«المسألة الأوكرانية» معضلة روسيا في علاقاتها بأميركا والغرب

المواجهة العسكرية ليست في حسابات بايدن... وتكرار سياسات أوباما وترمب ليس وارداً

«المسألة الأوكرانية» معضلة روسيا في علاقاتها بأميركا والغرب
TT

«المسألة الأوكرانية» معضلة روسيا في علاقاتها بأميركا والغرب

«المسألة الأوكرانية» معضلة روسيا في علاقاتها بأميركا والغرب

يشير حشد القوات الروسية على الحدود الأوكرانية إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد يكون بصدد التحضير لمغامرة «شخصية» جديدة. البعض يرى أنها قد لا تكون بعيدة عن محاولته تفادي نتائج انتكاسات سياساته الخارجية في كثير من بؤر التوتر المنخرطة بلاده فيها. وهي انتكاسات تترافق مع «توتر» داخلي، في ظل أوضاع اقتصادية مقلقة، بعدما فشلت إدارته في إخراج البلاد من اعتماد نموها على النفط، وكذلك تأثيرات جائحة «كوفيد - 19». في المقابل، يرى آخرون أنها قد تكون نتيجة «استشعاره» بالخطورة على مستقبل، ليس فقط حكمه الذي دأب على بناء نموذجه السلطوي فيه منذ توليه السلطة عام 2000، بل على مستقبل وحدة روسيا نفسها، في ظل ما تعنيه «القضية الأوكرانية» بالنسبة إليها.
إن الحديث عن مطالبته الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي بضمانات أمنية لحدوده الغربية الجنوبية، ومنع تمدد الحلف إلى تلك الحدود، ليس كافياً لتبرير هذا التوتر. فأبواب الحلف، كان بوتين مَن بادر إلى طرقها للانضمام إليه، كما أن الطرف الذي دأب على رفع منسوب التوتر معه، كان سلوكه هو منذ توليه السلطة. والحلف لم يقدم على أي عمل عسكري أو حدث متسارع، كالتدخل مثلاً في سوريا، أو عرض حديثاً فتح أبوابه لانضمام أوكرانيا، أو سعى الاتحاد الأوروبي لشراكة اقتصادية وسياسية على كييف، كما حدث عام 2013. حتى الكلام عن أن إحباط بوتين مردّه قلة التزام أوكرانيا بـ«اتفاقيات مينسك» لعامي 2014 و2015 لمنح منطقة الدونباس، ذات الغالبية الروسية، حق النقض على علاقة أوكرانيا بالغرب، ليس تطوراً جديداً.

بين التهديد بعمل عسكري وتنفيذه فارق كبير، وبما يخص روسيا وأوكرانيا، يعتقد كثيرون أن فلاديمير بوتين يدركه. مع هذا، في تصريحات لنواب أميركيين من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، إثر زيارتهم أخيراً لأوكرانيا، قال هؤلاء إنهم مقتنعون بأن بوتين «كان يفكر جدياً» في غزوها. ومع مطالبتهم إدارة الرئيس جو بايدن بفرض «عقوبات وقائية» على موسكو، وإرسال مزيد من الأسلحة إلى أوكرانيا، قال أحدهم، هو النائب الديمقراطي سيث مولتون: «يجب أن ننهمك بردع بوتين أكثر بدلاً من استفزازه». وأضاف: «إذا أقدم بوتين على غزو أوكرانيا، فعليه أن يعلم أنه سيجد صعوبة خلال الدقائق الخمس التالية في شراء مشروب غازي من آلة بيع، لا أن حلف الناتو سيدعو لاجتماع عاجل لمناقشة خطواته في الأسابيع التالية».
غير أن تصعيد بوتين لتهديداته، وتلويح عدد من المسؤولين الروس باستخدام أسلحة «نووية تكتيكية»، في أي مواجهة مع الجيش الأوكراني، يراه البعض تعبيراً واضحاً عن مخاوفه من الكلفة العالية التي سيتكبدها. فالمعلومات تؤكد حصول كييف على أسلحة أميركية نوعية، وفق المتحدث باسم البنتاغون جون كيربي، واستخدامها طائرات مسيّرة للمرة الأولى في حربها مع الانفصاليين، حصلت عليها من تركيا. ثم إنه في ظل هشاشة أوضاع روسيا الاقتصادية، قد يكون بوتين عاجزاً عن تمويل حرب. تشير كل المعطيات إلى أنها ستكون حرباً طويلة ومفتوحة، لا قدرة لبلاده على تحملها. وحربه في سوريا ما تزال دليلاً ماثلاً على حدود ما يمكن أن يحققه، بينما يحافظ فيه على «توازن» دقيق لتورطه فيها، واضطراره للاتكال على شريكته إيران في إنجاز الأعمال «القذرة» الأخرى، والأثر الذي تتركه على قيادته للحرب في سوريا ومستقبلها.
مقابل هذا التصعيد، استعجل بوتين أخيراً عقد «مفاوضات أو محادثات فورية» مع الولايات المتحدة و«الناتو»، حول الضمانات التي ينبغي تقديمها لروسيا بشأن «أمنها ومنع أي توسع مستقبلي للحلف شرقاً أو نشر منظومات أسلحة تهدد روسيا في أوكرانيا أو أي دولة أخرى مجاورة». وثمة من يقول إن بوتين «صدم» بموقف واشنطن والعواصم الغربية الحازم القائم على أساس أن تجربة العامين 2014 و2015، حين اجتاح شبه جزيرة القرم وضمها إلى روسيا، لن تتكرّر. وكذلك، من بيان مجموعة الدول السبع الاقتصادية الكبرى، المنحاز تماماً لواشنطن، في تحميل روسيا «ثمناً باهظاً»، إذا ما اجتاحت أوكرانيا. وهناك تجديد مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان التأكيد في اتصال مع نظيره الروسي يوري أوشاكوف أن واشنطن ستواصل التنسيق عن كثب مع حلفائها الأوروبيين، سعياً إلى معالجة المسائل الأمنية والاستراتيجية بالدبلوماسية، ما كشف أيضاً أن مساعدة وزير الخارجية للشؤون الأوروبية كارين دونفريد، التي زارت كييف وموسكو أخيراً، اتفقت مع حلفاء «الناتو» على توحيد الجهود وتنسيقها في هذا الملف.
هذا، وتحدثت أوساط أميركية عن تقديمها «خريطة طريق» مقبولة ومتوازنة للطرفين، للخروج من الأزمة. وإذ يحمل البعض الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما مسؤولية تهاونه في الرد على اجتياح القرم، يرى آخرون أن موقف أوباما كان تطبيقاً لبدء سياسات «تريح» واشنطن من المشكلات الإقليمية، في الشرق الأوسط وأفغانستان وأوروبا نفسها، بعدما وصف روسيا بأنها «قوة إقليمية»، لم تعد تشكل نداً آيديولوجياً، ولا تهديداً استراتيجياً كالصين. بل سمح لبوتين بالانغماس في «مستنقع» سوريا، التي دخلها بموافقة أميركية موصوفة.
اليوم، يقول محللون أميركيون إن بايدن لن يكرّر سياسات سلفيه أوباما وترمب، لا في غض النظر أو المحاباة، ولا في تعريض روسيا لأخطار «وجودية». وهو يحاول خلال تنفيذ استراتيجيته «التنافسية» مع الصين، استمالة روسيا، في ظل إدارته ورهانه على تأثرها الحتمي بمحيطها «الديمقراطي» وحراكها الداخلي. وهو يرى أنه رغم نجاح سياسات بوتين القومية والشعبوية في تأليب جزء كبير من الرأي العام الروسي ضد أميركا، لا يزال الشعب الروسي بمكوناته العرقية المختلفة يطمح للالتحاق بركب الغرب، إسوة بتجارب شعوب أوروبا الوسطى.

إشكالية التاريخ

يطرح البعض إشكاليات تاريخية، لطالما قضّت مضاجع صناع القرار في روسيا، منذ تأسيس القيصرية عام 1470، مروراً بالحقبة السوفياتية، وصولاً إلى عهد بوتين.
روسيا التي كانت دولة «المُسكوب» قبل هذا التاريخ، كانت ولا تزال، يسكنها هاجس العودة إلى تلك الحقبة، في حال خسرت أوكرانيا التي ضمها «القيصر» إيفان الثالث، في ذلك العام. وإبّان الحرب العالمية الثانية، كان «السوفيات» يعتقدون أن اجتياح ألمانيا النازية لأوكرانيا بهدف سلخها عنهم، يشكل حجر الزاوية في استراتيجية ألمانيا لكسب الحرب على روسيا. فسلب أوكرانيا من روسيا يؤسس لزوال روسيا نفسها، ويعيدها إلى تشكيلاتها السابقة من دول صغيرة، كما كانت قبل إعلان القيصرية.
غير أن هزيمة ألمانيا، أسست في المقابل لعقيدة روسية - لم يكتب لها النجاح في نهاية المطاف - تدعو إلى ضمان «حيادية» ألمانيا، في تناقض مع الخوف من أن تؤدي حياديتها واستقلاليتها عن الولايات المتحدة، إلى إحياء طموحات نازية جديدة، بعدما عادت ألمانيا قوة اقتصادية هائلة. وغني عن القول إن تلك السياسات لم تؤدِ فقط إلى خسارة ألمانيا التي تمسكت أكثر بانحيازها للولايات المتحدة، بل انهيار «التجربة السوفياتية» كلها، فضلاً عن انهيار «حلف وارسو» وانضمام غالبية دوله إلى «ناتو» (حلف شمال الأطلسي). ويرى البعض أن تلك العقيدة ما تزال تهيمن على «العقل» الروسي، في محاولة لضمان «حيادية» أوكرانيا، الأمر الذي قد يفسّر أسباب تمسك بوتين بأوكرانيا، وما تعنيه بالنسبة إلى وحدة روسيا نفسها، وليس لأسباب عقائدية أو اقتصادية أو تنافسية مع الغرب.
في مقال نُشر في يوليو (تموز) الماضي، بعنوان «حول الوحدة التاريخية للروس والأوكرانيين»، جادل بوتين بأن البلدين يشكلان «شعباً واحداً» وأن «السيادة الحقيقية لأوكرانيا ممكنة فقط بالشراكة مع روسيا». والآن، في العقد الثالث من حكمه، قد يعتبر بوتين أنه ما لم يتخذ إجراء حاسماً، فإن أوكرانيا ستبتعد أكثر عن روسيا. ولكن إذا كان كذلك، يتساءل البعض عن مستقبل هذه «العقيدة»، التي تبين أن تحقيقها يستلزم توفر عوامل كثيرة، ليست عسكرية بالتأكيد. فالاتحاد السوفياتي الذي كان «القطب» العالمي في مواجهة الولايات المتحدة، لم تحمِه ترسانته العسكرية من الانهيار، بعدما تحوّل الحصول على علبة سجائر «مارلبورو» حلماً للروس. كما أن حجم الغضب من النموذج السوفياتي السابق، واليوم من نموذج «البوتينية» - ليس فقط في أوكرانيا ودول «المعسكر الاشتراكي» السابق، بل داخل روسيا - يهدد بنزعات انفصالية قد تطيح بوحدتها نفسها. فروسيا العاجزة عن كسر تخلف نموذجها السياسي والاقتصادي، وانسداد أفق تقدمها، بحاجة للخروج من هذه السياسات، رغم «نجاحات» بوتين الخارجية، من الانتخابات الأميركية، إلى تعزيز النزعات القومية اليمينية في القارة الأوروبية.
إن الدول التي خرجت من عباءة موسكو، فتح تقدمها الديمقراطي الأفق نحو مستقبل، قد يكون واعداً، على الأقل إذا نظرنا لإنجازات حققتها دول أوروبية صغيرة. ناهيك من كوريا الجنوبية وتايوان وبعض دول جنوب شرقي آسيا، التي كانت ميداناً تنافسياً مع الولايات المتحدة... لكنها تتقدم اليوم عن روسيا سنوات ضوئية من التقدم الاقتصادي والتكنولوجي؛ حيث يجهد الباحثون للعثور على أي منتج روسي، بخلاف صواريخ «إس 400».
ويرى بعض المحللين أن اندفاع روسيا إلى أحضان الصين، قد يقود إلى خطأ استراتيجي أكبر. فهو لا يهدد فقط بتبعيتها لها، في ظل تفوق بكين في مختلف المجالات الاقتصادية والتقنية. بل قد يكون مفتوحاً على عوامل استراتيجية واقتصادية تلوح في الأفق القريب والمتوسط، عن احتمال انهيار اقتصادي تتجه إليه الصين حثيثاً، بعد اندلاع الأزمة العقارية فيها وتباطؤ الإنتاج وبدء كبار المستثمرين والمنتجين الدوليين التفتيش عن سلاسل إمداد جديدة. وهذا أمر يلعب بلا شك دوراً رئيساً في امتناع بكين عن الدخول في مغامرة استعادة تايوان بالقوة، إذ ما الذي ستكسبه من تدميرها؟

