح. بالتالي إلى قدر من الكذب. ليس أن الكهرباء لم تصل إلى تلك البلدة النائية لأننا سنلاحظ في مشهد لاحق أن منزل فيليب وجورج النائي فيه إضاءة كهربائية. خافتة نعم. لكنها متوفرة.
أداء الجميع جيد، لكن الحال مع بندكت كمبرباتش مختلف. هو جيّد تقنياً لكنه يتأرجح بين الضرورة والتكلّف. كمبرباتش يعرف أنه يقود العمل ويفهم معنى القيادة، لكن ليس هناك في شخصيته مما يؤدي إلى تطوير ذلك الخط الواحد من الأداء.

* ذات مرة في كالكتا ★★★
* إخراج: أديتيا فيكرام سنغوبتا
* الهند (2021)
* النوع: دراما | عروض: مهرجانات
يوعز العنوان بما يمكن ربط المدينة الهندية عبره بأحداث تقع في رحى شخصيات تعيش فيها. فيلم سنغوبتا الثالث هو كذلك بالفعل. مشاهده الأولى تفضي إلى ما يشبه خريطة ترى من خلال خيوطها ملامح مدينة تتغير وإذ تفعل فإن الشخصيات التي تعيش فيها محكوم عليها بالتوقف عن الحركة أو الاندماج بالتغيير… حتى وإن لم تعرف وجهة هذا التغيير.
إيلا (سريلخ ميترا) امرأة تعيش حالة مأسوية كاملة. كانت خسرت والدتها وطفلتها اللذين توفيا قبل حين. خسرت زوجها شيشر الذي طلّقها. وتصد عنها رجلاً آخر قد يكون أفضل ما سيقع في عالمها ذي الخيارات الصعبة والمحدودة. لديها نصف شقيق يعيش حالة ذهنية غير مستقرة. هي المحور لكن الشخصيات الأخرى تتمتع كذلك بمساحات عريضة تكاد تؤثر على ذلك المحور وتجعل الفيلم بلا نقطة ارتكاز.
ما يشفع لهذا الفيلم هي الطريقة الموحية التي يطرح المخرج من خلالها ما يقع في المجتمع من خلال شخصيات محدودة. وهي طريقة ممنهجة على نحو مؤكد وواثق. مشاهد مبنية بتؤدة ولو أن بعضها يستمر أطول مما يجب، ولقطات لشوارع ومباني وسلالم وأسطح وجوانب مدينة تبدو كما لو كانت صُنعت من أسرار الأحياء بين جدرانها الضيقة.
كبار مخرجي السينما الهندية (فرع الأفلام المستقلة عن الرقص والاستعراض) أمثال ساتياجيت راي ومرينال سن وشايام بنيغال ورتويك جهاتاك، عبّروا في أفلامهم عن وقائع اجتماعية داكنة في مدينة هندية مكتظة. لكن في حين مال راي للمجهرية مختاراً شخصيات محدودة في بناء ذي خط واحد، ومال سن إلى نقد البيئة الطبقية وعني بنيغال بتصوير الحال الإنساني، يدلف سنغوبتا مساراً موازياً بأسلوب يذكّر بأساليب مخرجين آسيويين خارج الهند (الصين، تايلاند، تايوان... إلخ) الذين يرصدون الحدث بخطة تجمع بين فن الإيحاء وبين وضوح البوح مرميّان على خلفية من هندسة اللقطات وتأليف بيئاتها وأجوائها.
«ذات مرّة في كالكتا» يُحسن، في هذا الإطار، توظيف المرأة التي تبحث عن بداية جديدة لكنها لا تدري منطلقها الصحيح. يعرض للشخصيات الأخرى عبر مشاهد تعبّر مباشرة عما هي عليه من دون كثير شرح. الفساد الذي تعيش فيه بعض شخصياته لا يؤذيها، بل يؤذي تلك البريئة منها. هذا هو حال الرجل الذي يتقدّم من إيلا معرباً عن حبّه. كانا على علاقة قبل زواجها. تزوّج بدوره ويلتقيها صدفة ويحاول استعادة ما فات معها. نياته الطيّبة تتوافق مع مبادئه فهو في عالم يريده أن ينصاع للفساد المستشري (يُعرض عليه قبول مواد بناء مخففة ورخيصة عوض تلك التي يتطلبها البناء ويرفض). هو أيضاً جانب من تلك المرايا - النماذج التي يتوزّع وجه بطلة الفيلم عليها.
بلا غناء (إلا ما نسمعه في الراديو). موسيقى محدودة التوظيف (ولو متكررة مما يجعلها ضعيفة) وبلا ميلودراما بل إشادة واقعية متطوّرة ومتعوب على اختيارات المخرج للأماكن وحسن توظيفه لشروطها لخلق البيئة والمفاد منها.

★ ضعيف| ★ ★ : وسط| ★★★: جيد | ★★★★: ممتاز | ★★★★★: تحفة


مقالات ذات صلة

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

يوميات الشرق تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

حصد فيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب جائزة «أفضل عمل أول» في مهرجان «برلين السينمائي».

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)

«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

تمتلك الأحياء الشعبية قدرة خاصة على احتضان الحكايات، وإعادة إنتاجها عبر الزمن، ومن هذا الفضاء ينطلق المسلسل السعودي «حي الجرادية»

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

المخرج التركي إلكر تشاتاك قال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام».

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز