المعارك حول «الخط العربي»... جمر تحت رماد

«اليونيسكو» أدرجته في قائمة التراث الثقافي غير المادي

معرض للخط العربي في الشارقة
معرض للخط العربي في الشارقة
TT

المعارك حول «الخط العربي»... جمر تحت رماد

معرض للخط العربي في الشارقة
معرض للخط العربي في الشارقة

شاءت الصدفة أن يتزامن إعلان منظمة «اليونيسكو» عن إدراج «الخط العربي» في قائمة التراث الثقافي غير المادي، مع فعاليات «مهرجان الفنون الإسلامية» في الشارقة في دورته الرابعة والعشرين، والذي يخصص سنوياً، جانباً مهماً من فعالياته لفن الخط، فيقيم المعارض والورشات والمحاضرات.
والباحث عن فن الخط العربي ومساره، يكتشف أن الأمر أعقد مما يبدو ظاهرياً، سواء لناحية التأريخ للأصول أو تتبع مراحل التطور، أو حتى ما وصل إليه اليوم، بحيث أصبح فتنة للمصممين، وموضع قلق للخطاطين العرب، الذين يعتبرون أن مهماتهم لا تتوقف عند التخطيط والابتكار وصون القواعد والأصول، بل تتعداها إلى الحفاظ على الهوية الحضارية؛ إذ يجمع الخطاطون على أن الخط هو أحد أبرز مفردات الحضارة العربية - الإسلامية، وبواسطته انتقلت إلينا الأخبار والأحداث والمعلومات التي نستند إليها لرواية تاريخنا.
لهذا حذر الخطاط والباحث الإماراتي خالد علي الجلاف خلال محاضرة ألقاها ضمن «مهرجان الفنون الإسلامية» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي في الشارقة، من التهاون أو التراخي العربي، قائلاً: «أكثر ما يزعجني أن دولاً غير عربية مثل تركيا تدعي أن هذا الفن هو فنها، فقد طلبت تركيا من اليونيسكو أن يكون هذا الخط باسمها، وإيران طلبت أن يسمى أيضاً باسمها. إنما هو خط عربي اشتهر وازدهر في العراق في العصر العباسي، بعد سقوط بغداد وأخذوه وطوروه في تركيا وفارس بعد ذلك، ولا ننكر لهم ذلك، أما أن يدعوا أنه تركي أو فارسي، فلا أعتقد هذا، ولا ينبغي أن نسمح لهم بذلك. الآن نحن في حرب لنثبت أن هذا الخط عربي».
والحقيقة أن الخلاف كان قد دب بين تركيا وإيران حول تسجيل الخط العربي في اليونيسكو، كل منهما تريد أن تدمغه باسمها. وطلبت تركيا في ملفها الوطني الذي قدمته إلى اليونيسكو، أن يدرج على لائحة التراث الثقافي غير المادي تحت مسمى «الخط التقليدي في الفن الإسلامي في تركيا»، لكن نهاية عام 2020 أرسلت إيران اعتراضاً رسمياً إلى منظمة اليونيسكو على اقتراح تركيا بتسجيل ملف «الخط الإسلامي» في اجتماع هذه المنظمة لعام 2021، وقال محمد حسن طالبيان، نائب وزير التراث الثقافي الإيراني، أن «صفة الإسلامي لا يمكن أن تقتصر على تركيا، بغض النظر عن حقيقة أن أصل الخط الإسلامي يجب البحث عنه في إيران».
ولحسن الحظ، أنه وبمبادرة سعودية وبمشاركة ودعم 15 دولة عربية أخرى، هي الكويت والإمارات والبحرين وسلطنة عمان ومصر والعراق والأردن وموريتانيا والمغرب وفلسطين والسودان وتونس واليمن ولبنان والجزائر، كانت قد قدمت ملفاً، للهيئة الأممية مطالبة بدخول الخط - الذي أصبحت تسميته موضع نزاع - على قائمة التراث الثقافي غير المادي، تحت مسمى «الخط العربي».
وبينما يدعي الأتراك والإيرانيون، كل من جانبه، أنهم هم من أعطوا الخط العربي بعده الفني وبالتالي فالانتماء الإسلامي أولى به، يرى العرب أن العراق في العصر العباسي، كان الحاضنة التي أسست لهذا الفن، وكتب ابن خلدون في مقدمته «اختط بنو العباس بغداد، وترقت الخطوط فيها إلى الغاية، لما استبحرت في العمران وكانت دار الإسلام، ومركز الدولة الإسلامية، وخالفت أوضاع الخط ببغداد أوضاعه في الكوفة، في الميل إلى إجادة الرسوم وجمال الرونق وحسن الرواء. استحكمت هذه المخالفة في الأمصار إلى أن رفع رايتها في بغداد أبو علي بن مقلة الوزير ثم تلاه في ذلك علي بن هلال المشهور بابن البواب وياقوت المستعصمي، وتغيرت رسوم الخط البغدادي وأوضاعه عن الكوفة حتى انتهت إلى المباينة».