عواقب الاحتماء بالصين

بعض التحليلات الغربية تضيف أن الإصرار الروسي والصيني على التمسك بسياسات التهديد والضم، يمكن أن يأتي بنتائج عكسية. فقبل ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، شعرت أوكرانيا بالتشتت بين الغرب وروسيا. وبعد ذلك، بدأت أوكرانيا بالتحرك بثبات باتجاه الغرب من الناحية الجيوسياسية.
وبالمثل، فإن حملة القمع التي شنتها الصين على هونغ كونغ عزّزت المواقف في تايوان ضد التوحيد السلمي، بحسب نموذج «دولة واحدة ونظامان». لكن المحللين يحذرون أيضاً من أن هذه العوامل قد تقوي رغبة بوتين بالغزو رداً على المشاعر المعادية لروسيا. وعندها ستكون المغامرة كبيرة إذا لم تهزم روسيا القوات الأوكرانية بسرعة، في بلد تعداد سكانه يفوق 40 مليون نسمة، وتحمل غالبيته مشاعر تاريخية معادية للسيطرة الروسية. وقد يطول الصراع، مع تدفق المساعدة العسكرية الغربية على أوكرانيا، وإذ ذاك ربما تؤدي الخسائر المتوقعة في صفوف المدنيين وتدمير الممتلكات، إلى تأجيج الرأي العام، حتى في الجزء الشرقي الانفصالي من أوكرانيا، ما قد يؤدي إلى اندلاع تمرد. وعندها لن يكون باستطاعة روسيا اللجوء إلى الإنكار الرسمي، كما فعلت منذ ضمت شبه جزيرة القرم، في حين ستقول أوكرانيا ببساطة إنها تقود «انتفاضة وطنية»، وليس صراعاً على قطعة أرض متنازع عليها.