ولم يكن فوز العرب في معركتهم في اليونيسكو بديهياً، بحسب ما كتب المستشار العلمي للملف الفنان المصري محمد بغدادي «كانت هناك عقبات عديدة أهمها ضيق الوقت. وغياب قاعدة بيانات وافية عن الخط العربي في معظم الدول العربية، لاستكمال قوائم الحصر وتسجيل شهادات الممارسين، وإبراز مهارات وأدوات عنصر الخط العربي»، لكن ما حصل بعد ذلك أن التعاون كان كبيراً، والنشاط حثيث بين الهيئات المعنية بالخط والقيمين على تجويد الملف المقدم لليونيسكو، ما أسهم في تقديم أدلة محكمة ومقنعة، انتهت إلى تسجيل الحروف والخطوط المعتمدة في دولنا على أنها عربية. ويبدو أن المشكلة تتجاوز اعتبار الخط «عربياً»، أو «إسلامياً» جامعاً، إلى تفرد دولة إسلامية (هي هنا تركيا أو إيران) أكثر من غيرها أحقية نسبته إليها، لأنها هي من طورته وصنعت مجده الفني.
ما حدث في اليونيسكو ليس سوى جولة في مسار طويل ومستمر، فالخطاطون الذين يعرضون في الشارقة، حتى الثالث والعشرين من الشهر الحالي، يتحدثون عن تحديات كثيرة، ومعارك ثقافية، على أكثر من جبهة. هناك مخاوف من الانتهاكات التي يتعرض لها الخط العربي، من قبل مصممين وصناعيين، أو نساجين وغيرهم، بعد أن شاع استخدام الحروف العربية في الغرب. ويقول أستاذ الخط، الفنان السوري جلال المحارب، الذي يقدم معرضاً ضمن المهرجان تحت عنوان «تجليات» يغلب عليه الطابع الصوفي، وتتوزع أعماله بين الكلاسيكية، والفنية الابتكارية، إن لديه قلقاً من الطريقة التي يتم التعاطي بها مع الخط العربي أحياناً، من قبل غير متخصصين، أو فنانين غربيين. «إن الفنان المسلم هو الأعرف بفن الخط، والأقدر على التعاطي معه. ما قام على قاعدة أكاديمية، يجب أن ينتج عملاً مضبوطاً. مثلاً، حرف الألف في خط الثلث مكون من ثماني نقاط، يمكننا لأسباب فنية أن نتخلى عن هذه القاعدة، وأن نكتبه بخمس نقط شرط أن نحتفظ برأسه وصدره وعجزه. علي كفنان ألا أشوه الحرف». وحين نسأل: هل تعتقد أن الغربيين يعملون بلا ضوابط؟ يجيب «بالطبع، نحن لسنا ضد أن يدخل الفن العربي، إلى كل الفنون، لكن هناك قدسية، يجب أن تحترم، ونحن كخطاطين لا نوافق أن يكون الخط العربي ممتهناً في أماكن تنزل من قيمته، كأن يكون على الأحذية، أو على السجاد فيداس عليه. حين تكون ثمة كتابات على السجادة، يفترض أن تعلق على الحائط».
لا ينكر جلال المحارب، أن ثمة أعمالاً فنية لافتة لفنانين غربيين استوحوا الخط العربي، لكنه يعتقد أن هناك فرقاً بين التنازل عن بعض القواعد، والتنازل عن جمالية الحرف، وهذا ما لا يجب التساهل به.
«الخط آسر بحركاته وبتشكيلاته. وهو الأكثر حظوة في الدخول إلى التطور والحداثة. فمن جماليات الحرف العربي قدرته على التصوير والتماهي والتمايز مع أي فن من الفنون، لكن شرط الحفاظ على صفاء حواف الحروف ووضوحها وألا تترك متلاشية، حتى إن دخلت واقع التشكيل».
يعدنا المحارب بصولات وجولات، للخط العربي في السنوات المقبلة، فقد دخل الفن المعماري الحديث، وأصبح جزءاً من عالم الملابس والديكورات، وشتى أنواع التصاميم، معبراً أن الخط العربي يعيش «عصره الذهبي».
لكن عبد المجيد محبوب المدير التنفيذي للجمعية السعودية للمحافظة على التراث، يرى الأمر، من زاوية أخرى، وبعين أقل تفاؤلاً لأن «الكثير من الناس ما عادوا يكتبون باليد بفعل التطور التكنولوجي»، وتم «تسجيل تراجع كبير في عدد الخطاطين المتخصصين». لهذا أمل محبوب أن يسهم إدراج الخط العربي ضمن قائمة اليونيسكو للتراث غير المادي في توعية العرب بهذه المشكلة ويكون له «الأثر الإيجابي للحفاظ على هذا الفن».



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».