كيف تدهورت العلاقات الروسية مع الغرب؟
> بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وسنوات من محاولات التقارب بين روسيا والغرب، حاول رئيسها فلاديمير بوتين عام 2000 التحرك بسرعة لتعزيز تلك العلاقات، واختبار احتمال انضمام روسيا إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو)، غير أن اللورد جورج روبرتسون، الذي شغل منصب الأمين العام للحلف بين 1999 - 2004، استذكر أخيراً كيف سأله بوتين عن موعد دعوة الحلف لروسيا، وكيف شعر الأخير بالإهانة، عندما ردّ روبرتسون بأن على موسكو التقدم بطلب للحصول على العضوية، تماماً مثل أي دولة أخرى، بحسب وكالة «أسوشيتدبرس».
وأثناء استكشافه إمكانية الانضمام لـ«ناتو»، تحرك بوتين أيضاً لإقامة علاقات سياسية وأمنية أوثق مع واشنطن وحلفائها. وكان أول زعيم أجنبي يتصل بالرئيس الأميركي جورج بوش بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001، عارضاً تقديم المساعدة. وسرعان ما رحّب بالانتشار العسكري الأميركي في قواعد الجمهوريات السوفياتية السابقة في آسيا الوسطى للحرب في أفغانستان. وأيضاً أغلق بوتين قواعد الحقبة السوفياتية في كوبا وفيتنام. ورغم أن روسيا لم تنضم لـ«ناتو»، فإنها اتفقت معه عام 2002 على إنشاء مجلس لتنسيق السياسات والتعاون في مكافحة الإرهاب وقضايا أخرى. لكن منذ ذلك العام بدأت العلاقات بين موسكو وواشنطن بالتدهور، بعدما قررت الأخيرة الانسحاب من معاهدة تعود إلى حقبة الحرب الباردة، تحظر نشر دفاعات ضد الصواريخ الباليستية، وهي خطوة اعتبرتها موسكو تهديداً محتملاً لردعها النووي.
بعدها، أثارت الحرب الأميركية في العراق عام 2003 انتقادات شديدة من موسكو، وزادت من توتر العلاقات. وتصاعد غضب موسكو عندما انضمت بلغاريا ورومانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا ودول البلطيق الثلاث، إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، إلى «ناتو» عام 2004. ومع اندلاع «الثورات البرتقالية» في أوكرانيا وجورجيا، التي أطاحت بالمرشح الرئاسي الذي تدعمه روسيا في كييف، وبالرئيس الجورجي المدعوم منها أيضاً في ذلك العام، عدّ الكرملين تلك الاحتجاجات تدخلاً غربياً في «الفناء الخلفي» لروسيا. وشكّل خطاب بوتين في مؤتمر أمني في ميونيخ بألمانيا عام 2007 حداً فاصلاً ونقداً شديداً للتحركات الأميركية. وقال إن واشنطن «تجاوزت حدودها الوطنية بكل الطرق»، واصفاً توسيع «ناتو» باتجاه الشرق بأنه «استفزاز خطير».
وعندما وعد «ناتو» في قمة له عقدت في رومانيا عام 2008 أوكرانيا وجورجيا بالانضمام إليه، اعتبرت روسيا ذلك بمثابة ضربة لمصالحها الأمنية الحيوية. وبعد 4 أشهر، شنت روسيا هجوماً دام 5 أيام على جورجيا، إثر محاولة الأخيرة استعادة السيطرة على مقاطعة أوسيتيا الجنوبية الانفصالية التي تدعمها موسكو.
ثم عام 2014، أطاحت مظاهرات شعبية بالرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش «صديق الكرملين» احتجاجاً على تخليه عن اتفاق مع الاتحاد الأوروبي، لمصلحة علاقات أوثق مع موسكو. وردّت موسكو بضم شبه جزيرة القرم ودعم المتمردين الانفصاليين في المنطقة الصناعية والمنجمية شرق أوكرانيا، المعروفة باسم «حوض الدونباس».
وأدى الصراع الذي دخل عامه الثامن إلى مقتل أكثر من 14 ألف شخص، وفشل الجهود المبذولة للتوصل إلى تسوية سياسية، ثم فرضت واشنطن وحلفاؤها عقوبات على موسكو، وأوقفت كل تعاون لها مع «ناتو»، ونشرت تعزيزات عسكرية بالقرب من روسيا. ومنذ ذلك الحين، يندد الكرملين بهذا الانتشار وبالتدريبات بالقرب من حدوده، واصفاً إياها بأنها تهديد أمني.
وفي الشهر الماضي، تصاعدت التوترات بعد تقارير استخبارية وصور أقمار اصطناعية عن حشد روسيا نحو 170 ألف جندي ومعدات عسكرية بالقرب من أوكرانيا. وبينما نفى بوتين التخطيط لهجوم على أوكرانيا، فإنه يسعى للحصول على تعهد غربي بأن «ناتو» لن يضمها إلى عضويته، أو ينشر قواته هناك، وهو توسع وصفه بأنه «خط أحمر» لموسكو. وفي قمة افتراضية بين بوتين وبايدن جرت الأسبوع الماضي، حذّر الرئيس الأميركي من «عواقب وخيمة» إذا غزت روسيا أوكرانيا، لكنه وعد بإجراء مشاورات لمعالجة المخاوف الروسية، مكرّراً في الوقت نفسه موقف أمين عام الحلف، ينس ستولتنبرغ، رفض أن يكون لروسيا أي دور في تحديد مَن ينضم إلى «ناتو».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.